استيقظت أروي بتثاؤب على صوت طرقات الباب الخفيفة. نهضت من على فراشها بتثاقل متأففة بضجر. -مين دا اللي بيدق الصبح بدري كدا؟ فتحت أروي الباب وفي تفتح عينيها بتثاقل، لكنها فزعت حينما رأت ذلك البغيظ. حاولت اغلاق الباب مرة أخرى، لكنها باءت بالفشل. وضع يده الغليظة التي تتسم بالسمنة على الباب ودفعها للداخل، داخلاً خلفها بسرعة وأغلق الباب خلفه مرة أخرى خشية من أن يراه أحد. اردفت أروي برعب وهي تحاول القيام من على الأرض.
-امشي اطلع برا بدل ما أصوت وألم عليك الناس. ضحك فظهرت أسنانه البنية من كثرة شربه للشاي والتبغ، هاتفاً بسخرية. -إيه يا طاهرة.. ما الرجالة طالعة نازلة في نصاص الليالي وآخرهم اتنين كانوا من كام يوم.. جات عليا أنا يعني.. ولا انتي مابتقبليش غير الصنف الغالي.. أنا معا.... قاطعته صفعة قوية بحرقة وألم. -أيطعنني في شرفي ذلك البغيظ! -اخرررررس حيووووان.. أنا اشرف منك والحارة كلها. -طبعاً طبعاً انتي راح تقوليلي.
ثم اقترب منها بخبث. -ما تخليني أجرب اللي جربوه. فركضت بسرعة في أنحاء الصالة تبحث عن أي شيء تهدده به، حتى وقعت عيناها على مطفأة سجائر عتيقة موضوعة على طاولة الاستضافة. التقطتها بسرعة رافعة إياها بتهديد. -لو قربت مني راح اقتلك. -جرى إيه يابت انتي مش لاقية اللي يلمك ولا إيه. ثم ضحك بسخرية مما أثار اشمئزازها منه أكثر. -لا وآية أمك العقربة بتتقل عليا وعاوزاني اتجوزك ومافيش كتب كتاب ولا دخله إلا لما تتمي 18 سنة.
-لم نفسك يا راجل إنت.. أنا اشرف من الشرف. -همممم مصدقك يا طاهرة.. وبالنسبة للشحطين اللي طالعين من بيتكم في الفجر دول.. حتى اختك مش عتقاها يا فاجرة. -اخرررررس.. أنا مستحيل اسمحلك تهيني أكتر من كدا.. قطع لسانك إنت واللي يفكر إنه يغلط في شرفي. -أووووومال.. شرفك دا اللي أنا راح أتأكد منه دلوقتي.. ما أنا مايرضينيش برضو تبقي في حارتي وأنا المعلم ومش عارف إذا كنتي شريفة وإلا لأ.
صفعته بحرقة على وجهه صارخة بألم يقتحم ضلوعها ليمزق قلبها من الداخل. -امشي اطلعععععع براااااااا. جحظت عيناه واختفت ضحكته الخبيثة، ناظراً إليها بغضب شديد. ثم جذبها من خصلاتها هاتفاً بصوت غاضب وهو يجرها خلفه. -بقيت حتة عيلة معفنة زيك تمد إيدها على المعلم إسماعيل.. أنا راح أعرفك إزاي تمد إيدك على المعلم إسماعيل معلم الحارة دي كلها.
ثم جذبها من خصلاتها خلفه إلى خارج الشقة الصغيرة التي تقطن بها تحت صراخها وتوسلها بأن يتركها وشأنها. وصراخ تلك الصغيرة المسكينة التي تمسك بلابيب عباءة شقيقتها لكي لا يأخذها. فدفعها الآخر بعنف على الأرض وأخذ أروي ساحباً إياها خلفه بعنف وهو يقذفها بأبشع الألفاظ حتى وصل بها إلى ساحة الحارة. ثم دفعها على الأرض بقوة وعنف راكلاً إياها بقدمه في معدتها بعنف. ثم رفع رأسه للأعلى ناظراً إلى تلك السيدات اللاتي ينظرن من نوافذ بيوتهن، يشتهين لرؤية المعارك وفضائح الآخرين.
صرخ بأعلى صوته وهو يشير إلى تلك المسكينة الملقية على الأرض تبكي بمرارة وهو يقذفها بأبشع الألفاظ وأقذر الاتهامات الكاذبة.
-الفاجرة دي من يومين جيه واحد من رجالتى وقالي إنه في الفجرية طلع من شقتهم راجلين طول بعرض. لا ومش بس كدا دول كمان ركبوا عربية فخمة من بتاعت البهوات الكبار. أنا ماصدقتش وقولت لا يمكن بنت فتحية تعمل كدا.. دا خطيبتي وفرحنا بعد كام شهر. ورنيت الواد حمادة علقة على الكلام اللي جيه وصلهولي. بس الشيطان وسوسني لما شفتها امبارح طالعة في الخفي هيا واختها وركبوا تاكسي وراحوا عند فيلل البهوات وقعدوااا سااااعاتتتت ورجعوا في عربية كبيرة من عربيات البهوات برضو. مسكت نفسي بالعافية وقولت بكرا الصبح أروح أكلمها وكل واحد يروح لحاله. ماينفعش الوساخة دي إحنا في حارة نضيفة وإلا إيه يا رجااااالة.
فرد أحدهم من وسط كم الناس الذي التفت حوله من نساء ورجال. -عداااك العييييييب يا معلمممممم.. ستات مالهاش راجل بصحيح. فأكمل الأخير كذبته القذرة وهو يتصنع الطيبة. -قوم بعد لما صليت الفجر ألاقي راجل تاني طالع من العمارة.. يرضيكم الكلام دا يا رجاااالة. فرد الجميع. -لا طبعاً مايرضيناااش. فأكمل حديثه وكأنه فاعل الخير في رواية أحدهم.
-طلعتلها على شقتها عشان أقولها الكلام دا. ياينفعش يا آنسة أروي إحنا في حارة محترمة. قوم تكلمني بسهوكة وقلة أدب. ولما مارضيتش أجي معاها صوتت عشان تلم عليا الناس وتطلعني أنا بفضيحة. يرضيكم يا رجاااالة. فرد الجميع. -خير ما عملت يا معلم. فردت إحداهن بتشفٍّ. -جات تفضحك قوم ربنا فضحها يا معلم. فرد إسماعيل وهو ينظر إليها بخبث وقد نجحت خطته. -واللي زي دي حكمها إيه يا جدعان. -نرجموها حد لما تموت يا معلم.
وكاد أن يرجمها الجميع بما تحتويه الأرض من طوب سواء أكان صغيراً أو كبيراً، ولكن أوقفهم إسماعيل بإشارة من يده. -ماحدش يرجم حاجة.. إحنا نسيب النسوان تتعامل معاها. ثم هجم عليها كم ليس بقليل من النساء يضربونها بغل وحقد، وأخرى باشمئزاز من قذارتها -التي يعتقدونها
-تحت صراخها واستنجادها بوالدتها بألم من كثرة الظلم والقذف والتشهير بها، من ضعفها وضعف موقفها ليس لديها من يدافع عنها ولا من يقف في ظهرها مسانداً لها من بطش الآخرين. *** استيقظت تلك البطلة الكئيبة -كما يقال -من نومتها فزعة، فقد فاتتها صلاة الفجر ويبدو أنها تستفوتها الضحى أيضاً. ولكن ما أن وقفت على قدميها حتى شعرت وكأن الأرض تدور بها، فجلست مرة أخرى. أخذت تستنشق أنفاسها بصعوبة. شهيق.. زفير.. شهيق.. زفير.. شهيق.. زفير..
حتى شعرت فجأة بألم حاد في معدتها، فركضت سريعاً اتجاه المرحاض تستفرغ ما في جوفها. اللعنة.. الألم يسيطر على جميع أنحاء جسدها. رأسها يصاحبه صداع، بطنها تصاحبها ألم الاستفراغ، عظامها تشعر وكأنها مرهقة كمن كانت تحرث أرضاً زراعية بفأس يصل وزنه إلى ثلاثة، أربعة كيلوغرامات. جلست على أرضية المرحاض تستريح لتعاود مسيرة الاستفراغ مرة أخرى. فجلس بجانبها الأدهم بتعب، فيبدو أنه استيقظ على أصواتها المتألمة من الاستفراغ.
-مالك يا حبيبتي في إيه. -تعبانة أوي يا أدهم. -أطلبلك الدكتور طيب. -لاء. -طب في دوا معين بتاخديه. -لاء. -أومال؟ -شكلي كدا داخلة على دور برد جامد. -ربنا يستر.. قومي خدي شاور واتوضي لحد أما أعملك حاجة سخنة تشربيها. -حاضر. ثم نهضت بتثاقل لتأخذ حماماً سريعاً يعيد لديها حيويتها، بينما ذهب الأدهم كي يعد لها كوباً من الأعشاب دافئ يعيد لديها طاقتها المفقودة. *** قاطعها محمد صارخاً. -موت بابااااا كان مدبر....
صمتت سعاد لوهلة تستوعب ما تفوه به الأخير من كلمات قليلة ولكن حقاً لازعة تكاد أن تفقدها توازنها مع استمرار رنين هاتفها النقال. هتفت سعاد بضعف. -إزاي! -فتحية الخدامة غيرتله الدوا من غير ما تحسي. نظرت إليه بألم وانسالت دموعها في صمت، ثم خرّت جالسة على أقرب مقعد بهدوء دون أي كلمة. اقترب منها محمد بخوف من رد فعلها هذه هاتفاً بحذر. -ماما.. أنا عارف إنه الكم اللي انتي اتلقيتيه الفترة الأخيرة مش هين.. عشان كدا كنت مخبي عنك.
-يعني أبوك كان ممكن يقعد معانا أشوية كمان نشبع منه بس فتحية سرقته واستخسرت فينا الفرحة؟ -استعيذي بالله من الشيطان الرجيم يا أمي.. دا عمره.. لكل أجلٍ كتاب. -بس أحمد كان ممكن يقعد معانا أشوية لو فتحية ماسرقتوش يا محمد. احتضنتها محمد بهدوء هاتفاً. -استهدي بالله يا ماما انتي أقوى من كدا بكتير.. أنا عايزك تقوي عشان تقويني نرجع حقنا.. مش تضعفي يا أمي.. أنا مش عايز طهري ينحني أكتر من كدا كفايا موت بابا.
هتف جملته الأخيرة بعين دامعة وغصة مريرة في حلقه تتحداه على البكاء. فنظرت سعاد إلى عيني ابنها بجمود مكففة دموعها بأناملها. ثم كففت دموع صغيرها هاتفة بقوة وصرامة. -أنا مخلفة راجل مايعرفش يعني إيه دموع.. الدموع دي للحريم بس. نظر إليها محمد باستغراب من تحولها المفاجئ، فأكملت. -كمل طريقك ورجع حق أبوك بس بما يرضي الله.. عشان لما تقابله في الجنة تقوله أنا ماسبتش حقك يا بابا.
هتف محمد بصوت مبحوح حق فراق أبيه لم يكن هين، فعقله مازال لا يريد استيعاب فكرة موته. -حاضر يا أمي.. أوعدك. احتضنته سعاد بهدوء تحاول منع البكاء هي الأخرى، فيكفي بكاء إلى هنا، فقد حان وقت الانتقام. ولكن هاتفها المزعج لم يكف عن الرنين. ابتعد عنها محمد جالساً في مقابلها على الفراش هاتفاً باستغراب. -مين يا ماما اللي بيرن عليكي من الصبح بدري كدا. -مش عارفة رقم غريب التروكولر كاتب "محمود الصعيدي".
-ردي طيب يا ماما ممكن يكون رغدة حصل معاها حاجة. -أنا إزاي مافكرتش في كدا. -افتحي السبيكر. ضغطت سعاد على رز الاستجابة بأصابع مرتعشة، ثم رز مكبر الصوت. -السلام عليكم. فأتاها صوت تلك الصغيرة المرتجف الخائف تتحدث بصوت يملؤه الصراخ والفزع علاوة على البكاء والشقيقات المتقطعة التي كانت كفيلة بأن تجعلهما يهبان من مجلسهما بفزع. -ست هاااانم.. الحقينا يا ست هااانم.. راح يموتوا أروي يا ست هااااانم.
-أهدي بس يابنتي فهيميني إيه اللي بيحصل. -المعلم إسماعيل جيه في الفجر.. اتخانق مع أروي وشدها من شعرها.. من شعرها يا ست هانم وخلي.. خلي كل الستات اللي في الحارة يتلموا عليها.. راح تموت.. الحقيها أبوس إيديكي. -خليكي عندك مستخبية وأنا جاي فوراً.. ما تطلعيش غير لما تسمعي صوت العربيات. ثم تركهم وتحرك سريعاً كي ينجد تلك المراهقة التي كتب عليها الشقاء وأخذ معهم كم كافي من حراسته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!