وقفت أمام المرآة تناظر وجهها الذي لم يعد ينتمي إليها، بل صار كقناع دميم منفر. لم تر شيئاً من جمالها الماضي سوى عيناها الفيروزية التي صارت جامدة من هول الصدمات. تذكرت كلمات صديقتها الوحيدة التي كشفت السنوات عن معدنها الأصيل؛ لم تتخل عنها مثلما فعل الأقربون، بل ظلت جوارها. لقد أخبرتها بحل مناسب لمأساتها قائلة: "عليك بارتداء النقاب يا قمر." قمر بتعجب: "نقاب؟! علياء:
"أجل. أنتِ لست مشوهة حبيبتي، بل عليك أن تخفي وجهك لكي تحميه من تشوه المجتمع ونفوس البشر المريضة." ترددت قمر قبل أن تقول بخوف: "لكن... علياء: "لكن ماذا؟ تحدثي دون تردد." قمر: "ألا ترين أنني متبرجة يا علياء؟ هل أرتدي النقاب إرضاءً للبشر وأنا من قبل لم أفكر في إرضاء الله." علياء بحب: "خالقنا رحيم يا صديقتي، أما البشر فلا رحمة لديهم. وأنت تبحثين عن عمل، ولا أجد حلاً سوى ذلك."
ابتسمت قمر واقتنعت بما قالت، فالحقيقة واضحة. عليها أن تخفي تشوهها عن الأعين، علها تحيا دون ألم جديد. ................................. كانت خطواتها متوترة وغير محسوبة، لكنها تمتلك بداخلها يقيناً أن نهاية الطريق قد أوشكت على الانتهاء. لذا حاولت إعطاء نفسها مزيداً من الثقة لاستكمال الطريق الذي بدأته منذ ثلاث سنوات. وقفت أمام الطبيب الذي نظر إليها بتقييم قبل أن يتحدث إليها باقتضاب قائلاً:
"أعتذر منكِ، لقد تم تعيين أخرى قبل لحظات." رغماً عنها أدمعت عيناها واختنق صوتها، وقد أيقنت أن الحياة تغلق أبوابها بوجهها مجدداً. تمتمت بصوت كسير أبى أن يصمد أمام تلك العواصف المتكررة: "لا بأس سيدي، فأنا أعلم أن الأولوية لحسن المظهر وجمال الشكل، ولا دخل للمؤهل ولا الكفاءة." لم يجد رداً مناسباً، لكنه لن يغامر بتعيين فتاة مشوهة إلى تلك الدرجة بعيادته ويتسبب في إيذاء مرضاه. لذا تنحنح بحرج، منهياً اللقاء قائلاً:
"تشرفت بقدومك آنستي." ابتعدت عن مجلسه وعن المكان، ووقفت أسفل البناية بجانب عمود للإنارة تحتمي به من ظلام تفشى بمجتمعنا، فصار سواده قاسياً وغابت عنه شمسه وقمره. صار مجتمعاً زائفاً يطفو فوق سمائه سحب النفاق والمظاهر الخادعة، وتنبت بين أحضان تربته تنمر لكل من يحمل بهيئته اختلافاً.
تعرضت قمر منذ سبع سنوات لحادث سيارة فقدت على أثره جمالها الخلاب الذي رزقها الله به منذ الصغر، وحرمها منه طيش ورعونة من شاب وهبه والده سيارة باهظة الثمن ضخمة الهيكل، دهس تحت عجلاتها تلك الفتاة فشوه وجهها وأضاع مستقبلاً كان يلوح في الأفق ينتظرها بلهفة.
لتكتشف قمر منذ تلك اللحظة أن المحيطين بها نفوسهم أكثر تشوهاً من وجهها، بل أن الكثيرين قد سقطت عن وجوههم أقنعةً أجادوا تصنعها سنوات مضت. وبعد دخولها في قلب العاصفة، تركوها وحيدة، ولم يشأ أحدهم أن يمد إليها يداً. انتحبت بشدة، فكتمت شهقاتها بكف يدها، فهو الأقرب إليها الآن. وحاولت التقدم قليلاً علها تصل إلى مسكنها فتستكين بداخلها.
قربت من مشيتها إحدى سيارات الشرطة، فأسرعت قمر قليلاً خوفاً من هيئة السيارة، فما أصعبه من شعور أن تتعرض لظلم دائم دون ذنب تعلمه؛ تصبح مفتقداً للثقة، خائفاً من كافة الأشياء، تتمنى أن تبتعد فقط وتحتمي بداخلك من العالم وما فيه. وهي الآن تخشى اقتراب سيارة الشرطة رغم يقينها أنها نقية ولم تقترف إثماً من قبل، إلا أن الواقع من حولها يحملها إثماً كبيراً. توقفت سيارة الشرطة، فتوقفت قمر بدورها وعجزت عن المضي قدماً.
اقترب منها ضابط الشرطة قائلاً بقسوة: "أنتِ؛ لمَ تسرعين هكذا؟ هل هناك ما تخشينه وتحاولين الهروب منه؟ نظرت إليه بألم لن يدركه هو، فمن لم يتعرض للظلم لا يستشفه بقلوب حامليه، لذا أجابته بخفوت: "لا سيدي، أنا لم أفعل ما أخشاه، لكن والدتي مريضة وهي وحيدة بالبيت، لذا أسرع بمشيتي كي أصل إليها." الضابط متهكماً: "أعطني بطاقتك."
مدت قمر يدها إليه برهبة جعلت يدها ترتعش، لتقع البطاقة من يدها، فيبتسم الضابط ساخراً وينحني أحد العساكر المصاحبين له قائلاً: "تفضل سيادتك." أومأ الضابط برأسه. وازداد القهر بداخلها، ولكن عليها الصمود ليس إلا. تحدث الضابط رافضاً لهيئتها بالبطاقة والتي تخالف تماماً هيئتها الحالية قائلاً: "ما هذا؟ بالتأكيد هذه ليست أنتِ، يبدو أن وراءك شيئاً مريباً." تحدث إلى مرافقه قائلاً:
"أحضرها يا عيسى، فمنذ البداية استشعرت الإجرام بملامحها." مر جوارهم رجل وسيم حسن الطلة وبيده طفلة صغيرة لم تتجاوز الخامسة، يبتسم إليها بود. نظر بطرف عينه إلى سيارة الشرطة وتلك الفتاة التي بدت له مألوفة، فساقته قدماه رغماً عنه، وربما قلبه من فعل، لينظر عن كثب إليها ليجد أنها قمر.
(قمره الذي انطفأ، خطيبته في الماضي وحبيبته التي تخلى عنها بعد تلك الحادثة رغماً عنه كما يدعي إرضاءً لوالدته والمحيطين به الذين تكدسوا في الوقوف بوجهه كي لا يتمم زواجه منها، وهو بدوره استجاب لمطلبهم الذي وافق هوى نفسه البشرية التي تميل بطبعها إلى التخلي.)
لم تلحظ قمر اقترابه، فهي الآن تائهة، لا تصدق ما يحدث. لقد كانت في السنة النهائية بكلية الصيدلة، وحيدة والديها. تمت خطبتها لمن اختاره القلب، واستمرت خطبتهما عامان كانا نعيماً لا تشوبه شائبة، وانتهى ذاك النعيم بعدما غاب جمالها وصار قمرها المتلألئ غارقاً وسط خسوف قاسٍ. انتشلها من بين أنياب الماضي الضارية صوته الذي كانت تعشقه فيما مضى، وأصبح يؤلمها همسه الآن قائلاً: "قمر! كيف حالك؟ قاطعه الشرطي بتعجب:
"وما شأنك أنت الآخر؟ هل تعرفها؟ تحدث جاسر بثبات: "أجل سيدي، أعرفها، فهي... توقف جاسر وهربت من بين شفتيه الكلمات، ونظر إلى قمر معتذراً، فباغتته هي بقولها: "أنا لا أعرفه، أرجو من سيادتك التوجه إلى المغفر كي تنتهي التحقيقات معي وأعود إلى والدتي."
بدأ الشرطي في الهدوء قليلاً، فقد تعاطف معها ولا يعلم السبب، فأمعن النظر إليها ثانية ودقق بالصورة التي بين يديه، ليلحظ عيناها التي يصعب أن تتشابه مع أخرى، فهي كسماء زرقاء بها غيوم من حزن دفين. تحدث بترقب إلى جاسر، متجاهلاً رفض ونفي قمر لمعرفته بها قائلاً: "إذاً ما اسمها؟ أجابها جاسر بحنين: "قمر عبد الرحمن القادري." نظر إليه الضابط بتعجب، ثم أعطاها بطاقتها قائلاً باعتذار:
"استميحكِ عذراً آنستي، فما نراه يومياً يجعلنا فاقدي الثقة بالجميع." أذن لها الشرطي بالانصراف، هرولت مسرعة تجاهد ألا تنهار، تستجدي من قلبها التوقف عن النحيب، فقد انتهى وقت الاشتياق. لحق بها جاسر مسرعاً يناديها باسمها الذي طالما تغزل به وبها سنوات، وتصم هي أذنيها كي لا تستمع إليه. لحق بها واستوقفها ممسكاً بيدها، لكنها نفضت يده عنها بقسوة وكره، صارخة بوجهه بقوة تضاهي قوة غدره بها وتخليه عنها قائلة: "تباً لك!
إياك أن تلمسني مجدداً أيها البائس." جاسر بحزن: "اشتقت إليكِ كثيراً ياقمري." قهقهت قمر بقهر وتحدثت بدموع صارت صديقاً وفياً يأبى الهجر قائلة: "قمرك المشوه، أليست تلك آخر كلمات بيننا. ألم تقف تستمع إلى كلمات والدتك وهي تنتفني بأبشع الألفاظ واختفيت في عقبها. لقد تركتني بالمشفى وذهبت، تركتني وحيدة خائفة يحيطني اليأس ويطاردني شبح الموت." جاسر: "كنت مجبراً." قمر:
"بل كنت كاذباً. لو أنك تعلم للرجولة والوفاء معنى لما خدعتني. لقد وثقت بك من بين الجميع، لم أستمع إلى أحد، بل اكتفيت بما تقول، وفي النهاية خذلتني. لم يمضِ على فراقنا أكثر من شهر واحد وتقدمت إلى أخرى وتزوجت بها. أنا أكرهك، أبغض رؤيتك يا جاسر." جاسر: "لقد تطلقت أنا وهي، ولم يعد بيننا سوى طفلتي، ماسة." ابتسم محاولاً استمالتها: "ألم نكن نحلم أن تكون أولى فتياتنا ماسة." قمر بنفور:
"كنت بلهاء، لم أعد أحلم. أرجو منك أن تبتعد عن دربي فأنا أتألم عندما أراك." جاسر: "أنا مازلت أحبك، أعطني فرصة ثانية، سوف نتزوج." اقترب منها بشدة فتراجعت للخلف، لكنه لم ييأس واستمر بقربه قائلاً بثقة: "لقد ورثت عن أبي الكثير، سوف نبحث عن طبيب تجميل ماهر يعيد إليكِ جمالك السابق، فقط أعطني فرصة أخيرة." أدارت وجهها عنه وتحدثت بصوت كسير:
"ربما يتمكن الطبيب من تجميل وجهي المشوه، لكن محال أن يجمل ما بداخلي من انهيار. لقد دمرتني." تركته وعادت إلى بيتها، تسللت بحذر إلى غرفتها بعدما اطمأنت على والدتها ونامت نوماً أشبه بالغيبوبة تهرب من نفسها ومن العالم بأسره. ................................. في الصباح الباكر جلس يامن يستمع إلى والدته بحب واهتمام، يبتسم تارةً ويدعي الغضب تارةً أخرى، إلى أن هتفت به مستنكرة: "أرى أنك تعاملني كما تعامل الأطفال." يامن:
"أولستِ طفلتي؟ ابتسمت والدته قائلة: "لا حرمني الله منك حبيبي، لكن قلبي لن يطمأن إلا بزواجك." يامن بهدوء: "عندما يأذن الله سوف أفعل. عليَ الانصراف الآن، وإن احتجت شيئاً مهما كان، هاتِفيني آتيك على الفور." قبل جبين والدته وغادر إلى عمله، فأمثاله لا وقت لديهم للراحة، فعراكهم مع الحياة لا ينتهي، وإن انتهى فمعناه موت محقق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!