استيقظت متعبة لا تدري ما الحل لما حل بها. هل ستقضي باقي أيامها تبكي دون أمل يداعب شفتيها فيجبرها على الابتسام؟ لقد ازداد الألم ولم تعد قادرة على الاستمرار. هل تنهي حياتها وتحظى بنهاية لتلك المعاناة؟ ولكن والدتها؛ كيف تتركها بلا سند ولا داعم؟
تنهدت بيأس إلى أن استمعت إلى دقات خفيفة مرحة تعلمها يقيناً. لقد أتت ملاذها الوحيد الذي تبقى من بين كثيرين كانت ترى بوجوههم ود وصداقة كاذبة تبخرت مع أول الغيمات التي سقطت فوق أرضها، فهرولوا جميعاً باحثين عن مكان وأرض جديدة، بينما وقفت علياء بثبات تؤازرها وتزود عنها دون خوف أو ملل. احتضنتها صديقتها بمرح قائلة: أيتها القاسية، لقد تجمدت أطرافي وأنا واقفة بالخارج. كيف طاوعك قلبك على تركي خارجاً؟ نظرت
إليها قمر بتعجب قائلة: حبيبتي، لم يمضِ على وصولك إلا بضع دقائق. هل تعتقدين أنني واقفة خلف الباب وعندما تأتين أهرول إليكِ؟ علياء متصنعة الحزن: ولمَ لا؟ أولست شخصاً ذا شأن ومكانة في المجتمع؟ قهقهت قمر على هيأتها وجدالها اليومي الذي لا ينتهي. جذبت يدها وأدخلتها إلى السكن لتغلق الباب من خلفهما. تساءلت علياء بترقب: هل تناولت فطورك؟ قمر: ليس بعد. علياء:
حسناً فعلتِ. لقد أحضرت لفائف الفول الساخنة لي ولكما. عليكِ فقط إعداد بعض الشاي ريثما أذهب إلى سميحة الكسولة. دفعتها قمر برقة وحب قائلة: تأدبي يا فتاة، أمي ليست كسولة. تحركت علياء تجاه الغرفة قائلة: لا شأن لكِ فيما بيننا، نحن صديقتان. أسرعي أنتِ وحضري لنا الشاي. ***
وضع جاسر رأسه بين كفيه. لم ينم منذ الأمس، يدور برأسه حديثها معه، دموعها التي تعاتبه وتخبره عن كم الألم الذي تسبب لها به. كلمات الرفض والنفور التي لم يشأ سماعها فغادر مسرعاً. لقد تخلى، لكن قلبه لم يخلُ من عشقها. نادماً هو أشد الندم، لكن يبدو أن وقت الندم قد فات. نهر نفسه سريعا، فهو لن ييأس بتلك السهولة. سوف يسعى لاستمالتها مرة ثانية، وفرصته مازالت سانحة، فهي لم ولن ترتبط بسواه.
ابتسم بارتياح، فقد بدأ الأمل يراوده مجدداً. سوف يساعدها على استعادة جمالها القديم ويحيا بقربها، وتساعده على تربية طفلته، فهو لن يجد قلباً أنقى من قلب قمر. توجه إلى حمامه الخاص وألقى بهمومه مع قطرات الماء المنهمرة فوق جسده، محاولاً التفكير في خطوته القادمة. التقى بوالدته فأشاح بوجهه وألقى التحية على والده وطفلته ماسة. تحدثت والدته بغضب قائلة: إلى متى ستظل هكذا؟ هل تعاقبني على خوفي عليك؟ جاسر بهدوء:
لا أعاقبك، فأنت لم تجبرينني على الغدر بمن سلمت لي القلب والروح، بل أنا الملام وها أنا أدفع الثمن غالياً. زوجة أذاقتني من الهم والحقد والنفور مالم أتوقع، وبالأخير تطلقت مني وتخلت عن طفلتها. والدته: وهل انتهى العالم من النسوة؟ أزوجك غيرها إن شئت. جاسر: لم ولن أفعل. عليك أن تعلمي أن زوجتي لن تكن سوى قمر، وإن لم أستطع الزواج بها فلن أتزوج ما حييت.
لم يستمع جاسر إلى حديث والدته واعتراضها القوي، بل استأذن من والده وغادر إلى شركته، تاركاً والديه يتبادلان الاتهامات. *** انتهى يامن من مراجعة الحسابات قبل تسليمها إلى صاحب العمل. نظر إليه الرجل بامتنان قائلاً: بارك الله فيك يابني. هل استطعت اختيار من يساعدك هنا؟ يامن: ليس بعد. أنا في حاجة إلى شخص لديه خبرة مناسبة كي لا يأتي أحدهم ويسئ إلى مكانة الصيدلية بين الناس. ابتسم الرجل قائلاً:
أعلم أنك دقيق للغاية، طبيبنا الغالي. رحم الله خالك راجح، لقد كان مثالاً للدقة والالتزام. أومأ إليه يامن بحب قائلاً: أطال الله لنا في عمرك سيدي. الرجل برفض: أخبرتك مراراً ألا تقل سيدي. أنت لي ابناً يا يامن، وخالك كان لي بمكانة الأخ. نظر إليه يامن بامتنان ولم يعقب. وماذا يقول؟
وكلمات الشكر تعجز عن إيفاءه حقه. فهذا الرجل كان سنداً ليامن بعد هروبه ولجوئه إليه. ساعده على استكمال دراسته بكلية الصيدلة وأولاه شؤون العمل لديه. ربما يكمن الخير بشر كنا نراه هلاكاً محققاً. *** ابتسمت قمر بخجل وتوتر إلى صاحب العقار الذي أتاها للمرة الثانية طالباً حقه فيما تراكم عليها من أموال استحقت الدفع. تحدث الرجل بطيبة تشوبها حزن على نفسه وعلى حال قمر قائلاً:
يعلم الله أنني لا أود الضغط عليك بنيتي، لكن الحياة صارت جحيماً يصعب على أمثالنا احتماله. فخالتك سعاد تحتاج شهرياً إلى علاجات باهظة وراتبي لا يكاد يكفينا. تحدثت قمر باختناق: أعلم وأعتذر. بالمساء سوف أجلب لك الإيجار كاملاً إذا شاء المولى. ابتسم إليها وغادر بخطوات مسرعة، فهو على يقين أن ما تعانيه تلك الفتاة لا يقل سوءاً عن حاله، ولكن ما بيده حيلة أخرى.
ارتدت قمر ملابسها وخلعت ذاك السوار الذي لم يبق لها سواه. الذكرى الأخيرة من والدها، هدية أحضرها لها قبيل وفاته بقليل. ولكن عليها التخلي عنها كي تضمن سكناً يأويها هي ووالدتها بضعة أشهر، ربما يأتي يوم وتجد فرصة عمل مناسبة. انقضى يومان آخران بحثت خلالهما قمر باستماتة ليل نهار عن فرصة تحيا من خلالها، لكن فرصتها تشوهت بتشوهها.
وقفت أمام المرآة تناظر وجهها الذي لم يعد ينتمي إليها، بل صار كقناع دميم منفر. لم تر شيئاً من جمالها الماضي سوى عيناها الفيروزية التي صارت جامدة من هول الصدمات. تذكرت كلمات صديقتها الوحيدة. لقد أخبرتها بحل مناسب لمأساتها قائلة: عليكِ بارتداء النقاب يا قمر. قمر بتعجب: نقاب! علياء: أجل. أنتِ لستِ مشوهة حبيبتي، بل عليك أن تخفي وجهك لكي تحميه من تشوه المجتمع ونفوس البشر المريضة. قمر: لكن... علياء: لكن ماذا؟ قمر:
ألا ترين أنني متبرجة يا علياء؟ هل ارتدي النقاب إرضاء للبشر وأنا من قبل لم أفكر في إرضاء الله؟ علياء بحب: لا تقلقي، فخالقنا رحيم يا صديقتي. أما البشر فلا رحمة لديهم، وأنتِ تبحثين عن عمل، ولا أجد حلاً سوى ذلك. ابتسمت قمر واقتنعت بما قالت، فالحقيقة واضحة. عليها أن تخفي تشوهها عن الأعين علها تحيا دون ألم جديد.
بالصباح نظرت إلى حالها الجديد بسعادة لم تتخيلها. لقد اختفت من أمام عينيها صورتها التي تؤرقها. لم يبق واضحاً من ملامحها سوى عينيها. توجهت بخطى واثقة تناقض خطواتها في السنوات الماضية، تستشعر نسيم الهواء عليلاً منعشاً وكأنها لم تلتق به منذ دهور. توقفت أمام إحدى الصيدليات وسط بنايات شعبية. توجهت إلى الداخل تتحدث بصوت أشبه بالهمس قائلة: السلام عليكم سيدي. هل مازلتم ترغبون في توظيف مساعدة هنا؟
نظر إليها يامن بتقييم وانتابه القلق من هيأتها، فهو مطلقاً لم يتعامل مع منتقبة ويرى أنهن غامضات إلى حد ينبغي معه الحذر. بينما نظرت هي بتوجس إلى يامن، فملامحه جادة إلى حد يثير الرهبة بالنفس. مدت يدها تلقائياً راغبة في التعارف، فنظر إليها شزراً قائلاً: أليس من المفترض أنكِ منتقبة؟ أم أنه ستار ليس إلا؟
أغمضت قمر عينيها واستشعرت حرجاً لم تعهده من قبل واستدارت بجسدها تود الهرب قبل أن تخونها عبراتها المتراكمة، فاستوقفها بجدية مخيفة قائلاً: انتظري. توقفت قمر ومازالت توليه ظهرها. تحدث بعملية متسائلاً: هل عملتِ في صيدليات أو شركات طبية من قبل؟ أجابته بخفوت: لا. استشعر هو حاجتها للعمل، فهدأت ثورته قليلاً وطلب منها الملف الذي تحتضنه بين يديها. نظر إلى صورتها بالبطاقة وحدث نفسه قائلاً:
لقد فهمت الآن سبب ارتداؤها للنقاب، يا إلهي، إنها فاتنة. لعن نفسه ناهراً إياها، فهو ومنذ سنوات ابتعد تماماً عن النسوة ودربهن، بل ابتعد عن الحياة إلا من عمله واهتمامه بوالدته. أعاد النظر إلى صورتها مرة ثانية وكأنه يتبين من ملامحها ما يمكنه من فهم شخصيتها. شعر بالارتياح قليلاً ولفت انتباهه انسدال شعرها واستنتج أنها تحجبت مؤخراً.
لم يعط يامن اهتماماً لملابسها التي ترتديها الآن ولا لملابسها السابقة، فهو شخص عملي لا يلق بالاً لتلك المظاهر الخادعة التي يعلمها يقيناً وقضى بين أحضانها سنوات عدة. بينما كانت قمر تضم قبضة يدها بتوتر تخشى ألا يوافق على توظيفها أو يطلب منها رفع النقاب عن وجهها. انتابها خوف شرس، فهي لن توافق على رؤيته لوجهها مهما حدث.
تعجب يامن من مؤهلها الدراسي، فهي لم تكمل عامها الأخير بكلية الصيدلة رغم تفوقها الجلي في السنوات السابقة. دفعه الفضول ليسألها بترقب: هل تركتِ كلية الصيدلة بعامك الأخير؟ ولمَ؟ أومأت بحزن قائلة: لقد توفى والدي ولم أعد قادرة على متابعة دراستي، وهناك أسباب أخرى أود الاحتفاظ بها لنفسي إن أمكن. عاد يامن بالنظر إلى الأوراق ليستفسر: هل أنتِ متزوجة؟ قمر: لا، لست متزوجة. يامن:
حسناً. نحن بحاجة إلى مساعدة، ورغم أنكِ تفتقرين إلى الخبرة، إلى أنني سأمنحك فرصة لإثبات جديتك وإتقانك للعمل. سوف نبدأ غداً ولمدة شهر تدريباً مكثفاً، وعقب انتهاء فترة التدريب يتم تعيينك. هل اتفقنا؟ تحدثت بصوت يداعبه الأمل الوليد: اتفقنا. يامن: أنا يامن. قمر: حسناً دكتور يامن. تنحنح يامن بجدية قائلاً: غداً سأكون بانتظارك في تمام الثامنة. عليكِ ألا تتأخري، فالالتزام بموعد الحضور والانصراف من قواعد التعامل هنا.
أجابته بتأكيد: سأفعل سيدي. غداً قبل الموعد ستجدني أمامك. غادرت بسعادة من وجد ضالته المفقودة، وتضاعفت سعادتها لأن يامن سيتعامل معها بوجه قمر القديم، سوف يستحضر صورتها التي رآها بإثبات الشخصية. لن يرى وجهها المشوه ولن تلمح بعينيه نفوراً أو شفقة. وتمتم هو بحذر: أتمنى ألا أكون قد تسرعت بشأنها. ***
أمام البناية القاطنة بها انتظر جاسر عدة ساعات على أمل أن يراها، لكنه سأم من طول انتظاره فغادر غاضباً، غافلاً عنها وعن ثوبها الجديد الذي لم يتوقعه مطلقاً. انطلقت هي تعدو بلهفة كي تصل إلى والدتها وتقص عليها ما حدث، فمنذ زمن لم تنقل إليها من الأخبار ما يسر القلب. *** همَ يامن بالمغادرة، ولكن صوت والده جعله يتسمر محله. توقف قليلاً يحاول السيطرة على غضبه، بينما اقترب والده بثقة ترتقي حد الغرور والخيلاء المفرطة.
تحدث بلهجة آمرة: انتظر يا ولد. هل جننت؟ يامن: بالله عليك دعني وشأني. جمال: لن أتركك إلا عندما تعد إلى رشدك. أتترك نعيماً غيرك يهرول باحثاً عنه وتقضي سنوات عمرك هنا؟ بين جنبات البيوت الرطبة المتهالكة. يامن: تحدثنا مراراً وأخبرتك أنني محال أن أرجع كما كنت. نظر إليه جمال بقسوة قائلاً:
تعلم أن بإمكاني هدم الحارة بأكملها فوق رؤوس ساكنيها إن استمريت على عنادك، فلا تدفعني إلى إيذاء المحيطين بك وارجع إلى بيئتك التي تربيت بها، وحذاري يا يامن أن يصل غضبي منك إلى ذروته، وقتها سوف أتجاهل أنك من صلبي. أشار جمال إلى حارسه الشخصي، فاقترب منه مسرعاً مساعداً إياه على ركوب سيارته الفارهة، بينما تنهد يامن بيأس من والده وتجبره الذي يزداد ويقوى مع مرور السنوات.
وعاد بذاكرته إلى أطياف بعيدة يتمنى أن يهرب بعيداً عنها، لكنه لم يستطع. *** كانت قمر تقص على مسامع علياء عبر الهاتف ما حدث معها، وعلياء تبتسم بارتياح من أجل صديقتها. انتهت محادثتهما وتوجهت علياء لغرفة شقيقتها الصغرى، لكن زوجة والدها استوقفتها قائلة: هل انتهيت من محادثة صديقتك القبيحة؟ علياء: لا تنعتيها بذاك الاسم، فهي ليست قبيحة، بل بعض القلوب هي التي ترى القبح في جميع الوجوه. زوجة والدها:
آه منك ومن لسانك السليط. لا داعِ للكلام على أية حال، لقد تقدم رجل ميسور الحال للزواج من نسمة وأنا موافقة. علياء: وما شأنك أنتِ؟ كيف توافقين دون الرجوع إليَ وإليها؟ زوجة والدها: حسبي الله عليكِ يا عديمة الحياء. أولست في مقام والدتك؟ وقفت علياء بتحدي أمام زوجة والدها صارخة بوجهها أنها لن تدعها تدمر حياة شقيقتها كما فعلت معها من قبل، لكنها تحدثت إليها بقسوة وتأكيد:
حسناً يا علياء، إما أن توافقي أو تأخذي شقيقتك وتغادري بيتي بلا رجعة. علياء برفض: هذا بيت والدي. زوجة والدها: كان يا حبيبتي، لقد تنازل لي عنه قبيل وفاته. علياء بغضب: أنتِ كاذبة، والدي لا يفعل شيئاً كهذا. زوجة والدها: عليكِ إذاً أن تثبتي عكس ما أقول. أمامك يومان، راجعي نفسك واحسمي أمرك، إما أن تتزوج تلك البائسة من كفيل شقيقي وتسافر معه إلى الخليج، وإلا فلا مكان لكما هنا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!