لم يستمع إلى القلب عندما طلبت إليه نسيانك، رجوته أن يحاول لكنه انتحب رافضاً وأخبرني بأن نسيانك نهاية لمعنى الحياة. همس إليّ أنه لا يزال ينبض لأجلك وأنك عائد لا محالة، وانتظرتك حبيبي، وليتك لم تعد. غادر عثمان بعدما واجهته نسمة بحقيقة يعلمها يقيناً، ولكن قلبه العاشق لا يود الاعتراف بها، وكيف يقر بأنه قد تخلى وابتعد!
لو كان الأمر بيده، ولو عادت به السنوات لما تركها، لقد جاهد نفسه مراراً كي يبقى في هجرته، لكن اشتياقه غلبه. أتى إليها، ولكن تلك السدود التي شيدتها أيادي الهجر تقف حائلاً بينهما. اقترب بحذر من باب غرفتها ودقه بتعب. أجابته هي بخفوت: ما الذي تريده يا عثمان؟ ابتسم ساخراً من لفظها لاسمه بتلك الصورة التي تهلكه قائلاً: دعينا نتحدث قليلاً. علياء: ألديك إهانات جديدة لم تذكرها قبل قليل؟ أجابها بصدق:
اعتذر إليك، هيا اخرجي إليّ، أود رؤيتك. وقفت أمامه تناظره بحزن، فتحدث بتردد: أعلم أن اعتذاري لن يشفع لي، لكن عذري قد يشفع. علياء: حقاً، وما هو عذرك؟ عثمان بحب: أغار يا علياء، أغار بجنون منذ الأبد وإلى الأبد، أغار من نفسي عليك، فكيف لا أغار من سواي؟ أحترق بغيرتي ولا أحد يستشعر نيران قلبي سواي أنا. اخفضت ناظريها، أزاحت خصلات شعرها إلى الوراء، فناظرها عثمان بتعجب، فتحدثت بتوضيح قائلة: هل ترين تلك الندبة يا عثمان؟
أدمعت عيناه، فهو لم ير ذاك الجرح الغائر بوجهها من قبل. تساءل في ترقب: ما هذا؟! أجابته بهدوء وكأنها تسترجع ما حدث قائلة: تلك كانت هدية زواجي، صفعة تلقيتها ممن عقد قراني وصار زوجاً لي. تسارعت دقات قلبه وتبدلت ملامحه، ولم يقدر على استكمال حديثه، فابتسمت بحزن. لقد أخبرته زوجة والدي عقب عقد القران مباشرة أن القرط الذي أرتديه يعود إليك. أخبرته أننا تعاهدنا ألا أتخلى عن ذاك التذكار وأنني باقية على العهد.
دلف إليّ، واعتقدت أنذاك أنه قد أتى لمباركة عقد قراننا، فارتعدت خوفاً منه وحزناً عليه، فقد كنت أرى بنفسي خائنة. عثمان بتعجب: خائنة له؟! علياء: بالطبع، فقد تزوجته وروحي بين يديك أنت، ارتبطت به وأنا لا أرى سواك، وتلك خيانة. أغمض عثمان عيناه محاولاً الصمود أمام اتهامها الصامت، فتحدثت بصوت جريح قائلة: وقفت أمامه أحاول الابتسام بوجهه كي لا يستشعر نفوري منه، فباغتني بصفعة لم ولن أنساها ما حييت. استكملت بجدية قاتلة:
لقد أطاح بي ولم أدر ما حدث، أصابني ارتجاج وبقيت في المشفى أيام، أيام أحاول استيعاب ما حدث ولمَ حدث، لمَ صفعني. ألم يكفه صفعات الحياة المتتالية؟ واجهته بعدما استعدت بعضاً من الوعي، فأخبرني أنه رجل لا يقبل شريكاً له في زوجته، طلقني في المشفى يا عثمان. أتدري، إلى الآن، أنا ألتمس له العذر فيما فعل، أما أنت فلا، لم ألتمس لك عذراً ولن أفعل بعد الآن.
انتظرت دقائق تتمنى أن يلومها، يعاتبها، يصرخ بوجهها، يطمئنها، يبثها الأمان ويخبرها أنه لن يبتعد، لكنه لم يتزحزح عن صمته. ناظرته بخيبة أمل، فابتسم ساخراً وتخلى عن صمته قائلاً: كيف حالك يا قمر، هل تشعرين ببعض التحسن؟ أدارت وجهها بعيداً عن نظراته المترقبة وأجابته بثبات زائف: أنا بخير، لا تهتم. يامن: أنا لا أهتم، ولكن وجودك هنا يرجع إلى والدي، لذا فأنا أرى نفسي مسؤولاً عما أصابك. قمر بتعجب: والدك! وما شأنه؟! يامن:
فيما بعد أقص عليك ما حدث، الآن أود منك إخباري عما حدث، هل تسبب أحد السجناء في إيذائك؟ قمر بغضب: هل تتصرف على هذا النحو دائماً؟ يامن بتركيز: وكيف أتصرف؟ قمر: تتصرف ببرود، أنت لا تحتمل. قهقه يامن قائلاً: هل اكتسبت بعض الوقاحة من السجن أم يخيل إليّ؟ قمر بدموع: عليك الخروج الآن، أنا لا أطيق رؤيتك. اقترب يامن بثبات ومال بجسده متحدثاً إليها بصوت يشوبه عتاب ولوم وبعض الاتهام قائلاً:
لمَ لا تطيقين رؤيتي، هل أنا من كذبت عليك وخدعتك؟ قمر بانهيار: أنا لم أخدع ولم أكذب ولم أختر مصيري، لم أرتكب جرماً، أنا مشوهة ولست قاتلة أو آثمة، أنا ضحية، ضحية دهست بلا رحمة ولم أجد من يمد إليّ يده ويحتويني. كان منتهى أملي أن أختبئ، واختبأت خلف نقابي، وجدت به أماناً، ليس لك الحق في لوم أو عتاب، أنا لم أقصد خداعاً بل أردت فرصة للعيش، أردت العيش، ما الجرم في ذلك؟ يامن بغموض: ربما خطؤك الأكبر أنك ترين نفسك مشوهة.
قمر بانهيار: أولست كذلك؟ يامن: ربما يا قمر، ولكن الأمر الأكيد أننا كلنا مشوهون، كلنا أصابنا تشوه، بعضنا أجاد إخفاءه وبعضنا لم يستطع. تحدث جاسر بصوت خفيض قائلاً بحدة: لقد أخبرتك من قبل أن ماسة لن تأت إليك، لقد تنازلت عن حضانتها، وإن رغبت في رؤيتها، فبيتي مفتوح متى تشائين. تحدثت هي قائلة: لكنني على وشك السفر إلى الخارج، لدي مؤتمر طبي وربما أغيب عاماً كاملاً، أود بقاءها معي إلى أن يحين موعد السفر. جاسر بحدة:
اللعنة عليك يا امرأة، ألا تفهمين، ماسة لن تأت إليك، وأنا لا أود سماع تفاهاتك تلك، فلتسافري ولتذهبِ إلى الجحيم. تمتمت هي بغضب: حسناً يا جاسر، حسناً، سوف ترين ما أنا قادرة على فعله. أغلق هاتفه بكره ونفور وتوجه خارج القسم يهاتف والدته. انتظر قليلاً فأجابته والدته قائلة: أين أنت يا جاسر؟ جاسر: لدي عمل هام، استمعي إليّ جيداً، تلك الوقحة طلبت مني أخذ ماسة لتبقى لديها قبيل سفرها إلى الخارج. والدة جاسر:
وما المانع، فهي بالأخير والدتها. جاسر بغضب: المانع أن ابنتي ستتعلق بها ولن تهنأ بقربها إلا أياماً قليلة لتخذلها تلك البائسة وتتركها وحيدة وتسافر، أنا لن أسمح لها بأن تفطر فؤاد طفلتي. والدته ببرود: حسناً، أخبرني متى ترجع إلى البيت. جاسر: لا أعلم، ربما بضع ساعات وآتي إليكم. انتهى حديثه مع والدته ورفع بصره إلى السماء قائلاً:
ربما لا يدرك الألم إلا صاحبه، وربما لم أدرك من قبل فداحة فعلتي إلا بعدما أدركت معنى الخذلان والتخلي. يا ليت ماضينا يُمحى ونبدأ من جديد. هرولت سميحة بترقب وترجٍ قبالة يامن بعدما ناداها. تحدثت إليه باستجداء قائلة: هل ابنتي بخير؟ يامن: بخير، وبعد قليل ستخرج بصحبتك، اعتذر يا سيدتي عما حدث، فقد كان بلاغاً كيدياً من بعض المنافسين. سميحة بحزن: أرجو أن ينتقم الله منهم أشد انتقام.
ناظرها جمال الواقف بعيداً بعض الشيء بغيظ، وابتسم يامن بسخرية قائلاً: هداهم الله يا سيدتي، فبعض البشر نفوسهم مريضة. عاد جاسر للوقوف جوار سميحة، فتحرك يامن بخطوات هادئة مبتعداً عن محيطهما. عاد يامن إلى قمر بعدما أحضر إليها ملابس لائقة ونقاباً جديداً. طالعته قمر بتوتر، فباغتها بسؤاله: هل أنتِ مرتبطة، هل لديك حبيب أو خاطب؟ قمر مستهزئة: بالطبع لا. يامن بتعجب: إذاً، من ذاك الأحمق الذي ادعى أنه خطيبك؟ قمر بانتباه: ما اسمه؟
يامن: سمعت والدتك تدعوه جاسر. قمر بقلق: هل أمي بالخارج، هل علمت بما حدث، هل أصابها مكروه؟ يامن: هي بخير وقد اطمأن قلبها بعدما أخبرتها بأمر خروجك. قمر: ولكنك لم تخبرني، من هو جاسر؟ قمر: كان فيما مضى دنياي ومستقبلي، وصارت الحادثة فانتهت دنياي ومستقبلي، وابتعد هو بدوره. يامن بتلقائية: لقد أحسن صنعاً. طالعته بغضب، فابتسم موضحاً قولها: قصد أنه لو كان خيراً لبقى. قمر مغيرة مجرى الحديث: متى أخرج من هنا؟ يامن:
بعد قليل، بدلي ملابسك وسأذهب لإنهاء الإجراءات الخاصة بخروجك أنتِ واستاذ داوود وأرجع إليك، سوف أصحبتك إلى البيت. قمر برفض: لا داع. يامن بلهجة قاطعة: استعدي يا قمر، فأنا لن أسمح لذاك السمج باصطحابك. ابتعد عن مرمى بصرها، ولم يبتعد عن نياط القلب الذي خان العهد ودق من جديد بعدما أبرمت هي وهو اتفاقاً ألا يقع بالحب ولا يستسلم لأحد، فغافلها وهرول إلى ذاك الغامض الذي أتى بعدما توقف العالم عن دورانه وصار رتيباً، مملاً، قاتماً.
انتهت نسمة وعلياء من إعداد ما يلزم لما يسمى بسبوع العروس، ابتسمت زوجة العم بارتياح قائلة: حمداً لله، لقد اكتمل كل شيء، أدعو الله أن تسعدا، وأعد لكما عرساً وسبوعاً كحورية وأفضل. نسمة: متى نذهب يا أمي، لقد اشتقت إلى حورية كثيراً. زوجة العم: لحظات ونمضي إلى وجهتنا. هيا يا علياء، اسبقيني إلى سيارة عثمان. علياء برفض: لن أذهب معه، سأنتظر عودة عمي وآتي معه. اقتربت زوجة العم منها واحتضنتها بحب قائلة:
ألم تنل قلوبكما ما يكفي من الهجر واللوم؟ هيا يا حبيبتي، أدبيه كما تشائين، ولكن دون قسوة أو بعاد. قهقهت نسمة قائلة: يبدو إنك خصم لا يستهان به يا أماه. زوجة العم بثقة: وهل استطعت البقاء مع عمك وجدتك رحمها الله دون عناء ودهاء وحرب باردة يا فتاة. لقد كان عمك في صباه فرساً جامحاً غير قابل للترويض، فروضته أنا. أحنت علياء رأسها وخانتها دموع التردد والحيرة، فاحتوتها زوجة العم بنظراتها الدافئة وصوتها الحنون قائلة:
لا تحني رأسك يا حبيبتي، لقد كانت أمكما رحمها الله سنداً لي في كثير من الأوقات القاسية، كنت أعدها أختاً لم تلدها أمي. كم أشتاق إلى حديثها ووجودها، ولكنها تركتكما لي، قطعة منها ولن أفرط فيكما ما حييت. اذهبي يا علياء، انتزعي من الحياة حقك المسلوب رغماً عن الجميع. وضع ساقاً فوق أخرى وشمخ برأسه عالياً، فناظره والده بارتياح قائلاً: هل اتفقنا يا يامن بيك؟ يامن بجدية وتحذير:
اتفقنا، فلتعطِ أوامرك الآن بإخلاء سبيل استاذ داوود وقمر. جمال بترقب: هل علمت أن تلك الفتاة مشوهة؟ يامن: وهل تشوهها موضوع نقاشنا الآن؟ جمال بمكر: لا، ولكن فضولي يدفعني لمعرفة ما يدور برأسك، هل ما تفعله تعاطفاً معها، شفقة ربما؟ يامن ببرود: سأخبرك عندما أجد إجابة مقنعة، أما الآن فأنا أنتظر أوامر سيادتك. نظر جمال إلى راشد بما يريد، فتحدث راشد بجدية قائلاً:
لقد تم الأمر يا سيدي وانتهت القضية من أساسها، فما حدث كان بلاغاً واتهاماً باطلاً. تمتم يامن بسخط قائلاً: لقد تفاجأت الآن، لم أكن أدري أن التهمة ملفقة. تحدث جمال قائلاً: راشد لا شأن له فيما حدث، فتلك كانت أوامري. هب يامن واقفاً متحدثاً بلهجة لا تقبل المزاح قائلاً: سأرجع بعد شهر من الآن، فلا يجوز أن أترك العمل لدى أستاذي دون أن يجد بديلاً. جمال: هل تماطل معي يا يامن؟ يامن:
لا، فأنا أعلم أنك لن تيأس ولن تترك داوود ولا قمر في حال سبيلهما. وإياكم، أحذرك أن يقترب أحد من رجالك منهما، وإلا قلبت المعبد بأكمله فوق رؤوسكم. استوفى يامن الأوراق اللازمة وتأكد من إخفاء تلك القضية الملفقة، احتضن داوود بحب وتقدير واعتذار، وطمأنه داوود أنه بخير وغادر إلى بيته. التفت يامن إلى قمر فوجدها تخطو بإرهاق بادٍ، اقترب منها متردداً هل يمسك بيدها ويساعدها على المضي قدماً أم ينتظر.
تفاجأ باقتراب جاسر بلهفة بادية بمحياه. اقترب بشدة من قمر فتراجعت للخلف قائلة: شكراً لك يا جاسر، لقد أتعبت حالك. جاسر بلهفة: لا تعب إلا في بعادك يا قمري. انتابها خجل وتوتر مما قاله، فتحدثت بخفوت قائلة: أين أمي؟ جاسر: تنتظرنا بالسيارة، هيا بنا كي نغادر. قمر برفض: أخبرتك مراراً أن دروبنا محال أن تلتقي، لن أتحدث فيما مضى، ولكن بالله عليك توقف عن تصرفاتك تلك.
أنت تتعامل معي وكأن شيئاً لم يكن، لقد تركتني سبع سنوات، أتدري كم انتظرتك يا جاسر؟ لقد شاب قلبي وأصابه الهرم جراء فعلتك، توقف عن ادعائك بأن ما كسر يمكن إصلاحه، فهو محال. صرت لي غريباً عني لا أعرفه ولا أود معرفته. جاسر بحزن: وأنا لن أيأس، ولن أتركك لغيري. قالها وبصره موجه إلى يامن:
أرادت إجابته لكنها تراجعت بعدما رفع يامن بصره إليها وكأنه يحثها على الإسراع في مشيتها، استجابت هي وحاولت أن تسرع الخطى ليداهمها دوار حاد كادت على أثره أن تسقط، لكنه تلقفها بين يديه ولم يتركها لتقع مجدداً. بمرآة السيارة يختلس النظر إليها ولا يرتوي، يود اختطافها بعيداً عن الأعين الناظرة إليها. تتحدث إلى شقيقتها ووالدته ويتضاحكن، وتتراقص على وقع ضحكاتها دقات قلبه المتناغمة مع صوتها العذب. لاحظت والدته نظراته
الهائمة فتحدثت بمكر قائلة: أعتقد يا علياء أن أحمر الشفاه الذي تضعينه ثقيل بعض الشيء. ضغط عثمان مكابح السيارة دون سابق إنذار، فشهقت نسمة قائلة: ولدك أصابه الجنون، اللهم احفظنا. ابتلعت علياء ريقها بخوف بعدما أمعن عثمان النظر إليها قائلاً بغضب: يومك لن يمر بسلام يا ابنة العم إن لم يختفِ أحمر الشفاه من فوق شفتيك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!