اهتزت ثقة يامن قليلاً بعدما أعلن جاسر عن كونه خطيباً لقمر، لكنه سرعان ما استعاد ثباته وتحدث بجدية قائلاً: "وإن يكن! هل يمنحك ذلك الحق أن تتطاول معي وتتحدث إليّ بتلك الصورة الفظة؟ اقترب جاسر مرة أخرى قائلاً بغرور: "وأكسر لك رأسك، ألا تعلم من أنا؟! ابتسم يامن ساخراً، فاستشاط منه جاسر وهمّ بضربه، لكن يد يامن كانت الأسرع وأطاح به بقسوة. اقترب راشد الذي قد أتى مهرولاً بعدما أخبره رجاله بالشجار الدائر بين يامن وجاسر.
أزاح راشد يامن برفق قائلاً بهدوء: "دع لنا الأمر يامن بيك وسنتولى نحن تأديبه." نظر إليه يامن محذراً متحدثاً بلهجة آمرة: "حذارِ أن يقترب منه أحد، هل سمعت يا راشد. إياكم وإيذاءه فأنا كفيل به." أحس جاسر ببعض الرهبة فتراجع عن هجومه. وبادله يامن نظراته بأخرى تعني الكثير. طالت غفوتها وكأنها تتخذ منها ملاذاً، كانت بلا حراك وكأنها فاقدة للحياة. جلست تلك المرأة جوارها تتحسس جبينها برفق، فشهقت في فزع قائلة: "يا إلهي!
تلك الفتاة أصابتها الحمى." تهافتت عليها النزيلات بترقب وفضول، فدفعتهن بحدة تلك السيدة العجوز قائلة: "ابتعدن قليلاً أيتها البائسات وتوقفن عن ذاك الفضول القاتل، الفتاة تصارع الموت." "هيا يا عائشة استدعي أحد الحراس لعلهم يغيثونا ويحضروا طبيباً لتلك المسكينة." أسرعت تلك المسماة بعائشة تنادي بصوتها الجهوري قائلة: "النجدة، هناك فتاة متعبة للغاية وعلى وشك الموت." اقتربت حارسة الزنزانة بتكاسل قائلة بفتور:
"وهل أمثالكن يؤثر بهن المرض؟ عائشة: "بالله عليك، تلك الفتاة تبدو بريئة ولم يمضِ على وجودها بالسجن سوى يومان، والآن هي فاقدة للوعي ويبدو أنها مصابة بالحمى." الحارسة: "حسناً، توقفي عن الثرثرة واحمليها لنأخذها إلى الطبيب." حملتها عائشة بخفة وصارت بصحبة الحرس باتجاه العيادة التابعة للسجن. وتمتمت المرأة بداخل الزنزانة قائلة:
"عجباً لتلك الفتاة، لم يمضِ على وجودها عدة أيام وأوشكت على الموت، بينما أنا قد قضيت نصف عمري هنا وعندما أخرج أشعر بالحنين إلى هنا، ربما لم تدرك تلك الساذجة أن ما نحن فيه لا يقارن بما ينتظرها بالخارج، فالدنيا لا ترحم الضعفاء." تحدث جمال بغضب ورفض قائلاً بلهجة آمرة: "ذاك الفتى لابد أن يؤدب، فمن تسول له نفسه أن يتطاول على ولدي يجب أن يدرك أنه حشرة أسحقها تحت قدمي بعدما تجرأ على أسياده." راشد:
"لقد حاولت يا سيدي التدخل إلا أن يامن بيك رفض بشدة، بل وأخبرني أنه لن يسمح لأحد أن يمس ذاك الرجل بسوء." جمال: "يامن الأحمق يتحداني ولن يهدأ له بال إلا بموتي." راشد: "أطال الله عمرك سيدي، أعتقد أن يامن بيك غاضب بعض الشيء ولذا يرفض المساعدة منا." جمال بجدية: "سأذهب إليه الآن، هو لن يأتِ وعليّ مواجهته، إما أن يعود وإما أن يتحمل داوود وقمر تبعات فعله، أنا لن أصبر بعد الآن." راشد: "سيدي أعتقد أنه عليك التريث قليلاً."
أشار جمال بيده منهياً الحوار، فأومأ راشد في طاعة وتوجها إلى مقابلة يامن. ترددت الكلمة بأذني يامن كثيراً، خطيبها، هل قمر مرتبطة بآخر؟ نهر نفسه قائلاً: "وما شأني أنا، لكنها لم تقل ولم تتحدث من قبل عن ذاك الخطيب." بينما كان جاسر يطالع يامن بغضب، فهو لم يشعر بالارتياح لوجوده. اقترب المحامي الخاص بيامن من مجلسه وهمس إليه بخفوت لم يصل إلى أحد سواه، فتبدلت ملامحه على الفور وغادر بصحبة المحامي.
تنهد جاسر بارتياح عقب رحيل يامن والتفت إلى سميحة التي كانت تئن في صمت قائلاً: "لا تقلقي لا يا خالة، بأمر الله سنخرج قمر من هنا." سميحة بترقب: "حقاً يا جاسر، هل أخبرك المحامي بذلك؟ جاسر بهدوء: "ليس بعد، لكنه لن يدخر جهداً في سبيل إخراجها، فهو محامي ذات شأن ولديه من الخبرة ما يكفي." سميحة بأمل: "ليته يفعل." جاسر بسعادة: "سيفعل، إن شاء الله سيفعل وتعود قمر إلينا." نظرت إليه سميحة بتعجب قائلة:
"إلينا، ماذا تقصد يا بني، ألم تتركها وتتزوج بأخرى؟ أنا لم أشأ تكذيبك أمام ذاك الرجل واكتفيت بالصمت عندما أخبرته أنت أن قمر خطيبتك." جاسر بحزن: "أنا أعلم أنك غاضبة مني، لكني طلقت زوجتي وحاولت مراراً إصلاح الأمر بيني وبين قمر لكنها تأبى العودة أو الاستماع إليّ. لن أتركها وسوف أخرجها من هنا وأطلب إليها الزواج، ولكن أرجو منك مساعدتي والوقوف إلى جواري."
نظرت إليه سميحة بتردد، عقلها يرفض الوثوق به وقلبها كأم يخبرها أن قمر ليس لديها بالحياة فرص للاختيار، أما أن تبقى بلا زواج إلى الأبد، أو ترتبط بمن يتغاضى عن تشوهها، اختياران كلاهما مر. لمَ لا تعطين جاسر فرصة ثانية؟! لقد عاد بإرادته راغباً بوصالها ويبدو أن مشاعره تجاهها كما هي، ربما قد أخطأ فيما مضى وها هو الآن يسعى إلى الوقوف جوارها وتبرئتها.
كانت نظرات يامن مشحونة بنيران الغضب والرفض والكره لبطش والده، بينما جمال كعادته ينظر إلى يامن بهدوء. تحدث يامن بغضب قائلاً: "ألم تأخذ من موت رأفت عظة، ألم يساورك الخوف لوهلة واحدة، ماذا تريد مني؟! أنا لا أريد الرجوع معك، لا أطيق العيش كما كنت. دعني وشأني يا رجل، لقد اكتفيت من تصرفاتك تلك." جمال: "هل من الأدب أن تتحدث إلى والدك هكذا؟! يامن:
"لا حول ولا قوة إلا بالله. وهل يفعل الأب ما تفعل أنت، هل يقوم الأب بظلم أناس أبرياء لتحقيق رغباته؟! جمال: "وأحرق الكون من حولك يا يامن إلى أن تعود إلى رشدك وتدرك خطورة تصرفك. أنا لن أحيا بمفردي وينتهي بي الحال جثة هامدة وسط الخدم والحرس. ستعود إليّ شئت أم أبيت، ستعود إلى شركاتك وتواصل العمل مثل أخيك. هل فهمت؟! يامن: "وإن لم أفعل، هيا أخبرني، هل ستزج بي إلى السجن أنا الآخر؟! جمال بجدية:
"محال أن أفعل، بل إن كنت أنت الفاعل ما تركتك تدفع ثمن جريمتك. إن لم ترجع يا يامن سيقضي داوود باقي أيامه بالسجن حتى وفاته، سأقضي عليه بإشارة من يدي وتلك الفتاة، سأجعلها عبرة لغيرها، لن أتراجع حتى ترجع." استعاد يامن بعضاً من شراسته التي تخلى عنها مع أشياء كثيرة تركها وراء ظهره فيما مضى، وطالع والده بثقة قائلاً:
"حسناً.. سأرجع ولكن لن أفعل قبل خروج داوود، ورؤية قمر، فقد أخبرني المحامي منذ قليل بأمر مرضها، واعلم أنه إن أصابها مكروه فلن أرجع إليك وإن انقلبت الدنيا رأساً على عقب." ابتسم جمال بسخرية معلقاً: "لك ما تقول يا سيد يامن.. بعد قليل سترى تلك الفتاة، وسيخرج داوود قبيل عودتك." لاحظ العم شرود علياء فاستغل صمتها وصمت عثمان قائلاً:
"لقد استخرت الله ورأيت أن رجوعكما إلى العيش بالقاهرة بمفردكما درب من الجنون. عندما يسترد الله أمانته وألحق بأخي ربما عليكما أن تذهبا." علياء: "عماه بالله عليك لا تقل ذلك، أنا ونسمة لم يعد لنا سند بعد الله سواك." العم: "إذاً عليكما أن تصغيا إليّ." علياء: "عمي، أنا لم أقل أننا سنبقى بالقاهرة للأبد، بل هي مرحلة هامة لكي نسترد بيت أبي وتنهي نسمة عامها الدراسي ثم نرجع إلى هنا." عثمان:
"وهل ترين يا علياء أن رجال العائلة قد عدموا جميعاً وسنترك الأمر لسيادتك كي تواجهين زوجة والدك بمفردك." علياء: "لم أقصد ذلك ولكن الأمر يعنيني وينبغي أن أواجهه بلا خوف." العم بجدية: "ربما يجب علينا أن نحقق قولك وقول عثمان على حد سواء." عثمان: "وكيف ذلك؟! العم: "تتزوجا ووقتها ستواجهين تحية دون تردد، فالبيت الذي سلب من علياء ونسمة بيت جدك وعمك، وبعد إتمام الزواج سيصبح بيت زوجتك."
كانت علياء ترفرف بين سحب الخيال لا تصدق ما يقوله عمها، لكن التردد الذي قرأته بعيني عثمان أطاح بها إلى ثرى الواقع. حاولت زوجة العم المزاح علّ عثمان يفق من صمته الذي قد طال، فتحدثت قائلة بمرح: "إن لم يتزوجها عثمان، زوجناها لرائد شقيق باسل زوج حورية." ألتفت عثمان إلى والدته بحدة وأعمته غيرته، فأجابها بجدية: "وهل يعلم رائد أنها مطلقة؟ شهقت والدته بفزع، ووقفت نسمة أمامه صارخة بوجهه وكأنها ليست تلك الصغيرة
التي تربت على يديه قائلة: "متى تتوقف عن تعنتك واهاناتك المتكررة في حق علياء، أتلومها على ارتباطها بسواك؟ وأين كنت وقتما ارتبطت هي بآخر، ما الذي فعلته أنت سوى الهروب. لقد أتيت إلى هنا قبل عقد قرانها، هرولت إليكم دون علم والدي ودون علم شقيقتي. أردت أن أبلغك بما يحدث وأن أبي يزوجها رغماً عنها." نظرت علياء إلى شقيقتها قائلة: "ماذا تقولين! أدمعت عينا نسمة فاستطردت قائلة:
"لقد ساعدتني قمر رغم ما أصابها آنذاك وأتت معي إلى هنا فوجدناه قد سافر إلى الخارج. هرب ولم ينظر وراءه." عثمان: "اصمتي يا فتاة." نسمة: "لن أفعل، أنت رجل ولم تستطع الوقوف بوجه أبي، كيف تنتظر منها هي الوقوف بوجهه؟ تساءل العم بحزن قائلاً: "لمَ لم تأتِ إليّ يا بنيتي! أنا لم أعلم بمجيئك إلى هنا سوى الآن." نسمة بحزن:
"لم يكن أبي ليستمع إلى أحد، فقد أحكمت تحية نسج شباكها من حوله، وخشيت إن علم بخروجي دون إذنه أن يبطش بي مثلما كان يفعل بعلياء كي توافق على زواجها من ذاك الوغد." تنهدت نسمة قائلة: "لقد كنت طفلة في ذاك الوقت وظننت أن عثمان الفارس المغوار سيأتي مهرولاً ويختطف علياء ويتزوجها، لم أتخيل أن يفر هارباً ويأتِ بعد سنوات ويلومها." العم: "حفظك الله يا نسمة، لقد أساء والدك كثيراً في حقكما، إلا أنه قد أحسن تربيتكما."
وجه العم بصره إلى عثمان قائلاً بتحدٍ: "لم تشأ الزواج بابنة عمك، فهنيئاً لها، وسوف أزوجها بمن يستحقها." استأذن يامن في الدخول إليها بخطى خجلة، فما أصابها من أذى كان هو سبباً به. مهلاً! هل أخطأ بالدخول إلى غرفة قمر. من تلك الفتاة النائمة أمامه؟ هل تشوه وجهها بالسجن أم أن ما يراه ليس إلا تخيلاً.
فتحت عيناها ببطء تطالع المكان من حولها لتستقر نظراتها أمام نظراته المتفحصة. سالت دموعها في صمت أكد ليامن أن تلك الفتاة هي قمر. عيناها محال أن يخطئ بهما، ولكن كيف ولمَ؟! وهل كانت تقصد إخفاء حقيقتها عنه أم أن دخولها إلى حياته ليس محض صدفة. هل والده له يد بوجودها جواره أم أن وجودها جواره كان سبباً لكي يرجع إلى والده. هل براءة نظراتها حقيقة أم أنه ادعاء وخيال ككل شيء من حوله.
أغمضت عيناها مرة ثانية بعدما أيقنت أن الحقيقة قد كشرت عن أنيابها القاسية وظهرت من جديد، ليعاود القمر خسوفه من جديد عله يبتعد ولا يراه أحد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!