شعر "عدي" بنفاد الهواء من رئتيه، بينما الشرطي يقترب منه ممسكاً إياه من ذراعه بصرامة وإحكام. القانون! كان عقله مشغولاً بـ "يوسف"، الذي يشدد إمساكه بكفه وهو ينظر إليه ويتساءل بصوت خائف مرتعش: -بابا "عدي"، أنت هتروح معاهم! ابتلع "عدي" ريقه، وابتلع معه انقباض قلبه الذي يتزايد وهو يفكر بالصغير.. قبل أن ينظر للضابط قائلاً بنبرة هادئة: -ممكن دقيقتين أتكلم معاه؟
ولم يمهله ليرد عليه.. فجثى على ركبتيه وقرب "يوسف" إليه، قائلاً بنبرة مهدئة.. وهو يقاوم كل ذرة لديه كي لا يبكي: -"يوسف" يا حبيبي، اجمد ومتخافش.. وبإذن الله هرجعلك قريب، وهفرحك كمان.. قاطع كلامه، جذب الشرطي له بقسوة وعدم اكتراث.. فأكمل "عدي" بسرعة، وهو يسير معهم مرغماً: -مامتك وجدتك ووالدتي أمانة معاك يا "يوسف".. واثق فيك يا صديقي! أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه يا نور عيني!
كان آخر حديثه بنبرة مضطربة مرتعشة، إثر سماعه للصبي وهو يبكي بحرقة، يستنجد بوالدته.. نزل "عدي" على درجات السلم، وقد غاب ذهنه تماماً عن معرفة السبب الذي استدعوه لأجله.. وشرد ذهنه مع والدته.. تعمد عدم إعلامها قبل ذهابه معهم، فهو قطعا لن يتحمل رؤية تألمها وبكائها! يكفيه جداً حين ترك "يوسف" وهو يبكي، ولم يستطع العودة ليأخذه داخل حضنه.. والإلقاء بالأوامر الرسمية عرض الحائط!
خرج من باب العمارة، وهو يتحاشى النظر خجلاً من أبناء حارته.. "رائع! قدوتهم مأخوذ قبل الشرطة، وهو حتى لا يعلم جرمه! *** حين وصلت "ريتاج" للشارع وهي تلهث بفعل القفز والركض على السلم.. كانت بالكاد ترى ابتعاد السيارة التي تحمل "عدي" بداخلها! كانت الدموع ما تزال تسيل من مقلتيها منذ علمت بما حدث.. أضاف لذلك رغبتها بالصراخ بقوة من القهر والغضب! انتفضت لشعورها بيد تربت على كتفها بهدوء، ما لبثت أن وجدت جارتهم أم "رانيا"
تقول بخفوت وبعض الأسى: -ربنا يصبركم يا بنتي، ويرده ليكم سالماً غانماً! وهو أستاذ "عدي" مفيش أطيب منه، وإن شاء الله ربنا يوقف له ولاد الحلال اللي شبهه. هزت "ريتاج" رأسها بفتور، وهي لا تجد شيئاً تقوله.. تنظر للذين تفرق جمعهم بعد رحيل السيارة، وهم يضربون أخماساً في أسداس.. وربما تنظر النسوة إليها وهن يمصمصن شفاههن بشفقة! تنهدت أم "رانيا"، وهي تشعر بشفقة حقيقية تجاه حال "ريتاج" ووالدة "عدي".. قبل أن تقول لها
وهي تتخذ خطواتها للعودة: -لو احتاجتوا حاجة يا بنتي، احنا موجودين.. الدور الثالث، الشقة اللي على اليمين.. وإن شاء الله غيبته متطولش! ثم دخلت للعمارة، تاركة "ريتاج" شاردة في اللاشيء.. تشعر بطاقة حنق وغضب من آن لآخر.. ويؤلمها قلبها على حال ابنها، الذي تركته يبكي ويصرخ مطالباً بـ "عدي"! دلفت للعمارة، وقررت أن تجلس على درجة السلم تفكر بما ستفعله.. لا تستطيع التفكير مطلقاً في كنه السبب الذي أخذ "عدي" لأجله..
إلا أنها تعلم الجاني، كما يقول رجال القانون! كيف فعلها، وكيف طاوعه قلبه؟ لن تتعجب كثيراً.. فهذه عادته مع الأقربين، فما بالها بالغرباء! ابتلعت ريقها، وتنهدت بثقل.. قبل أن تقوم من مجلسها، وتنفض التراب عن ثيابها.. لقد اتخذت قرارها، ستحادث الشخص الذي يستطيع إخراجه من ذلك المأزق.. حتى وإن استدعت تلك المحادثة، نتائج ليست لصالحها! *** منذ جيء به إلى هنا، وهو يعامل معاملة موصى بها! إهانة.. صفع على الوجه..
شتائم بذيئة، تمس والديه.. حتى أباه المتوفى.. صفع مرة أخرى! إلى أن جذبوه للمرة الثانية، بعد مكثه لساعتين بزنزانة انفرادية.. ليقابل "حضرة الظابط".. حاول السير معهم، وهو معصوب العينين.. حتى أوصلوه للغرفة المرادة.. فأدخلوه بها، ثم رحلوا.. مغلقين الباب خلفهم.. -اقعد يا "عدي"! تحدث بها صوت هادئ، رغم صرامته الواضحة.. فحاول "عدي" أن يتحسس محيطه بيديه المكبلتين.. قبل أن يجلس باضطراب على الكرسي!
تحدث الصوت مرة أخرى، وهو يشعل سيجارا ينفث دخانه بوجه "عدي": -طبعاً أنت عارف جاي هنا ليه! ابتسم "عدي" بسخرية مريرة، قبل أن يقول بصوت حاول استجماع هدوءه، وكبح غيظه: -يباشا والله أنا معرفش حاجة! أنا مدرس، بمشي طول عمري جنب الحيط.. حتى الأسبوع اللي فات اتجوزت! -لأ ألف مبروك! أنت هتستعبط ياض؟ نفس الصوت بسخرية بأول حديثه.. قبل أن يختمه بحدة وغلظة، وهو يضرب الطاولة بكفه!
ابتلع "عدي" الإهانة، وهو يشعر بالغضب الشديد يغلي داخل أوردته! لم يتعرض قبلاً لهذا الأمر، وهو حقا كما أخبر الضابط.. إلا أنه قرر التزام الصمت، قبل أن يسمع الضابط يقول بتهكم: -تقدر تقولي بتدي دروس في بيتك، بصفتك ايه؟ لولا أن عينا الآخر، ملفوفتين بتلك القطعة القماشية.. لكن الضابط قد لاحظ اتساع عيني "عدي" على آخرهما.. حاول "عدي" بأقصى قوته أن يكبت ابتسامة الفهم التي ارتسمت على ثغره، بينما يجيب الضابط بنبرة ذات معنى:
-طب ما نيجي سكة ودوغري يباشا، وقولي علطول إني هتشرّف وأقعد معاكم هنا كام يوم حلوين.. كـ تأديب يعني! علت ضحكات الضابط بقوة، حتى اتسعت ابتسامة "عدي" حين تأكد من خواطره.. قبل أن يتأكد أكثر بسماعه للضابط يقول بسخرية: -ودي حد قالهالك ولا عرفتها لوحدك يا روح أمك! قبض "عدي" على كفيه بقوة، حتى شعر بالألم بكفيه. يقسم أنه لو كان بظروف أخرى مع شخص آخر، لكان أوسعه ضرباً لتلك الإهانات المتتالية!
قام مع الشرطي الذي نودي عليه ليعيده لزنزانته الانفرادية، مع تكرر الأمر الذي أصبح مملاً! إهانة.. صفعة على الوجه.. شتائم بذيئة تمس والديه.. حتى أباه المتوفى.. صفعة مرة أخرى! _حل الليل بسكونه وظلامه، وحل معه الأسى والصمت بمنزل "عدي". كانت والدته منذ رحيله جالسة بغرفتها، تشرد بنظراتها وأفكارها. وبجانبها تجلس والدة "ريتاج"، تحاول التخفيف عنها بحديث أو مواساة. وبين حين وآخر، تجيء لها "ريتاج" تسألها عن حالها، وتحتضنها.
ثم تعود مرة أخرى لغرفتها، أو بالأحرى، غرفة "عدي". حيث جلس "يوسف" على سريره، تنزل دموعه من زرقاوتيه، ويتخلل بكاءه الصامت شهقات من آن لآخر! تنهدت بقوة، فقد كان الوضع معقداً بالفعل. وحزن ابنها وبكائه المستمر يزيدانه تعقيداً! قرّبت "يوسف" لها، تحتضنه وهي تقول بهدوء ونبرة لم تخلُ من اضطراب: -حبيب قلبي، العياط مش هيرجعه.. مش هو قالنا قبل كده، لازم نلجأ لربنا.
كان الصمت هو ما قابلها، باستثناء شهقات الصبي التي كان يحاول خفضها. فتنهدت قبل أن تحدثه بمزاح تخفف عنه: -على فكرة لما "عدي" ييجي، هقوله إنك كنت بتعيط.. وهو هيتضايق منك! أنت عايزه يتضايق منك يا "ياسوو"؟ -أنا مش عايز غير أنه يرجع تاني، هو وعدني أنه مش هيأخر.. ووعدني هيفضل جنبي علطول! قالها "يوسف" بنبرة باكية، جعلت "ريتاج" تشعر بغصة حلقها تتسع وتصل لقلبها. قبل أن تقول له بهدوء وابتسامة مغتصبة:
-و"عدي" سيد من يوفي بوعده والله.. لم تجد ما تكمل به حديثها، فابتلعت ريقها وهي تضحك بخفة وتسأله، تلهيه عن الحزن: -هو ليه دايما كان بيقولك "جميل الاسم والملامح".. وليه دايما كان ناقص يخانق معايا لما أنادي عليك "يوسف"، مش "يوسف"؟ صمت "يوسف" ثوانٍ وهو يبتسم باتساع، قبل أن يجيبها وهو يمسح دموعه بأن هذا اللقب أطلقه عليه لأنه وسيم، ولأن اسمه جميل. وهو قد حاز على الاثنين كما كان سيدنا "يوسف" عليه السلام.
كما أخبره أن القرآن ذكر كلمة "يوسف" بضم حرف السين، لذا من الأصح أن نقولها هكذا! ثم أخذ يحكي لها بضعة أشياء كان يفعلها مع "عدي". قبل أن يشعر "يوسف" بالنعاس ويذهب في النوم، بينما ظلت والدته تحتضنه وتمسح على شعره بحنان. ثوانٍ، حتى تأكدت من عمق نومه، فقبلت جبينه بحنان، ثم ارتدت إسدال الصلاة وأمسكت هاتفها. ليس لـ"عدي" أي ذنب، لذا يجب عليها أن تسعى لإخراجه! وضعت الهاتف على أذنها، وهي تستمع لصوت جرس الانتظار.
ويكأن الطرف الآخر ينتظر تلك المكالمة، حتى أجاب على المكالمة. فتحدثت هي بحدة، قبل أن يتفوه بأي شيء: -"عدي" ذنبه إيه يا "شهاب"؟ قهقه الآخر بسماجة تليق به، حتى أنها شعرت بالرغبة بتحطيم جمجمته. قبل أن يجيب عليها ببرود: -قرصة ودان بس يا عيون "شهاب"! كانت "ريتاج" تتنفس بحدة وغضب، وصلا للآخر، قبل أن تهدئ ذاتها قليلاً، وهي تقول له بجدية: -"شهاب"، ممكن لو ليك يد في الموضوع تخرجه.. ووعد، هدفعلك المبلغ اللي أنت عايزه!
وعند انتهاء حديثها، اتسعت ابتسامته، كذئب شرس وجد فرصة الانقضاض على فريسته. _مرت ثلاثة أيام، مكث بها "عدي" بذلك الحبس الانفرادي المظلم، عطن الرائحة! كل ما كان يشغل ذهنه في ذلك الوقت، هو "يوسف" ووالدته! كيف حالهما؟ بالتأكيد ليسا جيدين! ثم انحدرت أفكاره تجاه "ريتاج". هل هي حزينة عليه، أم أنها لا تبالي؟ -"عدي الجمال"، أنت مطلوب برا! قالها الشرطي، تزامناً مع وضع "عدي" كفه فوق عينيه، فهو منذ فترة لم يعتد على الضوء الساطع!
سار مع الشرطي، وهو يعرج قليلاً. يبدو أن كاحله التوى في إحدى المرات التي يتم إلقاءه فيها بعنف! وصل للغرفة المرادة، فسمع صوت ضحكات مرتفعة تأتي منها. دخل الغرفة، فصعق من وجود "شهاب" بها، والذي يبدو أنه على صلة وثيقة بذاك الضابط. في الواقع، هو لم يندهش كثيراً. فقد جال بذهنه أن لـ"شهاب" يد بما هو عليه الآن! نظر إليه الضابط، وأخبره أنه يمكنه الخروج، فلم يعودوا بحاجة إليه.
وقبل رحيله، استأذن "شهاب" أيضاً، ثم اقترب من "عدي" متأبطاً ذراعه بود مصطنع، ويكأنهما صديقا طفولة! -كفارة يا شيخ "عدي"، والله وطلعت سوابق يا عم! قالها "شهاب" بمزاح ثقيل سمج، فلم يجبه "عدي". بل أبعد ذراعه عنه، وسار مبتعداً ليوقف أي سيارة أجرة. فصاح "شهاب" من وراءه بسخرية: -ليا أمانة عندك، هترجعلي قريب أوي.. وعلم على كلامي! وقبل أن يركب "عدي" السيارة، نظر للآخر بتهكم، وأجابه ببرود: -ده عشم إبليس في الجنة يا.. يا "شوشو"!
أنهى حديثه بتلك الكلمة، وهو يعلم تمام العلم أن الآخر يغلي من الغضب والغيظ الآن. تباً له! _ما إن وصل السائق أمام عمارة "عدي"، استأذن منه الأخير ليصعد ويجلب له نقوده، وأخذ يعتذر له بشدة. صعد للعمارة بخطوات متمهلة بطيئة، إثر كاحله المتألم. وما إن وصل لشقته، حتى طرق الباب. ثوانٍ، وفتحت له والدته بملامح وجه فاترة. ما لبثت أن اتسعت ابتسامتها وبدأت الدموع تهطل من عينيها وهي تحتضنه بشدة وتقبل كتفه بحب واشتياق.
ثوانٍ أخرى وخرج "يوسف" ووالدته حين سمعا صوت والدة "عدي". صرخ "يوسف" باسم "عدي" بسعادة وفرح، ثم انطلق نحوه حتى أخذه الآخر في عناق أبوي. رغم تألم قدم "عدي" بشدة! ولم ينس طبعًا أن يسلم على "ريتاج"، التي كانت تتحاشى النظر له وملامحها شاحبة بشدة. لم يعلم أن قلبها يرقص طربًا لعودته، إلا أن شرودها يخفي خلفه شيئًا. وحتمًا سيعلمه بعدما يرتاح قليلاً.
كالعادة، استيقظ من نومه وبجانبه "يوسف" يحكم احتضانه، ويكأنه يخشى أن يكون ما رآه مجرد حلم. شدد "عدي" من احتضانه وهو يقبل شعره بحب. دقائق من مكوثه في السرير شارد الذهن، حتى وجد باب غرفته يفتح وتطل منه "ريتاج" بتردد. تقدم قدمًا وتؤخر الأخرى. شعر أنها تخفي شيئًا تريد البوح به، فاعتدل بجلسته بحذر وصفف شعره بأصابعه وهو يقول لها بهدوء: -تعالي يا "ريتاج"، عايزة حاجة؟ حاولت ابتلاع ريقها، الذي بالفعل قد جف من التوتر.
ثم جلست على الأريكة، قائلة بتلعثم: -حمد الله على سلامتك. رد عليها التحية، قبل أن يقول بحزم وهو ينظر بتفحص لعينيها اللتان تخفيهما عنه: -فيه حاجة حصلت وأنا مش موجود؟ "شهاب" عمل لكم حاجة؟ هزت رأسها بالنفي بسرعة، وقبل أن يتنهد براحة أن الأمر ربما يكون عاديًا. دقائق حتى ألقت صاعقتها بوجهه وهي تقول بنبرة باكية: -"عدي".. إحنا لازم نتطلق!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!