الفصل 1 | من 27 فصل

رواية خطاياها بيننا الفصل الأول 1 - بقلم هدير نور الدين

المشاهدات
108
كلمة
9,131
وقت القراءة
46 د
التقدم في الرواية 4%
حجم الخط: 18

في إحدى القرى المصرية، والتي تمتاز بجمالها وروعة مناظرها الطبيعية الخلابة التي تخطف الأبصار، كانت هناك غرفة ذات مظهر رث بالٍ. كانت غزل تجلس بأرضيتها شبه المتهالكة، بوجه حزين وعينين ممتلئتين بالدموع غير المتدفقة، تستمع بحسرة إلى صوت الأغاني والزغاريط الصاخبة التي تأتي من خارج المنزل. كانت تقام في حديقة منزل العزايزي خطبة صفا العزايزي، ابنة شقيق عثمان العزايزي، مالك المنزل وجميع الأراضي المحيطة به.

فقد كانت صفا هي الفرد الوحيد في هذه العائلة، غير زوج والدتها عثمان، التي تعاملها بلطف ورفق.

بعكس باقي العائلة، الذين كانوا يتعاملون معها كما لو كانت جمادًا لا يشعر، كأنها شيء أقل منهم شأنًا، لا تستحق التواجد بينهم في ذات المكان. فقد كانوا يستغلون أي فرصة أو خطأ يصدر منها حتى يقوموا بإهانتها وسحقها أسفل أحذيتهم الملوثة. فكل فرد منهم يتعامل معها كما لو كان بينها وبينه ثأر ويرغب بأخذه منها، لذا كانوا يتلذذون في إهانتها والتقليل من شأنها.

أطلقت تنهيدة حزينة وهي تحيط جسدها بذراعيها، محاولة مواساة نفسها. فقد كانت ترغب حقًا بحضور تلك الخطبة والاحتفال مع صديقتها، لكنها لا تستطيع الحضور بملابسها البالية الرثة تلك.

نهضت واقفة على قدميها المرتجفتين، واتجهت بخطوات متعثرة نحو خزانة ملابسها شبه المتهالكة، تفتح أبوابها على مصراعيها. حيث أخذت تتأمل بعينين محتقنتين بالدموع العباءة الوحيدة الموضوعة بداخلها بإهمال بنهاية الخزانة. فقد كانت باهتة اللون، ممتلئة بالبقع المختلفة أثر عملها المستمر بالمطبخ. فقد كانت لا تملك سوى عباءتين، واحدة ذات قماش ثقيل ترتديها بالشتاء، وأخرى قماشها أخف ثقلاً ترتديها بالصيف. حيث قامت لبيبة (خالة جابر)

بعد تلك الحادثة، التي بسببها تم تغيير مجرى حياتها، بحرق جميع ملابسها التي كان يشتريها لها جابر. فور تذكرها لجابر، انسكبت دموعها التي كانت تحبسها وأغرقت وجنتيها، شاعرةً بالتواء حاد من الألم يصيب قلبها. لكنها هزت رأسها بقوة رافضة التفكير فيه أو فيما كانت تعيشه معه بالماضي. حاولت دفعه بعيدًا ودفن ذكرياتها معه كما اعتادت أن تفعل طوال تلك السنوات الماضية، حتى لا تتسبب بالحسرة والألم لنفسها، فيكفيها ما لديها من أوجاع وألم.

تنهدت باستسلام وهي تعيد غلق الخزانة، قبل أن ترتمي فوق فراشها شبه المتهالك، والذي كان مكونًا من مرتبة بالية صلبة للغاية، مليئة بالثقوب، ملقاة بإهمال على أرضية الغرفة البالية. كانت بالبداية تجد صعوبة في النوم عليها، حتى أنها كانت تظل أيامًا عدة بدون نوم، لكنها بالنهاية اعتادت عليها، فلم يكن أمامها خيار سوى هذا. قامت سريعًا بمسح الدموع العالقة بوجنتيها بيديها المرتجفتين، وهي تهمس لنفسها بصوت ممتلئ بالحسرة:

"أنا عارفة حظي كويس.. مش مكتوب لي أبدًا أفرح.. مجتش على دي يعني." لكن ما أنهت جملتها تلك، حتى فُتح باب غرفتها فجأة ودون سابق إنذار، مما جعلها تنتفض جالسة بتعثر فوق فراشها، وقد تشدّد كامل جسدها في خوف، متوقعة رؤية لبيبة أمامها ترغب بتعنيفها على أي شيء كما تفعل دائمًا. لكنها تنفست الصعداء عندما رأت صديقتها حلا هي من تقف بالباب، هاتفةً بصخبها المعتاد: "إيه ده يا غزل؟ انتي نايمة؟ إيه لسة مجهزتيش؟ أجابتها غزل

بنبرة يتخللها الانكسار: "أجهز إيه بس يا حلا." لتكمل وهي تمسك بطرف عباءتها المنزلية التي ترتديها: "إنتي مش شايفة شكلي عامل إزاي." اقتربت منها حلا قائلة وهي تلوح لها بحقيبة كانت تمسك بها: "عيب عليكي، صاحبتك عاملة حسابها." لتكمل وهي تقذف بالحقيبة نحوها: "امسكي، البسي بسرعة، ده فستان جبته لك معايا وأنا بشتري فستاني."

أسرعت غزل بفتح الحقيبة بلهفة، لترتسم على شفتيها ابتسامة واسعة فور رؤيتها للفستان الذي ألقته نحوها. تتسع عينيها بانبهار من روعته، قبل أن تنتفض واقفة وتتجه نحو صديقتها تحتضنها بقوة.

فقد كانت حلا صديقة طفولتها، أقرب شخص لها بهذه الحياة، فقد كانت تعدها كشقيقة لها. فقد كانت أول شخص تعرفت عليه فور وصولها إلى هذا المنزل مع والدتها، فقد كانت وقتها طفلة لم تتجاوز السابعة بعد، بينما كانت حلا بنفس عمرها تقريبًا. فقد كان والد حلا يعمل لدى عثمان العزايزي، حيث كان بمثابة ذراعه الأيمن. ووقتها قام عثمان بتعريفها على حلا، ومنذ ذلك اليوم وهما معًا دائمًا.

ظلت حلا تحتضنها وهي تربت على ظهرها بحنان حتى هدأت تمامًا. وعندما ابتعدت عنها غزل، أسرعت قائلة بارتباك وعلى وجهها يرتسم خوف حقيقي: "بت يا غزل، أوعي حد يشوف الفستان ويقول لي إن أنا اللي جبته لك، دول ممكن يودوني في داهية ويقولوا لأبويا وتبقى مصيبة. أنا اتفقت مع صفا إنها هتقول إنها هي اللي جبته لك عشان تحضري خطوبتها، أنا مرتبة معاها كل حاجة، متخافيش."

أومأت غزل برأسها موافقة، وعلى شفتيها ترتسم ابتسامة مرتجفة، بينما تتأمل بفرح وسعادة الفستان الذي بين يديها. غمغمت حلا وهي تتأمل بحسرة سعادتها تلك، شاعرة بالشفقة عليها لما تعانيه على يد أصحاب هذا المنزل. فبعد ما كانت تنعم به من دلال على يد جابر العزايزي، الذي كان يعلم الجميع مدى حبه وتعلقه الشديد بها، فقد جميع من بالبلد يطلقون عليها الأميرة المدللة.

حتى انتهى بها الحال بهذه الغرفة الرثة التي لا تصلح حتى لكي يعيش بها حيوانات الشوارع الضالة. "أنا همشي بقى يا غزل قبل ما حد منهم يشوفني هنا." أومأت غزل برأسها دون أن تشيح عينيها التي يلمع بها الفرح والحماس عن الفستان الذي بين يديها.

وفور أن غادرت حلا وأغلقت الباب خلفها، أسرعت بنزع العباءة البالية التي كانت ترتديها، وارتدت سريعًا الفستان الذي كان باللون الأسود اللامع. اتجهت بخطوات متعثرة نحو المرآة المتهالكة المعلقة داخل خزانتها، والتي كان أكثر من نصفها مفقودًا، والنصف الآخر مليء بالخدوش.

اتسعت ابتسامتها فور رؤيتها لانعكاس صورتها بالمرآة، فقد كان الفستان ذو لون أسود لامع ملصقًا بجسدها، مظهرًا جمال قوامها. حيث كانت تمتلك قوامًا يحسدها عليه الكثير من الفتيات، فقد ورثته عن والدتها أزهار، التي كان معروفًا عنها جمالها الساحق.

نزعت الوشاح الذي كانت تعقده حول رأسها، وحررت شعرها من عقدته لينسدل على ظهرها كشلال من الحرير، حيث كانت تمتلك شعرًا بلون العسل كثيفًا يصل إلى أسفل ظهرها. فقد كان أكثر ما يميزها بالإضافة إلى عينيها اللتين كان لونهما رماديًا، والتي ورثتها عن جد بعيد لوالدها. اتجهت مسرعة نحو فراشها تلتقط قلم أحمر الشفاه المنكسر جزئيًا، والذي كانت تخبئه أسفل مرتبة فراشها حتى لا تعثر عليه لبيبة وتقوم برميه ومعاقبتها.

أمسكت غزل بقلم الحمرة وقامت برسم شفتيها بلونه القاني الذي أبرز جمال شفتيها الممتلئة. تراجعت للخلف تتأمل مظهرها، وابتسامة حالمة تملئ شفتيها، شاعرةً بسعادة لم تشعر بها منذ عدة سنوات. تنهدت قبل أن تقوم بعقد شعرها مرة أخرى فوق رأسها، وتعقد حول رأسها الحجاب الذي أتت به صديقتها مع الفستان. ثم تناولت نظارتها الطبية التي كانت تضعها بجانب فراشها، فقد كانت تعاني من ضعف شديد في النظر، تكاد تصبح عمياء بدون نظارتها الطبية تلك.

مما جعلها تتعرض للتنمر من قبل جميع ساكني هذا المنزل، فقد كانوا يلقبونها بذات الأعين الأربعة، وأحيانًا أخرى العمياء "الضبشة". ورغم تأثرها بكلامهم هذا، إلا أنها لم تكن تظهر لهم هذا. اتخذت خطوة إلى الخلف، تلقي بنظرة أخيرة راضية على انعكاس مظهرها بالمرآة، قبل أن تسرع وتخرج من الغرفة، والفرح والحماس يلتمعان بعينيها، حيث كانت تفكر بأنها أخيرًا ستهرب، ولو ليوم واحد، من واقع حياتها البائسة.

فتحت الباب الضخم للمنزل الذي يطل على الحديقة حيث يقام حفل الخطبة. كانت تهم بالخروج عندما شعرت فجأة بيد قاسية تقبض من الخلف على شعرها من أسفل حجابها، وصوت غاضب يعصف بقسوة: "راحة فين يا روح أمك بمنظرك ده؟! صرخت غزل بألم بينما تلتف حول نفسها حتى تواجه جابر، الذي كان يقف خلفها مباشرة بوجهه المقتضب، الذي يظهر عليه علامات الغضب والكراهية التي أصبحت لا تفارقه كلما نظر إليها.

كانت تهم بإجابته، لكن تجمد لسانها داخل فمها من شدة خوفها، حيث كان هناك تعبير وحشي مرتسم داخل عينيه لا ينبئ بالخير، مما جعلها تتراجع إلى الخلف تلقائيًا في محاولة منها للهرب. لكنها أطلقت صرخة مدوية عندما جذبها مرة أخرى من شعرها الذي كان لا يزال يمسك به، قائلاً بغضب: "تعالى.. تعالى.. راحة فين؟ ده انتي ليلة أهلك مش هيطلع لها شمس النهاردة."

أنهى جملته تلك، ساحبًا إياها من شعرها إلى داخل المنزل، لتتبعه بخطوات متعثرة وهي تطلق صرخات متألمة، مما جعله يزمجر بنبرة يملؤها القسوة والتهديد، بينما مستمر في طريقه نحو غرفة مكتبه: "اكتبي وما أسمعش نفسك.. وإلا قسمًا بالله أدفنك حية مكانك."

ارتجف جسدها بخوف فور سماعها تهديده هذا، لتسرع بهز رأسها بالموافقة، بينما تضغط بأسنانها على شفتيها بقوة، محاولة كتم صوت أنينها، حيث كان الألم الذي يعصف برأسها أثر جذبه لشعرها لا يحتمل، فقد كانت تشعر بأن شعرها سيُقتلع في يده بأي لحظة من شدة جذبه له. فتح باب الغرفة ودلف جاذبًا إياها معه إلى الداخل، وهو يزمجر بقسوة ويشدد من قبضته حول شعرها، مرجعًا رأسها إلى الخلف بقسوة، مما جعل حجابها ينزع تمامًا.

"اسمعيني بقى كده، كنت راحة فين؟ ابتلعت غزل الكتلة التي كانت تسد حلقها، قبل أن تهمس بصوت خافت مرتجف، بينما أخذت ضربات قلبها تزداد بعنف من شدة الخوف: "كـكـ.. كـنت راحـ.. راحة أ..أحـ.حـ.ضر خطوبة صفا في الــ……" لكنها ابتلعت باقي جملتها، منتفضة في مكانها بفزع، مطلقة صرخة ذعر، وقد شحب وجهها تمامًا عندما قاطعها صائحًا بشراسة: "صفا…؟!!! صفا حاف كده…؟؟؟ إيه يا زبا.لة، انتي نسيتي نفسك ولا إيه؟ اسمها ستي صفا…….!

ليكمل بقسوة وعينيه المشتعلة بنيران الغضب تمر فوق جسدها بتفحص دقيق: "أهلاً، والفستان ده جبتيه منين بقى إن شاء الله……؟! أخذت تتطلع إليه بصمت، وعينيها متسعتين بالذعر والرهبة، بينما أحشائها كانت تلتوي بداخلها بقوة من شدة الخوف. حاولت تحريك شفتيها لإجابته، لكن لم يخرج صوت من حلقها، فقد تشنجت أحبالها الصوتية من شدة انفعالها والرعب الذي تشعر به. لكنها انتفضت في مكانها مرتعبة عندما صاح بغضب وهو يجذبها من شعرها بقسوة أكبر:

"انطقي يا بت، جبتيه… منين؟! أجبرت شفتيها على التحرك بصعوبة، هامسة بصوت ضعيف مختنق: "صـ..صـ.. فا…" لتكمل مسرعة مصححة ذلة لسانها عندما رأت الغضب العاصف الذي زجرها به: "قــ.. قصدى ست..ست صفا بنت عمك هي اللي جبتهولي." قاطعها بخشونة وقسوة، بينما عينيه التي لازالت مسلطة على جسدها بهذا الفستان تنطلق منها شرارات غضب أسود عاصف: "جابتهولك برضو ولا سرقتيه من دولابها يا زبا.لة؟ ما أنا عارفك كويس، إيدك طويلة زي أمك……"

هتفت مقاطعة إياه بأنفاس لاهثة يملؤها الذعر، فور سماعها كلماته تلك: "لا… لا والله العظيم ما سرقت حاجة، هي… هي اللي جبتهولي عشان أحضر خطوبتها……" لتكمل هامسة بتضرع، وعينيها محتقنة للغاية، ممتلئة بدموع الألم والإهانة، بعد أن لاحظت أن الساعة المثبتة على الحائط تشير إلى الساعة الحادية عشر والنصف دقيقة، أي أنه لم يتبق الكثير على انتهاء حفل الخطبة:

"وحياة أغلى حاجة عندك يا جابر، سيبني أحضر الخطوبة، مفضلش إلا نص ساعة والخطوبة تخلص. أنا بقالي كتير مخرجتش من البيت ولا شوفت ناس." اشتدت قبضته التي تقبض على شعرها بقوة، مما جعل رأسها يرجع إلى الخلف بقسوة، قرب وجهه منها، ينظر إليها بعينين تلمعان بشراسة وغضب، مما جعلها تخفض عينيها في خوف، بينما تسمعه يزمجر من بين أسنانه: "تحضري إيه… انتي اتجننتي؟ من امتى الكلاب اللي زيك بتحضر أفراح أسيادها؟ انتي نسيتي نفسك ولا إيه."

ليكمل باشمئزاز وغضب وهو يدفعها بقوة للخلف كما لو أنه لا يطيق لمسها، مما جعلها تتعثر وتسقط بقوة على الأرض الصلبة، ويرتطم ذراعها بساق الطاولة، مما جعلها تطلق صرخة متألمة، باكية: "قدامك 5 دقايق تغيري الفستان ده وتلبسي عبايتك الجربة اللي شبهك.. وتفضلي في أوضتك لحد ما الخطوبة دي تخلص. عارفة لو لمحتك برا هعمل فيكي إيه." ليكمل بقسوة ووعيد، وهو يرمقها بنظرات ممتلئة بالكراهية والازدراء، كما لو كانت شيئًا ملوثًا

لا يطيق النظر إليه: "وآخر تنبيه ليكي، لو لمحتك واقفة مع صفا أو بتتكلمي معاها تاني، همحيكي من على وش الدنيا، فاهمة؟!

دفنت غزل، التي كانت لا تزال ملقاة مكانها، وجهها بالأرض، بينما تنفجر في نحيب يمزق أنياط القلب، وقد تحولت دموعها إلى شهقات بكاء عالية ممزقة، بينما ظل هو واقفًا ينظر إليها عدة لحظات بعينين غائمتين ممتلئتين بمشاعر قد تذهلها إن رأتها، قبل أن يلتف ويغادر الغرفة مسرعًا، كما لو كان يهرب من نفسه، قبل أن يهرب منها، مغلقًا الباب خلفه بقوة، اهتزت لها أرجاء المكان وجسد تلك المسكينة.

صعد جابر إلى غرفة شقيقته بسمة، التي وجدها جالسة كالمعتاد على المقعد الذي أمام نافذتها، تتطلع إلى الخارج بوجه مكفهر كئيب، مما جعل قلبه يتألم عليها. اقترب منها جالسًا على المقعد الذي يجاور مقعدها، مربتًا بحنان على ذراعها، قائلاً بمرح يعاكس ما بداخله من ألم: "إيه يا بسوم؟ منزلتيش الخطوبة ليه حبيبتي؟ أجابته بسمة بصوت مختنق وهي لازالت تتطلع خارج النافذة: "أنزل فين يا جابر؟ وأخلي الناس تشوفني بمنظري ده؟

إنت عايزهم يتصرعوا." قاطعها جابر سريعًا وهو يشعر بالغضب: "ليه كده يا بسمة؟ بتقولي كده ليه؟ إنتي فيكي إيه عشان تقولي كده؟ انتفضت بسمة واقفة تهتف به وهي تنفجر باكية، بينما تشير إلى نصف وجهها المشوه بقسوة: "فيكي ده يا جابر.. فيكي ده." لتكمل من بين شهقات بكائها الممزقة: "فيكي إني مسخ.. ما بدخلش مكان إلا والكل بيبص عليّ بقرف وخوف كأني وحش.. الأطفال أول ما يشوفوني يشوروا عليّ ويقولوا ماما عو.. أنا بقيت عو."

أسرع جابر باحتضانها إليه بقوة، مقبلاً أعلى رأسها: "مفيش الكلام ده يا حبيبتي، أقسم بالله إنتي زي القمر." "كل ده وهم جواكي." همست بسمة ببكاء مرير: "متضحكيش عليا.. أنا عارفة نفسي.. أنا مسخ.. مسخ." شدد جابر احتضانه إليه قائلاً بحدة وهو يقاطعها، رافضًا أن يسمعها تتحدث عن نفسها بهذا الشكل: "لا مش مسخ.. ومسمعكيش بتتكلمي عن نفسك تاني بالشكل ده." دفنت بسمة وجهها في صدره تنتحب بقوة، هامسة بألم:

"هي السبب في كل اللي أنا فيه ده.. هي السبب.. أنا بكرهها.. بكرهها." شدد جابر من احتضانه لها، مغلقًا عينيه وهو يضغط على فكيه بقوة، والغضب يعصف بداخله كالنيران، فقد كان يعلم أنها السبب بالفعل في كل هذا. في اليوم التالي. بعد أن أنهت غزل جميع الأعمال المنزلية التي أمرتها بها لبيبة، سمحت لها أخيرًا بأن تذهب لزيارة والدتها بالمشفى التي كانت ترقد بها. فقد كانوا يسمحون لها بأن تذهب لزيارتها يومًا واحدًا في الأسبوع فقط.

جلست غزل بجانب الفراش الذي تستلقي عليه والدتها، التي كانت في غيبوبة تامة، غائبة عن الوعي والعالم منذ أكثر من أربعة سنوات، أي منذ ذلك الحادث الذي تعرضت له مع زوجها. ارتجف جسدها فور تذكرها لهذا اليوم الذي تم فيه إبلاغها بأن والدتها قد تعرضت لحادث أليم هي وزوجها عثمان، الذي أصيب هو الآخر في هذا الحادث بشلل جعله جليسًا على مقعد متحرك، بينما أصبحت والدتها في حالتها تلك من اللاوعي، غارقة في عالمها الخاص.

تساقطت الدموع من عينيها، بينما نشيج متألم يصدر من بين شفتيها، فور تذكرها لكل الآلام والمعاناة التي عانتهم طوال تلك السنين الماضية، فقد تعرضت للتعذيب والتعنيف من قبل لبيبة، شقيقة وفاء العزايزي، زوجة عثمان الأولى.

في محاولة منها للانتقام بسبب ما فعلته والدتها بشقيقتها في الماضي. فبعد زواج أزهار العزايزي، والدة غزل، بابن عمها عثمان العزايزي، كانت وقتها غزل تبلغ من العمر سبعة سنوات. وكان عثمان وقتها متزوجًا من زوجته الأولى وفاء، ولديه منها طفلين، جابر وكان يبلغ من العمر الثانية عشر، وشقيقته بسمة كانت في التاسعة من عمرها.

لا تنكر غزل أن والدتها كانت تملك قلبًا قاسيًا للغاية وشخصية قوية ملتوية بعض الشيء، حيث استغلت حب عثمان لها وضعف شخصيته معها لتتعمد إهانة وإيذاء زوجته وفاء. وبرغم قوة شخصية وفاء، إلا أنها لم تستطع الصمود أمام جبروت أزهار، التي قوى من موقفها دعم عثمان لها والوقوف أمام أي شخص من أجلها.

فرغم أنه كان ذا شخصية حادة وقوية للغاية، يهابه الجميع ويخافه، إلا أنه معها كان أشبه بالطفل، لا يستطيع أن يُحزنها أو يرفض لها أمرًا، كما كان يتغاضى عن أفعالها الشنيعة في حق زوجته، حتى أنه وصل به الأمر إلى لوم زوجته وفاء وتعنيفها، مخبرًا إياها بأنها هي من تستفز أزهار بأفعالها.

فقد كان هناك ماضي بينهما لا تعلم عنه غزل شيئًا، سوى أن والدتها كانت هي وابن عمها عثمان يعشقان بعضهما البعض منذ الطفولة، لكن عندما علم جدهم بأمر علاقتهما تلك، قام بضرب والدتها ورفض أن يزوجها لعثمان بعد أن تقدم لخطبتها، متحججًا بأنهم قاموا بتجاوزه وأنهم لوثوا شرف العائلة بفعلتهم تلك.

ثم أجبر عثمان على الزواج من وفاء، ابنة عمه الآخر، بعد أن هدده بأنه إن لم يوافق على هذه الزيجة، سوف يخبر عمه والد أزهار عن علاقتهما، والذي لن يتردد في قتلها ثانية واحدة، فقد كان معروفًا عنه بجمود عقله، مما بث الخوف بقلب عثمان على محبوبته، لذا وافق على الزواج من وفاء، بينما قام جدهم بتزويج أزهار لوالد غزل، والذي كان يكبرها بأكثر من 25 عامًا.

ظلت والدتها متزوجة زوجها هذا أكثر من خمس سنوات دون إنجاب، فقد كانت أزهار تعاني من بعض المشاكل، وعندما قامت بمعالجتها حملت على الفور. وعندما كانت غزل بالرابعة من عمرها، توفى والد أزهار، جدها، في حادث أليم، ثم لحق بهم زوج أزهار، حيث توفي وغزل تبلغ من العمر سبع سنوات.

وقتها أسرع عثمان بالتقدم للزواج من أزهار، والتي وافقت على الفور وتم زواجهم مباشرة بعد العدة الشرعية لوفاة زوجها، مما جعل القيل والقال ينتشر حولهم، لكنهم لم يهتموا.

ومن ثم بدأ الصراع بين أزهار والدة غزل، ووفاء والدة جابر، التي تم تحويل حياتها إلى جحيم بعد تعمد أزهار الدائم التقليل من شأنها في كثير من الأحيان. حتى وصل بها الأمر بجعلها تعمل في تنظيف المنزل، رغم وجود الكثير من الخدم. رفضت وفاء في بادئ الأمر، لكنها خضعت عندما قام عثمان بتهديدها بالطلاق إذا لم تنفذ ما أمرت به أزهار، لذا وافقت، حيث كانت تعشق زوجها رغم معاملته السيئة لها.

كانت غزل تستغرب لما هي توافق وتتقبل إهانتها بهذا الشكل، ولما كان عثمان ينفذ كل ما تطلبه والدتها كما لو كان مرعوبًا من فقده لها. لا يمكن لغزل أن تنكر أن والدتها أيضًا كانت تعشقه حد الجنون، لكن لم تفهم غزل لما كانت تعامل وفاء بهذا الشكل البشع.

وكلما حاولت لبيبة التدخل بينهم ومساعدة شقيقتها، كان يقف بوجهها عثمان. لكن في ذات ليلة، عندما تشاجرت والدتها معها وقامت لبيبة بضرب أزهار، طردها عثمان من المنزل ورفض أن تخطو قدمها المنزل مرة أخرى. ظلوا على حالهم هذا حتى كبر جابر واشتد عوده، بدأ يقف بوجه والده رافضًا ما يحدث بحق والدته من إهانة وإذلال على يد أزهار، مما جعل والده يعنفه هو الآخر بقسوة. ومن هنا بدأت العلاقة بين جابر ووالده تسوء.

وعندما بلغ جابر الثامنة عشر من عمره، نشأ خلاف كبير بينه وبين والده بسبب ضرب أزهار لوالدته، مما جعله يتطاول على والده، حتى أنه قام بسب أزهار. وقتها عنفه والده بشدة وقام بضربه بقسوة، مما جعله يفر هاربًا من المنزل. وقتها انهارت والدته، حتى والده الذي كان يحاول أن يظهر بمظهر القوي غير المبالي، إلا أنه ورغمًا عنه الدمار والحزن كانا يظهران عليه.

وقتها كانت غزل في الثالثة عشر من عمرها، تأثرت كثيرًا بغيابه، فقد كان جابر الشخص الوحيد المقرب لها بالإضافة إلى حلا وصفا. فقد كان رغم كرهه لوالدتها، إلا أنه كان يعاملها بحنان ورفق، مما جعلها تتعلق به وأصبحت ملتصقة به أينما ذهب تلاحقه في كل مكان، مما تسبب في غيرة شقيقته بسمة، التي كانت تكبر غزل بسنتين، إلا أنها كانت تكرهها كثيرًا بسبب حب والدها لغزل وتدليله لها، حتى جابر كان يدللها كثيرًا.

ظل جابر مختفيًا عن المنزل أكثر من ثلاثة أشهر، تدهور فيهم صحة والده ووالدته بشدة، لكن بالنهاية استطاع والده الذي لم يكف عن البحث عنه، بالعثور عليه يعمل بإحدى محطات الوقود. وقتها رفض جابر العودة إلى المنزل، لكن عندما أخبره أن والدته مريضة بسبب غيابه عنها، اضطر إلى العودة مرة أخرى، رغم شعوره بالحنق من والدته بسبب ضعف شخصيتها وجبنها وقبولها بهذا الوضع المذل.

وبرغم كل هذا، استمر الحال بين أزهار ووفاء على ما هو عليه، فقد كانت أزهار تتمادى في أفعالها معها كما لو كانت تنتقم منها عن شيء لا أحد يعلمه سواهما. حتى وصل بها الأمر أنها في إحدى المرات، بعد ضربها لوفاء، قامت بإغراقها بسائل البنزين وكادت أن تشعل النيران بها، لولا تدخل جابر، الذي كان يبلغ وقتها الثالثة والعشرون من عمره، وأنقذ والدته في آخر لحظة، حتى أنه قام بضرب أزهار ضربًا مبرحًا، حيث تسبب في كسر يديها الاثنتين، مما

تسبب في جن جنون عثمان، الذي قام بتعنيفه بقوة وطلب منه الاعتذار منها، لكن جابر رفض الأمر رفضًا تامًا، وطلب منه أن يقوم بتطليق والدته، لكن عثمان رفض، مما جعل جابر ينفجر به ويخبره بأنه ضعيف الشخصية أمام زوجته، وأن جميع الناس يتحدثون عنه ويسخرون منه ومن ضعفه هذا.

ثم ترك المنزل وغادر، مصطحبًا معه والدته، التي ولأول مرة توافقه على قراره هذا، حيث كانت في كل مرة يطلب منها أن تأتي معه ويتركوا هذا المنزل، كانت ترفض رفضًا تامًا.

ولم يمر أسبوعًا واحدًا على مغادرتهم، حتى وصل إليهم خبر وفاة وفاء، والدة جابر. وقتها طرد جابر والده من العزاء، رافضًا أن يجعله يحضر جنازتها، بينما أخذت لبيبة، شقيقة وفاء، تصرخ بوجه عثمان وأزهار بأنهما من تسببا في وفاة شقيقتها، التي توفت قهرًا وحسرة على حالها، فزوجها بدلًا من أن يقوم بتعنيف زوجته الأخرى لمحاولتها إشعال النيران بها وقتلها، قام بتعنيفها هي واتهامها بأنها هي من استفزت زوجته الثانية.

ظل جابر يرفض جميع محاولات والده لمقابلته أو التحدث معه، وظل يعيش بمنزل والدته مع خالته لبيبة وشقيقته بسمة، مركزًا جهوده في العمل بالأرض التي ورثها عن والدته، حيث عمل على تكبيرها وتوسيعها.

في ذلك الوقت، كانت غزل تبلغ من العمر سبعة عشر عامًا، كانت واقعة رأسًا على عقب في حبه، وقد أثر بها كثيرًا غيابه عن المنزل، فقد اعتادت منذ الصغر أن تراه يوميًا. وعندما علمت ما حدث بجنازة والدته، انهارت بغرفتها، حيث علمت أن أي أمل في أن يكون جابر لها وأن يكونوا معًا قد دمر بسبب والدتها وأنانيتها. لذا اقتحمت غزل غرفة والدتها وأخذت تصرخ بها وهي منهارة ببكاء شبه هستيري، متهمة إياها بأنها السبب في تدمير حياتها وأنها السبب في وفاة والدة جابر.

ولصدمتها، بدلًا من أن تقوم والدتها بالصراخ عليها أو تعنيفها كعادتها، احتضنتها بقوة، مقبلة أعلى رأسها بحنان، مربتة على ظهرها محاولة تهدئتها، هامسة بصوت مرتجف: "حقك عليا يا نور عيني، أنا عارفة إنك بتحبيه." لتكمل وهي تمرر يدها بحنان فوق شعر طفلتها التي ازداد نحيبها: "بس إنتي متعرفيش حاجة يا غزل، متعرفيش هما عملوا فيا إيه ولا أذوني إزاي.. بكرة يا قلب أمك هتفهمي كل حاجة."

رفضت غزل الاستماع إلى والدتها، حيث اندفعت مبتعدة عن حضنها، صارخة بألم: "أفهم إيه؟ .. إنتي ست ظالمة وأنانية وأنا عمري في حياتي ما هسامحك.. فاهمة.. عمري ما هسامحك." وانطلقت راكضة من الغرفة بأقصى سرعة، تدخل غرفتها وتنهار فوق فراشها، منفجرة في نوبة بكاء مرير.

مر شهر وأكثر على هذا، دخلت غزل خلاله بحالة من الاكتئاب والحزن، رافضة محاولات والدتها للتخفيف عنها وإخراجها من حالتها تلك، حيث كانت تذهب إلى مدرستها ثم تتوجه منها إلى دروسها الخارجية، وتعود إلى المنزل بعدها، تستلقي على فراشها تبكي متألمة من اشتياقها لجابر حتى تغرق بالنوم.

ظلت على حالتها تلك حتى ذات يوم، كانت خارجة من مدرستها، تخطو بخطوات بطيئة ورأسها منحنى، بينما وجهها الشاحب يرتسم عليه الألم والحزن. لكنها رفعت رأسها بحدة، وقد أخذت ضربات قلبها تتسارع بجنون عندما سمعت صوتًا تحفظه جيدًا ينادي باسمها.

أشرق وجهها بالفرح، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة فور رؤيتها لجابر يقف أمام البوابة الخارجية لمدرستها، يستند إلى سيارته وعينيه مسلطة عليها باهتمام واشتياق واضح. لم تشعر بنفسها إلا وهي تندفع راكضة نحوه، وقلبها يكاد يغادر جسدها من شدة دقاته التي أخذت تتسارع بجنون. أمسكت بيديه فور أن أصبحت بجانبه، هامسة بصوت مرتعش متقطع، وقد امتلأت عينيها بالدموع: "جابر.. أنا مش مصدقة إنك هنا بجد.. أنا كنت فاكرة إن مش هشوفك تاني."

ابتلعت باقي جملتها، حيث دموعها الحبيسة أخذت تتساقط على خديها بغزارة، بينما تغرق في نوبة بكاء، مما جعل وجه جابر يتصلب بقوة، قبل أن يسرع بدفعها داخل خصوصية سيارته، حتى لا يلفت مشهد بكائها أنظار الناس من حولهم، فقد كانوا ببلد ريفية ينتشر بها القيل والقال في أي أقل من ثوانٍ قليلة.

قاد السيارة بصمت، وهو يضغط على فكيه بقوة، كما لو كان يقاوم شيئًا ما بداخله، بينما ظلت هي بجانبه تغرز أسنانها بشفتيها، بينما التوتر والارتباك يتغلبان عليها من صمته هذا، شاعرة بالإحراج في ذات الوقت من بكائها أمامه وفضح اشتياقها إليه.

تشددت قبضتاها الممسكتين بحقيبة مدرستها، وهي تحاول بصعوبة منع الدموع التي تشكلت بعينيها مرة أخرى من أن تتساقط وتفضح أمرها أكثر، عندما أوقف جابر السيارة فجأة، مما جعلها تلتف إليه تهم أن تسأله لما توقف، عندما انتبهت أخيرًا إلى أنهما يقفان بجانب الطريق الرئيسي الذي يؤدي إلى المدينة. شهقت بقوة عندما فجأة أحاطت يده إحدى يديها، يضمها بين يديه برفق، بينما يده الأخرى تمر بلطف فوق خدها، يمسح بحنان الدموع العالقة بها، قائلاً

بصوته الأجش الذي تعشقه: "وحشتيني يا غزل." انحبست أنفاسها داخل صدرها، وقد اتسعت عينيها بشدة فور سماعها كلماته تلك، لكنها هزت رأسها بقوة، محاولة إخراج نفسها من حالتها تلك، هامسة بتردد: "أنا… أنا كنت فاكرة إني مش هشوفك تاني، وإنك أكيد مش هتبقى عايز تشوفني أو تعرفني تاني بعد اللي حصل بسبب ماما." قاطعها جابر قائلاً بنبرة صلبة، وقد تشدد وجه، بينما أصبحت عيناه تلمعان بالقسوة فور سماعه اسم والدتها:

"إنتي مالكيش دخل بكل اللي حصل يا غزل.. كام مرة أقولك إنتي حاجة وأزهار أمك حاجة تانية." ليكمل والتعبير الحاد المرتسم على وجهه يختفي، وعينيه المعذبة تمر فوق ملامح وجهها باشتياق واضح: "بعدين أنا مقدرش أبعد عنك.. إنتي مش عارفة إنتي غالية عندي إزاي.. يا غزل." احمر وجه غزل بشدة، وقد اكتسحته حرارة الخجل، مما جعله يبتسم، بينما يراقب بشغف حالتها تلك. ترك يدها برفق، قائلاً وهو يعيد إدارة السيارة:

"هاخدك وننزل المنصورة.. مش كنت واعدك هوديك السينما تتفرجي على فيلم تامر حسني الجديد." أطلقت غزل صيحة فرح فور سماعها كلماته تلك، وهي تسقف بيديها بحماس وسعادة. لكنها سرعان ما تجمدت في مقعدها، وهي تشعر بالذنب من حماسها وفرحتها تلك، فوالدته لم يمر على وفاتها شهرين، فكيف يمكنها أن تظهر فرحها بهذا الشكل المبالغ به. هز جابر رأسه متسائلاً فور أن لاحظ سكونها المفاجئ: "في إيه يا غزل.. مالك؟

أخذت نفسًا طويلًا مرتجفًا، قبل أن تجيبه بصوت منخفض يملؤه الذنب: "معلش يا جابر، سامحني. أنا قعدت أتنتط وأصوت وماخدتش بالي." لتكمل وهي تضم حقيبتها المدرسية إلى صدرها، وشعورها بالذنب يزداد بداخلها: "بلاش نروح سينما.. إنت أكيد مش فاضي ولا ليك نفس." قاطعها جابر على الفور بحدة وهو يلتف ينظر إليها: "لا هنروح السينما يا غزل." ثم صمت للحظة، قبل أن يتابع بنبرة متحشرجة، وهو ينظر داخل عينيها بعمق:

"أنا جيتلك عشان عايز أخرج من اللي أنا فيه.. ومليش غيرك هيخرجني منه." قطع جملته فجأة، وقد عقد حاجبيه بغضب، بينما عينيه مسلطة على شعرها الذي كان تعقده في ذيل حصان كثيف يصل إلى أسفل ظهرها. أمسك بطرفه بين إصبعيه، قائلاً بنبرة يملؤها الحدة والغضب: "مش قولتلك قبل كده كفاية بقى لحد كده وتتحجبي يا غزل." ليكمل بغضب وهو يدير وجهها نحوه:

"إنتي مبقتيش صغيرة، إنتي في 3 ثانوي.. وإحنا في بلد ريفية، يعني البنت بتتحجب من قبل ما بتدخل الإعدادي. بعدين العين عليكي خصوصًا إن شكلك ملفت." رفعت غزل نظارتها الطبية التي ترتديها إلى أعلى جسر أنفها، وهي تقاطعه مغمغمة بارتباك: "شكلي ملفت إزاي يعني.. مش فاهم؟

أخذ جابر يتطلع إليها بصمت عدة لحظات، قبل أن تمر عينيه فوقها متفحصًا بنظرات ممتلئة بالإعجاب واضح. لكنه تنحنح بقوة، بينما يدير وجهه بعيدًا، فاركًا شعره بعصبية، كما لو كان يحاول السيطرة على نفسه، قائلاً بصوت أجش حاد، بينما يعود للقيادة: "من بكرة تلبسي الحجاب يا غزل.. كفاية أوي لحد كده." أومأت غزل رأسها بالموافقة، وهي تفكر كيف سوف تقنع والدتها بارتدائه، فقد كانت ترغب بأن تظل بشعرها لحين دخولها الجامعة بالعام المقبل.

زفر جابر بقوة، كما لو كان يحاول تهدئة نفسه، قبل أن يلتف إليها قائلاً وهو يبتسم لها، محاولًا تعويضها عن قسوته السابقة معها: "ها، مقولتليش يا ست غزل موافقة تيجي معايا السينما ولا لأ؟ أومأت برأسها بصمت، قبل أن تبادله ابتسامته تلك بابتسامة خجلة، بينما أخذ قلبها يقفز داخل صدرها بعنف، وهي ترى عشقه لها مرسومًا داخل عينيه بوضوح. عشقه الذي لم يفصح عنه بالكلمات حتى الآن، لكنه أفصح عنه بجميع أفعاله معها.

ومنذ ذلك اليوم، أصبح جابر من عادته أن ينتظرها أمام مدرستها يوميًا، يراها لمدة دقائق قليلة، موصلًا إياها إلى المنزل بسيارته، لكنه كان ينزلها بعيدًا عن المنزل بعدة شوارع حتى لا يقابل والده. وكان بكل مرة يأتي لها بمجموعة كبيرة من الحلوى، خاصة غزل البنات ذات الألوان المبهجة التي كانت تعشقها.

كان يحب دائمًا مراقبتها وهي تتناوله. في ذلك الوقت، كانت متأكدة من حبه لها، فقد كان فظًا مع جميع من حوله، حتى في عمله كان يخافه العمال والأشخاص الذين يعملون معه، عكس ما كان معها، فقد كان لينًا في حديثه معها. كان يحاول دائمًا إسعادها بأي طريقة. حتى أنه كان يصطحبها إلى المدينة عدة مرات، يأخذها هناك لزيارة الأماكن التي كانت ترغب بشدة لزيارتها.

كان والده عثمان ووالدتها يعلمان بأمر زياراته لها بالمدرسة وخروجهم سويًا، إلا أنهم تصنعا عدم المعرفة، فقد كان والده يأمل دائمًا بتزويجهم. بينما استمر الخصام بين جابر ووالده لأكثر من عام، لكنه انتهى عندما تعرض عثمان وأزهار إلى حادث أليم، الذي أدخل أزهار في غيبوبة دائمة وجعل من عثمان عاجزًا مقعدًا.

فاضطر جابر للعودة إلى المنزل، حيث تحدث إليه والده الذي كان في حالة من الانهيار بسبب حالة أزهار، حيث ترجى جابر أن يسامحه ويعود إلى المنزل هو وشقيقته. وبالفعل، أخبره جابر أنه قد سامحه، حيث لم يستطع أن يرى والده بهذه الحالة بمفرده. لكنه لم يعد إلى المنزل مع شقيقته فقط، فقد جاءت معهم لبيبة، شقيقة والدتهم، التي تحججت بأنها ستقيم معهم حتى تقوم برعاية ابنة شقيقتها بسمة.

ثم حاولت إقناع عثمان بأن يتزوج منها حتى تستطيع البقاء معهم بالمنزل دون أن يصيبها القيل والقال من الناس، لكنه رفض بشدة أن يتزوج امرأة غير أزهار، التي كان يذهب يوميًا إلى المشفى لزيارتها على كرسيه المتحرك.

أما لبيبة، فقد رفضت غزل وقامت بإهانتها وطلبت من جابر أن يطردها خارج المنزل، لكن جابر رفض بشدة وهدد خالته بعدم الاقتراب منها ومعاملتها بشكل جيد، وإلا ستواجهه هو، مخبرًا إياها بوضوح بأن غزل ليست كوالدتها، وأنه يجب عليها الفصل بينهما.

وقتها وافقت لبيبة على مضض، لكنها بدأت أن تتبع معها أسلوبًا ماكرًا، حيث اتفقت مع ابنة شقيقتها بسمة عليها، فقد كانوا أمام جابر يعاملونها بشكل جيد، وفور غيابه يقومون بإهانتها وإذلالها بكلمات مهينة قاسية، خاصة عندما كان يسافر جابر للعمل بالخارج، فقد كان يزداد الأمر سوءًا، حيث كانوا يجبروها على العمل بالمنزل، حتى وصل بهم الأمر في كثير من الأحيان من حرمانها من واجبات الطعام والغلق عليها بغرفتها.

وعندما هددتهم غزل بأنها ستخبر جابر بما يفعلونه بها، ابتسمت بسمة وأخبرتها بأنها ستنكر الأمر، وبالطبع جابر لن يصدقها ويكذب شقيقته، وأنها ستخبره بأنها تفعل ذلك حتى تخرب علاقتهم كما فعلت والدتها بعلاقة والديهم. لذا صمتت غزل عما يفعلونه بها، فقد كانت تعلم بأنه لن يصدقها ويكذب شقيقته الوحيدة، التي كان يهتم لأمرها كثيرًا، خاصةً بعد وفاة والدتهم.

لكن عندما ازدادوا في أفعالهم تلك، اضطرت غزل إلى أن تلجأ إلى جابر وتخبره بما يفعلونه بها، وقتها غضب جابر بشدة فور سماعه الأمر، واجتمع بهم في الحال وقام بتعنيفهم، لكن انفجرت بسمة في البكاء والعويل، مخبرة إياه بأنها لم تفعل شيئًا، وأن غزل هي من تحاول صنع المشاكل حتى تفرقهم عن بعضهم البعض.

رفض جابر تصديق بسمة، وطلب منهم بأن يبتعدوا عنها، وإلا ستواجهان غضبه. كان ما يصبر غزل على كل ذلك معاملة جابر لها، فقد كان يعاملها بحنانه واهتمامه المعتاد، وكان يحاول كثيرًا التخفيف عنها، فقد كان يعلم مدى صعوبة الأمر عليها بسبب مرض والدتها، حتى أنه كان يأخذها إلى المشفى يوميًا لزيارتها، حيث كان يبقى منتظرًا إياها بالخارج لحين انتهائها من زيارتها، كما كان يخصص عطلة نهاية الأسبوع لها، حيث كان يأخذها إلى المدينة للترفيه عنها، كما كانوا يفعلون بالماضي، مما أشعل ذلك غيرة شقيقته، فرغم أنه كان يدللها كثيرًا، لكنها كانت لا تطيق تقرب شقيقها من غزل، مما جعلها تزيد من معاملتها السيئة لغزل، فقد كانت تكرهها حقًا.

وفي ذات يوم، كانت غزل جالسة بغرفة الطعام تتناول بمفردها طعامها، عندما جاءت بسمة ووقفت بجانبها، تتطلع إليها بنظرات ممتلئة بالكراهية والاشمئزاز: "هو إنتي إيه معندكيش دم.. الطفح اللي عمالة تطفحيه ده.. والفلوس اللي عمالة تبعتريها يمين وشمال دي.. مش فلوس برضو جابر بتصرفيهم بأي حق؟

شحب وجه غزل، وقد أصابتها كلماتها تلك في مقتل، فقد كانت حقًا تشعر بالإحراج بسبب بقائها هنا بعد مرض والدتها، فجابر كان ينفق عليها الكثير والكثير من المال، فقد كان كل حين يشتري لها الملابس الجديدة بالاضافة إلى الخروجات والسفر إلى المدينة، فكل ما كان يمكن أن تتمناه كان يأتي به لها دون حتى أن تطلبه منه. أكملت بسمة بغل وسخرية لاذعة، وهي تتطلع إليها بقسوة: "أكيد هتديله تمن اللي بيصرفه عليكي في أوضة النوم.. مش كده؟

انتفضت غزل واقفة تهجم عليها، وغمامة من الغضب تعمي عينيها، لا تصدق أنها اتهمتها بهذا الأمر الحقير. قبضت غزل على شعرها تجذبه بعنف، مما جعل بسمة تصرخ بقوة مستغيثة بمن في البيت، ليقتحم الغرفة راكضًا جابر، الذي ما إن شاهد وضعهم هذا، أسرع بحمل غزل بين ذراعيه بعيدًا عن شقيقته، صارخًا بهم بغضب بأن يتوقفوا عن أعمال الأطفال تلك، ناعتاً إياهم بأنهم غير مسؤولين. التفتت إليه غزل قائلة بحدة، مقاطعة إياه وهي تنتفض

مبتعدة من بين ذراعيه: "أختك.. شايفة إني أدفعلك في أوضة النوم تمن اللي بتصرفه عليا من فلوس؟ إيه رأيك يا جابر؟ اشتعلت عينين جابر بغضب عاصف فور سماعه كلماتها تلك، صفع شقيقته بقسوة وهو يصرخ بها بشراسة: "قسماً بالله يا بسمة، إن ما احترمتي نفسك واتظبطتي لأوريكي وش تاني مني.. الظاهر إني دلعتك بزيادة." هتفت بسمة بحدة ويدها فوق خدها الذي أصبح بلون الدماء أثر صفعه لها، قائلة بغل وهي تنظر بتحدي إلى غزل:

"بتضربني ليه عشان بقول الحقيقة؟ مش هي دي برضو أمها الفاجر.ة اللي كانت عشيقة أبونا وهي على ذمة راجل تاني……" لم تشعر غزل بنفسها إلا وهي تهجم عليها، تضربها بقسوة بأنحاء جسدها، ناعته إياه بأقسى الشتائم، مقاومة بضراوة جابر الذي حاول فصلها عن شقيقته حتى نجح بصعوبة بالنهاية.

حملها بين ذراعيه بعيدًا عن بسمة، مما جعلها تصرخ به وتضربه بيديها محاولة دفعه بعيدًا، فقد كانت في حالة شبه هستيرية. ظل جابر يضمها إليه رافضًا تحريرها حتى هدأت تمامًا، لكنها التفتت تتطلع إلى بسمة المستلقية على الأرض بشعر أشعث ووجه ملئ بالخدوش بفعل الأظافر الحادة لغزل: "قسماً بالله يا بسمة لأدفعك تمن اللي قولتي ده غالي." لتكمل بوعيد والكراهية تلمع بعينيها:

"سمعتيني.. قسماً بالله لأندمك طول حياتك على الكلام اللي قولتي ده وهعرفك الفاجرة بنت الفاجرة هتعمل فيكي إيه." قاطعها جابر بحدة وثرامة: "غزل.. إيه اتجننتي؟ بتهددها قدامي." زجره غزل بغضب قبل أن تلتف إلى بسمة مرة أخرى قائلة بتهديد: "خافي مني عشان قسماً بالله ما هرحمك.. حتى أخوكي ده مش هيقدر يرحمك من اللي هعمله فيكي."

أنهت جملتها دافعة جابر بحدة في صدره، قبل أن تنطلق خارجًا، ولكن وهي في طريقها إلى الأعلى، وصل إلى سمعها صوت جابر الغاضب وهو يعنف شقيقته بقسوة، حتى أنها سمعت تلك الحقيرة تبكي طالبة منه السماح، لكنها لم تهتم وذهبت إلى غرفتها.

جاء بعد ذلك جابر إليها وحاول مراضاتها، وعندما أخبرته أنها ستنتقل وتترك المنزل، انفجر بها وأخبرها أنه يحبها ويرغب بالزواج منها. وقتها شعرت غزل بأنها ملكت العالم بأكمله، لكنهم اتفقوا أن ينتظروا قليلًا قبل إعلان خطبتهم، فقد كان حادث والده ووالدتها لا يزال حديثًا. وظلوا أكثر من شهر كانوا غارقين بحب بعضهم البعض، وقتها شعرت غزل بسعادة لم تشعر بها من قبل طوال حياتها. حتى جاء اليوم الذي هدم فيه سعادتها تلك.

اعتدلت غزل في مقعدها بجانب فراش والدتها بالمشفى، وهي تتذكر ذلك اليوم الذي انقلب به حب جابر وعشقه لها إلى كراهية واحتقار. ففي إحدى الليالي، شعرت غزل بالجوع في منتصف الليل، لذا هبطت إلى المطبخ لكي تصنع شيئًا تأكله، وهي تشعر بالاطمئنان لوجود جابر بالمنزل، فلبيبة و بسمة لن يستطيعوا فعل شيء لها في حضوره.

أخرجت من المجمد بطاطس جاهزة للقلي، وضعت زيتًا غزيرًا على نار البوتاجاز حتى تقوم بقليها. عندما سمعت صوتًا خلفها، التفتت فازعة لتجد بسمة واقفة بباب المطبخ تزجرها بنظرات يملؤها الكراهية والغل، بينما كان وجهها وعينيها منتفخين بشكل ملحوظ، كما لو كانت قد قضت الساعات الماضية في البكاء. همست بصوت خشن يقطر بالغل والحقد: "بقى أنا بنت الحسب والنسب يفضلك إنتي عليا.. ليه فيكي إيه زيادة عني.. فيكي إيه مش فيا." غمغمت

غزل بارتباك وعدم فهم: "هو مين ده؟ أنا مش فاهمة حاجة؟ صرخت بسمة مقاطعة إياها بنبرة يتخللها الجنون والغضب: "أيوه.. استهبلي.. أوي يا بت، وقعي رجالة العيلة كلها في حبلك واعملي عبيطة مش فاهمة. إيه مش كفاياكي جابر اللي واكله عقله.. جاية عايزة كمان تاخدي مني ده كمان.. بس أقول إيه، ما إنتي خرابة بيوت زي أمك." لتكمل وهي تتقدم لداخل المطبخ وعينيها لازالت مسلطة على غزل الواقفة تتطلع إليها بأعين متسعة بالصدمة،

وهي لا تفهم عما تتحدث: "بس أنا عارفة إزاي أخليكي تختفي من حياتي خالص وجابر اللي يطردك من البيت بإيده زي ما كان المفروض أمك تتطرد منه بعد ما حاولت تولعي في أمي وتحرقيها."

أنهت جملتها تلك وهي تتقدم نحو، ترفع العبوة التي كانت بيدها وتسكب السائل الشفاف الذي بداخلها فوق رأسها، لتغرق كامل جسدها به، وينبعث على الفور رائحة البنزين القوية والنفاذة، مما جعل غزل تتراجع للخلف بعيدًا عنها، وهي تشاهد بارتباك ما تفعله وهي لا تفهم ما الذي تحاول صنعه تلك المختلة. لكن شحب وجه غزل، وقد سيطر الخوف فور أن سمعتها تصرخ بأعلى صوت لديها بنبرة شبه هستيرية:

"الحقــــــوني.. عايزة أولع فيا.. الحقــــــني يا جابر عايزة تحرقني زي ما أمها كانت عايزة تحرق أمي.. الحقوني يا ناس هتموتني."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...