الحقوني…. عايزة أولع فيا…. الحقوني يا جابر عايزة أحرقني زي ما أمها كانت عايزة تحرق أمي… الحقوني يا ناس هتموتني…… كانت تصرخ بتلك الكلمات بأعلى صوت لديها وهى تتقدم نحو غزل وابتسامة شامتة تتسع بها شفتيها، فقد كانت تعلم جيداً أن شقيقها سيقوم بطردها ما إن يأتي إلى هنا ويرى أنها تحاول حرقها بالفعل كما فعلت والدتها بوالدتهم.
أخذت تتقدم ولم تنتبه إلى نيران الموقد المشتعل الذي كانت غزل تقف بجانبه تصنع طعامها، لذا وما إن أصبحت بجانبه أمسكت النيران بملابسها التي كانت مشبعة بسائل البنزين القابل للاشتعال، مما جعلها تصرخ بهستيرية والنيران أخذت تلتهم جسدها. أخذت غزل تصرخ هي الأخرى صرخات هستيرية مرتعبة وهي في حالة من الرعب والصدمة، وعقلها لا يستوعب ما حدث بالفعل، بينما تتراجع إلى الخلف في خوف وهي تشاهد النيران تلتهم جسد بسمة.
في أقل من ثوانٍ اقتحم جابر الغرفة وكمال من بالمنزل الذين اجتمعوا على صراخ كلاً من بسمة وغزل، لكن تجمدوا في أماكنهم وقد صعقوا من رؤيتهم لحالة بسمة. بينما أسرع جابر الذي تصرف سريعاً واختطف عبوة إطفاء الحرائق وقام باستعمالها على النيران التي كانت تلتهم شقيقته لتخمد على الفور وتنطفئ. انهارت غزل على أرضية المطبخ تدفن وجهها بين ساقيها، بينما تحيط ذراعيها جسدها الذي كان ينتفض بقوة من شدة الصدمة والخوف.
أغلقت عينيها بقوة وهي تحاول دفع بعيداً مشهد النيران التي كانت تلتهم جسد بسمة. دفنت رأسها أكثر بين ساقيها محاولة حجب صوت الصراخ الغاضب لجابر الذي كان يحمل جسد شقيقته المتضرر ويركض مسرعاً إلى الخارج بها نحو المشفى، وصراخ وعويل لبيبة الذي ملأ المكان. كانت غزل تنكمش على نفسها أكثر راغبة بأن تختفي أو أن تموت بهذه اللحظة. بعد مرور عدة ساعات…
كانت غزل مرتمية فوق فراشها تبكي، فقد علمت من إحدى العاملين بالمنزل بأن بسمة قد تعرضت لحروق خطيرة من الدرجة الثالثة أدت إلى تشوه أكثر من نصف جسدها وجزء من وجهها. دفنت وجهها بوسادتها وهي تطلق نشيجاً ممزقاً، بينما كامل جسدها كان يرتجف من شدة شهقات بكائها، فهي لا تعلم لماذا فعلت بسمة ذلك، فقد كانت ترغب بحيلتها تلك أن تؤذيها وتطردها من المنزل، لكن بالنهاية هي من تأذت ودمرت.
انتفضت جالسة فور أن انفتح باب غرفتها بقوة جعلته يرتطم بالحائط. نهضت مغمغمة بلهفة فور رؤيتها لجابر يدلف إلى داخل غرفتها. "جابر… طمني بسمة عــ…." لكنها ابتلعت باقي جملتها بخوف متخذة عدة خطوات إلى الخلف عندما رأت جابر يتقدم نحوها بوجه متجهم وعينين تتقافز شرارة الغضب منها. شعرت برجفة من الخوف تسري بسائر جسدها. خوف لأول مرة تشعر به في حضور جابر الذي كان يطمئنها وجوده دائماً.
همست بتردد وذعر وهي تراقبه بأعين متسعة من الخوف. "إيه يا جابر… مالك؟! ولكن وقبل أن تنهي جملتها دوت صفعة على خدها أطاحت برأسها من مكانه مما جعلها تسقط بقسوة أرضاً وهي تصرخ متألمة منفجرة في بكاء مرير. حاولت أن تلملم شتاتها وتنهض ببطء، لكنه لم يدع لها الفرصة حيث أنهال عليها بصفعة أخرى جعلت رأسها يرتطم بالأرض بقسوة مما جعلها تصرخ متألمة، بينما الدماء تسيل من جانب فمها وأنفه.
انحنت حول نفسها دافنة رأسها بين ذراعيها بحماية، وكامل جسدها يرتجف رعباً عند سماعه يصرخ بها وهو يعاود ضربها بشراسة بضربات متفرقة بأنحاء جسدها. "حرقـتيها…. ليه… حرقتيها ليه… نفذتي خلاص تهديدك وندمتيها العمر كله… عرفتيها بنت أزهار قادرة تعمل إيه زي ما هددتيها؟! ليكمل وهو ينهال عليها ضرباً بقدمه يضربها ضربات متفرقة بأنحاء جسدها غير آبه بصراخها المدوّي الباكي المتألم. فقد كان أشبه بالمجنون المغيب.
"اللي أمك معرفتش تعمله في أمي… انتي قدرتي تعمليه في أختي….. وأنا السبب… أنا اللي ساعدتك في ده." صرخت غزل باكية وهي لازالت تحاول حماية جسدها من ضرباته. "والله ما عملت حاجة… هي اللي عملت كده والله العظيم ما لمستها ولا قربت حتى منها….." قاطعها مزمجراً بوحشية وهو يقبض على شعرها بعنف حتى كاد أن يقتلعه من جذوره، لا يعير لصراخها المتألم. "هي اللي عملت في نفسها إيه يا بنت الـ*** يا زبالة، هي اللي حرقت نفسها… ليه مجنونة؟
هزت رأسها بينما تطلق صرخة مدوية عندما جذب شعرها بقسوة. "والله ما عملت فيها حاجة… هي اللي دخلت ورمت على نفسها البنزين وقالتلي إنك هتطردني من البيت، وأول ما قربت من البوتجاز النار مسكت فيها….." أنهت جملتها والأمل بداخلها يتصاعد عندما رأت الغضب الذي بعينيه قد هدأ قليلاً، بينما يده الممسكة بشعرها قد خفّت قبضته. لكن انطفأ أملها هذا عندما سمعت لبيبة تهتف بقسوة من خلفه وهي تتقدم لداخل الغرفة.
"أوعى تصدقها يا جابر دي كدابة… فوزية شافتها بعينيها وهي بتولع عود الكبريت وترميها على أختك الغلبانة." اتجهت عيني جابر نحو فوزية المرأة التي كانت تعمل بهذا المنزل، والتي يعدها يحترم جابر كثيراً ويعدها كوالدته، فقد معروف عنها الصدق والأمانة، وكان معروف عنها حبها الشديد لغزل. سألها بصوت مرتجف وهو يدعو في قلبه بأن تنفي سؤاله هذا. "شوفتيها ولا لأ يا فوزية…؟
هزت فوزية التي كانت تقف خلف لبيبة رأسها قائلة بصوت مرتجف بعض الشيء. "حصل يا بني غزل هي اللي حرقت أختك أنا شوفتها بعيني…." صرخت غزل بصدمة وهي لا تصدق أن تلك المرأة الطيبة قد كذبت، فبكلماتها تلك ثبتت عليها التهمة. "محصلش أقسم بالله ما حصل خالة فوزية انطقي بالحقيقة حرام عليكي." صرخت لبيبة انتحاباً مزيفاً مقاطعة إياها عمداً.
"آه يا ضنايا يا بنتي… يا زهرة شبابك اللي راح يا بنتي.. منك لله يا حرباية يا بنت الحرباية أمك موتت أمها بحسرتها وقهرتها وأنتي وحرقتي بنتها حية وحرقتي قلبنا عليها… يا ترى هتقومي منها يا بنتي ولا خلاص عليه العوض." فور سماع جابر كلماتها تلك جن جنونه مرة أخرى، وقد جعلت كلماته الدماء تفور بعروقه. أنهال عليها يضربها بقسوة، ضربات متفرقة بأنحاء جسدها غير آبه بصراخها المدوّي الباكي المتألم.
لكنه فقد السيطرة على نفسه تماماً وقبضت يديه على عنقها يعتصره بشدة. ظل على حالته تلك من اللاوعي وهو يعصر عنقها الرقيق بين يديه، بينما أخذت هي تحاول مقاومته حيث انعدم الهواء تماماً داخل صدرها، فأخذت تضربه بيديها ضربات متعثرة فوق قبضته المحيطة بعنقها محاولة جعله يفلتها، لكنه لم يتحرك من مكانه وظل في حالته الجنونية تلك.
وقفت لبيبة تتابع هذا المشهد وابتسامة واسعة شامتة تلتوي بها شفتيها، بينما كانت مستمرة بالصراخ بكلماتها السامة مزيدة من إشعال غضبه، مانعة فوزية من التوجه نحو جابر وإنقاذ غزل من بين يديه. استمرت غزل في مقاومته لكنها بالنهاية استسلمت حيث أدركت أن هذه هي نهايتها التي لا مفر منها، رددت الشهادة بداخلها قبل أن تغرق في غمامة سوداء ابتلعتها داخلها.
لم تستيقظ غزل إلا في المشفى وبجوارها تجلس فوزية التي كانت تعمل بمنزل العزازية منذ أكثر من ٣٥ عاماً. أمسكت بيد غزل هامسة وهي تبكي. "سامحيني يا بنتي… بس غصب عني لبيبة هددتني بعيالي… ودي ست قادرة وتقدر مش تموتلي عيل لا دي ممكن تمحي عيلتها كلها من على الأرض….." لتكمل وهي تنحني على يدها محاولة تقبيل يدها. "سامحيني.. يا ضنايا حقك عليا."
جذبت غزل يدها سريعاً قبل أن تربت على يدها بحنان مطمئنة إياها أنها تعلم أن الأمر ليس بيدها. قامت فوزية برعاية غزل بالمشفى والاعتناء بها، ثم اصطحبتها إلى المنزل. وقتها حاولت غزل الهرب من المشفى رغم أنها وقتها لم تكن تعلم إلى أين تذهب، فعائلة والدها مقاطعين إياها بسبب كرههم لوالدتها.
لكن لم يهمها هذا وقررت الهرب إلى المدينة، لكن أمسك بها كلاً من خليل وجعفر غفر جابر الذين كانوا ينتظرون خارج المشفى وأخبروا جابر فور وصولهم إلى المنزل بمحاولة هربها تلك. وقتها ثار عليها كالمجنون، فكان غاضباً غضباً لم تراه بحياتها، لكنه رغم ذلك لم يحاول إيذاءها واكتفى بتهديدها أنها إذا حاولت الهرب مرة فسوف يقتلها.
ثم شدد الحراسة على المنزل ومنعها منعاً باتاً من الخروج من المنزل إلا لزيارة والدتها، وهذا أيضاً بصاحبة إحدى الغفر. مثل الآن ومنذ ذلك وقد بدأت معاناتها بمنزل العزايزة حيث جعلتها لبيبة خادمة لها ولمن بالمنزل جميعاً. تتعمد إهانتها وتعنيفها كما لو كانت تتلذذ بذلك، وبسمة التي أصبحت معاملتها لها أسوأ من قبل، فقد كانت تعاملها كما لو كانت حقاً من قامت بحرقها.
كما أصبحت حبيسة غرفتها ترفض الخروج إلى الناس، فقد شوه جسدها وجزء من وجهها، ورغم قيام شقيقها بتسفيرها إلى الخارج لإجراء الكثير من عمليات التجميل، إلا أن ظل جزء كبير من وجهها وجسدها متضرر. كما أصبح جابر يتجاهلها يتعامل معها ببرود مميت، لكن أحياناً كان يصيبها غضبه مثل ما حدث بالأمس بحفل خطبة ابنة عمه. في اليوم التالي.
كانت غزل نائمة في سلام عندما استيقظت فجأة منتفضة وهي تشهق بصوت يملؤه الذعر عندما شعرت بماء بارد مثلج ينسكب على وجهها، وبارجاء المكان يصدح صوت لبيبة التي كانت تقف بجوار فراشها على وجهها يرسم معالم السخط والغضب. "اصحي يا منيلة على عينك وعين أهلك.. إيه كل ده نوم.. ده انتي ليلة أبوكي سودة النهاردة." مررت غزل يدها فوق وجهها تمسح المياه العالقة بها مغمغمة بحنق. "إيه يا خالة لبيبة… أنا عملت إيه دلوقتي…؟
قاطعتها لبيبة بقسوة ضاربة إياها بقبضتها في ذراعها مما جعل غزل تصرخ متألمة. "عملك منيل زي وشك ووش اللي جابوكي…. الساعة بقت ٥ وربع… قومي فزي حضري الفطار ونضفي البيت…." ضربت غزل شرشف الفراش بيدها متأففة بغضب قائلة وهي تنهض. "حاضر قايمة أهو… قايمة أهو." لتكمل محدثة نفسها وهي تدير ظهرها لها بينما تفرك ذراعها الذي كان يؤلمها أثر ضربها به، مهمهمة بحنق وبصوت منخفض كعادتها.
"اللهي تتشلي في إيدك يا بعيدة… اللهي عربية تعدي من فوقك أربع مرات رايح جاي لحد ما تتقلي لحمة مفرومة يتقرف الكلب حتى……" صرخت لبيبة بحدة من خلفها مقاطعة إياها. "بتبرطمي بتقولي إيه يا بت انتي… انتي مش هتبطلي عادتك الزفت دي إيه فكراني مش فاهمة بتهببي إيه؟ استدارت إليها غزل قائلة وهي تهز كتفيها ببرود، متصنعة البراءة. "ولا حاجة يا خالة كنت بفكر مع نفسي أعملكم فول بالطماطم ولا بالطحينة… مش أكتر."
رفعت لبيبة حاجبها قائلة باستهجان. "لا وحياة أمك أزهار… عليا برضه ما أمك الله يجحمها مطرح ما هي متلقحة كانت زيك كده برضه بتعقد تبرطم باللي جواها…." قاطعتها غزل بغضب وحدة. "بعد الشر على أمي… متدعيش عليها." لتكمل بغضب وعصبية وهي تشعر بقلبها يتمزق من مجرد تخيلها لوالدتها. "إن شاء الله هيجي اليوم اللي تفوقي فيه وترجعي بيتها وتجيبيلي حقي منكوا كلكوا… واحد.. واحد."
أطلقت لبيبة ضحكة رنانة ساخرة قبل أن تقترب منها ببطء وتقبض على شعرها بقسوة مما جعل غزل تطلق صرخة متألمة. "بتقولي إيه يا حيلتها سامعيني تاني كده… ترجع وتدفعنا التمن…" لتكمل بغل وهي تدفعها بقوة للخلف مما جعلها تسقط بقسوة. "أمك دي لو فاقت وقامت لها قومة من تاني هجيبها هنا تحت رجلي… تخدمني زيك بالظبط كده…. عثمان اللي كان مقوياها علينا بقى عامل زي خيال الميتة متلقحة فوق اهو لا بقى بيهش ولا بينش…."
أنهت جملتها منحنية فوق غزل مزمجرة من بين أسنانها وهي تسترد قائلة بغل وعينيها تلمع بكم الكراهية التي تكنها لوالدتها. "ده لو أصلاً لو قامت منها… أمك كلها شهر ولا اتنين بالكتير وتلبسي عليها أسود…." لتكمل وهي تنتفض مستقيمة مرمقة إياها بنظرات مليئة بالاشمئزاز والرفض. "عقبال ما نلبسه عليكي قريب انتي كمان…." جفلت غزل بشدة فور سماعها كلماتها القاسية تلك مما جعلها تهتف بغضب وهي تزجر لبيبة بحدة. "بعد الشر عليا وعلى أمي…."
لتكمل وهي ترمقها بنظرة ذات معنى. "إن شاء الله اللي يكرهنا….." لوت لبيبة شفتيها في ابتسامة ساخرة وهي تقاطعها ببرود. "واللي يحبوكوا أو يطقيكوا كمان….." لتكمل وهي تتجه نحو الباب متجاهلة تعبير الكراهية المرتسم على وجه غزل. "خلصي وقومي فزي يلا وشوفي وراكي إيه تنيليه…. عايزة الفطار يبقى جاهز في نص ساعة…." وقفت بالباب مستديرة نحوها قائلة بوعيد وتهديد.
"وعلى الله تتأخري ثانية واحدة علشان أخلي ليلة اللي جابوكي سودة زي وشك العكر…." أنهت جملتها تلك خارجة من الغرفة تاركة باب الغرفة مفتوح على مصراعيه، بينما ظلت غزل جالسة بمكانها على الأرض ترمقها بنظرات سامة، حيث لو كانت النظرات تقتل لكانت وقعت لبيبة صريعة في الحال. بمنتصف اليوم.
كانت غزل تضع الطعام الذي أعدته على طاولة الطعام، متجاهلة النظرات المتفحصة التي كان يرمقها بها جابر الذي كان يجلس مترأساً طاولة الطعام، وبجانبه تجلس لبيبة التي ما إن وضعت أمامها صحن الحساء عكفت أنفها قائلة بحدة. "إيه ده الشوربة دي باردة كده ليه… انتي مسخنتهاش ولا إيه…؟! تفحصت غزل بارتباك صحن الحساء الذي كانت الأبخرة تتصاعد منه، فقد كان السائل الذي به يكاد يصل حد الغليان. "باردة إيه!!!
ما هي سخنة قدامك اهها.. ولا هو أي تلاكيك وخلاص." تفت لبيبة بحدة. "تلاكيك؟!! انتي بتكدبيني يا بت انتي هي حصلت…." لتكمل وهي تلتفت نحو جابر الذي كان يتناول طعامه بهدوء قائلة بعصبية. "شايف البت وقلة أدبها.. يا جابر انت هتسكت على قلة أدبها دي؟ أكمل جابر تناول طعامه بهدوء متجاهلاً إياها كما لو كانت لم تتحدث، مما جعل نيران الغضب تشتعل بصدرها. التفت نحو غزل مرة أخرى قائلة بغل وهي تجز على أسنانها بقسوة.
"انجـري يا بت سخني الشوربة دي وهاتيها تاني… وهخلي ليلة أهلك تعدي." هزت غزل رأسها قائلة برفض، بينما عينيها متعلقة بخوف على جابر وهي تتوقع أن يعنفها بأي لحظة. "مش هسخن حاجة الشوربة سخنة قدامك اهها…."
تشنج جسد لبيبة بغضب فور سماعها كلماتها تلك، لكنها حاولت تمالك نفسها والسيطرة على أعصابها حتى لا تنهض وتجذب شعرها بين يديها تمزقه حتى تعلمها كيف تتحدث معها هكذا، لكنها لا تستطيع فعل ذلك أمام جابر، فرغم أنها تقوم بإهانتها إلا أنها تخاف أن تمسها بسوء جسدياً أمامه. تنفست بعمق قبل أن تهمهم بلؤم وهي ترفع الصحن من أمامها. "تعالى خديه وسخنيه وخلي ليلتك دي تعدي قولتلك…."
زفرت غزل بحدة قبل أن تستسلم وتتجه نحوها حتى تأخذ الصحن منها وتعيد تسخينه، لكن ما إن همت بتناوله منها دفعت لبيبة الصحن مما جعل جميع محتوياته تنسكب فوق يدي غزل التي صرخت متألمة وهي تشعر بيدها تحترق. انتفض جابر واقفاً فور سماعه صرختها تلك يهم بالتوجه نحوها وهو يشعر بالهلع، لكنه تمالك نفسه في آخر لحظة مرتدياً مرة أخرى قناع اللامبالاة وهو يعاود الجلوس مكانه مرة أخرى. بينما هتفت لبيبة بفزع كاذب.
"يقطعني الطبق اتزحلق من إيديا…. " لتكمل وهي تتناول ملعقة من الطعام تضعها بفمها مهمهمة ببرود. "يلا الحمد لله إنها باردة مش سخنة… وإلا كانت حرقت إيدك." وقفت غزل تحتضن يدها المحترقة إلى صدرها وهي تكاد تنفجر في البكاء، تنظر باستنجاد إلى جابر الذي كان يجلس بهدوء تماماً يرتشف من كوب العصير الذي بيده كما لو أن لم يحدث أي شيء غير طبيعي. شعرت بغصة تكاد تخنقها بينما دموعها تنسكب من عينيها بحسرة وألم.
بينما كان جابر جالساً بجسد متشدد يضغط بعنف على كوب العصير الذي بيده حتى كاد أن يكسره وهو يحاول تجاهل نظرات غزل تلك، فقد كان يعلم أنها تنتظر منه ردة فعل على ما حدث، لكنه تجاهلها وحاول الاستمرار في إظهار بروده الذي يعاكس النيران المشتعلة داخل صدره. ضغط بقوة على الكوب العصير الذي بيده حتى كاد أن يكسره وهو يحاول السيطرة على أعصابه الثائرة والحفاظ على قناعه من الهدوء واللامبالاة.
شاهدها بطرف عينيه وهي تطلق نشيجاً باكياً قبل أن تستدير وتغادر الغرفة بكتفين منحنيين وهي تضم ذراعها المصاب إلى صدرها مما جعل الألم يمزق قلبه. غمغمت لبيبة بسخرية لاذعة وهي تلوى شفتيها بشماتة واضحة بينما تتابعها بالخارج بنظراتها السامة. "اجري يا ختي اجري بلاش محن…."
لكنها ابتلعت باقي جملتها مطلقة صرخة من الرعب والألم في ذات الوقت عندما شعرت بشيء ساخن للغاية يسقط فوق أعلى صدرها مما جعلها تنتفض واقفة وهي تصرخ من الألم حيث أن الحرق أصاب جلدها. "إيه اللي انت عملته ده… يا جابر…. انت اتجننت……" قاطعها جابر مزمجراً بقسوة. "هــا… سخنة ولا تحبي أخلي حد يسخنهالك أكتر كمان….."
تجمدت مكانها فور سماعها كلماته تلك، نظرت بأعين متسعة بالرعب والارتباك إلى أعلى حيث كان يقف وبيده صحن الحساء الذي سكب محتوياته فوقها، مما جعلها تصرخ بغل. "بتحرق خالتك علشان خاطر اللي متتسماش يا جابر… إيه زعلان أوي عليها……" لتكمل وهي تقترب منه حتى أصبحت تقف أمامه تتطالعه بأعين تلمع بالقسوة والكراهية.
"بس متخافش عليها أوي كده حرق الشوربة… مش زي حرق البنزين اللي حرقت به أختك.. أختك اللي أكتر من نص جسمها ووشها اتاكل واختك اللي بقالها أكتر من سنتين مستخبية في أوضتها من الناس والدنيا كلها.. علشان محدش يقول عليها مسخ…… إيه حبك لها هيعميك زي ما حب أمها ما عمى أبوك………"
ضغط جابر على فكيه بقوة فور سماعه كلماتها تلك التي تسببت بألم لا يطاق بصدره، أخذ ينظر إليها عدة لحظات وهو لا يعلم بما يجيبها قبل أن يلتف ويغادر المكان بخطوات غاضبة مسرعة. دلفت حلا إلى غرفة صديقتها التي كانت مستلقية فوق الفراش تبكي بصوت مرتفع مما جعلها تندفع نحوها قائلة بقلق وهي تنحني جالسة بجانبها. "غزل…..!!! ارتمت غزل في حضنها وانتحابها يزداد مما جعل حلا تشدد من احتضانها لها وهي تهمس. "اهدي…. يا حبيبتي….."
لتكمل بارتباك وهي تحاول إبعادها عنها بلطف بينما تحاول فحص ذراعها. "هي إيدك اتحرقت أوي ولا إيه…؟! همست غزل وهي تنظر إليها بارتباك وعدم فهم. "و انتي عرفتي منين إن إيدي اتحرقت…؟! أخذت تتطلع إليها حلا عدة لحظات بصمت وعلامات التوتر تظهر على وجهها قبل أن تجيبها بتلعثم. "هقولك بس تحلفي بالله إنك مش هتقولي لحد إن قولتي لك حاجة…." أومأت غزل برأسها وهي تمسح وجهها من الدموع العالقة به وهي تغمغم بعصبية وفضول.
"والله العظيم ما هقول لحد… قولي بقى." أجابتها حلا وابتسامة ترتسم على شفتيها. "جابر اللي كلمني وقال لي أجي أشوفك وأجيب معايا علاج للحروق.. بس بعدها راح مخشن صوته وقال لي……" لتكمل بجدية وهي تعقد حاجبيها. "قسماً بالله لو عرفت إنك قولتي لغزل أو عرفتيها إن أنا اللي كلمتك هقتلك انتي وعيلتك كلها…." فغر غزل فمها وهي تستمع إلى حديث صديقتها هذا هامسة بدهشة. "بجد… هو اللي قالك..؟!
أومأت حلا برأسها بالموافقة مما جعل غزل تغمغم بارتباك. "طيب وقولتيلي ليه…. انتي مش خايفة منه..؟! هزت حلا كتفيها قائلة. "خايفة طبعاً ده مجنون ويعملها…." لتكمل وهي تبتسم ابتسامة واسعة. "بس أنا فتانة… ومقدرش أخبي عنك حاجة… وأنتي أكيد يعني مش هتروحي تقولي له… أكيد مش مستغنية عني…."
شعرت غزل بمشاعرها تضطرب وهي لا تستطيع فهم لماذا اهتم بما يحدث لها خصوصاً وأنه كان يظهر أمامها لامبالياً حتى عندما حرقت لبيبة ذراعها بالحساء الساخن ظل يتناول طعامه بهدوء دون يلتف وينظر إليها مرة واحدة حتى. راودتها فكرة جعلت قلبها تتسارع دقاته، هل من الممكن أن يكون لا يزال يهتم بها؟ لكنها هزت رأسها في الحال رافضة تلك الفكرة الحمقاء، فجابر لم يعد يهتم بها منذ حادثة شقيقته فقد تحول حبه لها إلى كراهية وبغض.
لكن ما لا تفهمه حقاً لماذا طلب من حلا أن تأتي بدواء ومعالجتها؟ في ذات الوقت. كان جابر جالساً في غرفة مكتبه ينظر أمامه بجمود وعلى وجهه يرسم مزيج من الغضب والحزن في ذات الوقت، فقد كان يشعر بالغضب من نفسه بسبب تلك المشاعر التي لا يزال يشعر بها نحو غزل رغم كل ما فعلته به وبشقيقته. فقد كان بالماضي يعشقها حد الجنون عندما كان يصدق أنها بريئة أشبه بملاك تسحره بضحكتها وساذجتها وبراءتها، فقد كبرت على يديه.
كانت أشبه بزهرة رائعة الجمال تكبر وتتفتح أمامه وتنضج، ويوماً بعد يوم ومع نضوجها هذا وفتحها كان يقع بحبها، حتى أصبح عاشقاً مهووساً بها وببراءتها، حتى جاء اليوم الذي قتلت به حبه لها. تذكر ذلك اليوم الذي أحرقت به شقيقته وكاد أن يقتلها به خنقاً، ارتجف جسده بعنف وقد انقبض قلبه فور تذكره للحالة التي كانت عليها، فقد ظن وقتها أنها ماتت وفقدها للأبد. صرخت لبيبة بانتحاب مزيف مقاطعة إياها عمداً.
"آه يا ضنايا يا بنتي… يا زهرة شبابك اللي راح يا بنتي.. منك لله يا حرباية يا بنت الحرباية أمك موتت أمها بحسرتها وقهرتها وأنتي وحرقتي بنتها حية وحرقتي قلبنا عليها… يا ترى هتقومي منها يا بنتي ولا خلاص عليه العوض." جعلت كلماتها تلك الدماء تفور بعروقه فور تذكره لما حدث لوالدته على يد والدتها وكيف خدع بها، فقد كان يظنها ليست مثل والدتها لكنها خدعته ببرائتها المزيفة.
أنهال عليها يضربها بقسوة، ضربات متفرقة بأنحاء جسدها غير آبه بصراخها المدوّي الباكي المتألم. وقد فقد السيطرة على نفسه تماماً وقبضت يديه على عنقها يعتصره بشدة، ومشهد شقيقته وهي تحترق أمام عينيه مما جعله يشعر كما لو كان وسط جحيم يشعل جسده بنار لا يستطيع تحملها.
ظل على حالته تلك من اللاوعي وهو يعصر عنقها الرقيق بين يديه، بينما أخذت هي تحاول مقاومته حيث انعدم الهواء تماماً من صدرها، فأخذت تضربه بيديها ضربات متعثرة فوق يديه المحيطة بعنقها محاولة جعله يفلتها، لكنه لم يتحرك من مكانه وظل في حالته الجنونية تلك يعتصر عنقها بقوة. ولم يخرج من حالته تلك إلا على صراخ لبيبة التي كانت تهتف بصدمة كاذبة. "البت قطعت النفس يا جابر… موتها يا جابر…." لتكمل وهي تزغرط فرحاً.
"جبت حق أختك.. تسلم البطن اللي جابتك…." هز جابر رأسه بقوة بينما الغمامة التي كانت تحيط عينيه وعقله تنزاح أخيراً. أخفض نظره نحو تلك المستلقية أسفله بسكون تام ليشعر بالدماء تجف بعروقه فور أن رأى وجهها الشاحب كشحوب الأموات تماماً، بينما شفتيها تحولت إلى لون أزرق باهت بسبب انعدام الهواء. انحنى عليها هاتفاً بهلع وفزع وهو يهزها بقوة، شاعراً بقلبه ينتفض ذعراً داخل صدره وبالدماء تكاد تغادر جسده ظناً منه أنها ماتت بالفعل.
"غزل…." أخذ يمرر يده التي كانت ترتجف بقوة فوق وجهها الساكن وشعرها محاولاً إفاقتها وهو على وشك الانهيار والإغماء، هامساً بهلع وانتحاب. "غزل… لا… لا يا حبيبتي… علشان خاطري.. لا… غزل…" انحنى يتحسس نبضها الذي وجده ضعيفاً للغاية. انحنى عليها وحملها بين ذراعيه راكضاً بها نحو باب الغرفة محاولاً الوصول بها إلى أقرب مشفى، لكن لبيبة وقفت أمامه تسد عليه الباب تمنعه من الخروج هاتفة بغضب. "رايح بيها فين يا جابر… هتوديها المستشفى؟
إيه هتعالج اللي حرقت أختك وخالتها مرمية في المستشفى بين الحياة والموت……" صرخ بها جابر الذي كان كامل جسده يرتجف، بينما قلبه يتمزق بداخله من فكرة أنه على وشك فقدها إن لم يسرع بإنقاذها خلال الدقائق التالية. "ابعدي عن طريقي…." صرخت لبيبة بغل وهي تمسك بإطار الباب بيديها مانعة إياه من العبور.
"لا مش هبعد يا ابن أختي مش هبعد… سيبها تغور في داهية وإحنا نخلي الغفر يدفنوها في الجنينة الورانية.. ولا من شاف ولا من داري وهي ملهاش حد يسأل عنها أصلاً… أمها و متلقحة في غيبوبة……" هدد الضغط الذي قبض على صدره بسحق قلبه فور تصوره وهم يدفنون جسدها بين الأتربة، مما جعل ألم عنيف يضرب قلبه، شاعراً بالاختناق كما لو الهواء قد انعدم من حوله.
زمجر بشراسة مرعبة بينما يندفع للأمام دافعاً عمته جانباً بقوة مبعداً إياها عن طريقه، مما جعلها تسقط بقوة أرضاً، لكنه لم يبالي بها واندفع راكضاً للخارج. صرخت به لبيبة وهي تتابعه بأعين تلمع بالغل والحقد. "أجري وداوي اللي حرقت أختك ودوس على أختك زي ما أبوك ما داس على أمك… بسبب حبه لأمها اللي كان عماه…. زي ما حبك لبنتها الخاطية عامي قلبك وعينيك…."
تباطأت خطوات جابر فور سماعه كلماتها تلك وهو يشعر بالذنب يجتاحه، لكنه فور أن خفض عينيه نحو تلك التي يحملها بين ذراعيه ورأى حالتها التي كانت أشبه بالأموات لم يهتم بأي شيء.. لم يهتم أي شيء سواها. ثم تبع طريقه راكضاً إلى الخارج حتى يقوم بإنقاذها وإنقاذ نفسه معها. زفر جابر بعنف بينما يفرك وجهه بعصبية، فهو يجب أن يتمالك نفسه أكثر من ذلك، يجب أن يجعل نفسه يعتاد على أنها لا تعنيه ولا يهتم أمرها في شيء.
فهذه كانت المرة الأخيرة التي يتدخل بها في شيء يخصها. خرج من غرفة مكتبه حتى يذهب إلى العمل ومباشرة أعمال الزراعين بالأراضي وهو لا يزال يردد عهده هذا لنفسه. في اليوم التالي. كانت غزل ذاهبة لإطعام الدجاجات والمواشي بالحظيرة التي تقع خلف المنزل عندما أوقفها عوض ابن عمة جابر الذي لا تعلم من أين ظهر. "غزل كنت عايز أتكلم معاكي في موضوع…."
غمغمت غزل بتململ وهي تتلفت حولها خائفة من أن يراها أحد تقف معه، فقد كان يجن جنون جابر إذا رآها تتحدث مع أي شخص من خارج المنزل خاصة الرجال. "خير يا عوض عايز إيه…؟! أنت عارف إن وقفتنا مع بعض دي ممكن تقلب الدنيا عليا….." قاطعها عوض بحدة وعصبية. "بقولك إيه يا غزل… محدش له حاجة عندي أو عندك…." ليكمل وصوته يصبح ألطف قليلاً. "أنا عايزة أكلمك في حاجة مهمة… بصراحة كده يا غزل أنا بحبك وعايز أتزوجك…."
اهتز الصحن الضخم الذي تحمله مما جعله يسرع ويحمله عنها وهو يسرع قائلاً عندما لاحظ وجهها الذي شحب من شدة الصدمة. "عارف إنك مستغربة… بس والله بحبك.. بحبك من وإنتي كنت عيلة لسه في الثانوي…." ليكمل بحدة وعينيه تلمع بغضب. "واللي كان مانعني أن أتكلم معاكي وقتها أو حتى أتقدم إن الكل كان عارف إنك وجابر بتحبوا بعض وشبه مخطوبين….. لكن دلوقتي الكل عارف إن بعد اللي حصل مع بسمة أي حاجة بينكم انتهت من زمان…."
هدد الضغط الذي قبض على صدرها بسحق قلبها عند سماعها كلماته تلك، شاعرة بالحسرة والألم لما كانت تمتلكه وفقدته. غرست أسنانها في شفتيها حتى أدمتها وذاقت طعم الدماء بفمها وهي تحاول حبس الدموع التي سدت حلقها. بينما أكمل عوض وهو يحاول إقناعها. "وافقي يا غزل… وافقي خليني أخرجك من البيت ده…." التقطت غزل نفساً مرتجفاً في محاولة منها لتهدئة نفسها قبل أن تهمس بصوت مختنق بعض الشيء. "سيبني فترة أفكر…. أنت عارف إنه مـ…………"
لكنها ابتلعت باقي جملتها وقد شحب وجهها عندما سمعت صوت جابر الحاد يأتي من خلفها. "بتزفتي إيه عندك…؟! استدارت غزل تواجهه هامسة بتلعثم. "أبداً كنت… كنت بأكل البهايم وعوض……." أكمل عوض سريعاً ببعض التوتر، فرغم خوفه ورهبته من جابر إلا أنه حاول ألا يظهر هذا أمام غزل. "أنا اللي وقفتها يا جابر… كنت بكلمها في موضوع……" زمجر جابر بقسوة وهو يندفع يقف أمامه مباشرة وتعبير من الوحشية على وجهه.
"موضوع إيه بقى إن شاء الله اللي بتاخد رأيها فيه…. بعدين هو أنا مش نبهت عليك وحذرتك إن رجلك متخطيش البيت ده…." ابتلع عوض لعابه بصعوبة قبل أن يجيبه بصوت مرتجف بعض الشيء وهو يحاول استجماع شجاعته. "أصل كنت عايز غزل في موضوع خاص يا جابر…." فقد جابر السيطرة على أعصابه فور سماعه كلماته تلك وقبض على عنقه مزمجراً من بين أسنانه المطبقة بعنف. "موضوع خاص إيه يالا أنت هتعملهم عليا……."
ليكمل وقبضته تشتد حول عنقه بينما يهزه بقوة جعلت أسنانه تتخبط ببعضها البعض. "طيب قسماً بالله تاني مرة إن شوفتك واقف معاها لهندمك العمر كله…… ويلا غور من هنا ومشوفش خلقتك تاني…." أنهى جملته دافعاً إياه بقوة جعلته يسقط أرضاً زاجراً إياه بنظرات غاضبة عاصفة قبل أن يستدير نحو غزل التي كانت تشاهد ما يحدث بوجه شاحب وأعين ممتلئة بالخوف.
قبض على ذراعها بقسوة جاراً إياها خلفه طوال الطريق نحو المنزل وما إن دلفوا إلى غرفة مكتبه اشتدت قبضته حول ذراعها مما جعلها تطلق تأوهاً متألماً لم يعير له اهتماماً مزمجراً بحدة بينما عينيه المسلطة عليها تنطلق منها نيران مشتعلة. "كان عايز منك إيه…؟ ظلت تحدق في وجهه بخوف من لهيب الغضب الذي يلمع بعينيه، لكنها انتفضت في مكانها بفزع عندما صرخ بها. "انطقي…. كان عايز إيه…؟
همست بصوت مرتجف بينما تدفع بيدها الحرة التي كانت ترتجف بقوة نظارتها ذات الإطار الأسود للخلف فوق أنفها الدقيق الصغير. "كان… كان بيقولي…. إنه عايز يتجوزني و………" لكنها ابتلعت باقي جملتها مطلقة صرخة فزع عندما دفعها بقوة للخلف ليصطدم ظهرها بالحائط لتصبح محاصرة بينه وبين جسد جابر الذي كان لا يفصل بينهم سوى بوصات قليلة. شعرت بالرعب يجتاحها عندما أحاطت يده عنقها يعتصره. لكنه بعد ثوان قليلة ارتخت قبضته من حول عنقها.
شعرت غزل بالصدمة عندما الغضب المرتسم على وجهه يتحول إلى تعبير معذب كما لو أنه يتألم. اتسعت عيناها عندما ضاقت عيناه عليها وهدير خافت يصدر من حلقه قبل أن يدفن وجهه بجانب عنقها مما جعلها تشعر برجفة حادة تسري بسائر جسدها عندما شعرت بأنفاسه الدافئة تمر على جانب عنقها، أخذ صدرها يعلو وينخفض بشدة وهي تكافح لالتقاط أنفاسها وهي لا تفهم ما حدث له فجأة.
أحاطت يديها كتفيه تدفعه بعيداً عنها مما جعله يرفع رأسه عن عنقها ينظر إليها بعينين محتقنتين يظهر بهما السعير الذي يكوي أعماقه قبل أن يهمهم بصوت أجش معذب. "وافقتي…؟!
ظلت تتطلع إليه بأعين ممتلئة بالدموع وهي تفكر في الأمر قبل أن تتوصل أخيراً إلى قرارها، فرغم حبها له إلا أنها تعلم أنه أصبح يكرهها ولم يعد هناك أمل بينهم بعد كل ما حدث بينهم، فموافقتها على الزواج من عوض هو الحل الوحيد للهروب من العذاب الذي تتعرض له بهذا المنزل. أومأت برأسها بصمت ودموعها تنساب من عينيها مغرقة وجهه. بينما تحول شحوب وجهه إلى لون رمادي كما لو كان قد فقد الحياة. أحاط وجهها بيديه هامساً.
"هتوافقي بالساهل كده.. بعد كل اللي كان بينا…." أشعلت كلماته تلك الغضب بداخلها، ضربته بيديها في صدره مبعدة إياه عنها وهي تهتف بغضب. "بالساهل…؟!! أنت بتسمي العذاب اللي شفته على إيدك وإيد كل اللي في البيت ده بالساهل…." لتكمل وقد تحولت دموعها إلى شهقات بكاء عالية ممزقة. "واللي بينا أنت اللي موته…." صاح مقاطعاً إياها بغضب عاصف. "أنا اللي موت اللي بينا ولا انتي لما حرقتي أختي….."
أجابته بحدة وهي تمسح بتصميم وجهها الغارق بالدموع بكف يدها المرتجفة. "أيوة أنت اللي صدقت… إني ممكن أعمل حاجة زي كده.. وكأنك متعرفنيش….." ظل يتطلع إليها بصمت عدة لحظات قبل أن يهز رأسه كما لو كان ينفض ما في رأسه بعيداً قبل أن يحيط وجهها بيديه مرة أخرى قائلاً بصوت أجش. "اتجوزيني يا غزل…"
اتسعت عينيها فور سماعها كلماته تلك وقد اهتز جسدها من شدة الصدمة، لكنها هزت رأسها محاولة الخروج من صدمتها تلك وهي تقنع نفسها أنها قد سمعت كلماته خطأ، لكنها خرجت من حالتها تلك عندما قرب وجهه منها ينظر إليها بأعين تلمع بالحاجة واليأس. "تعالى نتجوز… انتي عارفة إننا مكتوبين لبعض مينفعش نكون لغير بعض……" قاطعته غزل تهز رأسها بقوة وهي في حالة شبه هستيرية. "لا… لا……"
ضاق عينيه بغضب محدقاً بها بقسوة بينما يديه التي تحيط وجهها تشدد. "يعني إيه لا…… مش عايزة تتجوزيني…؟ أجابته وهي تدفع يديه بعيداً قائلة بصوت ممتلئ بالوجع والحسرة. "أيوة مش عايزة أتزوجك…." لتكمل بصوت مرتجف مختنق بينما بكائها يزداد. "مستغربة أوي ليه.. بعد كل اللي عملته فيا عايزني أأمنك على نفسي إزاي… أنا هتجوز عوض أهو ينجدني من العذاب اللي أنا فيه…" قاطعه جابر هاتفاً بصوت مخيف مظلم بينما تتقافز شرارة الغضب من عينيه.
"على جثتي…. فاهمة على جثتي.. ده أنا أقتلك وأقتله…." ليخفف من حدة نبرته فور أن رآها تجفل بخوف، أغمض عينيه يتنفس بقوة محاولاً السيطرة على ما بداخله من ألم وغضب، وعندما نجح في ذلك أحاط وجهها بيديه مرة أخرى. "مهما اللي حصل بينا يا غزل مينفعش تبقي لغيري…." همست بصوت مكتوم باكٍ القهر ينبثق منه.
"ليه… هتفرق معاك إيه ولا أهمك في إيه…. أنا لو مت دلوقتي ولا هيفرق معاك مش بعيد تخلي حد من الغفر بتوعك هو اللي يدفني في أي تربة من ترب الصدقة… أنا ولا حاجة في حياتك يا جابر." انقبض صدره بألم عند سماعه كلماتها القاسية تلك، أحاط خصرها بذراعه يجذبها نحوه يضمها إليه بقوة دافناً وجهه بعنقه وهو يهمس بصوت معذب.
"انتي تهميني يا غزل و تهميني أكتر من أي حد في الدنيا… لو مش تهميني كان زماني سمعت كلام لبيبة ورميتك في الشارع يوم الحادثة، لو حد غيرك عمل كده في أختي أنا كنت قتلته ومترددتش ثانية واحدة بس أنا ضعيف نحيتك وده أكتر حاجة تعباني…. أنا محبتش في حياتي ولا عمري هحب حد قدك…." تسارعت أنفاسها واحتدت بشدة شاعرة بالأرض تميد أسفل قدميها فور سماعها كلماته تلك.
وقفت جامدة بين ذراعيه لا تدري ما يجب عليها فعله، لكن اهتز كامل جسدها فور انقرب شفتيه من أذنها يهمس لها بصوت أجش مليء بالرجاء. "وافقي… يا حبيبتي وأنا هعوضك هعوضك عن كل اللي فات… كفاية اللي ضاع مننا لحد كده." تراجعت للخلف بعيداً عن ذراعيه وعينيها متسعة بالدهشة من نبرة المرارة والرجاء الموجودان في صوته.
أخذت تتطلع إليه بارتباك وقد بدأ قلبها الخائن يتأثر، لكنها رغم الألم والحزن اللذين يعصفان بداخلها إلا أنها تصنعت القوة قائلة بحدة. "لا يا جابر مش هتـ………" أسرع بوضع يده فوق فمها يمنعها من تكملة باقي جملتها مزمجراً بشراسة. "متنطقهاش…." ليكمل وهو ينظر داخل عينيها بتحدي واصرار بينما يضغط بقوة على فكيه. "وأنا بقولك مش هتجوزي غيري يا غزل…."
همست بصوت منخفض وقد ارتجفت شفتيها في قهر دفين تنظر إليه بأعين غائمة لا ترى بسبب الدموع التي تملئها. "إيه اللي جد يا جابر…. اللي يشوف طريقتك معايا من ساعة بس كان يقول إنك متطيق العمى ولا تطيقني…." ابتلع بصعوبة الغصة التي تشكلت بحلقه عندما لمح ومضة الألم التي تلمع بعينيها قبل أن يجيبها. "أنا عمري ما كرهتك يا غزل… ياريتني كنت قدرت أكرهك مكنش بقى ده حالي….."
ليكمل قائلاً وهو ينزع نظارتها الطبية ويمرر يديه على خديها يزيل دموعها برقة تعاكس جمر الغضب الذي كانت تتلوى عليه روحه والاحتراق بنيران الغيرة. "اللي جد إني حسيت فجأة إنك ممكن تضيعي من بين إيديا وتبقي لحد تاني وده اللي لا يمكن اسمح به….." أكمل هامساً بتضرع لأول مرة بحياته يصدر منه. "انسى اللي فات وخلينا نبدأ صفحة جديدة… انتي لسه بتحبيني يا غزل زي ما أنا لسه بحبك متنكريش وتضيعي مننا سنين أكتر من اللي ضاعوه."
هزت رأسها بقوة برفض وقد تحول انتحابها إلى شهقات بكاء عالية ممزقة وهي تتمتم بشبه هستيرية. "ابقى بكذب عليك لو قولتلك إني مش بحبك…." لتكمل بكلمات متقطعة من بين بكائها. "بس.. أنا خايفة… أنا خايفة منك وده إحساس عمري ما حسيته معاك زمان… لكن دلوقتي بقيت بخاف منك وبعمل حساب لكل كلمة بنطقها معاك عشان متبهدلنيش زي كل مرة… جابر اللي حبيته عمره ما قلل مني عكس دلوقتي….." قاطعها بصوت يملئه الألم.
"غصب عني… غصب عني يا غزل كنت عايزاني أعمل إيه بعد اللي حصل لأختي بسببك… بس يمكن أنا غلطت المفروض كنت أراعي إنك وقتها كنت صغيرة ومكنتيش قادرة تفرقي بين الصح والغلط…." قاطعته هاتفة بصوت ممزق. "معملتش حاجة فيها… أقسم بالله ما عملت حاجة فيها…. حلفتلك كتير وبرضو مش عايز تصدقني…." مرر جابر يديه بشعره يفركه بقوة ويأس يتملك منه، لكن تجمد جسده عندما شعر بيدها تمسك بيده وهي تهمس بصوت مرتجف يملئه الرجاء والألم.
"أقسم بالله مش أنا اللي عملت في بسمة كده ولا حتى قربت منها…." ظلت نظراته المتسعة مسلطة على يدها الممسكة بيده قبل أن يطلق زفرة طويلة مرتجفة ويحيطها بذراعيه يضمها إليه قائلاً باستسلام وهو يقبل أعلى رأسها. "مصدقك يا حبيبتي…. مصدقك." كانت انتفضت مبتعدة عنه هامسة بارتباك وخوف. "بالساهل كده صدقتني دلوقتي وقبل كده مصدقتنيش ليه… مصدقتنيش ليه قبل ما ترميني لعمتك واختك يبهدلوا فيا……"
ضغط جابر على فكيه بقوة وهو يشعر بعجز لم يشعر به طوال حياته. "علشان مقدميش حل إلا أن أصدقك يا غزل…. لأني مش عايز أخسرك…."
دفنت وجهها بين يديها بينما حلقها ينقبض وهي تحاول كتم شهقات بكائها لكنها فلتت منها منكسرة بينما اهتز كامل جسدها وقد بدأت تبكي بنحيب مرتفع يمزق القلب مما جعله يسرع بضمها إليه بحنان محاولاً تهدئتها، بينما ظلت هي تبكي مخرجة كل الألم والوجع الذي تشعر بهم، فقد كانت لا تعلم ماذا تفعل، فقلبها يخبرها بأن تسامحه وعقلها يخبرها ألا تستسلم له وتتذكر ما تعرضت له خلال السنتين الماضيتين.
انتفضت مبتعدة عنه راكضة نحو باب المكتب تهرب منه رافضة الإجابة على ندائه الذي ظل يلاحقها للخارج. بعد مرور نصف ساعة. اقتحم جابر منزل عمته ووقف بردهة المنزل الواسعة يهتف بأعلى صوت لديه ينادي عوض. استقبلته عمته صبحية التي هرولت خارجة من غرفتها وقلبها يقصف بصدرها من شدة الخوف. "جابر يا أهلاً وسهلاً يا ضنايا….." غمغم جابر مقاطعاً إياها وهو يحاول السيطرة على الغضب الذي كان يعصف بداخله. "فين ابنك يا عمة صبحية…؟!
غمغمت صبحية بارتباك وقد ارتسم على وجهها الخوف فقد تعلم أن مجيء جابر إلى هنا لا يبشر بالخير. "عوض… عوض في أوضته… خير يا بني في إيه هو عمل حاجة فهمني…." لكن قطع حديثها هتاف عوض الذي كان يهبط الدرج قائلاً بحدة وهو يحاول ألا يظهر خوفه منه. "إيه يا جابر بتزعق ليه…؟! اندفع نحوه جابر فور رؤيته له يقبض على عنق عبائته وغضب عاصف يحترق بداخله، لو أطلق العنان له لأحرق كل ما حوله ولا يترك خلفه سوى الدمار والموت.
زمجر منبين أسنانه بصوت حاد شرس. "اسمعني بقى كده…. كنت عايز إيه من غزل…؟! ابتلع عوض غصة الخوف وهو يحاول استجماع شجاعته قبل أن يجيبه بحدة تعاكس الخوف الذي يرتجف به قلبه. "عايز أتزوجها……" اعتصر جابر عنقه وهو يهتف بشراسة وتعبير من القتل مرتسم على وجهه. "تتزوج مين يالا… أنت اتجننت ولا عامل فيها عبيط وبتستعبط…." حرر عوض نفسه من قبضته متراجعاً للخلف وهو يغمغم بصوت مرتجف.
"اتجننت ليه بقى… أنا هتجوزها على سنة الله ورسوله إيه المشكلة…." هتف جابر مقاطعاً إياه بصوت عاصف حاد وهو يشعر بأنه يكاد يجن من شدة الغضب الذي يشعر به. "انت هتستعبط يا روح أمك…. ما انت عارف إن غزل مكتوبة ليا من وهي عيلة عندها ١٧ سنة…. والبلد كلها عارفة…." قاطعه عوض قائلاً بسخرية لاذعة وهو يلوى فمه بشماتة. "الكلام ده قبل ما تحرق بسمة وتعملوها خدامة في بيتكم…. "
ليكمل باستفزاز وعينيه تلمع بشهوة جعلت الدماء تفور برأس جابر. "بعدين أنا قولت أنا أولى من الغريب ما هي مصيرها تتجوز والفرسة أم عود غزال دي حرام تطلع برا العيلة……" لم ينهي جملته إلا وأصابه قبضة جابر في وجهه مما جعله يترنح للخلف ويسقط فوق الدرج الذي كان لا يزال يقف عليه.
حاول النهوض لكن لم يتيح له جابر الفرصة حيث سدد له لكمة أخرى من المحتمل أنها تسببت في كسر أنفه فقد تناثر الدم على وجهه ولم يكتفي بذلك بل أخذ يسدد له اللكمات المتفرقة بوجهه وأنحاء جسده وهو يلعنه ويسبه بأفظع الشتائم، متجاهلاً صرخات عمته صبحية وبناتها الذين تجمعوا من حولهم يحاولون جذبه بعيداً عن عوض الذي أصبح وجهه غارقاً بالكامل بالدماء.
عندما عجزت صبحية عن جذبه عن ابنها أخذت تلطم خدييها وهي تصرخ نادبة والخوف يمتلكها مما جذب صراخها بعض الجيران الذين أسرعوا لداخل المنزل لينجح بعض الرجال من تحرير عوض الذي كان استنزف كلياً من بين يدي جابر الذي كان أشبه بإعصار سيبتلع ويدمر كل شيء بسبب غضبه ونيران الغيرة التي كانت تحرق روحه.
مسح العرق الذي يتصبب من جبينه قبل أن يهتف بأنفاس لاهثة من أثر مجهوده السابق قائلاً بكلمات مبهمة حتى لا يفهم الناس المتجمعين حولهم عما يتحدثون. "انسى الموضوع اللي في دماغك ده… وإلا قسماً عظماً أخلي أمك تلبس أسود عليك العمر كله…."
شحب وجه عوض فور سماعه كلماته تلك، لكنه انتفض في مكانه عندما بصق عليه جابر يحدقه بنظرات يملئها الاشمئزاز قبل أن يستدير ويغادر المكان تاركاً إياه بين يدي والدته التي كانت تمسح الدماء من وجهه محاولة الاطمئنان عليه. في وقت لاحق. انتفضت غزل مستيقظة وهي تصرخ بفزع وخوف عندما انفتح فجأة باب غرفة نومها على مصراعيه وجابر يندفع إلى غرفتها. هتفت بصوت مرتجف وهي تضم الشرشف إلى صدرها بخوف.
"انت عايز إيه… وإزاي تدخل أوضتي كده في نصاص الليالي انت عايز تلبسني مصيبة…." لكنها ابتلعت باقي جملتها متراجعة إلى الخلف بخوف عندما هجم عليها فجأة محاولاً الإمساك بها، لكنها حاولت الفرار منه لكنه أسرع بالقبض على ذراعها وجذبها لتصبح واقفة على قدميها مواجهة إياه مباشرة مما جعل رجفة من الخوف تسري بأنحاء جسدها عندما رأت الجنون والوحشية مرسمة بعينيه. زمجر بشراسة. "مفيش جواز من عوض ولا من غيره…."
ليكمل بصرامة وعينيه تنطلق منها شرارة الغضب. "ولو نشفتي راسك عليا النعمة يا غزل لاقتلك واقتله…." هزت رأسها هاتفة بصوت مرتجف يملؤه التحدي والاصرار بينما تقاوم حتى لا تنهار أمامه. "أعلى ما في خيلك أركبه…. برضو هتجوزه…." لتكمل وهي تصرخ بوجهه بإصرار أكبر وهي ترغب بإيلامه. "سامعني… هتجوزه.. هتجوزه…."
أشعلت كلماتها الغضب والغيرة بدماءه فلم يشعر بنفسه إلا وهو يخرج مسدسه من جيب سترته ويغرز فوهته بجبين غزل التي اتسعت عينيها بصدمة وخوف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!