استيقظ جابر وهو يسعل بقوة، فقد كان هناك دخان خانق يملأ الأجواء. لكنه انتفض فازعاً عندما شاهد النيران مشتعلة بلهيب متأجج كضوء النهار تلتهم كل شيء من حوله في الغرفة. أيقظ غزل التي استيقظت تصرخ بخوف فور أن وقعت عيناها على النيران التي تحيط بهم. أسرع جابر بحملها بين ذراعيه بعد أن التقط هاتفه ومفاتيح سيارته من الطاولة التي بجانب الفراش.
حمل غزل متجهًا بها نحو النافذة التي بالغرفة. أنزلها على قدميها حتى يفتح النافذة وهو يحاول تمالك أعصابه والسيطرة عليها، لكن دب الرعب بداخله فور أن اكتشف أن النافذة تأبى الفتح، فيبدو أن أحداً قد أغلقها من الخارج.
أخذ يضرب بيديه بكامل قوته محاولاً فتحها، لكن فشلت محاولاته تلك. التف باحثاً عن شيء يفتحها به، ليتذكر الأدوات التي أسفل الفراش الذي كانت النيران الآن تلتهم جزءاً منه، لكنه لم يكن أمامه حل آخر. فإذا لم يذهب ويحضر تلك المعدات، سوف يموتون محترقين، فقد أصبحت النيران منتشرة بالغرفة. صرخت غزل برعب فور أن رأته يتجه نحو الفراش المشتعل بالنيران. "رايح فين يا جابر؟
لا، أمسك بيدها قائلاً بهدوء يعاكس الخوف الذي يلتهم قلبه، لكنه كان يحاول تطمئنتها. "متخافيش... خليكي هنا." ثم تركها متجهًا نحو الفراش المشتعل، مما جعلها تصرخ باكية بأن يعود. ثم التفت نحو النافذة تضربها بيديها محاولة فتحها، لكن فشلت كل محاولاتها.
وقفت تراقب بعينين متسعتين بالخوف والرعب جابر وهو ينحني أسفل الفراش بالجزء الذي كانت النيران لم تصل إليه بعد. أخذ عدة لحظات طويلة يبحث عن المعدات حتى وجدها أخيراً. عاد مسرعاً إليها يحمل أداة حادة كبيرة وبدأ يضرب بها النافذة. بينما تمسكت غزل بقميصه من الخلف، وكامل جسدها يرتجف خوفاً، تبكي بشهقات ممزقة وهي تشاهد بعينين متسعتين بالرعب النيران التي أصبحت تملأ الغرفة وتقترب منهم.
أخذ جابر يضرب النافذة بكامل قوته لينجح بالنهاية بتحطيم جزء من النافذة بالفعل، لكن أثناء فعله لذلك جرحت يده التي أخذت تنزف بغزارة، لكنه لم يبالِ. استمر بضرب النافذة حتى تحطمت بالكامل. أسرع على الفور بحمل غزل وإخراجها من النافذة التي لم تكن عالية كثيراً، فقد كان المنزل مكوناً من طابق واحد. أنزلها ثم قفز هو الآخر لاحقاً بها.
أسرع بحملها وركض نحو سيارته التي كانت مصفوفة أمام المنزل مباشرة. فتحها ووضع غزل بداخلها، ثم صعد بها وقادها مبتعداً قليلاً عن المنزل، وما أن فعل ذلك حتى انطلقت النيران من جميع النوافذ. قاد السيارة مبتعداً أكثر ليسمعوا بعدها صوت انفجار عالٍ، فقد انفجرت أسطوانة الغاز التي بالمنزل وجعلت منه حطاماً.
أوقف جابر السيارة بعيداً عن المنزل المحترق بعدة أميال، ثم التفت إلى زوجته التي كانت تبكي بانتحاب وكامل جسدها يرتجف خوفاً. جذبها بين ذراعيه يضمها بقوة إليه، دافناً وجهه بجانب عنقها، ملتقطاً نفساً طويلاً محملاً برائحتها الدافئة التي طمأنت قلبه العاصف قليلاً، فقد كاد أن يفقدها إلى الأبد، وكاد أن يفقد حياته معها. في ذات الوقت...
وقف كرم على بعد عدة أميال بالأراضي الزراعية التي خلف المنزل، يراقب انفجار المنزل والنيران المتأججة منه، وابتسامة واسعة شامتة تملأ ثغره، شاعراً بفرح وسعادة لم يشعر بمثلهم من قبل. أخرج هاتفه واتصل بلبيبة قائلاً بفرح فور أن أجابت على اتصاله. "البقاء لله يا خالة لبيبة... البقاء لله." هتفت لبيبة بحماس ولهفة. "إيه... عملتها يا واد يا كرم؟ أجابها باستمتاع وغرور. "أومال إيه... هو أنا بلعب؟ وعيناه تلتمع بالغل والحقد.
"ده أنا فحمتهم... عارفة يعني إيه فحمتهم؟ ابتسمت لبيبة بفرح قائلة. "عفارم عليك يا واد... راجل ابن راجل بصحيح. بردت نار قلبي أخيراً." لتكمل بشك وخوف. "انت أمنت نفسك كويس... متأكد محدش شافك بدل ما نروح في ستين داهية؟ أجابها بهدوء وثقة. "اطمني كله تمام... البيت في حتة مقطوعة ومافيش غير حراس الأرض اللي موجودين ودول مشغولين بالأرض... ليكمل باستهزاء وسخرية. "يلا جهزي عشان تستقبلوا الخبر...
زمان الحراس اللي في الأرض القبلية شافوا النار أكيد كانوا عارفين إن جابر كان هناك هييجوا يبلغوا." أجابته لبيبة مهمهمة بالإيجاب، قبل أن تغلق معه. بينما وقف كرم يشاهد النيران باستمتاع عدة لحظات قبل أن يلتف هارباً قبل أن يلاحظه أحد. *** بعد مرور ساعتين...
قاد جابر السيارة حتى مدينة المنصورة. كانت غزل تمسك بيده التي كانت تنزف. على الرغم من شعورها بالألم، إلا أنها كانت تقاوم من أجل جابر، فقد كانت تشعر بالخوف والقلق عليه بسبب نزيف يده. على الرغم أنه كان يطمئنها أنه بخير، إلا أنها لم تستطع تصديقه. غمغمت بصوت مرتجف وهي تشاهد يده التي كانت تنزف بغزارة. "لازم نروح المستشفى يا جابر." هز رأسه قائلاً برفض. "مش مستاهلة يا غزل."
هتفت به بعصبية وهي تكاد تفقد أعصابها بسبب آلام جسدها. "هو إيه اللي مش مستاهلة؟ إيدك بتنزف! أوقف عند أقرب مستشفى يا جابر." غمغم بهدوء وعيناه مسلطة على الطريق أمامه، متجاهلاً الآلام المبرحة التي بيده. "بعدين يا غزل... المهم دلوقتي نروح قبل ما تجيلك النوبة." صرخت وهي في حالة شبه هستيرية. "أوقف عند أقرب مستشفى يا جابر قلت لك."
زفر جابر بحدة وهو يومئ برأسه باستسلام، فلم يكن يرغب بالدخول في شجار معها، فهي لم تكن بحالتها الطبيعية بعد، لازالت تعاني من أثر المخدرات. قاد السيارة بهدوء حتى أوقفها أخيراً أمام إحدى المشافي الخاصة. التفت إليها قائلاً بهدوء. "خليكي هنا يا حبيبتي هدخل أنا بسرعة وهاجي على طول." غمغمت بحدة وهي تفتح باب السيارة. "هاجي معاك." أسرع جابر بإغلاق بابها مرة أخرى قائلاً بصبر وهو يشير نحو شعرها.
"مينفعش يا حبيبتي، انتي ناسيه إنك من غير الطرحة بتاعتك... مينفعش حد يشوفك كده. أنا 10 دقايق بالكتير وهكون هنا." أومأت برأسها بتفهم، ممررة يدها فوق شعرها الذي كانت قد نسيت أمره. خرج جابر من السيارة وأحكم إغلاقها حتى لا تستطيع فتحها في غيابه والهرب، فهو أصبح لا يعلم ما يمكن أن تفعله بسبب إدمانها هذا. بعد ربع ساعة...
بعد أن قام الطبيب بتقطيب جرحه بعدة غرز، عاد جابر للسيارة ليجد غزل متقوقعة في مقعدها تحيط جسدها بذراعيها، تئن بألم. جلس بجانبها قائلاً بهلع وقلق. "مالك؟ يا حبيبتي... همست باكية ووجهها مشدود بالألم الذي كان يمزق جسدها، فقد كانت تشعر كما لو أن هناك نيران تحرق جسدها. "مش قادرة يا جابر... بموت... نار في جسمي... مش قادرة." شعر بغصة تخنقه وهو يراها تتألم بهذا الشكل. قاد السيارة بأقصى سرعة متجهًا نحو منزله الخاص بالمنصورة.
فور أن وصل أمام المنزل حملها بين ذراعيه وصعد بها إلى الأعلى. كان كامل جسدها متصلب من شدة الألم بين ذراعيه. فتح باب الشقة ودلف إلى الداخل متجهًا على الفور نحو الحمام. أنزلها برفق لتقف على أرضية الحمام حافية القدمين، فعندما هربت من النيران لم تكن ترتدي سوى عباءة النوم الخفيفة التي عليها الآن.
نزع جابر ملابسها مشغلاً الدش، من ثم جذبها أسفله لتغرقها على الفور المياه الباردة كالجليد، فقد كانوا بفصل الشتاء القارس برودة، خاصة في شهر يناير. وقف معها أسفل المياه بعد أن نزع ملابسه، يضمها إليه برفق، ممرراً يده بحنان فوق ظهرها، لكن ظل جسدها يرتجف ألماً، مما جعله يزيد من احتضانه لها محاولاً جعلها تقف أكثر وقت ممكن أسفل المياه الباردة حتى تهدئ من نيران جسدها بسبب مرضها.
بالفعل لم تمر عدة دقائق إلا وأنتهت نوبة ألمها، فقد خفف الماء البارد من حدة الألم. دفنت وجهها بجانب عنقه تلتقط نفساً طويلاً وهي تشعر بالراحة. أخفض جابر رأسه نحوها هامساً بأذنها بحنان عندما شعر بها تسترخي بين ذراعيه. "أحسن؟ أومأت برأسها مهمهمة بالإيجاب وهي تدفن وجهها أكثر بحنايا عنقه، مغلقة عينيها.
ظل جابر واقفاً معها أسفل المياه حتى تخدر جسده من شدة البرود. أغلق الصنبور، ثم تناول منشفة كبيرة جفف جسدها بحنان، ثم تناول أخرى جفف جسده بها. حملها بين ذراعيه خارجاً من الحمام، مما جعلها تغمغم ببعض المرح، رغم أنها لازالت تعاني من أثر بعض الألم، لكنها أرادت تخفيف الأمر عليهم. "قبلة خده برفق." "بعرف أمشي على فكرة." ابتسم جابر قائلاً بلطف. "عارف... إنك بتعرفي تمشي." ليكمل هامساً بأذنها كما لو كان سيخبرها سراً.
"بس بيني وبينك بتلكك عشان أشيلك." ضحكت بمرح وخديها يحمران بالخجل، مما جعل السعادة تتراقص بداخله فور أن رأى حالتها تلك، فقد كان يعاني من رؤيته لها تتعذب من الألم طوال الأيام الماضية.
أخفضها أمام خزانة الملابس التي كانت تحتوي على بعض من ملابسه التي كان يتركها هنا. أخرج إحدى قمصانه ومرره فوق رأسها، ملبسها إياه فور أن انتهى، طبع قبلة فوق رأسها، ضاماً إياها إلى صدره يحتضنها بقوة، قبل أن يتركها ويتجه نحو الخزانة مخرجاً ملابسه الخاصة بالنوم. أسرع بارتدائها قبل أن يتجه نحو طاولة الزينة ويتناول الفرشاة من عليها.
وقف خلف غزل وبدأ يمشط شعرها بحنان حتى جف واسترسل فوق ظهرها. اتجه نحو الطاولة متناولاً الحقيبة الصغيرة التي أتى بها من المشفى. فعندما كان بالمشفى ليقطب جرح يده، اتصل بصديقه الطبيب وطلب منه أن يوصف له علاج زوجته من جديد، ثم قام بشراءه من الصيدلية التابعة للمشفى. أخرج حبة ووضعها بين يديها، ثم خرج ليحضر لها كوباً من الماء. أحضره وعاد إليها مناولها إياه.
بعد أن تناولت غزل دوائها بطاعة، حملها جابر بين ذراعيه، مما جعلها تضحك رغم شعورها ببعض الألم الطفيف. ابتسم جابر فور سماعه ضحكتها تلك. استلقى على الفراش محتضناً إياها بقوة بين ذراعيه، بينما تسند هي رأسها على صدره العريض الصلب. أمسكت بيده المصابة مقبلة إياها برفق هامسة. "تفتكري الحريق كان صدفة ولا كان حد عايز يموتنا؟ قطب جابر حاجبيه قائلاً. "لا دي حد مدبرهالنا... وإلا مين اللي قفل الشباك من بره؟
ارتجف جسدها بخوف فور سماعها كلماته تلك، مما جعله يحيط خصرها بذراعه يضمها إليها، وهو يكمل. "علشان كده مش عايز حد يعرف مكاننا هنا... لحد ما ربنا يشفيكي ونقدر نرجع." ليكمل وعيناه تلتمع بالقسوة والغضب. "وقتها قسماً بالله ما هرحم حد فيهم." أومأت غزل برأسها قبل أن ترفع رأسها عن صدره تنظر إليه لتجد عينيه مشتعلة بنيران الغضب الحارقة، مما جعلها ترغب في التخفيف من غضبه هذا. "بحبك يا جابري."
لتنجح خطتها بالحال، ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة، منحنيًا نحوها طابعاً قبلة فوق جبينها، مغمغماً بصوت ممتلئ بعشقه لها. "وأنا بعشقك يا قلب وروح جابري." ابتسمت برضا، عاقدة ذراعيها من حوله، دافنة وجهها بحنايا عنقه، تستنشق بعمق رائحته التي تعشقها والتي تبث بداخلها الطمأنينة، قبل أن تغلق عينيها وتغرق بنوم هادئ وعميق بين ذراعيه. *** في صباح اليوم التالي... بغرفة الاستقبال...
كان عثمان جالساً بوجه مكفهر، هاتفا بغضب بلبيبة الجالسة على المقعد الذي أمامه. "كل ده حصل... وأنا غايب." ليكمل بحدة عاصفاً بقسوة. "ليه مبلغتنيش يا لبيبة... مستنية إيه لما يموتوا ويخلصوا على بعض؟ أجابته لبيبة بحدة وانفعال والغيرة تنهش قلبها. "وهو انت كنت فاضي؟ ما انت قاعد جنب أزهار طول الوقت في المستشفى وكلمتك تليفونك كان مقفول."
شعر عثمان بالذنب يجتاحه لإهماله أولاده، فلو كان موجوداً وقتها ما سمح للأمر يصل بينهم إلى هذا الحد. غمغم قائلاً وهو يمد يده نحو لبيبة. "هاتي مفتاح أوضة بسمة." تصنعت لبيبة الخوف قائلة بتردد مصطنع. "بس... بس جابر لو عرف هيطين عيشتي." زمجر عثمان عاصفاً بشراسة. "جابر اللي انتي مرعوبة منه ده أنا أبوه... أنا اللي كلمتي تمشي في البيت ده ولا خلاص نسيتوا؟ أومأت لبيبة قائلة بخوف وهي تربت فوق ذراعه محاولة تهدئته.
"لا طبعاً يا خويا ننسى إزاي؟ ده انت حِسك بالدنيا كلها... وكلمتك سيف على رقبتنا." لتكمل وهي تخرج المفتاح من محافظتها. "امسك يا خويا المفتاح أهو." أخذه منها عثمان وقاد مقعده نحو غرفة بسمة عن طريق الدرج المخصص لمقعده. أدار المفتاح من ثم طرق برفق على الباب قبل أن يفتحه. دلف إلى الداخل لتلحق به لبيبة، لكنه التف واقفاً بمقعده في طريقها كحصناً منيع يمنعها من الدخول، قائلاً بفظاظة. "عايزة إيه يا لبيبة؟
أنا عايز أتكلم أنا وبنتي لوحدنا." احمر وجه لبيبة بالغضب، مهمهمة بإحراج. "وماله يا خويا... وماله." لتكمل بحرج وهي تلتف مغادرة. "هنزل أشوف سعدية والبنات هيحضروا لنا إيه على الغدا." أغلق الباب خلفه عثمان، ثم التف بمقعده متجهاً نحو ابنته التي كانت جالسة على الفراش تحدق به برفض. "خير جاية ليه؟ جاية تشمتي فيا مش كده؟ لتكمل بغضب أكبر، ترمقه بنظرات مشتعلة. "ولا جاي...
تبهدلي فيا وتكملي اللي ابنك عمله عشان خاطر بنت حبيبة القلب؟ اتجه نحوها عثمان قائلاً بهدوء. "أشمِت فيكي؟!! هو في أب يشمت في بنته يا بسمة؟ قاطعته هاتفة بحدة وهي تنتفض واقفة من الفراش. "أنا مش بنتك... بنتك غزل بنت حبيبة القلب أزهار... غزل اللي دايماً بتفضلها عليا." اقترب منها حتى أصبح أمامها قائلاً. "عمري ما فضلتها عليكي... ده وهم عاشته في راسك أمك الله يرحمها بقى ويسامحها." هتفت بقسوة وعصبية. "مالكش دعوة بأمي...
وأيوة انت بتفضلها عليا." قاطعها عثمان بحزم. "محصلش... افتكري مين اللي كان بيغرقك فلوس ولعب؟ ده أنا مكنتش بروح في مكان إلا وأنتي في إيدي، كان الناس مسمينك دلوعة أبوكي من كتر ما كنت بدلع فيكي... غزل كانت يتيمة وكان لازم أراعيها، أها أنا بحبها بس عمري ما هحبها أكتر منك إنتي روحي ونور عيني يا بسمة." غمغمت بسمة بارتباك وقد بدأت تتأثر بكلماته تلك. "يوم الحريقة مصدقتنيش... ووقفت جنبها."
أجابها بهدوء بكلمات تحتوي على اللوم والعتاب. "عشان انتي كنتي بتكذبي... زي ما أمك الله يرحمها كذبت عشان تلبس أزهار نفس التهمة... اللي بيجنني إزاي هانت عليكي نفسك." احمر وجه بسمة بالخجل، فقد كانت تعلم باتفاق والدتها ولبيبة بأن تدعي وفاء أن أزهار حاولت حرقها، فقد كانت بسمة مراهقة وقتها وكانت تقف في صف والدتها ضد والدها الذي كانت تشعر بالغيرة عليه من حبه لأزهار وابنتها. همست بصوت مرتجف وهي تفرك يديها بعصبية.
"أنا مش مجنونة يا بابا عشان أحرق نفسي عشان بس أتهم غزل." لتكمل باضطراب وعصبية وهي تتحدث لأول مرة مع شخص عن حقيقة تلك الحادثة. "أنا كنت بحب كرم ابن عمي... ولما عرفت إنه بيحب غزل اتجننت وغيرت أكتر. كنت عايزة أأذيها بأي شكل... كنت عايزة جابر يكرهها ويطردها من البيت لما يعرف إنها حاولت تحرقني... زي ما أمها حاولت تعمل في أمنا." همست وعيناها تلتمع بالدموع وهي تردف.
"يومها أنا رميت على نفسي البنزين وكنت ناوية أصوت وأقول إنها حاولت تحرقني... بس البوتاجاز كان شغال ومخدتش بالي، عديت من جنبه والنار مسكت فيا." اقترب منها عثمان جاذباً إياها من يدها مجلساً إياها على ساقيه محتضناً إياها بحنان، مما جعلها تدفن وجهها بصدره وتنفسر في نحيب مؤلم. أخذ يربت على ظهرها محاولاً تهدئتها. ظلت تبكي بحضن والدها هامسة من بين شهقات بكائها الممزقة. "أنا عارفة إني غلطت... بس غيرتي كانت عمياني يا بابا."
أخذ عثمان يربت على ظهرها محاولاً تهدئتها. وعندما هدأت قليلاً رفع رأسها إليه قائلاً. "كلنا بنغلط يا حبيبتي المهم تتعلمي من غلطك، لأن محدش اتأذى من اللي عملتيه ده غيرك." ليكمل بهدوء. "ها هتوافقي بقى تعملي عملية التجميل اللي رفضتي تعمليها عشان كانت بفلوسي." ليكمل وهو مقطب الحاجبين. "طيب ورفضتي تخلي جابر يعملهالك ليها؟ أجابته بصوت منخفض.
"عشان بعد اللي حصل افتكرته هيطردها، لكن هو كان بيحبها أه شغالها خدامة، بس اللي كان بيجي جنبها كان بياكله بسنانه." هز عثمان رأسه قائلاً بحيرة من ابنته. "عايزاه يعمل فيها إيه أكتر من اللي عمله يا بسمة؟ ليكمل وهو يربت برفق على ذراعها. "ها موافقة تعملي العملية؟ أكلم الدكتور." هزت رأسها بالموافقة مبتسمة، مما جعله يحتضنها قائلاً بفرح. "الحمد لله... ربنا يهديكي يا بنتي." همست بسمة وهي تضمه بقوة. "أنا بحبك أوي يا بابا."
قبل رأسها قائلاً بفرح من سماعه تنطق بهذه الكلمات أخيراً. "وأنا بحبك يا حبيبة قلب بابا." ليكمل بمرح وهو يدغدغها ببطنها. "دلوعة بابا." ضحكت بسمة بسعادة، شاعرة كما لو أنها قد عادت للمنزل، كما لو أن كل متاعبها وحزنها قد اختفوا أخيراً. ظلوا على وضعهم هذا غارقين بالهدوء حتى قاطع الهدوء المحيط بهم صوت صراخ لبيبة. "يالهـــــــــــــوى مكنش يومك يا جابر."
انتفضت بسمة من فوق ساق والدها الذي شحب وجهه كشحوب الموتى فور سماعه صراخ وعويل لبيبة. هتفت بسمة فزع وهي تركض خارجة من الغرفة. "ماله أخويا... ماله جابر؟ بينما لحق بها عثمان مهرولاً بمقعده وهو يهتف بخوف. "استرها يا رب... إلا ابني... إلا ابني يا رب اختبرني في أي حاجة إلا أولادي." هبطوا إلى الأسفل ليجدوا لبيبة تفترش الأرض تضرب يديها بساقيها وهي تصرخ بعويل، وأمامها يقف رجلان من حراس الأراضي. "ياللي شبكوا ضاع...
يا غزل يا جاااابر." هتف عثمان بفزع وخوف. "في إيه يا لبيبة؟ ليكمل ملتفتاً نحو الرجال قائلاً بلهفة عندما ظلت لبيبة تصرخ باكية دون أن تجيبه. "في إيه انتوا انطقوا." أجابه إحدى الرجال بصوت حزين منكسر. "البقاء لله يا عثمان بيه... جابر بيه والست غزل بيتهم اتحرق امبارح الفجر. الأنبوبة فرقعت فيه." صرخت بسمة بعويل شديد قبل أن تنهار أرضاً منفجرة في البكاء والصراخ، بينما هتف بهم عثمان وكامل جسده يرتجف. "بيت إيه اللي اتحرق بيهم؟
وانتوا عرفتوا منين إنهم جوه البيت ده من الأساس؟ أجابه أحد الرجال. "البيت اللي في الجهة القبلية يا بيه... وجابر بيه وغزل مراته شوفناهم اليومين اللي فاتوا هناك." ابتلع عثمان غصة البكاء التي خنقته قائلاً. "لقيتوا جثثهم؟ غمغم الرجل قائلاً بأسف. "البيت اتفحم يا باشا... وكل اللي فيه بقى رماد خصوصاً لما الأنبوبة انفجرته." هز عثمان رأسه قائلاً بصوت مرتجف. "لا... لا أنا ابني عايش... قلبي بيقولي عايش...
في حاجة غلط يعني إيه البيت اتفحم." نهضت لبيبة التي كانت تمثل الحزن والبكاء واقفة بجانبه تواسيه. "وحد الله يا عثمان... ربنا يصبر قلبك." صرخ عثمان بحدة وهو يتراجع مبتعداً عنها رافضاً لمستها. "بقولك ابني ماتش... سمعتوا ابني ماتش... غزل ماتتش."
دفن وجهه بين يديه منهاراً في البكاء، بينما اقتربت منه بسمة تحتضنه وهي تبكي بنحيب ممزق، فقد كانت لا تشعر بالحزن على شقيقه فقط، بل على غزل أيضاً، فلم تكن تعلم أنها ستحزن على موتها هكذا. انطلق رنين هاتف عثمان، لكنه تجاهله في البداية، لكن عندما استمر الرنين لمدة طويلة اضطر إلى الإجابة. أجاب عثمان بصوت ضعيف حزين، لكنه فور أن سمع صوت ابنه هتف بفرح وصدمة باكياً. "جابر... ياحبيبي يا ابني إنت عايش وغزل طمني على غزل."
شحب وجه لبيبة فور سماعها ذلك، هتفت بهلع وهي تنهار أرضاً جالسة. "إيه... جابر عايش." لتكمل هامسة بغيظ. "يخربيتك يا كرم ويخربيت سنينك." أجاب جابر والده قائلاً بهدوء محاولاً تطمئنته. "الحمد لله يا بابا اطمنا إحنا كويسين متقلقش." غمغم عثمان من بين بكائه قائلاً. "انتوا فين يا ابني طيب طمني قلبي." أجابه جابر قائلاً رافضاً الإفصاح عن مكان وجودهم حتى لا يحدث ما حدث آخر مرة. "إحنا بخير يا بابا... متقلقش."
اختطفت بسمة الهاتف من والدها قائلة بلهفة من بين شهقات بكائها. "جابر... متزعلش مني والله العظيم أنا ما حطيت حاجة لغزل صدقني." غمغم جابر قائلاً. "مش وقته يا بسمة." ليكمل قائلاً سريعاً. "أنا مضطر أقفل... سلام." ألقت بسمة بحضن والدها تبكي وهي تغمغم. "الحمد لله يا بابا ربنا طمنا عليهم." همهم عثمان وهو يرفع رأسه للسماء. "الف حمد وشكر ليك يا رب."
بينما جلست لبيبة على الأرض تتطلع بصدمة أمامها وهي لا تصدق أن كل ما خططت له قد انهار وأنها عادت من جديد لنقطة الصفر. *** بعد مرور 3 أشهر...
استيقظ جابر من النوم يبحث عن زوجته بأنحاء الشقة ليجدها أخيراً واقفة بالمطبخ تعد الطعام وهي تغني. استند إلى إطار الباب يراقب بسعادة وأعين تلتمع بالشغف زوجته وهي تتراقص وتغني بصوت عذب، بينما هي مشغولة بإعداد الطعام لهم، شاعراً بالسعادة تجتاحه، فقد اشتاق لرؤيتها بحالتها تلك من الراحة والسعادة، فقد توقفت أخيراً نوبات الألم واستعادت بعضاً من وزنها الذي فقدته. فقد أخبره الطبيب أنها على مشارف الشفاء تماماً، فقد كان يتعذب لعذابها، فرؤيتها تتألم بينما هو عاجز عن مساعدتها جعله يرغب بالموت.
اقترب منها واقفاً خلفها يعقد ذراعيه حول خصرها قائلاً وهو يقبل عنقها بحنان. "حبيبي بيعمل إيه؟ ضحكت غزل بسعادة بينما تستدير بين ذراعيه لتصبح بمواجهته. "بعمل لحبيبي الأكل اللي بيحبه." قطب جابر حاجبيه قائلاً بغضب مصطنع. "وياترى بقى مين حبيبك ده يا ست هانم؟ تصنعت التفكير قليلاً قبل أن تحيط عنقه بذراعيها. "حبيب قلبي و روحي اللي فضل طول الـ 3 شهور اللي فاتوا يهتم بيا... وياخد باله مني كأني روحه."
طبع قبلة فوق جبينها قائلاً بحنان وعيناه تلتمع بالشغف والعشق. "ما انتي روحي فعلاً يا غزل." احتضنته بقوة قبل أن تقف على أطراف أصابعها وتطبع قبلة سريعة فوق شفتيه قائلة بدلال أطاح بعقله. "طيب هتساعد روحك... في لف المحشي؟ عقد حاجبيه قائلاً برفض واستنكار. "لف محشي ده كلام يا غزل برضو؟ وضعت يدها بخصرها قائلة بحدة. "وفيها إيه بقى يا سي جابر... يعني مش عايز تساعدني؟ ابتسم رافعاً يدها إلى فمه مقبلاً إياها بحنان.
"هساعدك طبعاً وأنا أقدر أقول لأ." أشارت نحو الطاولة التي تنتصف الغرفة قائلة بحزم. "طيب اتفضل يا باشا اقعد." وأومأ برأسه جالساً أمامها قائلاً وهو ينظر بحيرة إلى المكونات التي أمامه. "و ده بيتحشي إزاي؟ "بص واتعلم." قالت مشيرة إليه بأن يفعل مثلها. بدأ جابر يقلدها لكنه فشل. ألقاه من يده قائلاً بعصبية وعدم صبر. "بقولك إيه يا غزل... أنا ماليش خلق بلا محشي بلا بتاع. ماله الفراخ المسلوقة اللي كنت بعملهالك؟
رفعت حاجبها قائلة بسخرية لاذعة. "لا والله... أومال ليك خلق تاكله بس؟ لما بقعد بالساعات ألف فيه ويتقطم ضهري." غمغم جابر سريعاً وهو يضع يده فوق فمها. "خلاص... خلاص اقفلي الراديو ده هلف المحشي." ثم التقط ورقة من الملفوف وأعاد ملئها بالرز ولفها. أخذ يتعثر بالبداية عدة مرات لكنه بالنهاية استطاع لفها. ابتسمت غزل بفرح قائلة وهي ترسل قبلة له بالهواء. "شاطر يا جبورتي." ابتسم قائلاً بفخر وهو يرفع إصبع الملفوف الذي صنعه.
"شايفة الصباع بتاعي أحلى من بتاعك إزاي؟ انفجرت بالضحك مما جعله يهتف بغضب. "بتضحكي على إيه؟ أشارت إلى إصبع الملفوف الضخم الذي بيده. "بضحك على الساندويتش اللي انت عامله وبتقول عليه صباع محشي... ده أنا ممكن أتغدى بيه بس." لتكمل وهي ترفع إصبع الملفوف الخاص بها أمام عينيه. "شايف صباع المحشي اللي على حق ويتاكل أكل."
أمسك جابر بيدها تلك ملتقطاً بين أسنانه عاضاً إياها، مما جعلها تصرخ ضاربة إياه بكتفه هاتفة بغضب وهي تفرك أثر عضه. "بتعضني يا جابر." لتكمل وهي تنهض تقبض على شعره تجذبه بقوة قبل أن تنحني وتعض كتفه مما جعله يصرخ متألماً. "آه... يا بنت بالعضاضة." ابتعدت عنه قائلة برضا. "أحسن... تستاهل." أمسك بيدها جاذباً إياها نحوه لتسقط فوق ساقيه جالسة. أحاط وجهها بيديه قائلاً بصوت أجش. "أعضك وأخليكي تعيطي دلوقتي."
هزت غزل رأسها بصمت وهي تتصنع البراءة. همت بالابتعاد عنه لكنه رفض تحريرها. انحنى نحوها ممرراً يده برفق فوق وجهها يرسم ملامحها بإصبعه ببطء. شعرت برجفة حادة تسري بسائر جسدها عندما شعرت بأنفاسه الدافئة تمر فوق وجهها. وقفت تنظر إليه بعينين متسعتين بينما أخذ صدرها يعلو وينخفض بشدة وهي تكافح لالتقاط أنفاسها، فقد مر أكثر من أربعة أشهر دون أن يلمسها هكذا بسبب رفضها له قبل اكتشاف إدمانها وثلاثة أشهر أخرى خلال علاجها.
مال نحوها وشفتيه تلمس شفتيها ويده تمر ببطء على عنقها يجذبها أقرب إليه، بينما يستحوذ بالكامل على شفتيها مقبلاً إياها بشغف، مما جعل النيران تنتشر بداخله كالحمم الملتهبة، فقد كان يريدها أكثر ما يريد أنفاسه القادمة، فقد اشتاق إليها وإلى لمسها. فصل قبلتهم، ونهض حاملاً إياها بين ذراعيه متجهاً بها نحو غرفة النوم ليغرقوا بعدها ببحر عشقهم الذي طال غيابهم عنه. *** بعد مرور شهر...
عاد جابر وغزل إلى المنزل. ركضت نحوهم بسمة فور دخولهم من باب المنزل، ترتمي بين ذراعي شقيقها تضمه بقوة وهي تبكي. ضمها جابر إليه، فقد كان الآن متأكداً بأن بسمة ليس لها يد بما حدث لغزل، فبعد محاولة حرقهما أصبح شكه ينحصر على لبيبة فقط، فشقيقته لن ترغب بإيذائه، فهو متأكد من مدى حبها له. لدهشته احتضنت بسمة غزل قائلة ببكاء. "حقك عليا يا غزل... أنا مكنتش أعرف إني بحبك كده إلا لما افتكرت إنك متي."
نظرت إليه غزل بتردد وهي لا تدري بما تجيبها. يعلم أنها لا تستطيع مسامحتها بسهولة، فبسمة قامت بإيذائها كثيراً، لكن لراحته أومأت لها غزل بصمت. بينما غمغم هو متسائلاً. "أومال فين بابا؟ أجابته بسمة مبتسمة. "بابا في المستشفى عند الخالة أزهار بقاله 3 أيام." غمغمت غزل قائلة بقلق. "ليه في حاجة؟ أجابتها بسمة سريعاً. "لا أب
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!