الفصل 7 | من 27 فصل

رواية خطاياها بيننا الفصل السابع 7 - بقلم هدير نور الدين

المشاهدات
49
كلمة
7,324
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 26%
حجم الخط: 18

استدار جابر ووقف خلفها يستند ظهرها إلى صدره، ثم أخفض رأسه هامسًا في أذنها، متجاهلاً صرخات المعترضة لبيبة وفراج الذي كان يحاول التحرر من قبضة الرجال. "خُدي حقك." هزت غزل رأسها برفض ودموعها تنساب على خديها، مما جعله يضغط على فكيه بغضب، هامسًا في أذنها بصوت حاد صارم:

"قدامك حل من الاتنين. لتمسكي المسدس وتضربيه زي ما ضربك، ويبقى في أمل ضربتك تيجي غلط وتصيب أي حتة في جسمه غير قلبه ويعيش. لأما هضربه أنا يا غزل، وساعتها رصاصتي مالهاش مكان إلا قلبه." أدارت غزل رأسها تنظر إليه بعينين متسعتين بالذعر والخوف، وهي لا تدري ماذا تفعل. "خُدي حقك يا حبيبتي وبردي ناري،" أكمل وهو يضغط برفق على ذراعها، "وعرفي كل كلب فيهم مصيره هيبقى إيه لو فكر تاني يأذيكي."

ظلت غزل صامتة تنظر إلى فراج بعينين فارغتين، وهي تتذكر كل ما كان يفعله بها. فقد كان يتعمد أن يؤذيها. فعندما كان يأتي لزيارة لبيبة، كان يدخل المطبخ حيث كانت غزل تعمل هناك، مخالفًا أوامر جابر بألا يدخل أي رجل إلى المنزل. وفور رؤيته لها، كان يقوم بإهانتها ونعتها بالعمياء ذات الأربع عيون، ويقوم بإلقاء الصحون والأطباق على الأرض محدثًا ضجة عالية حتى تأتي شقيقته وتسأل ما الذي حدث، فيخبرها بأن غزل العمياء لم تر الصحون وأوقعتها أرضًا، ليبدأ هو وشقيقته بالسخرية منها ومن ضعف نظرها، جاعلين منها تسليتهم.

كانت في البداية ترغب غزل بإخبار جابر بما يفعلونه بها، لكنها بالنهاية قررت عدم إخباره. فقد كانت تعلم أنه يكرهها، وإذا أخبرته، فربما يقوم بالسخرية منها هو الآخر. لذا صمتت وتعمدت تجاهل فراج، مما جعله يغضب ويزيد من مضايقته لها أكثر، ناعتاً إياها "بالضبشة بنت أزهار الفاجرة".

وقتها، وقفت أمامه وهددته كاذبة بأنه إن لم يتوقف، سوف تخبر جابر بأنه خالف أوامره ودخل إلى المنزل. وقتها شحب وجهه واستدار ذاهبًا بصمت. ومنذ ذلك اليوم، لم يدخل المنزل مرة أخرى، لكنه لم يتوقف عن مضايقتها، لذا كانت طوال مدة زيارته لشقيقته لا تخرج إلى الحديقة. "خُدي حقك وافتكري اللي عمله فيكي،" همس جابر في أذنها وهو يضمها أكثر لجسده في حماية.

تذكرت غزل ضرب فراج لها ومحاولته لقتلها وإهانتها أمام الجميع، وطعنه وسبها بشرفها. ثارت الدماء في عروقها، مما جعلها ترفع يدها وتصوب المسدس نحو فراج، الذي ما إن رأى ما فعلته، صاح بغل وعيناه تشع منها. "إيه؟ هتضربيني بالنار يا بنت أزهار؟ ليكمل وهو يبثق كلماته بشراسة واشمئزاز: "صحيح ما انتي فاجرة وزبالة زي أمك، متفرقيش عنها كتير."

غطى ستار أسود من الغضب عينين جابر، فلم يفكر كثيرًا قبل أن يقبض على يدها التي كانت تمسك بالمسدس، والتي كانت ترتجف بعنف، ويضغط هو على زناد السلاح الذي صوبه نحو صدر فراج، موضع قلبه. لكن أسرعت غزل، وفي ردة فعل سريعة منها، بخفض يدها التي كان يمسك بها، مخفضة فوهة السلاح، لتصيب الرصاصة التي انطلقت من مسدسه فخده الأيمن.

شاهدت غزل بعينين متسعتين بالصدمة والذعر فراج وهو يسقط أرضًا غارقًا في دمائه، وهو يصرخ متألمًا بأعلى صوت لديه، مما جعلها تلتف وتدفن وجهها في صدر جابر، منفجرة في بكاء، وكامل جسدها كان ينتفض بقوة، وهي لا تصدق أنها شاركت في إطلاق النار عليه حقًا. تعالى في الأرجاء نواح وصراخ لبيبة، التي كانت تبكي بشهقات عالية ممزقة، وهي جاثمة بجانب شقيقها. "يا خويـــــــــا قتلوك يا فراج... قتلتك بنت أزهار يا فراج.....

كان عثمان جالسًا في مقعده يشاهد ما يحدث بعينين ممتلئتين بالرضا. بينما ضم جابر جسد غزل المرتجف إليه بقوة. عندما شعر بارتجاف جسدها، وهي تهمس بصوت ممزق عند سماعها كلمات لبيبة تلك، ظنًا منها بأن فراج قد مات بالفعل. "قتلته... أنا قتلته... قتلته." "حاط خصرها بذراعيه يضمها بحنان إليه، هامسًا في أذنها: "ماتش يا غزل... اهدى يا حبيبتي، جت في رجله متخفيش... ده بسبع أرواح."

ثم انحنى حاملًا إياها بين ذراعيه عندما شعر بارتجافها يزداد. قاومته غزل معترضة، لكنه شدد من إحاطته لها، دافنًا وجهها في عنقه، قبل أن يلتف إلى جميع الرجال الذين كانوا ملتفين حول فراج، قائلًا ببرود وهو يضغط على حروف كلماته بقوة: "استأذنكوا أنا بقى رجالة أصل... مراتي تعبانة ومحتاجة ترتاح."

لكنه توقف عن تكملة جملته، مطلقًا هسيس متألم عندما قامت غزل، التي كانت تخفي وجهها بجانب عنقه، بغرز أسنانها في كتفه بقسوة، تعضه بغل، مما جعل لهاث متألم يصدر منه، لكنه حاول التماسك وعدم إظهار ألمه حتى لا يفضح أمام رجال العائلة. استدار نحو الدرج، مولياً ظهره للجميع، متصنعًا الصعود، قبل أن يخفض رأسه هامسًا في أذن تلم التي كانت لا تزال تغرز أسنانها في كتفه، هامسًا في أذنها بصوت حاد صارم:

"غزل لمي نفسك بدل ما عليا النعمة أخلي جناني يطلع عليكي." "قدامه." نزعت أسنانها من كتفه فور سماعها تهديده هذا، زاجرة إياه بقسوة، لكنه تجاهلها والتف إلى الرجال مرة أخرى، قائلًا ببرود كالصقيع: "آه، وقبل ما أنسى، كلكوا معزومين على فرحنا الأسبوع الجاي." ليكمل بسخرية لاذعة وهو يخفض نظره نحو فراج الجالس على الأرض ممسكًا بساقه النازفة: "اوعى يا خال متجيش، هستناك لازم تيجي. ده انت مهما كان الخير والبركة بتاعتنا برضه."

زجره فراج بنظرة قاتلة ممتلئة بالغل والكراهية، قابلها جابر بنظرة باردة ممتلئة بالتهكم، قبل أن يلتف ويصعد الدرج وهو يحمل غزل بين ذراعيه، غافلًا عن والده الذي كان جالسًا في مقعده يتابعه، وعلى شفتيه ترتسم ابتسامة واسعة فرحة، فما كان يتمناه يتحقق أخيرًا. *** مشى جابر في الممر الذي بنهايته غرفة غزل، وهو لا يزال يحمل جسدها بين ذراعيه. تململت محاولةً جعله أن ينزلها، هاتفة بحنق: "نزلني."

تجاهلها واستمر في طريقه، مما جعلها تغرز أصابعها في شعره الكثيف، تجذب خصلاته بقسوة، وهي تصرخ بغضب: "نزلني... بقولك." رجع رأسه للخلف بحدة، محررًا شعره من قبضتها، وهو يتمتم بكلمات حانقة غاضبة غير مفهومة، مستمرًا في طريقه حتى وصل إلى غرفتها، التي فتح بابها ودلف بها إلى الداخل، وأخفضها برفق فوق الفراش خوفًا على جرحها. تراجع إلى الخلف ينظر إليها بحدة، وهو يفرك فروة رأسه التي كانت تؤلمه بشدة إثر جذبها لشعره، قائلًا بحدة:

"عيلة مفترية." زجرته بحدة هاتفة بغضب يعاكس ارتجاف جسدها: "تستاهل." زفر جابر بحدة، وقد لانت تعبيرات وجهه الغاضبة عندما لاحظ ارتجافها هذا، بينما كان وجهها شاحبًا بشدة، مدركًا أنها لا تزال تحت تأثير الصدمة، فقد كان الخوف يلمع مثل منارة في عينيها، لقد كانت خائفة، أصاب ذلك قلبها.

اقترب منها بهدوء، ممسكًا بيدها السالمة، جاذبًا إياها منها برفق حتى أصبحت تقف على قدميها أمامه. سحبها بين ذراعيه يضمها بحنان، لكنه قاومته وحاولت الابتعاد عنه، هاتفة بغضب: "أوعى، سيبني." لكنه رفض تحريرها وضمها إليه أكثر، لكنه كان حريصًا في ذات الوقت على ألا يؤذي كتفها المصاب. مرر يده بحنان على ظهرها محاولًا تطمئنتها، هامسًا في أذنها بصوت أجش:

"مش عايزك تبقي خايفة، انتي خدتي حقك، ولازم تتعودي من هنا ورايح أي حد فيهم يعمل فيكي حاجة تاخدي حقك منه." قاطعته بسخرية لاذعة وهي تحاول دفعه بعيدًا: "لو نفذت كلامك ده يبقى انت أول واحد هاخد حقي منه، وأول رصاصة هضربها هترشق في قلبك، لأن مفيش حد أذاني قدك." لتكمل بقسوة وهي مستمرة في استفزازه: "بعدين، عايزاك تعرف إنه كان أرحملي إني أبقى مرات خليل العمر كله، ولا إني أبقى على ذمتك ليلة واحدة."

أنهت جملتها، متخذة خطوة إلى الخلف بعيدًا عنه، عندما سمعته يصدر هديرًا عاصفًا من بين شفتيه، بينما تحولت عيناه إلى ظلام عاصف من الغضب. لكنها رفضت التراجع أكثر وثبتت قدميها بالأرض، رافضة أن تظهر له خوفها مرة أخرى. رفعت رأسها عاليًا، متجاهلة وجهه الذي كان محتقنًا بالغضب، مرمقة إياه ببرود، كما لو كان غضبه هذا لا يهمها، لكنها انطلقت راكضة تهرب من أمامه نحو الحمام، وهي تصدر صرخة مدوية عندما رأته يتحرك نحوها محاولًا الإمساك بها، وهو يتمتم بكلمات غاضبة.

هربت لداخل الحمام، مغلقة بابه سريعًا بوجه جابر، الذي كان لا يفصله عنها سوى خطوتين فقط وينجح بالإمساك بها. استندت على الباب تزفر براحة، بينما تسمعه يهتف من الخارج: "ماشي يا غزل، افضلي استفزي فيا، واحرقى في دمي بكلامك اللي زي الزفت ده، ولما أجي ألمسك تقعدي تعيطي وتصوتي زي العيال الصغيرة." قاطعته من خلف الباب بحدة: "أنا لا بعيط ولا بصوت." لتكمل ببرود مستمرة في استفزازها إياه:

"بعدين، أنا ذنبي إيه إنك بتتحول وتتعصب كل ما أجيب سيرة خليل جوزي... قصدي اللي كان جوزي." وضعت غزل يدها فوق فمها تحاول كتم ضحكتها عندما سمعته يطلق هديرًا عاصفًا، ضاربًا الباب بقبضته بقوة، كما لو فقد السيطرة على أعصابه. لكنه صمت فجأة لعدة دقائق، قبل أن يهتف مرة أخرى بصوت حاد مليء بالغضب ونفاذ الصبر: "أنا هخرج من هنا... هخرج قبل ما أرتكب جريمة. ده انتي عيلة مستفزة وباردة، ومعندكيش دم."

ثم عقب كلماته تلك، الصوت الحاد لإغلاق باب الغرفة، الذي اهتزت بسببه أرجاء المكان. *** بعد مرور ساعة... كانت غزل مستلقية على الفراش، بينما آلام جرحها تزداد، كما كانت تشعر بالحكة بسبب الجبيرة القماشية التي تضم ذراعها إلى صدرها حتى يضمن ألا يتحرك كتفها، فقد تسببت الرصاصة ببعض الأذى به. طرق الباب، ودلفت بعدها إحدى الفتيات التي تعمل بالمنزل، قائلة بابتسامة خبيثة: "جابر بيه بعتني ليكي بصنية الأكل دي...

وبيقولك تاكلي كويس وتاخدي دواكي، وتخلصي الصنية كلها." لتكمل سريعًا وهي تضع الطعام على المنضدة التي بجانب الفراش: "وطلب مني أساعدك في الأكل علشان دراعك مش هتعرفي تحركيه." هزت غزل رأسها هامسة وهي تشعر بالخجل من اهتمامه هذا الذي أظهره أمام الآخرين، خاصة أمل المعروف عنها القيل والقال: "تسلمي يارب يا أمل... بس أنا هاكل لوحدي." همهمت أمل قائلة بتردد: "بس جابر بيه أكد عليا إني أساعدك، وممكن يضايق مني لو عرف إني...

قاطعتها غزل بهدوء: "متخفيش، هقوله إني أنا اللي قولتلك."

لوت أمل شفتيها في ابتسامة، قبل أن تتنهد وهي تهز كتفيها باستسلام، قبل أن تلتف وتخرج من الغرفة. تراجعت غزل تستند إلى ظهر الفراش، وهي تفرك بطنها بيدها، فقد كانت جائعة للغاية، فطعام المشفى لم يكن يشبعها. نهضت محاولة الوصول إلى صنية الطعام، عندما فجأة انفتح الباب بقوة، جعلته يرتطم بالحائط، ولبيبة تدلف إلى الغرفة بوجهها الذي كان أسود من شدة الغضب، وعيناها المختنقة كالدماء، بينما كان أسفل عينيها وخديها ملطخان بسواد كحلها الذي سال بسبب بكائها.

"اتجوزتيه... ها... اتجوزتيه يا بنت أزهار... ونفذتي اللي كنتي مخططاله انتي وأمك من الأول." لتكمل بغل وهي تندفع نحوها: "حرباية وعقربة زي اللي جابتك، تفضلوا تلفوا وتحوموا حاولين الراجل لحد ما توقعوه في حبالكوا." قاطعتها غزل ببرود وهي ترسم على شفتيها ابتسامة واسعة: "على الأقل إحنا أحسن من اللي بتفضل طول عمرها تلف وتحوم حاولين الراجل لحد ما بتخنقه وبتكرهه في حياته وعيشته، وفي الآخر بيديها بالشبشب فوق دماغها."

فهمت لبيبة أنها تقصد بكلماتها تلك حبها لعثمان ورفضه لها. فبالتأكيد والدتها قد أخبرتها، فلم تشعر بنفسها إلا وهي تنزع نعالها وتهجم عليها محاولة ضربها به. تراجعت غزل على الفور إلى الخلف محاولة الهرب منها، عندما وقع عينيها على المسدس الذي تركه جابر هناك عندما صعد بها إلى هنا. لم تتردد لثانية واحدة قبل أن تمسك به وتشره بوجه لبيبة، التي تراجعت إلى الخلف والخوف والصدمة يملآن عينيها.

هتفت غزل بها بغضب يعاكس ضربات قلبها التي تقفز في صدرها من شدة الخوف والرهبة: "لو قربتي مني عليا النعمة لأضربك." صرخت لبيبة مقاطعة إياها بقسوة وقد احمر وجهها من شدة الانفعال: "فاكرة جابر هيسكت لما تضربي خالته اللي مربياه؟ قاطعتها غزل ببرود وهي تحاول التحكم في ارتجاف يدها التي تحمل المسدس، فلم تكن ترغب أن تلاحظ ارتجافها هذا: "جابر مين؟ جابر اللي بإيده خلاني أضرب خالته." لتكمل كاذبة وهي ترمقها بشماتة عندما

لاحظت وجهها الذي شحب: "ولا جابر اللي اداني المسدس وقالي بالحرف، أي حد يفكر يلمسني في البيت المعفن ده أضربه بالنار." صرخت لبيبة بغل وعيناها تكاد أن تخرج من مقلتيها من شدة الغضب، فقد كانت تشعر كما لو هناك نيران تلتهم قلبها حيًا: "ليــــه؟ وإحنا فراخ هتخلصوا علينا انتي وسي جابر بتاعك؟ لا البلد دي فيها حكومة." قاطعتها غزل مشيرة نحو الباب بالمسدس:

"بقولك إيه يا لبيبة، روحي زوري أخوكي في المستشفى واطمني عليه، مش زيارة المريض واجب برضه." قاطعتها لبيبه هاتفة بكلمات مليئة بالحقد والغل: "عقبال ما أزورك كده وأنتي راقدة جنب أمك، وميبقاش ليكي وجود في الدنيا إلا نفسك اللي طالع داخل زي أمك كده." رسمت غزل ابتسامة على شفتيها، مقاومة الألم الذي عصف داخل قلبها عند سماعها كلماتها القاسية تلك، مجيبة إياها ببرود: "أنا وأنتي يا خالتي يا رب." هزت لبيبة رأسها تنظر إليها بعينين

تصرخ بالحقد والكراهية: "ماشي يا بنت أزهار، وحياة أمك لهدفعك تمن وساختك دي غالي، حاضر." "ابقي افتكري اليوم ده كويس." أدارت غزل عينيها بسخرية، كما لو أن تهديدها هذا لا يهمها، قائلة بسخرية: "حاضر، هبقى افتكره حاضر." التفت لبيبة مغادرة الغرفة وهي لا تزال تسبها وتلعنها بأفظع الشتائم. *** بعد مرور ساعتين...

كانت غزل جالسة على الفراش تتنهد بحدة وهي تفرك بطنها التي كانت تصدر أصواتًا مزعجة، فقد كانت جائعة للغاية ولم تأكل شيئًا منذ وجبة الإفطار في الصباح. فهي لم تأكل الطعام الذي أتت به أمل، حيث لم تستطع الأكل بيدها الشمال، فقد وجدت صعوبة في التحكم بالملعقة، فكلما رفعت ملعقة طعام إلى فمها، سقط الطعام من عليها قبل أن يصل إلى فمها. فجابر من كان يساعدها في الطعام بالمشفى. فكرت النزول إلى الأسفل وإخبار إحدى الخدم بصنع شطيرة لها،

لكنها تراجعت، فهي لا تريد الخروج من غرفتها ومواجهة لبيبة مرة أخرى، فيكفي مواجهتهم الأخيرة. ابتسمت غزل وهي تفكر فيما فعلته، فهي لا تدري من أين أتتها تلك الشجاعة أو الجرأة حتى تقف بوجهها وتشهر المسدس نحوها. لتنفجر ضاحكة فور تذكرها كيف شحب وجه لبيبة في خوف وارعاب. همست بخبث محدثة

نفسها وهي تطلق ضحكة قصيرة: "يلا ما هي طيبة برضه وتستاهل كل خير." أنهت جملتها متراجعة إلى الخلف فوق الفراش تتمدد باسترخاء، لكنها انتفضت جالسة عندما فجأة انفتح الباب ودلف جابر إلى الغرفة. هتفت به بحدة وهي تجذب حجابها وتضعه على رأسها: "إيه ده مش تخبط؟ مش تعمل حساب لحرمة الأوضة ولا هي زريبة؟

اتجه نحوها بخطوات هادئة، جالسًا بجانبها على الفراش، ممسكًا بحجابها ينزعه من فوق رأسها ويلقيه بعيدًا، متجاهلاً شهقتها الصادمة، قائلًا ببرود: "حرمة إيه يا متخلفة؟ أنا جوزك." شهقت غزل قائلة بسخرية: "جوزي؟!!! لا ده انت صدقت نفسك أوي." أمسك بفكها بيده، قائلًا بحدة وعيناه تعصف بالغضب: "آه جوزك يا أم لسان وربع، يعني حقي أدخل الأوضة دي وأي أوضة انتي فيها في أي وقت أنا عايزه." ليكمل وهو يمسك بطرف منامتها العلوي يرفعه للأعلى:

"ولو قلعتك هدومك دي دلوقتي برضه حقي." ضربته غزل بيدها السالمة على يده الممسكة بمنامتها، بينما تركله بقدمها في ساقها وذراعها، هاتفة بغضب وقد احمر وجهها بشدة: "لا بقولك إيه احترم نفسك، ولو فاكر إني بقى غزل بتاعت زمان الطيبة اللي مبيطلعلهاش صوت، لا انسى ده، أنا اتغيرت ومش هسكتلك." دون إرادته، ابتسم جابر فور سماعه كلماتها تلك مع رؤيته لحركاتها العصبية المنفعلة وهي تنتفض في مكانها: "آه ما أنا عارف بقيتى بلطجي."

ليكمل وهو يقبض على ساقها التي كانت تركله بها محاولًا تقييد حركتها، لكنها ظلت رغم ذلك تحاول تحريرها وضربة مرة أخرى: "برضه، أنا جوزك غصب عن عينك وعين أي حد في البيت ده، جوزك يا غزل." توقفت غزل فجأة عن محاولاتها لضربه، قائلة بهدوء يعاكس ثورتها الغاضبة: "يعني انت جوزي... مش كده؟

همهم جابر بالموافقة وهو يحرر ساقها من قبضته، قبل أن يمسك بمشبك شعرها ينزعه، ممررًا يده خلال خصلاته، مستمتعًا بنعومته الحريرية حتى أصبح مسترسلًا على كتفيها كشلال من الحرير. أومأت غزل برأسها قائلة بدلال، بينما عيناها تلمع بخبث: "طيب أنا جعانة... وعايزة أكل." هز جابر كتفه قائلًا بينما هو مستمر بتمسيد شعرها: "طيب ما تاكلي، هو أنا منعتك." أجابته قائلة وهي تتصنع الخوف، بينما المكر يلمع في عينيها:

"أصل كل اللي شغالين في البيت زمانهم مشيوا... وأنا جعانة أوي، مأكلتش حاجة من ساعة الفطار... ودراعي مش قادرة أحركه عشان أعمل أكل ليا، فعايزاك تيجي معايا تحت تعملي أي حاجة آكلها." قاطعه جابر بحدة وعصبية: "وما أكلتيش ليه يا غزل من الصبح؟ انتي بتستعبطي؟ أنا مش بعتلك الأكل مع أمل وقولت لها تساعدك. انتي بتاخدي أدوية ومضاد حيوي، عايزة تموتي."

ثم انتفض واقفًا، جاذبًا إياها معه، قائلًا وهو يجذب معطفها المنزلي الثقيل الطويل من فوق المقعد ويضعه فوق كتفيها، فارتداءه بالكامل سيكون صعبًا بسبب ذراعها، وضعه عليها ليصبح يغطي منامتها متدليًا على الأرض، ثم وضع الحجاب على رأسها، عاقدًا إياه بشكل غير مرتب، مما جعلها تغمغم بتهكم: "كده مش ناقص إلا إني أروح أشحت قدام أي جامع بمنظري ده." قاطعها جابر وهو يضع ورقة من المال في جيب معطفها المنزلي: "آه، وادي أول 10 جنيه منى."

لوت غزل شفتيها ساخرة منه، قائلة بحدة: "طيب ولزمتها إيه الطرحة؟ مفيش غيرنا في البيت وأبويا عثمان وخالتك، يبقى لزمتها إيه؟ قول لي." حاط خصرها بذراعه، يحثها على التقدم معه لخارج الغرفة، وهو يجيبها: "لما ننزل وأطمن إن مفيش حد تحت، أبقى أقلعيها براحتك، واتكتمي بقى شوية، مش عايز صداع." هتفت غزل بحنق وهي ترجع رأسها في سخط: "يا رب ارحمني من دي دماغ مش هتتغير أبدًا... مين يعني اللي هيبقى موجود الساعة 12 بليل."

لم يجبها واستمر في طريقه إلى الأسفل، وهو يحيط خصرها بذراعه، يساعدها برفق على المشي، لكنه وفي منتصف طريقهم، كما لو تذكر أنه يجب عليه عدم تركها تمشي على قدميها، انحنى وحملها بين ذراعيه، مما جعلها تصرخ معترضة، لكنه تجاهلها واستمر في طريقه إلى الأسفل. فور دخولهما المطبخ، أجلسها برفق على مقعد، متوجهًا نحو البراد يبحث به عن شيء تأكله. استدار إليها قائلًا وهو يمسك بطبق من السمك: "كانوا عاملين النهاردة سمك... تاكلي." عكفت

وجهها في اشمئزاز ورفض: "انت عارف إني مباكلهوش يا جابر متستعبطش." لتكمل سريعًا وهي تشير نحو البراد: "دور كده عندك، كان فيه شوربة خضار وفراخ أمل كانت مطلعة منها ليا النهاردة." تنهد جابر بحنق، قبل أن يستدير ويبحث مرة أخرى بالبراد، قبل أن يستدير إليها قائلًا: "مفيش حاجة." تنهدت باستسلام، قبل أن تنهض وتقف أمامه، قائلة بوداعة يعاكس المكر الذي يلمع في عينيها: "جابر مش انت جوزي."

ضيق عينيه عليها يفحصها وهو يعلم أنها تنوي على شيء، قائلًا بهدوء: "آه بيقولوا إني جوزك." تلاعبت غزل بأزرار قميصه، قائلة بدلال وهي تحاول كتم ضحكتها: "طيب يبقى تطبخ لي شوربة خضار وفراخ." لمفاجأتها، أومأ برأسه قائلًا بموافقة: "قولي لي أطبخهم إزاي وأنا أعملهم. انتي عارفة عمري ما دخلت المطبخ في حياتي أصلًا."

فتحت عينيها على مصراعيها في صدمة، فقد كانت تتوقع أن يرفض، فالرجال في قريتها يعدون دخول الرجل إلى المطبخ حتى ولو لمساعدة زوجته نوعًا من الإهانة وعدم الرجولة. همست وهي لا تزال لا تصدق أنه وافق: "هتطبخ بجد؟ أومأ برأسه قائلًا بحنق وشدة: "ما قولت آه... قولي أعمل إيه؟ أجابته هامسة وهي تشير نحو براد التجميد: "طلع الفراخ والخضار من الديب فريزر."

أومأ بالموافقة وذهب بالفعل ليخرج ما أخبرته به، ثم بدأت تخبره بكل ما يحتاجه لإعداد الوجبة، وكان ينفذ كل شيء تخبره به خطوة بخطوة. جلست غزل على المقعد الذي بالمطبخ، تشاهد بعينين متسعتين بالصدمة جابر وهو واقف أمام موقد الغاز يعد الطعام لها، وهي لا تزال لا تصدق بأن جابر العزايزي بجبروته وغروره واقف يطبخ لها، فإذا شاهده أحد يفعل هذا، سوف يصبح محل سخرية جميع من بالقرية. التف إليها قائلًا وهو يقلب حساء الفراخ:

"أحط ملح قد إيه؟ نهضت غزل واقتربت منه، واقفة بجانبه، ممسكة بملعقة بيدها السالمة، وأخذت بعض الملح ووضعته فوق الحساء الذي كان يبدو شهيًا، لكنها حاولت استفزازه: "استغفر الله العظيم، هي شكلها عامل كده ليه؟ أجابها بعصبية وهو يضع الغطاء فوق الطنجرة بحدة: "مالها شكلها؟ مش عاجبك متاكليش منها." تنهدت قائلة وهي تتصنع الاستسلام: "مضطرة آكلها، أعمل إيه يعني، مفيش غيرها."

زجره جابر بغضب قبل أن يلتف ويزيل الغطاء، مقلبًا الحساء مرة أخرى، عندما سمع صوت لبيبة يأتي من خلفه: "إيه ده بتعملوا إيه؟ لتكمل هاتفة بصوت صاعق وهي تضرب صدرها بيدها: "يا مصيبتي... بتعمل إيه يا جابر؟ أجابها جابر ببرود: "بعمل أكل لمراتي." قاطعته لبيبة بحدة وهي تزجر غزل بغل: "مرتك؟!!! لتكمل وهي تقترب منهم: "وهو يصح برضه إنك انت اللي تطبخ بنفسك؟ دي تبقى عيبة وفضيحة."

ظل جابر يتطلع إليها بصمت عدة لحظات، كما لو كان يفكر بالأمر، قبل أن يغمغم قائلًا: "عندك حق والله يا خالتي." ارتسمت ابتسامة واسعة راضية على شفتي لبيبة، ناظرة إلى غزل بشماتة، لكن سرعان ما ماتت ابتسامتها تلك عندما سمعته يكمل: "علشان كده كملي انتي الأكل بقى." صاحت لبيبة بحدة وغضب: "أكل إيه اللي أكمله؟! تجاهلها جابر واستدار نحو غزل، التي كانت تحاول كتم ضحكتها، ملتقطًا ملعقة وغمسها بالحساء، ثم وضعها أمام فم غزل قائلًا:

"شوفي كده يا حبيبتي محتاجة ملح كمان، لو كده خالة لبيبة تزودهولك." تناولت غزل الملعقة وهي تبتسم، قبل أن تجيبه: "لا مظبوطة." لكن اتسعت ابتسامتها عندما سمعت لبيبة تهمهم في الخلف بكلمات غاضبة حانقة. وضع جابر الغطاء على الطنجرة، قبل أن يلتف إلى لبيبة قائلًا: "خلصي الأكل يا خالة، وابقي هاتيه لغزل بره في أوضة السفرة."

لم ينتظر إجابتها، حيث أحاط خصر غزل بذراعه وسحبها معه للخارج، تاركًا لبيبة واقفة بجسد مهتز من شدة الغضب، بوجه مشتعل بالغضب وعينين تصرخان بالحقد والكراهية. "مبقاش إلا أخدم على بنت أزهار." التفت ممسكة بالأكواب وأخذت تلقي بهم أرضًا وهي تصرخ غضبًا، تشعر بالإهانة والمذلة. *** كانت غزل جالسة بجانب جابر على طاولة الطعام، بينما كان يتحدث بالهاتف عن عمله كالعادة: "ظبط الدنيا انت بس يا عمروسي، وأنا ساعة وهجيلك."

ليكمل قائلًا سريعًا عندما رأى لبيبة تدلف إلى الغرفة وهي تحمل صنية من الطعام: "آه، خليهم يطلعوا المحصول على دفعات وبالراحة، مش عايز خسائر، ماشي." أغلق معه وعيناه مركزة باهتمام على خالته، التي وضعت الطعام أمام غزل، قائلة بحدة: "الأكل أهو... يكش يعجب السانيورا." ابتسمت غزل قائلة بمحبة زائفة: "تسلم إيدك يا خالتو." لتكمل وهي تلمس صحن الحساء وهي تعقد حاجبيها: "بس الشوربة باردة... معلش ممكن تسخنيها."

هتفت لبيبة بغضب وهي تشير نحو الأبخرة التي تتصاعد من الصحن: "هي إيه اللي باردة... ونبي ما في بارد إلا دمك، ده أنا لسه منزلاها من على النار ومولعة قدامك أهها." التفت غزل إلى جابر، الذي كان جالسًا يتابع باستمتاع ما يحدث، فقد كان يعلم أنها تأخذ ثأرها من خالته على ما فعلته بها بالسابق: "جابر، قولها تسخن الشوربة، انت عارف مبعرفش أشربها باردة." أومأ جابر، بينما يقاوم بصعوبة الابتسامة التي ترتجف بها شفتيه، راسمًا

الجدية على وجهه: "معلش يا خالة سخنيها لها، هي بتحبها فعلاً سخنة." ظلت لبيبة واقفة مكانها، تكاد الأبخرة تتصاعد من أذنيها، تنظر إلى غزل بنظرات سامة قاتلة، قبل أن تتناول طبق الحساء من أمامها وتذهب للمطبخ حتى تعيد تسخينيه. اقترب جابر من غزل، قرب شفتيه من أذنها يهمس لها بصوت أجش مثير: "هدّي الدنيا بقى، مش عايز مشاكل." نظرت إليه بعينين متسعتين، تمتمت ببرائة كما لو كانت لا تعلم عما يتحدث: "مشاكل؟ ليه عملت إيه؟

همهم جابر بإجابتها، لكنه صمت عندما رأى لبيبة تعود مرة أخرى وهي تحمل صحن الحساء الذي كان يبدو عليه أنه ساخن حد الغليان، وتعبير من الشر على وجهها. تذكر جابر بالمرة الماضية عندما أحرقَ يد غزل بالحساء، لكنها وقتها كان الحساء ليس بسخونة هذا، فماذا سيفعل هذا إذا وقع على فسوف تتضرر ضرارًا بالغًا بالتأكيد. انتفض واقفًا، يقف بين لبيبة وغزل كحائل بينهم، قائلًا وهو يمد يده نحو لبيبة محاولًا الحصول منها على الصحن:

"هاتي يا خالة." هزت لبيبه رأسها رافضة تسليمه له، قائلة: "لا، أوعى انت يا جابر عني، أنا هحطه على الطرابيزة... الطبق سخن." رفض جابر التزحزح من مكانه، قائلًا بإصرار وشدة: "هاتي الطبق يا خالة بقولك." ألقت لبيبة نظرة جانبية غاضبة على غزل، التي كانت جالسة لا تفهم ما يحدث، قبل أن تعطى الصحن لجابر وتعبير من الامتعاض على وجهها. وضع جابر الصحن أمام غزل، قائلًا بهدوء وهو يتنفس براحة أن الأمر قد مر بسلام:

"يلا كلي، علشان تاخدي علاجك وتنامي." أشارت غزل برأسها نحو الملعقة، قائلة بهدوء: "أكلني." رفع حاجبه قائلًا بصدمة: "أعمل إيه؟ أجابته غزل بخبث شيطاني وهي تعلم أنها تستفزه وتقوم بإحراجه أمام لبيبة: "أكلني... مش عارفة آكل بسبب دراعي. بعدين إيه ما انت كنت بتأكلني في المستشفى على طول." جلست بجانبها لبيبة، التي كانت تشعر بأنها على وشك الإصابة بأزمة قلبية، قائلة سريعًا: "هأكلك أنا... يا حبيبتي ما انتي زي بنتي برضه."

هزت غزل رأسها قائلة بدلال ورقة مثيرة غيظها أكثر: "لا أنا عايزة جوزي اللي يأكلني." لتكمل بحدة، وقد اختفى الدلال والرقة، وهي تنظر بتحدٍ بعينَي جابر: "مش انت جوزي برضه يا جابر."

ابتسم جابر وهو يخبر نفسه بأنه يجب عليه تحمل أفعالها تلك، فقد كان يعلم أن ما مرت به خلال الأيام الماضية لم يكن بالأمر الهين عليها. ورغم أفعالها المشينة بحق شقيقته، إلا أنه لا يمكنه إنكار أنها تعرضت لعدة صدمات عنيفة، ويكفي أنه كاد أن يفقدها إلى الأبد على يد فراج الملعون. تناول الملعقة وبدأ ملئها بالحساء، قبل وضعه أمام فمها، لكنها رفضت فتحه، قائلة وهي تنظر إليه ببرائة: "الشوربة سخنة، برّدها لي."

أومأ جابر برأسه، ثم بدأ ينفخ برفق في الملعقة محاولًا تبريد محتوياتها، قبل أن يعيد وضعها أمام فمها، الذي فتحته بطاعة هذه المرة وتناولتها، مما جعل لبيبة تنتفض واقفة وهي تهتف بغيظ وهي تضرب يدها بساقيها: "يا حزن الحزن، لا... لا... دي هتفقع لي مرارتي... مش قادرة، مش قادرة." لتكمل وهي تتجه نحو الباب، واضعة يديها فوق رأسها: "أنا طالعة أنام قبل ما أنجلط."

ارتجفت شفتي غزل في ابتسامة وهي تشعر بالرضا والفرح من الحالة التي أوصلت لبيبة لها، لكنها انفجرت ضاحكة عندما سمعتها تهمهم محدثة نفسها كما لو جنت وهي تصعد الدرج: "سخن لي الشوربة... لا برد لي الشوربة... أكلني الشوربة... لا انفخ لي الشوربة... آه هتجلطني يا ناس... واللهي هتجلطني."

شهقت غزل ضاحكة بصوت رنان مرتفع، وهي لم تعد قادرة على التحكم في نفسها أكثر من ذلك. بينما جلس جابر يراقب ضحكها، وابتسامة كبيرة تملأ وجهه، مستمتعًا بسماع صوت ضحكها بعد أن كاد أن يفقدها إلى الأبد.

تنحنحت غزل متوقفة عن الضحك فور أن لاحظت ابتسامته تلك، تشير برأسها بصمت نحو الطعام، ليبدأ جابر بإطعامها بهدوء، بينما أخذت هي تتناول وجبتها بشهية كبيرة، فقد كانت جائعة للغاية، مما جعل جابر يشعر بالذنب من أنه لم يتأكد بنفسه من تناولها طعام الغداء وترك الأمر لأمل.

فور أنهت طعامها، اصطحبها جابر إلى غرفتها، ساعدها في تناول دوائها، ثم ساعدها في الاستلقاء على الفراش في وضعية مريحة دون أن تؤذي كتفها المصاب. وقف بجانب الفراش قائلًا بهدوء وهو يجذب الغطاء فوق جسدها: "هروح أنا بقى أشوف اللي ورايا، سايب العمروسي بيراقب العمال وهم بيحصدوا المحصول."

اتسعت عينين غزل بالصدمة فور ذلك، وهي لا تصدق بأنه جلس معها يحضر لها الطعام ويطعمها بنفسه، تاركًا حصاد المحصول، فقد كانت هذه العملية أهم خطوة في عمله، حيث كان بكل عام لا يعود للمنزل عدة أيام بسبب إشرافه على عملية حصد المحصول وتخزينه بالمخازن التابعة له.

أغلقت غزل عينيها متصنعة النوم، مخبرة إياه بصمت أن يغادر، لكنها اهتز جسدها وقد تثاقلت أنفاسها عندما شعرت بشفتيه تلمسان جبينها، مقبلًا إياه بحنان، بينما يده تمسد شعرها برفق، جاذبًا الغطاء حتى عنقها، قبل أن يلتف ويغادر الغرفة بهدوء. *** في اليوم التالي...

كانت غزل جالسة في حديقة المنزل تتناول إفطارها بمساعدة صديقتها حلا، التي أتت منذ الصباح الباكر، حيث أخبرتها أن والدها هو من اتصل بها وأيقظها من النوم، مخبرًا إياها أن تأتي إلى هنا لمساعدة غزل في تناول إفطارها وأن تتأكد من تناول أدويتها كما وصفها لها الطبيب.

علمت غزل أن جابر بالطبع هو من جعله يفعل ذلك، كما أنه اتصل بها مرتين منذ استيقاظها يطمئن عليها، لكن غزل لم تتأثر بذلك ولم تفسر اهتمامه هذا على أنه حب، فكل ما في الأمر أنه يشعر بالذنب بسبب خطته الحقيرة التي أدت إلى إصابتها بطلق ناري. وضعت حلا قطعة من الخبز المغطاة بالمربى بفم غزل، وهي تضحك: "يالهوي... يا غزل ده انتي قادرة، يا بت خلتيها تسخن لك الشوربة، دي زمانها هتتشل." أومأت غزل مبتسمة فور تذكرها لحال لبيبة:

"كانت هتموت يا بت يا حلا، أنا والله لما سمعتها بتكسر في الكوبايات في المطبخ، قولت هتجيب سكينة وهاتجي تدبها في قلبي." نكزتها حلا في ذراعها قائلة: "لا بس جابر... دايب على الآخر." لوت غزل فمها بحسرة قائلة بصوت مختنق: "دايب إيه بس يا حلا، بعد كل اللي عمله فيا واللي حكيت لك." قاطعتها حلا سريعًا:

"ده كان هيموت عشانك يوم ما انضربتي بالنار، أنا أول مرة في حياتي أشوف جابر العزايزي عامل كده، كان عامل زي العيل الصغير اللي خدوا من أمه، ورفض يسيبك، أنا وصفى قولنا له هنقعد معاكي وهو قالنا لأ، هو اللي هيقعد معاكي، منمش دقيقة واحدة ولا حتى كل ولا شرب إلا بعد ما فوقتي، ده كان منظره صعب." قاطعتها غزل بصوت مضطرب، فهي لا ترغب بسماع كل ذلك: "حاسس بالذنب مش أكتر."

همت حلا بمقاطعتها، لكنها صمتت وعيناها متسعتان بالصدمة والخوف خلف غزل، هامسة بصوت مختنق: "غزل الحقي، البوليس." انتفضت غزل واقفة فور سماعها ذلك، ملتفة تنظر خلفها لتجد عدة رجال من الشرطة يعبرون باب الحديقة ويتجهون نحوهم. عدلت غزل سريعًا حجابها حول رأسها، وكامل جسدها ينتفض خوفًا. غمغمت إحدى العاملات التي كانت تتبع رجال الشرطة: "ست غزل، الباشا بيسأل عليكي." هتف بها أحد الرجال بحدة: "انتي غزل مجاهد؟

هزت غزل رأسها بالإيجاب، وهي غير قادرة على النطق بحرف واحد من شدة الخوف. ليشير الرجل إلى رجاله قائلًا بصرامة: "هاتو ها." هتفت حلا في رعب وتضرب بيدها صدرها: "ليه بس يا باشا؟ عملت إيه؟ أجابها الضابط بحدة واختصار: "متهمة في محاولة فراج العزايزي." شحب وجه غزل فور سماعها ذلك، تشعر بالبرودة تجتاح جسدها. أمسك بها أحد الرجال من ذراعها المصاب، مما جعلها تصرخ متألمة. هتفت حلا به: "براحة عليها دي عاملة عملية في دراعها."

تجاهلها الرجل وسحب غزل معه للخارج، متجاهلاً صراختها المتألمة. انفجرت غزل باكية وهي تشعر بعالمها ينهار من حولها، فقد كانت متأكدة بأن جابر من وراء كل ذلك، فقد كانت هذه خطته منذ البداية، خطته البديلة للانتقام منها وسحقها بالكامل والتخلص منها بشكل نهائي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...