دلف جابر إلى المنزل وهو يشعر بالراحة، فقد حصل أخيرًا على وثيقة الزواج. كان يعمل منذ الصباح على تسريع الإجراءات ليحصل عليها قبل عودته للقرية. لذا اتصل بجعفر لينقل غزل إلى القرية حتى لا تبقى في المشفى بمفردها في وقت متأخر. فهو لم يرغب بالعودة إلى المنزل بدون تلك الوثيقة، فقد كانت مهمة للغاية لما يخطط له.
خرج من أفكاره تلك وتجمد جسده فور أن دلف إلى ردهة المنزل ورأى العائلة مجتمعة هناك، وعلى وجوههم يظهر الهلع والخوف. بينما والده كان جالسًا على مقعده يبكي صارخًا بأن يحضروا له الإسعاف. خطر بباله على الفور أخته بسمة، فهي من تمرض من حين لآخر، لكنه تذكر أن بسمة ليست بالمنزل، فقد سافرت إلى القاهرة لقضاء عدة أيام لدى أقاربهم، مما جعله يطمئن قليلاً. أسرع نحو والده الذي كان يبكي بشدة، وجهه شاحب، هاتفًا بقلق:
= فيه إيه يابا… إيه اللي حصل…؟ لكنه ابتلع باقي جملته عندما اتبع نظرات والده الصامتة، لتتجمد الدماء في عروقه وتنحبس أنفاسه داخل صدره، كما لو كان يختنق. فور أن وقعت عيناه على جسد غزل الملقى على الأرض والدماء تحيط به. لم يشعر بنفسه إلا وهو يركض نحوها ووقع منهارًا بجانبها، وهو يصرخ باسمها بصوت ممزق وجسده كله ينتفض بذعر، شاعرًا بروحه تكاد تغادر جسده فور أن أدرك أنها مصابة بطلق ناري.
تحسس بيده التي كانت ترتجف بعنف جانب عنقها بحثًا عن نبضها ليهدئ ذعره قليلاً عندما وجده لا يزال ينبض. لم ينتظر وأسرع بحملها بين ذراعيه، صارخًا بجعفر الذي كان واقفًا يتابع ما يحدث بوجه متجهم قلق. أمره جابر وهو يندفع خارج المنزل ركضًا وهو يحمل جسدها الهامد بين ذراعيه بأن يفتح باب السيارة ويقود إلى المشفى بأقصى سرعة لديه.
جلس جابر في المقعد الخلفي للسيارة، كان وجهه شاحبًا وعيناه محتقنتين بلون الدماء. يضم إلى صدره جسد غزل النازف بين ذراعيه، بينما يحاول بهستيرية كتم الدماء المنسدلة من أعلى صدرها بيده المرتجفة. بينما يهمس بصوت متألم مختنق باسمها، ويقين بداخله أنه سوف يفقدها هذه المرة بالفعل. لكنه لن يستطيع العيش بدونها. لا… لن يستطيع. رفع عينيه إلى الأعلى هامسًا بتضرع بصوت ممزق والدموع تسد حلقه:
= يا رب متختبرنيش فيها… إلا هي يا رب… إلا هي يا رب. ضم جسدها إليه بقوة، مما أغرق ملابسه بدمائها. بينما غمغم جعفر الذي كان يراقب جابر من خلال المرآة الأمامية بأعين تلتمع بالشفقة. ففي حياته لم يرَ جابر العزايزي منهارًا أو ضعيفًا بهذا الشكل المثير للشفقة: = مين اللي عمل فيها كده يا باشا؟
لم يجبه جابر، فهو في هذه اللحظة لا يهتم بمعرفة من فعل بها هذا. فكل ما يهتم به الآن هو أن ينقذها. بعدها سيعلم من فعل ذلك وسيسحقه تحت أقدامه. صرخ بجعفر بأن يسرع بينما يشدد من احتضانه لها، دافنًا وجهه في عنقها وهو يهمس بصوت ممزق: = كله إلا إنك تسيبني يا غزل… ده أنا استحملت اللي ما فيش بني آدم يقدر يتحمله عشان ما أوصلش معاكي للنقطة دي.
مرر يده فوق وجهها الشاحب الساكن ليتلطخ بدمائها التي كانت تملأ يده، وهو يدعو الله بأن ينقذها من أجله. *** في وقت لاحق…
كانت غزل مستلقية في غرفتها بالمشفى وهي غارقة في ثبات عميق، أثر مخدر العملية التي تم إجراؤها لها لإخراج الرصاصة التي أصابت أعلى صدرها بالقرب من الكتف. بينما وقفت بآخر الغرفة صفا، التي كانت تراقب بأعين تلتمع بالشفقة ابن عمها جابر، الذي كان جالسًا بجانب فراش غزل. وجهه لا يزال شاحبًا وعيناه التي كانت متحجرة ومحتقنة كالدماء، مسلطة على جسد غزل الساكن. بينما ملابسه كانت مبعثرة وغارقة بالدماء، يمسك بيدها بقوة كما لو كان خائفًا من أن تختفي من أمامه.
اقتربت منه مربتة على ذراعه برفق، مما جعله يلتف نحوها ينظر إليها بأعين فارغة: = جابر.. روح أنت ارتاح شوية وغير هدومك.. وأنا هفضل هنا مع غزل، هبات معاها أنا وحلا، متقلقش. هز رأسه قائلًا بصوت أجش مهزوز: = لا أنا هفضل معاها.. روحوا أنتوا يا صفا وخلي أبويا وكل اللي برا يمشوا، مش عايز حد هنا. أومأت برأسها، فهي تعلم أنه لا فائدة من الجدال معه. لكنها وقفت مترددة قبل أن تسأله السؤال الذي يقلقها:
= جابر.. هو أنت عرفت عمي فراج ضرب غزل بالنار ليه؟ والله يا جابر.. غزل لا يمكن… قاطعها بحدة وعيناه تعود للاستقرار على غزل: = اطلعي يا صفا.. وعرفيهم محدش يهوب ناحية هنا تاني.
أومأت صفا برأسها بخوف من نبرته الحادة تلك، قبل أن تستدير وتغادر الغرفة مسرعة. فور أن أغلق الباب خلف صفا، انهار جابر ودفن وجهه في الوسادة التي يستقر عليها رأس غزل، مطلقًا العنان لدموعه التي كان يحبسها طوال الفترة الماضية. لا يصدق أنه كاد أن يفقدها إلى الأبد.
رفع يدها إلى شفتيه يقبلها بحنان ودموعه تنساب على وجهه، لا يستطيع التحكم بها. كان خوفه من فقدها يكاد يمزق قلبه. حاول التحكم بارتجافة جسده وقلبه الذي كان لا يزال يعصف بخوف بداخله. مرر يده بحنان على وجهها، فقد كان محتاجًا للشعور بها لكي يطمئن قلبه ولو قليلاً. لكن اهتز جسده بعنف عندما وقعت عيناه على يده التي كانت مستقرة على خد غزل وكانت ملطخة بالدماء. لكنها لم تكن أي دماء، فقد كانت دماء غزل. انقبض قلبه بألم كاد أن يحطم روحه إلى شظايا فور تذكره لمشهدها وهي ملقية على الأرض كجثة هامدة والدماء منتشرة من حولها.
قبل جبينها وجانب عنقها وهو يهمس بصوت مرتجف ممزق: = ليه يا غزل.. ليه وصلتينا لكل ده.. ده أنا محبتش ولا عمري هحب في حياتي قدك. ليكمل وهو يشعر بألم يمزق روحه إلى أشلاء: = اديتك فرصة يا حبيبتي.. ليه ضربتيني في ظهري تاني.. المرة دي مش هعرف أسامحك يا غزل. انسابت دموعه على خديه وهو يهمس بضعف وألم:
= وبرضو مش هعرف أسيبك تبعدي عني.. أنا روحي متعلقة بيكي. عارف إن ده هيخليني ضعيف.. هيخليني عثمان عزايزي تاني.. هيخليني أكتر حاجة كنت خايف ونهرب منها، بس برضو مش قادر أبعد وأسيبك.
ارتجف جسده بعنف وهو يشعر باليأس، مما جعله يعقد ذراعيه حولها، دافنًا وجهه في رقبتها، يبكي كما لو كان فقد روحه. ظل على حالته تلك حتى هدأ قليلاً. أمسك بيدها بين يده، دافنًا وجهه في عنقها أكثر، ممتصًا أنفاسًا عميقة من رائحتها. لتمر الدقائق والساعات عليه ويقترب الفجر، وهو لا يزال مكانه، لا يمكنه أن يبتعد عنها أو يتركها. *** في الصباح…
أفاقت غزل أخيرًا لتجد جابر جالسًا في المقعد المجاور لفراشها. وما إن رآها تستيقظ، انتفض واقفًا مقتربًا منها قائلًا بلهفة: = عاملة إيه..؟! حاسة بوجعك.. أنده الدكتور..؟! هزت رأسها وهي تنظر إلى كتفها الذي كانت تشعر بألم حاد به: = كتفي واجعني أوي.. مش قادرة.
أنهت جملتها وهي تحاول بصعوبة النهوض، ليسرع هو برفعها برفق ومساعدتها في الجلوس، واضعًا خلف ظهرها عدة وسائد، محاولًا جعل جلستها مريحة بقدر الإمكان، قبل أن يستدعي الطبيب ويخبره بالألم الذي تشعر به. فحصها الطبيب وأعطاها بعضًا من الأدوية المسكنة القوية، مطمئنًا إياه بأن ألمها هذا طبيعي في حالتها، خاصة بعد زوال المخدر الذي حقنت به قبل العملية التي أجرت لها. في اليوم التالي…
كان الصمت يحل بأنحاء الغرفة، فقد ظلت غزل جالسة بفراشها تتطلع أمامها بصمت وهي تتذكر كل ما حدث لها بالأمس. ارتجف جسدها بعنف فور تذكرها للاتهامات القاسية التي ألقاها فراج في وجهها وطعنه في شرفها وأخلاقها. والنظرات النافرة التي ألقاها الجميع نحوها، كما لو كانت عاهرة ألحقت العار بعائلتهم. لا تعلم كيف ستخرج من مصيبتها تلك، وكيف يمكنها تبرير وجود تلك الملابس بحقيبتها وحبوب منع الحمل وغيابها عن المشفى. التفتت
إلى جابر هامسة بصوت منكسر: = لازم تعرفهم إني متجوزة خليل.. وريّهم قسيمة الجواز.. وعرفهم إنك كنت عارف وإنك اللي جوزتني بإيدك. هز جابر رأسه بالموافقة بصمت، وهو لا يزال مخفض الرأس بوجه مكفهر كئيب، مما جعلها تشعر بالاختناق. فهي الآن ستصبح حقًا زوجة خليل أمام الجميع. لم تستطع تمالك نفسها وهمست بحسرة وهي تشعر بالألم: = كل ده بسببك. لمفاجأتها، انتفض واقفًا فجأة هاتفًا بصوت مدوٍ كما لو كان ينفجر: = بسبب أنا..!!
السبب في كل اللي إحنا فيه ده دلوقتي إنتي يا غزل. ليكمل بخشونة وهو يتطلع إليها بحسرة وألم: = بسببك ضيعتي كل اللي كان بينا.. بسببك أختي حياتها اتدمرت، بقت شبح بتخاف تواجه الناس.. بقى عندها ٢٨ سنة ومفيش عريس واحد خبط بابها، وهي بنت العزايزة اللي ألف واحد يتمناها.. ومكتفيتيش بكده، لا ووصل بيكِ الجبروت إنك عايزة تدوسي على شرفها وتدمري لها حياتها أكتر ما هي مدمرة.
ليكمل بقسوة وهو ينحني عليها حتى أصبح وجههما لا يفصلهم شيء، ينظر داخل عينيها الضبابيتين بالدموع التي تحاول مكافحتها: = بسببك حياتي اتدمرت.. بقيت واحد معرفوش.. دمرتيني ودمرتي حياتي.. إنتي اللي خلتيني أسلمك بإيدي لراجل تاني.. فاكرة إنه كان سهل عليا، حتى لو كان لدقيقتين حتى، ولو كنت واقف برا، بس أنا كنت بموت.. قبل ما كنت بعذبك كنت بعذب نفسي وبدمرها.
أشاحت غزل وجهها بعيدًا عنه، مخرجة صوتًا صغيرًا متألمًا كان كسِكّين غرز بقلبه، لكنه انتفض مبتعدًا، يوليها ظهره سريعًا عند سماعه لصوت انتحابها. يقبض على شعره يجذبه بعنف وهو يحاول تمالك نفسه حتى لا يستدير إليها، حيث أراد أكثر من أي شيء سحبها بين ذراعيه وتركها تبكي فوق صدره. أراد تهدئتها وراحتها واحتضانها حتى تهدأ آلامها وآلامه. تطلب منه الأمر كل ما لديه من قوة إرادة لكي يستدير ويغادر الغرفة بالصمت، تاركًا إياها غارقة في موجة حزنها.
*** بعد مرور يومين… غادرت غزل المشفى مع جابر، الذي لدهشتها لم يتركها طوال فترة مكثها بالمشفى، رافضًا بشكل قاطع طلب كل من حلا وصفا بالبقاء معها. حيث ظل معها يراعاها ويساعدها في كل شيء قد تحتاجه. فقد تولى مسئولية جعلها تتناول أدويتها في مواعيدها المحددة وإطعامها. حتى كان يساعدها في الذهاب إلى الحمام، حيث كان يحملها بين ذراعيه ويدخلها إلى هناك، ثم يتركها لقضاء حاجتها. ورغم رفض غزل بقاءه معها، إلا أنه تجاهل رفضها هذا.
كان ينام على المقعد الذي يقع بجانب فراشها، مما جعل الطبيب يعرض عليه بأن ينام بغرفة مجاورة لغرفتها. وعلى الرغم من عدم راحته وعدم حصوله على ما يكفي من ساعات نوم مريحة، إلا أنه رفض هذا العرض وفضل أن يبقى معها في ذات الغرفة. فقد كان يظل مستيقظًا بجانبها مستعدًا لمساعدتها في أي شيء قد تحتاجه أو تطلبه. لكنه رغم اهتمامه ورعايته تلك، إلا أنه كان لا يتحدث معها، فقد كان يظل صامتًا طوال الوقت. كما هي الأخرى تجاهلته كما لو كان غير موجود معها بالغرفة، فقد كانت تشعر بالغضب والكراهية نحوه كلما تذكرت الفخ الذي أوقعها به.
فور أن وصلت سيارتهم أمام المنزل، أوقفها جابر وظل بمكانه يتطلع أمامه بأعين تلتمع بالحدة والجمود، مما جعل غزل تفتح الباب لتهم بالهروب. لكنه أمسك بذراعها المعافى يمنعها من الخروج، قائلًا بصوت أجش ممتلئ بالتوتر الذي لأول مرة تسمعه منه: = استني يا غزل عايزك. هزت غزل رأسها قائلة بتململ: = عايز إيه مني تاني يا جابر..؟
فرك وجهه بقوة، ملتقطًا نفسًا عميقًا كما لو كان يهدئ نفسه، قبل أن يمد يده بجيب سترته ويخرج ورقة ومدها نحوها. ظلت عينيها مسلطة بريبة واضطراب على تلك الورقة، قبل أن تستجمع شجاعتها وتقوم بأخذها منه وفتحها. ليهتز جسده بعنف وصدمة كما لو صاعقة قد ضربتها فور أن قرأت محتوى تلك الورقة، والتي لم تكن سوى وثيقة زواج قانونية تثبت زواجها من جابر. ألقت الورقة بوجهه هاتفة بصوت مرتجف وجسدها كله يرتعد بقوة: = ده.. إيه..؟!
أنت عايز تجنني.. مش كده… دي خطتك الجديدة. أجابها جابر بهدوء وهو يضغط على فكيه بقوة: = مش خطة جديدة ولا غيره.. كتب الكتاب كان حقيقي وخليل كان شاهد على العقد بس.. يعني إنتي مراتي على سنة الله ورسوله و……
قاطعته كف غزل الذي سقط على خده بصفعة مدوية تردد صداها بأنحاء السيارة الصامتة. لم تنتظر غزل رد فعل منه لتهجم عليه مرة أخرى، تضربه بيدها المعافية ضربات متفرقة بأنحاء جسده، خادشة جانب عنقه بقسوة بأظافرها، متجاهلة الألم الذي يعصف في كتفها أثر حركاتها العنيفة تلك. لكنها لم تهتم، فكل ما تهتم به إلحاق الضرر به، فقد كانت تكرهه حقًا في هذه اللحظة. ظلت تضربه وتخدشه، وهو مستسلم لها، لم يقاومها أو يدفعها بعيدًا رغم قدرته على إبعادها وسحقها بيد واحدة.
صرخت بغضب عاصف وهي مستمرة بضربه: = أنت مريض.. مريض.. سلمتني لخليل وأنت عارف إنه مش جوزي. لتكمل بغل وهي في حالة شبه هستيرية منفجرة في بكاء مرير: = أنا بكرهك سامع بكرهك…. وعمري ما هسامحك على اللي عملته فيا. أمسك جابر يدها مانعًا إياها من الاستمرار بضربه وهو يقاطعها بشراسة:
= على الأقل خليل أنا كنت واقف برا ومكنتش هسيبك معاه.. كل اللي عملته.. عملته بس عشان تدوقي ولو جزء بسيط من اللي كنت عايزة تعمليه في أختي.. عارف إني غلطت يوم ما عملت كده، بس وجعي وغضبي منك هو اللي خلاني أعمل كل ده.. بس عايزك تعرفي إني كنت متفق معاه ميقربش منك ولا حتى عينه تيجي على طيفك.. بس هو طلع عيل وسخ وخلف باتفاقي معاه.. بس أنا عمري ما كنت هاذيكي ولا أخلي مخلوق يلمسك أو يمس شرفك.. عكسك وعكس نيتك السودا لبسمة.
صرخت غزل بحدة وانفعال: = محصلش.. متفقتش مع الزفت خليل على إنه يغتصب أختك.. كانت بسمة تانية.. بسمة تانية. ألقى جابر يدها التي كانت بين يده بحدة، مزمجرًا بصوت مخيف مظلم: = كدابة.. كدابة زي اللي خلفتك بالظبط.. نفس الكلام اللي قالته أمك لأبويا لما دفعت لواحد من قطاعين الطرق إنه يهجم على أمي وهي في البيت لوحدها. شحب وجه غزل فور سماعها كلماته تلك، هامسة بصوت مرتجف وهي لا تصدق ما يقوله: = كداب… أمي عمرها ما تعمل كده.
قاطعها جابر هاتفًا بقسوة والازدراء يلتمع بعينيه: = أمك تعمل اللي أوسخ من كده. تابع حديثه مردفًا وهو يشير نحو المنزل: = انزلي اسألي عثمان العزايزي.. وهو يقولك حصل ولا محصلش.
انسابت الدموع على خديها، بينما نشيج مؤلم يصدر من حلقها، وهي لا تصدق أفعال والدتها. لكنها كانت متأكدة بأن والدتها ليست بهذا الشر الذي يحاولون جميعًا إظهاره. لكنها أيضًا تعلم بأنها كانت تكره وفاء ولبيبة العزايزي أكثر من أي شيء في هذه الحياة. فهل من الممكن أن تكون فعلت ما يقوله حقًا؟ هل اتفقت مع رجل لكي يغتصب والدة جابر؟ مسحت وجهها بيدها المرتجفة قبل أن تلتف إليه قائلة بحدة: = أنا معملتش حاجة في أختك.
لتكمل سريعًا مقاطعة إياه عندما حاول التحدث: = عايز تصدق صدق.. مش عايز انت حر.. مبقاش يهمني ولا يفرق معايا.. اللي يهمني دلوقتي لو ورقة الجواز دي صح وحقيقية إنك تطلقني.. أنا مش عايزاك. التوت شفتيه بتهكم قائلًا بسخرية لاذعة جارحة وهو يقاوم شعوره بالجرح والألم: = ده على أساس إن أنا اللي عايزك أوي.. ولا طايق حتى أشوف خلقتك.
شعرت غزل كلماته كسِكّين حاد يغرز بقلبها ممزقًا إياه، لكنها رغم هذا لم تظهر له آلامها. أخذت نفسًا طويلاً مرتجفًا قائلة بهدوء: = يبقى تطلقني. قاطعها مزمجرًا بقسوة وعيناه تلتمع بالشراسة: = على جثتي.. الجوازة دي مش هتخرجي منها إلا وإنتي ميتة أو أرملة. تسارعت أنفاسها، نظرت داخل عينيه وعيناها تنطق بالكراهية والغضب الذي تشعر به نحوه، قائلة: = يبقى إن شاء الله هخرج منها أرملة.. وقريب أوي.
ثم فتحت باب السيارة وأمسكت بالباب المفتوح محاولة الخروج منها، لكنها لم تستطع، فقد ازدادت عليها آلام كتفها بسبب الحركة المفرطة والعنيفة التي فعلتها أثناء ضربه له. وجدت جابر يقف بجانبها يساعدها على الخروج، لكنها رفضت، مما جعله يطلق لعنة حادة قبل أن يمسكها بإصرار ويخرجها. ثم أحاط كتفها برفق، بينما يحثها على التقدم لداخل المنزل. لكنها دفعته بعيدًا رافضة لمسته تلك. لكنه عاد وأحاط كتفيها، منحنيًا على رأسها هامسًا بأذنها:
= جوه مش عايز أسمعلك صوت.. عايزك توافقي على كل حاجة هقولها. زجرته بقسوة قائلة بتهكم: = في المشمش.. ابقى قابلني. توقف جابر، مديراً إياها نحوه قائلًا بصرامة وحدة: = غزل.. أنا بهزرش، الموضوع حياة أو موت مش لعبة بنلعبها، فاهمة.
أنهى جملته قبل أن يعاود باستكمال طريقهما لداخل المنزل. لكن فور أن دلفا إلى الداخل، تصلب جسد غزل بقوة فور أن رأت جميع العائلة مجتمعة مرة أخرى. مما جعل شعور من الخوف يزحف بداخلها وهي تتذكر آخر مرة تجمعت العائلة بها هنا، تلقت رصاصة كادت أن تؤدي بحياتها. ابتعدت غزل عن جابر واتجهت نحو القبو للذهاب إلى غرفتها القديمة، محاولة تجاهلهم. لكن أوقفها صوت جابر الصارم الذي هتف من خلفها: = تعالي يا غزل هنا.
استدارت نحوه مجيبة إياه بجمود، وهي لا تتحمل التواجد معه أو مع من تسببوا بأذيتها والطعن في شرفها: = تعبانة وعايزة أنام. قاطعها جابر بحدة وصرامة: = قولتلك تعالي هنا. استسلمت واتجهت إليه حتى لا تصنع مشهدًا أمامهم. وقفت بعيدة عنه بعدة خطوات، لكنه أمسك برفق بذراعها غير المصاب وجذبها نحوه لتصبح واقفة بجانبه. ثم التف نحو العمروسي، والد حلا صديقتها، والذي كان يعد ذراعه الأيمن في الأعمال. أشار إليه برأسه قائلًا
بنبرة ذات معنى: = عمروسي. هز العمروسي رأسه قبل أن يتوجه نحو والد جابر يعطيه ورقة. أخذها منه عثمان وقرأها، لترتسم على وجهه الصدمة، قبل أن يرفع عينيه نحو جابر قائلًا بصوت ممتلئ بالصدمة والدهشة: = اتجوزتها..؟! ليكمل بحدة وغضب: = لما أنت اتجوزتها معرفتناش ليه.. يا بني. قاطعته لبيبة هاتفة بعصبية وهي تختطف منه الورقة: = اتجوز مين بالظبط..؟!
ضربت يدها بصدرها فور أن قرأت محتوى الورقة، شاعرة بدلو من الماء المثلج يسقط فوق رأسها وغضب عاصف يضرب عروقها. اقتربت من جابر هاتفة بقسوة وغِل: = اتجوزت بنت أزهار يا جابر.. أزهار اللي موتت أمك بحسرتها.. اتجوزت اللي حرقت أختك ودمرت حياته. لتكمل صارخة بعويل كما لو مات شخص ما:
= آهااا يا وفاء يا حبيبتي…. يا اللي مش هترتاحي في تربتك أبدًا بعمل ابنك…. يا وفــــــــــــــاء يا أختي… يا اللي موتّوكي بحسرتك وحرقة قلبك يا غاليــــــة. ظل جابر واقفًا ينظر إليها بجمود، محاولًا تجاهل الألم الذي ضرب صدره وهو يستمع إلى كلماتها تلك. بينما أخذ الحضور يتحدثون بين بعضهم البعض والصدمة بادية على وجوههم. والعمروسي يمر عليهم يظهر لهم وثيقة الزواج. هتف بحدة فراج الذي كان جالسًا بين الحضور، وهو
يشير نحو الورقة التي بيده: = وإحنا إيه ضمنا إن الورقة دي صحيحة؟ ما يمكن أنت ضربتها عشان تتستر على فضيحة حبيبة القلب. التمع الأمل بداخل لبيبة فور سماعها ذلك. فركت عينيها التي كانت محتقنة كالدماء، محاولة إبعاد دموع الغضب، مسلطة عينيها على جابر محاولة كشف الحقيقة من ردة فعله. بينما أومأ جابر بهدوء مشيرًا بيده بصمت نحو العمروسي الذي انطلق مغادرًا المكان على الفور.
وقفت غزل بجانبه تحاول تجاهل نظرات الجميع التي كانت منصبة عليها، فق كانت ممتزجة بالصدمة والغضب، خاصة فراج الذي كان يطالعها بنظرات تنفجر بالحقد كما لو يرغب الآن الانقضاض عليها وقتلها. لكنها لن تلومه، فها هو بعد كل ما فعله بها يقف أمامها بكل هدوء وجبروت دون أن يحاسبه أحد على ما فعله بها، كما لو كانت روحها التي كادت أن تهلك لا تستحق أن يحاسب من أجلها.
ابتلعت غصة الألم التي تشكلت بحلقها، شاعرة بالشفقة على نفسها، فقد كانت رخيصة بالنسبة لجابر، فلماذا يحاسبه؟ فهو يكرهها، فهي ليست سوى المرأة التي أحرق شقيقته وتآمرت على تلويث شرفها. خرجت من أفكارها تلك، مرفرفة بعينيها بقوة، محاولة دفع بعيدًا الدموع التي كوت مقلتيها، عندما جذب انتباهها العمروسي وهو يعود مرة أخرى بصاحب رجل يرتدي عباءة وعمامة. تعرفت عليه على الفور، فقد كان المأذون الذي عقد قرانهم منذ يومين بشقة المنصورة.
أشار العمروسي للمأذون قائلًا: = اتكلم يا أستاذ. تنحنح المأذون قائلًا بصوت مرتفع: = أنا المأذون الشرعي سالم السيد، وأشهد أمامكم وأمام الله. ليكمل وهو يشير نحو غزل وجابر: = إني عقدت قران الأستاذ جابر عثمان على الأستاذة غزل مجاهد.. من يومين بمدينة المنصورة. ثم التف نحو العمروسي مسلماً إياه بطاقة هويته ودفتر الزواج الخاص به، وهو يردف بهدوء: = وادي بطاقتي اللي تثبت إني مأذون شرعي، وده دفتر الزواج متسجل فيه العقد.
ذهب العمروسي بتلك الأوراق نحو عثمان والد جابر، ثم فراج الذي اشتعل الغضب بعينيه من فرار ابنة أزهار من المأزق الذي كان فرحًا بأنها قد وقعت فيه، فقد كان يرغب بفضحها أكثر ودعس وجهها بالأرض الموحلة. تمايلت لبيبة التي كانت تنظر إلى الدفتر وهي لا تصدق بأن كل ما خططت له قد فشل وتحطم فوق رأسها. تمايلت إلى الخلف وهي تكاد أن تفقد الوعي، مما جعل شقيقها حسان يسرع نحوها هاتفًا بهلع: = مالك.. يا أختي فوقي.
هزت رأسها بينما تبتعد عنه محاولة تمالك نفسها حتى لا تنهار أمامهم وتفضح أمرها. راقب جابر حالتها تلك وتعبير ساخر مرتسم على وجهه، قائلًا بسخرية: = مالك يا خالة لا اجمدي كده.. إحنا لسه بنقول يا هادي.. أوعى يغمى عليكي، لازم تبقي فايقة كده ومصحصحة عشان تتفرجي وتتعلمي من اللي هيحصل قدام عينك دلوقتي. أنهى حديثه واتجه نحو فراج، يمسك به من كتف عباءته يجذبه بقوة كادت أن تجعله يسقط أرضًا. صرخ فراج بحدة وهو يحاول التحرر من قبضته:
= أوعى.. يا جابر أنت ماسكني كده ليه…. بقولك أوعى. تجاهله جابر جاذبًا إياه إلى منتصف الغرفة، مشيرًا نحو العمروسي وجعفر اللذان أسرعا بالإمساك بفراج وتقييد حركته، مما جعل فراج يصرخ بذعر وقد شحب وجهه: = أنت بتعملوا إيه.. أوعى يالا أنت وهو.. أوعى…. أنتوا اتجننتوا. صرخ إحدى أعمامه بحدة: = بتعمل إيه يا جابر.. ميصحش يا ابني كده…. مهما كان ده خالك برضه وكان بيدافع عن شرف العيلة. قاطعه جابر مزمجرًا بصوت مدوٍ حاد:
= عم مصلحي.. مالكش دعوة أنت بالليلة دي أحسنلك.. وخالي مكنش بيدافع عن شرف العيلة.. لا خالى كان بينتقم من بنت أزهار.. أزهار اللي كان دايب وواقع فيها لشوشته وهي رفضته وفضلت أبويا عليه.. فطلع غله وحقده في غزل.. يمكن نار قلبه تهدى. ليكمل وهو يوجه حديثه إلى جميع الرجال الواقفين ينظرون برهبة إلى ما سيفعله. فرغم صغر عمره إلا أنه من كان يدير شئون العائلة بأكملها، لا يقوى أحد منهم على الوقوف بوجهه:
= وزي ما كل واحد فيكوا برضو كان حاطط جزمة في بوقه وساكت وهو شايفه بيضرب مراتي بالنار.. يحط نفس الجزمة في بوقه وميسمعش نفس. صمت الجميع بالفعل بعد أن كانت هناك همهمات معترضة بينهم. التف جابر نحو غزل التي كانت واقفة تراقب ما يحدث بوجه شاحب. أمسك بيدها ووضع بين يديها مسدس: = اضربيه بالنار زي ما ضربك. اهتز جسدها بعنف من شدة الصدمة فور سماعها كلماته تلك، بينما صدرت الشهقات الصادمة من حولهم. بينما اندفعت لبيبة
نحوه تصرخ بهستيرية وصدمة: = عايز تموت خالك يا جابر. قاطعها جابر بصوت حاد عاصف وعروق عنقه تنتفض من شدة الغضب: = واقتل عيلتي كلها مش خالى بس.. وأي حد يفكر بس إنه يلمسها تاني. شحب وجه لبيبة فور سماعها تهديده هذا، متراجعة إلى الخلف ببطء، بينما قلبها ينبض بداخلها في خوف وذعر. اخفض جابر عينيه نحو غزل عندما حاولت سحب يدها من يده رافضة الإمساك بالمسدس: = خدي حقك.
هزت غزل رأسها برفض ودموعها تنساب على خديها، مما جعله يضغط على فكيه بغضب هامسًا بأذنها بصوت حاد صارم: = قدامك حل من الاتنين، لتمسكي المسدس وتضربيه زي ما ضربك ويبقى في أمل إن ضربتك تيجي غلط وتصيب أي حتة في جسمه غير قلبه ويعيش، لأما هضربه أنا يا غزل وساعتها رصاصتي مالهاش مكان إلا قلبه. أدارت غزل رأسها تنظر إليه بأعين متسعة بالذعر والخوف وهي لا تدري ما تفعل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!