الفصل 18 | من 27 فصل

رواية خطاياها بيننا الفصل الثامن عشر 18 - بقلم هدير نور الدين

المشاهدات
37
كلمة
4,050
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

بمنتصف الليل… كانت غزل مستغرقة بالنوم بعد أن تحدثت مع جابر واطمأنت عليه، لكنها استيقظت عندما شعرت بيد تمر فوق ساقها من فوق منامتها. همست بصوت أجش غير واعٍ من أثر النوم: = جابر…. أخذت اليد تمر فوق ساقها، شاعرة بأنفاس حارة لاهثة بجانب أذنها، مما جعلها تفتح عينيها فجأة وهي تدرك أن جابر مسافر وليس هنا.

دب الذعر بكامل جسدها عندما رأت وجه كرم قريبًا منها للغاية، بينما كان يشرف عليها بجسده. وضع يده فوق فمها يكممها، هامسًا بنبرة أجشة لاهثة وابتسامة واسعة مرعبة تملأ شفتيه: = وقعتي يا غزل ومحدش سمى عليكِ. ركلته غزل في ما بين ساقيه، مما جعله يتراجع عنها للخلف وهو يئن بألم. لتسرع بالنهوض من فوق الفراش راكضة محاولة الهرب، لكنه أسرع بالإمساك بها ودفعها بقسوة نحو الحائط، قائلاً بصوت لاهث: = بتضربيني؟

طيب وحياة أمك… اللي متلقحة في المستشفى لأدفعك التمن. قرب وجهه من وجهها، مما جعل جسدها يرتجف باشمئزاز عندما شعرت بأنفاسه تلامس وجهها. باغتته وضربته مرة أخرى بين ساقيه، مما جعله يطلق سببًا لاذعًا: = آخ… يا بنت الكلب! أنهى جملته لاطمًا خدها بصفعة مدوية جعلت رأسها يرتد للخلف مرتطمًا بالحائط بقسوة. انفجرت غزل باكية بشهقات ممزقة، لكنه أسرع بوضع يده فوق فمها يكتم صوتها عندما سمع صوت خطوات خارج باب غرفتها. همس من بين أنفاسه

المحتقنة بجانب أذنها: = مسمعش نفسك… فاهمة. أومأت غزل وعيناها متسعة برعب. مرت ثوانٍ وفتح باب غرفتها، ودلف جابر إلى الغرفة يتحسس طريقه إلى الداخل قائلاً بتردد اسمها، فقد كان يخجل من إيقاظها لمساعدته في هذا الوقت المتأخر من الليل: = غزل…… همس بأذنها كرم الذي كان يقف معها بنهاية الغرفة: = روحيله، ولو فتحتي بوقك وقلتيله إني هنا هقتلك وأقتلها.

أومأت برأسها بطاعة ليدفعها بحدة نحو جابر. اتجهت غزل نحوه قائلة بصوت حاولت جعله متماسكًا قدر الإمكان: = إيه ده؟ أنت جيت يا حبيبي؟ معلش كنت في الحمام… مسمعتكش. أسرعت نحوه ممسكة بيده وعيناها مسلطة بخوف نحو كرم الذي كان يوليها ظهره ينظر خارج النافذة المفتوحة بحثًا عن طريقة للهرب. استغلت الفرصة، قبضت يدها بقوة على يد جابر هامسة بأذنه بصوت مرتجف: = كرم هنا…

تصلب جسد جابر فور سماعه ذلك، تسارعت أنفاسه واحتدت بشدة، شاعرًا كأن ستارًا أسود من الغصب يعميه. غضب عاصف لو أطلق له العنان له لأحرق الأخضر واليابس ولا يترك خلفه سوى الدمار والموت. انتفضت عروق عنقه تتنافر بينما يزداد وجهه احتقانًا من عنف ووحشية أفكاره في تلك اللحظة… همس لها: = حاولي تقربيني منه… من غير ما ياخد باله.

أومأت له، بينما التف كرم يلقي نظرة سريعة عليهما قبل أن يعاود النظر خارج الشرفة ينتظر انصراف إحدى رجال جابر الذي يقف بالحديقة أسفل الشرفة حتى يقفز هارباً قبل أن يعلم جابر بوجودها. استغلت غزل انشغاله هذا وقادت سريعًا جابر نحوه. أمسك به جابر هاتفاً من بين أسنانه بقسوة ويده تشتد حوله بقوة: = إيه دخلك هنا.. يا كلب يا واطي. وحياة أمي لأدفنك حي. غمغم كرم بسخرية رغم الخوف الذي ينبض بداخله:

= هتدفني إزاي… يا أعمى، هو انت شايف قدامك؟ ينهي جملته إلا وسدد له جابر لكمة أصابت فمه الذي أخذ ينزف دمًا بغزارة. دفعه كرم بقوة بصدره مما جعله يتعثر ويسقط أرضًا بقسوة. صرخت غزل بهلع راكضة نحوه تحاول الاطمئنان عليه، بينما قفز كرم من الشرفة هارباً. انتفض جابر واقفًا بتعثر يتحسس الطريق وهو لا يرى أمامه محاولًا العثور عليه. أمسكت غزل بيده قائلة ببكاء: = هرب يا جابر، نط… من الشباك.

زمجر بشراسة وهو يتلفت حول نفسه محاولًا بعجز الوصول إلى باب الغرفة: = كلمي العمروسي يخليه يلحقه، كلميه بسرعة. أمسكت غزل بهاتفها بيد مرتعشة تنفذ أمره وقلبها يكاد أن يتوقف من قسوة الأحداث التي تعيشها. *** في ذات الوقت…. سقط كرم من الشرفة ليرتطم بقوة بالأرض وتصاب ساقه. وقف بصعوبة وهو يلهث متألماً. أخذ يتلفت حوله لا يعلم كيف سيهرب من هنا، فرجال جابر يملؤون المكان. تراجع خلف إحدى الأعمدة مختبئًا.

يراقب الرجال عند الباب الخلفي وهو يفكر كيف سيهرب منهم، فقد كانوا يملؤون المكان. شعر بحجر يصيب ساقه من الخلف، التف فازعًا وهو يتوقع إحدى رجال جابر، لكنه وجد بسمة ابنة عمه واقفة أمامه تختبئ خلف عمود آخر تخبئ وجهها أسفل وشاح أسود كبير. شعر بالقلق والتوجس منها، قال بحذر وهو يستعد للهرب: = بسمة…؟!!!

أشارت له بيدها بأن يتبعها. وقف مترددًا عدة لحظات قبل أن يستسلم ويتبعها، فلم يكن أمامه حلاً آخر، فسوف يغامر وإلا سوف يسقط بين يدي رجال جابر. تبعها حتى الحظيرة التي دخلتها. وقف بالخارج عدة لحظات يشعر بالتردد والخوف قبل أن يتبعها بصمت للداخل. وقفت بسمة بمنتصف المكان تنظر إليه قائلة بغضب: = بتعمل إيه هنا في نص الليل يا كرم…؟ وقف كرم ينظر إليها عدة لحظات وهو يشعر بالخوف، لكنه بالنهاية غمغم قائلاً بتلعثم:

= جاي… جاي أشوفك… كنتِ وحشاني… وجابر منعني أدخل البيت هنا. ارتسمت على شفتيها ابتسامة حادة لاذعة قائلة بصرامة: = كداب… احمر وجه كرم بشدة، غمغم بتلعثم قائلاً بارتباك: = أومال يعني هكون جاي ليه… يا بسمة أنا بحبك. اقتربت منه عدة خطوات حتى أصبحت تقف أمامه تعقد ذراعيها: = كداب، أنت جاي تشوف عشيقتك غزل مش كده؟ أنا شايفاك وأنت داخل أوضتها. إيه؟ جابر وصل؟ وقفكوا سوا؟ ظل كرم صامتًا عدة لحظات قبل أن يومأ برأسه قائلاً:

= صح يا بسمة. ليكمل قائلاً باستفهام: = ولما أنتِ عارفة كل ده… بتساعديني أهرب ليه…؟؟ أجابته بقسوة وعيناه تنطلق منها شرارات الغضب والكراهية: = علشان أخويا ما يضيعش نفسه ويقتل كلب زيك. قبض كرم على ذراعها يلويه خلف ظهرها هاتفاّ بشراسة: = بت انتي… اتعدلي مش عايز طولة لسان… بدل ما أقطعهولك خالص. زجرته بنظرات مشتعلة ممتلئة بالكراهية قبل أن تتمتم بصوت لاهث: = مش عارفة، اتهبلت إزاي في يوم وحبيتك… لتكمل وهي

تجذب يدها من قبضته بقسوة: = ربنا ينتقم منك.. ويخدك انت والكلبة اللي بتخون جوزها اللي مأمنها. لوى كرم شفتيه قائلاً بسخرية: = آمين ويخدك معانا… اخلصي هخرج منين…؟ أشارت نحو نهاية الحظيرة وهي ترمقه بقسوة: = امشي لآخر الحظيرة هتلاقي باب.. غور منه… الحرس فاكرينه مقفول مش هتلاقي حد عليه.

نظر إليها بسخرية قبل أن ينطلق راكضًا نحو نهاية الحظيرة حتى الباب الذي فتحه بسهولة. أخرج رأسه يبحث عن أي من رجال جابر ليجد الطريق خاليًا ليسرع بالهرب راكضًا مختفيًا بظلمات الليل، تاركًا بسمة واقفة تتطلع إلى أثره بأعين ملتمعة بالدموع والحسرة. *** وقف العمروسي بالردهة أمام الغرفة الخاصة بجابر وغزل قائلاً بصوت مرتجف من الخوف: = ملقنوهوش يا باشا، فص ملح وداب. صرخ به جابر وهو أشبه بالمجنون:

= دور عليه… اقلب الدنيا… شوف كاميرات المراقبة واعرف مكانه فين. غمغم العمروسي سريعًا وهو يتخذ خطوة للخلف: = والله يا باشا مسبناش مكان مدورناش فيه… والكاميرات عطلانة، انت عارف الصيانة السنوية بتاعتها النهاردة. قاطعه جابر بصوت عاصف ووجهه أصبح أسود من شدة الغضب: = العيال اللي تحت دي كلها تطرد. همس العمروسي بتردد: = بس… بس يا باشا… قاطعه بصوت مشدود حاد: = مفيش بس.. إزاي الكلب دخل بيتي وهما كانوا فين؟

كله يطرد سامع… وتجيب رجالة غيرهم… رجالة بجد مش شوية عيال مش عارف أأمن على بيت معاهم. أومأ العمروسي برأسه وعلى وجهه يرسم الخوف والارتباك: = حاضر. ثم التف منصرفًا بخطوات سريعة. بينما أمسكت غزل بذراع جابر وقادته نحو داخل الغرفة. جلس على طرف الفراش وجلست بجانبه. جذبها بين ذراعيه يضمها إليه بقوة مقبلاً أعلى رأسها هامسًا بقلق ووجهه متغضن بالغضب: = الحيوان ده لمسك… مد إيده عليكِ…؟؟

بسطت يدها فوق صدره تتحسسه برفق محاولة تهدئته وطمأنته، رافضة إخباره بتحسسه لجسدها وضربة لها حتى لا تثير غضبه أكثر: = اطمن يا حبيبي، ملحقش. عقد ذراعيه من حولها يقربها منه أكثر مغمغماً بكرب وهو يتخيل ما الذي كان سيحدث لها إن لم يعد في الوقت المناسب: = لولا إني خلصت بدري في المستشفى.. وأصرت إني أروح… ومبتش… كان زمان الكلب ده اغتصبك. ليكمل بوعيد وذراعيه تشتد من حولها بحماية:

= بس ورحمة أمي ما هرحمه، هجيبه.. ولو كان في سابع أرض. نهضت غزل وجلست فوق ساقيه. جمعها جابر بالقرب منه بينما كانت تزحف إلى جسده. رفعها ولفت ساقيها حول خصره وهي تمسك بكتفيه بإحكام، تدفن رأسها بجانب عنقه مقبلة إياه برفق محاولة تهدئته.

رفع وجهها إليه، أدارها تجاهه ودسها بقوة ضده. لم يكن هناك شبر بينهما. مال نحوها وشفتيه تلمس شفتيها ويده تمر ببطء على عنقها. جذبها أقرب إليه بينما يستحوذ بالكامل على شفتيها مقبلاً إياها بشغف، مما جعل الحرارة تنتشر داخل عروقه سريعًا كالحمم الملتهبة، فقد كان يريدها كثيرًا. مشتاقًا إليها.

كان هناك جوع رهيب في قبلته، جوع اجتذب بلا هوادة كل ما ستقدمه له، ولم تستطع محاربته. من أجل هذا أرادته كثيرًا هي الأخرى. استمرت القبلة واستمرت، كما لو أنه لا يمكن أن يكتفي منها أبدًا. انفجرت النيران في عروقها وهي تعلم أنها كانت تتسابق في عروقه أيضًا. كلاهما كانا يغرقان سريعًا في النسيان، يفقدان نفسيهما في بعضهما البعض، غير مكترثين تمامًا بمكان وجودهما أو ما حدث سابقًا… ***

باليوم التالي…. كان جابر جالسًا على طاولة الطعام لا يأكل، بينما بسمة وغزل تأكلان طعامهما. اقتربت منه غزل رافعة ملعقة من الطعام لفمه قائلة برفق، فقد كانت تعلم أنه يخجل من تناول الطعام أمام الآخرين حتى لا يرقه على ملابسه: = خد مني دي يا حبيبي علشان خاطري. فتح جابر فمه متناولاً الملعقة من يدها، فقد كان جائعًا بشدة. بدأت غزل تطعمه غافلة عن النظرات الممتلئة بالغل والحقد المنبثقة من بسمة. غمغمت بسمة بسخرية لاذعة:

= اللي يشوفك كده يقول إنك بتحبيه أوي. التفت إليها غزل قائلة ببرود مغيظة إياها: = بحبه وبموت فيه كمان. رفعت بسمة حاجبها قائلة بتهكم: = لا والله؟ مش باين يعني. قاطعها جابر بصرامة وحدّة: = بسمة… اقفلي بوقك ومتتكلميش في اللي مالكيش فيه. احتقن وجهها بشدة حتى تحول للون أحمر قاتم من شدة الانفعال، لتغمغم بغل وهي تنظر إلى غزل بتحدي: = الشوربة بردت، قومي يا غزل سخنيها وهاتيها تاني. عصف جابر بشراسة:

= مراتي مش خدامة عندك… عايزة حاجة قومي اعمليها لنفسك. لوت بسمة شفتيها في سخرية قائلة بتحدٍ وقد أعماها غلها: = ليه؟ دي كانت من 3 شهور بس خدامة في البيت ده. جفلت عضلة في خده بينما انتفضت عروقه من شدة الغضب. زمجر بها بشراسة عاصفة: = أنتِ عيلة قليلة الأدب… قومي اخفي من هنا. هتفت بسمة بحدة: = بتطردني يا جابر؟ عصف بها بقسوة: = غورى من وشي، قولتلك.

انتفضت بسمة واقفة تنظر بغل وغضب لغزل قبل أن تلتف مغادرة بخطوات ممتلئة بالغضب. أمسكت غزل بيد جابر وهي ترقص فرحًا بداخلها من دفعه عنها ضد شقيقته: = اهدى يا حبيبي مش كده. ضغط على يدها برفق متنعماً بلمستها يهز رأسه ببطء. لم تمر لحظات إلا وجاءت لبيبة جالسة على الطاولة قائلة بصخب: = إيه ده؟ بدأتم أكل من غيري… أومال فين بسمة؟ أجابتها غزل باقتضاب: = في أوضتها. غمغمت لبيبة قائلة بهدوء خبيث:

= ألا صحيح يا جابر، كرم.. كان بيعمل إيه في أوضة نوم مراتك؟ ضرب جابر قبضته بالطاولة مما جعل الأواني التي عليها تهتز بقوة. زمجر من بين أسنانه المطبقة بقسوة: = طريقة كلامك مش عاجبني… وحاسس فيها تلميح وسخ، فاحسن لك تقفلي بوقك بالذوق بدل ما أرتكب جريمة. شحب وجه لبيبة في خوف، همست بصوت مرتجف وهي تحاول إصلاح الأمر، فقد كانت عيناه أكثر شيء مرعب رأته في حياتها: = أنا مقصدش… يقطعني… أنا أقصد بس……. قاطعه بقسوة وحدة جعلتها تصمت:

= لا تقصدى.. ولا متقصديش.. لما تيجي تتكلمي عن مراتى… تتكلمي باحترام وأدب، فاهمة. غمغمت لبيبة وهي تضغط على يديها بقسوة: = فاهمة. نهض جابر قائلاً وهو يمد يده نحو غزل: = يلا يا حبيبتي نطلع أوضتنا. أمسكت بيده غزل تصحبه للخارج، لكنها التفتت إلى لبيبة ترمقها بنظرة ساخرة شامتة جعلت لبيبة تشتعل بنيران الغضب مكانها. ***

باليوم التالي… وصلت لبيبة لإحدى المناطق النائية بالبلدة. طرقت باب منزل متهالك كان وحيدًا وسط الأراضي الشاسعة القاحلة. فُتح الباب ودلفت إلى الداخل قائلة بحدة وهي تلتف ناظرة إلى كرم الذي كان يقف عند الباب: = بقى أنا أساعدك تدخل البيت وفي الآخر متعملش حاجة… من اللي اتفقنا عليها.. يا موكوس. أغلق كرم الباب متجهًا نحو الداخل قائلاً بحدة: = أعمل إيه يعني يا خالة؟ ما ابن اختك اللي وصل ومعرفتِش ألمسها أو أجي جنبها.

اتجهت لبيبة نحو الأريكة المتهالكة وجلست عليها: = جابر قالب البلد عليك… رجّالته في كل مكان، لو مسكك هيقتلك. وكمان غير كل الرجالة اللي كانت بتحرس البيت، يعني مش هعرف أدخلك البيت تاني. جلس كرم بجانبها على الأريكة قائلاً: = وأنا مش عايز أدخل البيت تاني. ليكمل وهو يلتف ينظر إليها: = تعرفي إن البت بسمة هي اللي هربتني. الغبية فاكرة نفسها مفتحة وفاهمة كل حاجة. قال فاكرة إن غزل عشيقَتي وإني أنا على علاقة ببعض.

ابتسمت لبيبة قائلة بفرح: = طيب ما ده حلو.. بسمة ده مجنونة وأكيد هتعمل حاجة… مش هتسكت. قاطعتها كرم بحدة: = وهو أنا لسه هستنى لما بسمة تعمل حاجة؟ أنا عندي خطة هتخلي غزل دي خاتم في صباعنا الصغير وتنفذ كل اللي عايزينه. غمغمت لبيبة بلهفة وعيناها تلتمع بالحماس: = إيه هي؟ نهض متجهًا نحو طاولة تنتصف الردهة، فتح درجها وأخرج منه كيس صغير ملئ بمسحوق لونه أبيض. اتجه نحو لبيبة قائلاً:

= الكيس تحطيلها منه في أكلها… شربها كل يوم مقدار نص معلقة صغيرة. قطبت لبيبة قائلة باستفهام: = إيه ده يا واد يا كرم؟ غمز لها بعينه واضعًا الكيس في يدها: = ده اللي بالي بالك…. اللي هيجيب القاضية. ضربت لبيبة صدرها قائلة بفزع: = ينيلك يا واد… دي هتبقى مصيبة لو اتقفشنا، جابر ممكن يقتلنا. ضغط على يدها قائلاً بهدوء: = متخفيش.. المهم متفوتيش يوم من غير ما تحطيلها منه، لو فات يوم وقتها فعلاً هنتكشف وهتبقى مصيبة.

هزت لبيبة رأسها وهي تتفحص الكيس الذي بيدها: = يخربيتك يا واد يا كرم، ده لو حصل اللي إحنا عايزينه هتبقى فعلاً خاتم في صباعنا. ابتسم كرم قائلاً: = أومال فكرك إني بلعب؟ المهم تعملي اللي بقولك عليه، نص معلقة بالظبط. = متقلقش. غمغمت بهدوء قبل أن تنهض واقفة تضع الكيس بحقيبتها قبل أن تتجه إلى الباب قائلة: = همشي أنا قبل ما الدنيا تليل.. الحتة هنا مقطوعة.

أوصلها كرم حتى الباب ثم عاد مستلقيًا على الأريكة المهترئة وابتسامة واسعة على شفتيه. ***

بمنتصف الليل…. خرجت غزل من غرفتها تاركة جابر غارقاً بالنوم وهبطت إلى الأسفل تجلس بالشرفة الخارجية التي تطل على الحديقة. كانت بحاجة إلى البقاء بمفردها حتى تستطيع أن تخرج الحزن الذي بداخلها، فقد كانت تحاول أن تظهر أمام جابر أن كل شيء بخير وأنه سيشفى قريبًا ويعود بصره إليه، لكن بداخلها تشعر باليأس، فقد أكد الأطباء أن كل شيء أصبح بخير، فلما لم يعد بصره بعد.

انفجرت باكية بشهقات ممزقة، فقد كان يألمها عجزه. تعلم أنه حزين ويائس يتألم بسبب عجزه هذا، فهو فخور كثيرًا بنفسه. يؤلمه الاعتماد عليها بكل شيء في طعامه وجميع تحركاته، وهي تحاول أن تبدو غير مبالية، لكن قلبها يتمزق عندما ترى حزنه هذا، فجابر هو ساندها بهذه الحياة، كل ما تملك. رفعت رأسها للسماء هامسة بصوت مختنق: = يا رب… اشفيه يا رب… يا رب.

سمعت صوت حركة خلفها لتسرع بمسح دموعها التي تغرق وجنتيها سريعًا، غير راغبة بأن يراها أحد تبكي. سمعت بسمة تغمغم بحدة من خلفها: = إيه مقعدك هنا…. لتكمل بقسوة أكبر: = بس كويس جيتي لقدرك.. كنت مستنية اللحظة اللي تبقي فيها لوحدك. التفت إليها غزل تنظر إليها بتساؤل، لكنها انتفضت واقفة بفزع عندما رأتها تحمل عبوة بين يديها وقدّاحة، لتعلم غزل ما تنوي فعله. حاولت الهرب لكن سدت عليها بسمة باب المخرج قائلة.

بصوت خشن يقطر بالغل والحقد تزجرها بنظرات يملؤها الكراهية والغل: = متخفيش مش هحر.قك… زي ما حرقتـ.ني زمان. صرخت بها غزل وهي تكاد أن تنهار بسبب أفعال تلك المجنونة: = أنا عمري ما حرقتـ.ك… انتي اللي ولعتـ.ي النا.ر و حرقتـ.ي نفسك. أومأت بسمة مبتسمة وعيناها تنطلق من شرارات الجنون: = صح… بس محدش يعرف ده غيري أنا وأنتي… يبقى انتي اللي حرقتيـ.ني. لتكمل وهي ترفع العبوة إلى صدرها:

= وهاعيد اللي حصل المرة اللي فاتت، هخلي جابر يفتكر إنك حاولتِ تحرقيـ.ني تاني… هخليه يرميكِ في الشارع ده إن مولعـ.ش فيكي وحرقـ.ك بنفسه. همست غزل بنبرة شبه باكية وهي تعلم أنها إذا نفذت خطتها تلك ستكون نهايتها مع جابر: = ليه.. حرام عليكي… عملت فيكي إيه عشان الكره ده كله. صرخت بسمة مقاطعة إياها بنبرة يتخللها الجنون والغضب: = عشان بتخونى اخويا… وهو معمى بحبه ليكي ومش قادر يصدق إنك خاينة ز.بالة. أنا كده بنقذه من وساختك.

تقدمت لداخل الشرفة وعيناها مسلطة بكره على غزل الواقفة تتطلع إليها بأعين متسعة بالصدمة من كم الكره الذي تكنه لها: = هخليه يطلقك ويخلص منك يا خاينة يا ز.بالة.

أنهت جملتها تلك وهي تتقدم نحوها ترفع العبوة التي كانت بيدها وتسكب السائل الشفاف الذي بداخلها فوق رأسها لتغرق كامل جسدها به وينبعث على الفور رائحة البنزين القوية والنفاذة، مما جعل غزل تتراجع للخلف بعيدًا عنها تبحث بخوف وعجز عن مخرج تهرب منه، لكنها انفجرت باكية عندما أدركت أن المخرج الوحيد تسده بسمة بجسدها. تحول بكائها لشهقات ممزقة وهي تشاهد مصيرها يعاد للمرة الثانية، فجابر سيقتلها هذه المرة بالتأكيد.

شحب وجه غزل شاعرة بالإغماء وهي تسمع بسمة تصرخ بأعلى صوت لديها بنبرة شبه هستيرية: = الحقـــــوني…. هتحرقني… الحقوووووني.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...