في شقه ظافر بعد مشاحناته مع الذات، جلس على الأريكة مغمض العينين بتعب. رمق الباب مرة أخرى ليتفاجأ بصغيرته فريدة تجلس بصمت بجواره، هي ولعبتها، تنظر إليه بعيون واسعة بريئة. حاول الابتسام قليلاً ليعوضها أنه لم ينتبه لوجودها. وأطرق رأسه أمامه ليلمح بطرف عينيه يوسف جالسًا على جانبه الآخر. نظر له بحاجب مرفوع قبل أن يعيد رأسه يرمق صغيرته بتساؤل ليردف بتعجب: -انتوا قاعدين ليه كده؟ نظر يوسف بتوتر ووجهه أحمر إلى شقيقته،
فاردف بخفوت كاذب: -عادي يا بابي! نظرت له فريدة شزراً قبل أن تردف بإصرار: -إحنا هنساعدك يا بابي! ارتفع كلا حاجبي ظافر ليردف بذهول: -هنساعدك يا بابي في إيه؟ -عشان تشوف مامي وتصالحها طبعًا! رفعت كفيها في الهواء وهي تنظر له وكأنه أبله، لا يفهم ما هو بديهي. مرت لحظات عجز فيها عن الرد قبل أن يتدخل يوسف وهو يقترب من والده ليردف بثقة: -أيوه يا بابي لازم نساعدك عشان تصالح مامي! أدار جسده نحوه وهو يضع يدًا على ذقنه قائلًا
بسخرية: -إيه اللي لزمه يعني يا أستاذ يوسف؟ وبعدين دي حاجات ناس كبار انتوا متفهموهاش! نظر يوسف بخيبة أمل لفريدة، ليمط الاثنان شفتيهما بحزن وينظران أمامهما، حتى أن فريدة ترمقه بغضب وحاجبين معقودين بين كل لحظة وأخرى. خرجت منه ضحكة عفوية وهو يهز رأسه بعدم تصديق لوجوده في مثل هذا الموقف. سمع صوت باب غرفتها يفتح، فوقف سريعًا على أمل ملاقاتها.
وقفت شروق عند باب غرفتها لتلقي نظرة على الصغيرين، فطمأنت لوجودهم معه. نظرت لظافر بغضب وحدة وأغلقت الباب مرة أخرى مستعدة لقضاء ليلتها باكية وهي تسب وتلعن وجوده. جلس ظافر وهو يجز على أسنانه والتفت لأطفاله فوجدهم ينظرون له باتهام وغضب. أدار عينيه في مقلتيه باستسلام قائلًا بحرج: -أصالحها إزاي طيب؟ اتسعت ابتسامة فريدة وأسرعت للوقوف على الأريكة لتستقر في أحضان والدها وهي تردف بحماس:
-اسمع الكلام يا بابي اسمع الكلام عشان تتصالحوا بسرعة وتبوسها بوسة الحب السحرية! اتسعت عيون ظافر بخضة وكاد يصاب بأزمة قلبية حادة قبل أن يردف بصوت مكتوم: -بوسة إيه يختي؟ أردف يوسف بثقة وهو يجاورهم: -بوسة الحب السحرية يا بابي عشان تفضلوا مع بعض ومامي متسيبناش ونعيش في سعادة للأبد! رمش ظافر لا يزال في حالة من الصدمة. "قبله سحريه!!! وصغيرته هي من تخبره بها ويؤكد على كلامها شقيقها الأبله. نظر إلى فريدة بجدية قائلًا:
-انتي شفتي فين البوسة السحرية دي؟ -جيزيل يا بابي دي أنقذتها من أم إدورد الشريرة وعاشت سعيدة للأبد لأنه مش طلع الأمير وأميرها كان عنده بنت زيي أنا وانت يا بابي! أردفت جملتها الأخيرة بحماسة. جز على أسنانه ويتساءلون لما يوبخهم لمشاهدة تلك الأفلام الكرتونية وسخافتها. هل يمنعهم عنها الآن أم ينتظر حتى يتخلص من مصيبته الحالية. تنحنح ليردف بهدوء: -بس يا حبيبتي البوس عيب! مينفعش تبوسي حد خالص، انتي تبوسي بابا بس!
-يابابي لا طبعًا أنا مش هبوسك أنا هبوس الأمير، انت بتاع مامي! هز يوسف رأسه بالموافقة وهو يبتسم بتأكيد. احمرت وجنتاه لما يشعر بأنه يغرق ويختنق. تنحنح بحده وهو يردف: -لا طبعًا! مينفعش الناس تبوس بعضها ومفيش حاجة اسمها أمير. هو أي حد يقولك أنا أمير هتصدقي؟ بصي لما تكبري وتبقي عروسة كبيرة نبقى نتكلم في الموضوع ده! يستحق حرقة الدماء تلك، فهو من وافق على تدخل صغيرين في حياته العاطفية.
-يلا هاتي بوسة لبابي وروحي نامي؛ وممنوع يا فيري خالص تبوسي حد غيري مفهوم! هزت رأسها بتأفف ليردف ظافر بغيظ: -انتي محسساني إني بحرمك من الميراث وإن الهانم شغالة بوس! ضيق عينيه وهو يفكر في جملته ليردف: -انتي بتبوسي حد يا حبيبتي في الحضانة؟ ولكنها أردفت بنفي وتساؤل: -لا بس ممكن أبوس دوبي عشان مش بيعرف ينام من غير ما أبوسه! تنهد بقله حيلة وهو يهز رأسه بالموافقة قبل أن يوجهها بيده نحو غرفتها.
التفت إلى يوسف ما إن دلفت وهو يضيق عينيه باتهام ليردف بتحذير: -أختك متُبُسش حد أي بوسة سحرية نهائي؛ اللي يبوسها اضربه إنت ضربة سحرية، فاهم! هز يوسف رأسه بالموافقة بعيون متسعة من ذلك التصريح المباشر باستخدام العنف. -يلا ادخل نام وحاول تخلي فريدة تنام، طنط شروق متضايقة! -اسمها مامي! قالها يوسف بخفوت وقلق وهو ينظر حوله بتوتر، كمن يخشي أنه بذلك الخلاف سيفقد ذلك الحق المكتسب منها.
ابتسم ظافر قبل أن يربت بيده على رأس صغيره ويقربه إلى صدره يطمئنه قائلًا: -مامي يا سيدي ولا تزعل! احتضنه يوسف بشدة قبل أن يردف برجاء وصوت طفولي خافت: -بابي طيب هو ممكن تبوس مامي مرة واحدة بس أنا مش عايزها تمشي! كادت تخرج منه ضحكة كبيرة على حالته وذلك الموقف الذي لا يرغب في الانتهاء. لمعت عيناه لتقع فقط بين يديه، وسيفعل أكثر بكثير من مجرد قبله سحرية. سعل بخفة وهو يدفع يوسف نحو غرفته قائلًا:
-حاضر يا يوسف بس متقولش لفيري، ده سر بينا إحنا الرجالة! انتفخ صدر الصغير بفخر وهو يردف: -سر مستحيل أقوله أبدًا أبدًا! -شاطر يا حبيبي! أدخله لينظر إلى فريدة المستلقية بجوار لعبتها تحكي لها حكاية. غمز ليوسف قبل أن يغلق الباب. في شقه يزيد وسلمي تململ يزيد في فراشه وهو يضمها نحوه كارهًا صوت هاتفه المزعج. زفر بحنق وهو يتركها، فلا يتاح له مثل هذه اللحظات كثيرًا، فهو يعلم أنها ستعود لخطتها الأليمة وفظاظتها قريبًا. لمع اسم
ظافر ليزفر وهو يجيب بحنق: -إيه؟ إيه؟ نايم الله! -انت اتجننت؟ في حد يرد على حد بيتصل بيه كده! -أنا برد كده! -غبي! ما علينا، انت فين؟ -ظافر انت متصل بيا الساعة 2 بليل أكيد هكون في بيتنا! -في بيتك؟ ومني؟ -مالها مني! تململت سلمى وهي تستيقظ بعد أن وصل إلى مسامعها اسم الأفعى. اتكأت على ذراعها تراقبه وهو يحاول الابتعاد إلى إحدى زوايا الغرفة ويتحدث بصوت خافت. -الخطه يا بني آدم، هو مروان مقلكش آخر الأخبار؟
-لا أنا مش شفت حد منكم من ساعة ما سبنا بعض في الشغل، هو حصل إيه بالظبط؟ وصلته لعنات ظافر المتكررة بغضب ليردف: -الصفقة هتم بكرة في قصر هاشم، يعني لازم البيه يحط الكاميرا النهارده! التفت إلى سلمى التي تراقبه بتوتر واتجه إلى خارج الغرفة. يعلم أنه سيؤلمها بفعله، ولكن ماذا بيده؟ -انتوا بتهزروا؟ إزاي تنسوا تقولوا حاجة زي دي! طقطق بغيظ وهو يستمع إلى ظافر الذي يتوعد قتل مروان في الصباح ليردف بحنق:
-طيب اقفل، اقفل سيبني أتصرف! أغلق الهاتف وهو يخبطه بكفه الآخر بتفكير. مرت بضع دقائق وعقله يدور. تنهد بعزم قبل أن يرفع الهاتف مقرراً مهاتفتها. مرتين قبل أن يأتيه صوتها: -يزيد؟ -موني انتي فين؟ -أنا في البيت، هو في حاجة؟ قالتها بتلعثم وخم ليردف يزيد بإصرار: -أنا عشر دقايق وهبقى عندك وهفهمك كل حاجة، عارف إني مجنون بس لازم أشوفك حالا! -دلوقتي! -أرجوكي لو مش شفتك ممكن أموت! صمتت لثوان قبل أن تردف بموافقة:
-طيب خلاص رن لي وأنت تحت! -دقايق وهكون عندك! أغلق يزيد بابتسامة منتصرة وعينين لامعتين. التفت سريعًا ليرى سلمى تنظر له شزراً بأنفاس عالية قبل أن تردف باتهام: -هي دي اللي انت عايز تتجوزها وتبقى أم ابنك أو بنتك، واحدة تروح بيتها بعد نص الليل! زم شفتيه رافضًا الإجابة لتردف بغضب: -هي دي اللي هتبقى اسمها على اسمك، واحدة متستحقش اسم ست أو أم! -مش انتي اللي طلبتي إني أتجوز ولا غيرتي رأيك؟ أردف بأمل. فأردفت محطمة آماله:
-بس مطلبتش إنك تتجوز دي أي حد إلا دي! ابتسم بغيظ وقد اشتعل غضبه هو الآخر ليردف: -مش هتفرق، المبدأ واحد! -وايه هو المبدأ ده؟ اقترب منها ينظر لها بغضب وهو يردف باشمئزاز: -إنك موافقة إني أتجوز؛ إني أنام في حضن واحدة غيرك! إني أكون أب لابن مش ابنك! اهتزت عيناها بألم وغامت أعينها، فكل حرف عالٍ ينطقه، تتصوره ويعتصر قلبها ويمزقها. اهتزت شفتيها قبل أن تنفلت دمعاتها عاجزة عن الإجابة أو التنفس حتى.
هز رأسه بخيبة أمل قبل أن يتركها ويتجه لارتداء ملابسه والذهاب لتنفيذ مخططه. في الشقة المقابلة أخذ يفرك ذهابًا وإيابًا أمام باب غرفتها متأكدًا أنها مستيقظة، فمنذ قليل كانت تهدهد يحيي وتعيده للنوم. يحتاجها بشدة في هذا الوقت، والقلق والرعب من خطر افتقاد كل ما يملك في الحياة، يوسف وفريدة، وفوق ذلك هي، يحوم حوله. زفر يلعن تسرعه، فهو من ورط نفسه بهذا المأزق معها وأذى مشاعرها.
هز رأسه بغيظ وهو يمرر أصابعه بين خصلاته. حسنًا، على الأقل فريدة خلدت للنوم في غرفتها للمرة الأولى منذ زمن دون أن تستيقظ مطالبة بمامي، فتحرمه منها، لا، تلك المرة هو من حرم نفسه. كاد يعود لغرفته بيأس عندما توقف ولمعت عينيه بفكرة. ارتفع جانب وجهه في ابتسامة مشاكسة قبل أن يعود إلى غرفتها مرة أخرى. وقف أمام الباب وهو يضحك في سره على سخافة ما سيفعله، ولكن تلك العنيدة تميل لإظهار الجانب الأحمق به.
رفع إصبعه يدق على الباب بخفوت، طرقتين متتاليتين مشابهة لطرقات فريدة. ووضع أذنه على الباب وابتسم بانتصار وهو يسمعها تهرول في الداخل حتى تفتح لإنقاذ الصغيرة من الظلام. كانت شروق مستلقية على فراشها ترفض النوم حتى تأتي الصغيرة، ولكنها تأخرت كثيرًا اليوم. نظرت إلى صورة يحيي رحمه الله بابتسامة، فأخيرًا وجدت ملجأها من ظافر فيه، هو ذلك الصديق الذي قررت أنه وإن فقد صفته كزوج سيظل الصديق الأمين صاحب الروح الطاهرة. تمتمت
بغيظ وهي تزم شفتيها بشكوى: -شفت ابن عمك ده؟ حتى مجاش يعتذر! كنت مستحملة إزاي ده! أتاها صوت الطرقات المميزة لتتنهد براحة قبل أن تسرع لفتح الباب لها. ابتسمت وهي تنظر للأسفل، ولكنها قوبلت بالفراغ. أخرجت رأسها نحو اليمين لم تجد أحد، مالت رأسها للجهة اليسرى فوجدت ظافر بابتسامته الخلابة يتكئ على جانب الباب. رمشت عدة مرات بذهول قبل أن يلوح لها بيده كإشارة ترحيب. ضيقت عينيها بغيظ وكادت تعود وتغلق الباب في وجهه.
ولكنه كان أسرع وهو يمد ذراعه يمسكها ويجذبها للخارج فيحبسها بين ذراعيه وجانب الباب. -استني بس انتي محموقة أوي ليه كده! حاولت دفعه بانزعاج وهي تردف: -أفندم عايز حاجة؟ ابتسم بحاجب مرفوع وهو يردف بخفوت: -عايز مراتي!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!