مرر "رائد" يده على ذقنه ببطء، ثم قال بصوتٍ مشبع بالتهديد: -كويس... نيرفانا محتاجة تسمع الحقيقة. ارتبك "أوس"، بينما همست "نيرفانا" بفزع: -إنتِ جبتيه ليه؟! قبل أن ترد "يقين"، فُتح الباب، وظهر "شامل"، ليقول بحدة: -كان ماسك فيها بطريقة مش مريحة... ولو كنت اتأخرت، كان الوضع هيبقى أسوأ! شهقت "نيرفانا"، بينما قال شامل بصوتٍ قاتل: -وأوس شغال لحساب إسر العزبي! ساد صمت قاتل، قبل أن يمسك "رائد" بياقة "أوس"، هامسًا ببرود:
-كان لازم تفكر قبل ما تحط إيدك في إيد عدوي! ثم ضغط على هاتفه، قائلًا: -ادخلي... دلوقتي! وانفتح الباب... لتدخل امرأة! والدة "أوس"، ووجهها مشتعل بالغضب! تجمد "أوس" مكانه حين رأى والدته تدخل، نظراتها الغاضبة تمزقه، وكأنها لم تعد تعرفه. -أمي؟! نطقها بصوتٍ مختنق. لكنها لم ترد، فقط التفتت نحو "رائد": -خير يا باشا؟ ليه جبتني هنا؟ أشار "رائد" إلى "أوس"، قائلاً ببرود: -عشان ابنك يسمع الحقيقة... وإنتِ تعرفي إنتي ربيتي إيه!
قال "شامل" بحدة: -ابنك كان بيلعب لصالح العزبي، وكان مستعد يعمل حاجة مش كويسة مع نيرفانا! شهقت "نيرفانا"، بينما تراجعت والدته خطوة، هامسةً بصدمة: -مش حقيقي... قول إنهم بيكدبوا، أوس! لكن "رائد" قاطعه بحدة: -الحب مش غدر وخيانة! وقبل أن يرد، هوت صفعة والدته على وجهه، فارتج المكان مع صرختها: -ده جزاتك، يا وش العار! أما "رائد"، فاكتفى بابتسامةٍ باردة: -دلوقتي... نبدأ الحساب الحقيقي!
عمّ الصمت، ولم يقطع التوتر سوى أنفاس "أوس" المرتجفة بعد الصفعة. لم يجرؤ على مواجهة نظرات والدته، بينما تقدّم "رائد" خطوة، قائلاً ببرود: -أظن عندك كلام تاني، شامل. رفع "شامل" حاجبه، قبل أن يقول: -الحقيقة إن أوس ما كانش لوحده... حد قريب من نيرفانا كان بيساعده! شهقت "نيرفانا"، هامسةً: -مين؟! انحنى "رائد" نحو "أوس"، مزمجرًا: -قول الاسم... دلوقتي! ارتجف "أوس"، قبل أن ينطق الاسم... الاسم الذي سيغيّر كل شيء!
تحركت عينا "أوس" بجنون، وكأنه يبحث عن مهرب، لكنه كان محاصرًا بين نظرات "رائد" التي تخترقه كخنجر، ونظرات والدته التي لم تعد تعرفه. لم يعد أمامه خيار، فبلع ريقه بصعوبة، قبل أن ينطق بالكلمة التي ستشعل المكان بأكمله: -شجن... ساد صمت قاتل، لم يجرؤ أحد على كسره، حتى الهواء في الغرفة بدا وكأنه توقف عن الحركة. -إيه؟!
جاءت شهقة "نيرفانا" هذه المرة كأنها صفعة للواقع، قبل أن تتراجع للخلف بخطوات مرتعشة، تنظر إلى "أوس" وكأنها لا تستوعب ما قاله. أما "رائد"، فقد بقي صامتًا للحظات، يحدق في "أوس" كأنما يدرسه من جديد، قبل أن يضحك ضحكة قصيرة، لكنها كانت مشبعة بالسخرية والاحتقار، ثم قال ببطء، مشددًا على كل حرف: -شجن... أم نيرفانا؟!
لم يكن السؤال بحاجة إلى إجابة، فالجميع كان يعلم أن "أوس" لم يكن يجرؤ على الكذب في هذه اللحظة المصيرية. أما "نيرفانا"، فقد بدأت تهز رأسها بإنكار، تهمس بصوت مرتجف: -لأ... مستحيل... إنت بتكدب! ماما مستحيل تعمل كده! لكن قبل أن يتمكن أحد من النطق بكلمة أخرى، انفتح الباب بقوة، ليُكشف عن "شجن" نفسها، واقفة عند العتبة، عيناها تشتعلان بمزيج غامض من الغضب والصمود... وكأنها كانت تعرف أن هذه اللحظة ستأتي!
تقدّمت "شجن"، عيناها تبحث في وجوههم قبل أن تستقرّ على "رائد"، قائلة بثبات: -مش هتسألني مباشرة بدل ما تسمع كلام فاضي؟ أجابها ببرود: -مش محتاج أسأل... شغلك مع العزبي مش جديد. شهقت "نيرفانا"، هامسةً: -ماما... قولي إن ده مش حقيقي! لكن "شجن" لم تنكر، بل ابتسمت بسخرية: -وأنتَ فاكر إنك الوحيد اللي بيلعب؟ أشار "رائد" إلى الباب: -لعِبِك انتهى، اطلعي برا قبل ما تندمي!
استدارت "شجن" دون كلمة، بينما التفت "رائد" إلى "أوس"، قائلاً بحزم: -أما أنت... فحسابك لسه ما خلصش! تقدّم نحوه، أمسك بياقته، همس بصوت قاتل: -عارف ممكن أعمل فيك إيه دلوقتي؟ انهار "أوس"، لكن "رائد" دفعه ليسقط على ركبتيه، ثم أمر رجاله: -خدوه مطرح ما يستاهل! صرخ "أوس"، متوسلًا، لكن "رائد" نظر إليه نظرة باردة، قبل أن يقول: -هتضطر تدفع تمن اللي عملته! ثم استدار ببطء، قائلاً بنبرة قاطعة: -الموضوع انتهى... خلاص!
وقفت "سميحة" عند الباب، تراقب بصمتٍ رجال "شامل" وهم يقتادون "أوس" خارجًا. لم تتدخل، لكن شهقة مكتومة أفلتت منها حين تلاشت توسلاته في الممر. التفتت نحو "رائد"، الذي ظل جامدًا كالصخر، وسألته بصوتٍ مهزوز: -رائد... الولد هيروح فين؟ نظر إليها ببرود، ثم قال بحدة: -مطرح ما يستحق. تشبثت "سميحة" بصدرها، محاولة تهدئة نبضها، وهمست برجاء: -بس ده كان بيحب نيرفانا... يمكن غلط، بس مش مصيره!
لم يُجبها "رائد"، فقط زفر ببطء، أشعل سيجارة، وحدق عبر النافذة. أما "نيرفانا"، فابتعدت خطوتين حين حاولت "سميحة" الاقتراب منها، وهمست بصوت مرتجف: -سيبيني يا طنط... لو سمحتي! ساد الصمت، بينما ظلت "سميحة" تحدق في "رائد"، وداخلها سؤال مخيف... إلى أي مدى قد يذهب حين ينتقم؟
مرّ أسبوع على تلك الليلة، لكن آثارها لم تتلاشَ بعد. جلس "رائد" على الأريكة، يحدق في الفراغ، حينما طرق الباب. انتظر لحظة قبل أن ينهض ويفتح، ليجد "شامل" أمامه، يبتسم بمزيج من الألفة والمراقبة الحذرة. -أهلًا شامل! قالها "رائد" وهو يشير له بالدخول. جلس "شامل" قبالته وسأل مباشرة: -إيه الأخبار مع نيرفانا؟ لم يُجب "رائد" فورًا، فقط زفر ببطء قبل أن يقول بجمود: -ساكتة. رفع "شامل" حاجبه، مستشعرًا ما خلف الكلمة، فسأله:
-يعني إيه؟ مرر "رائد" يده على ذقنه وقال: -مش بتتكلم... مش بتواجهني حتى. عادي، بس بارد... وده اللي مقلقني. مال "شامل" للأمام وقال بجدية: -ممكن لسه مستوعبة اللي حصل. نظر "رائد" إليه طويلًا قبل أن يرد، بصوت ثقيل بالمعاني: -نيرفانا مش من النوع اللي يسكت... وده اللي مخوفني! إلا قولي، صحيح إنت كنت قايل لي أبو أوس عمل إيه لما عرف إن ابنه عندنا؟
تجهم وجه "شامل"، وظهرت على ملامحه صرامة غير معتادة، قبل أن يزفر ببطء، كمن يستعد لإلقاء خبر ثقيل. -أبو أوس... ما كانش سهل، رائد. لم يبدُ على "رائد" أي تعبير مفاجئ، فقط شبك أصابعه أمامه، منتظرًا المزيد. -أول ما وصله خبر اللي حصل، تحرك فورًا، وبدأ يسأل عنك في كل اتجاه... واضح إنه كان متوقع إن ابنه عامل مصيبة، بس ما كانش متخيل حجمها. ضاقت عينا "رائد"، وسأل بنبرة باردة: -وبعدين؟ تردد "شامل" للحظة، قبل أن يرد بحذر:
-بصراحة... كان ناوي يتحرك ضدك، لكن حد تدخّل ومنعه. رفع "رائد" حاجبه، متسائلًا بنبرة خافتة، لكن خطورتها لم تكن خافية: -مين اللي تدخل؟ -عز الدين العزبي! ساد الصمت لوهلة، قبل أن ينفجر "رائد" ضاحكًا، ضحكة لم تحمل أي مرح، بل كانت أشبه بصوت شفرات تُشحذ في الظلام. -العزبي نفسه... بقى كده؟ أومأ "شامل" ببطء، متابعًا بحذر: -واضح إنه كان عايز يهدّي النار بدل ما يولّعها أكتر... بس السؤال اللي لازم تسأله لنفسك، يا رائد، هو: ليه؟
ليه العزبي ما استغلّهاش ضدك؟ ارتشف "رائد" قهوته بهدوء، عيناه تلمعان بأفكار لا تُقرأ، قبل أن يضع الكوب جانبًا، ويهمس بنبرة عميقة: -لأنه عارف إن النار دي... لو ولّعت، مش هتسيب حد! رائد، بغموض وهو يشيح بنظره بعيدًا: -لما أرجع من مشواري نكمل كلامنا. شامل، متشككًا: -وإنت رايح فين كده؟ لم يمهله "رائد" الرد، إذ قاطعته "يقين"، وهي تسير بخطوات هادئة نحو منتصف الغرفة، عيناها تحملان نظرة تفحصٍ عميقة.
يقين، مستندة إلى إطار الباب، وابتسامة ماكرة تلوح على شفتيها: -صحيح يا رائد، إنت متشيك على الآخر كده، ورايح على فين؟ التفت إليها "رائد"، ملامحه انفرجت عن بسمة واثقة، وعيناه تلألأتا بشرارة لا تخفى على من يعرفه. رائد، وهو يرفع حاجبه قليلاً: -رايح أخطب ليلى! ساد الصمت لثوانٍ، ثم تبادل "شامل" و"يقين" النظرات، وكأنهما يتساءلان فيما بينهما، أهو يمزح؟ أم أن "رائد الذهبي" قرر أخيرًا أن يرمي حجرًا آخر في مياه راكدة؟
شامل، وهو يضع يديه في جيبيه، محاولًا كتم دهشته: -إنتَ كويس؟ رائد، بابتسامة جانبية وهو يتوجه إلى الباب: -كويس جدًا... ومش مستني موافقتكم، بس حبيت أخبركم! ثم خرج دون أن يمنحهم فرصة للرد، تاركًا وراءه صمتًا محملًا بالتساؤلات والاحتمالات... في منزل ليلي، كانت الأجواء تنبض بالحركة، التحضيرات جارية على قدم وساق استعدادًا لاستقبال "رائد الذهبي".
أضواء النيون تعكس ظلالًا ناعمة على الجدران، ورائحة العود تتسرب في الأجواء، تمتزج بعبق الزهور التي زينت الطاولة الرئيسة في الصالة. على الطرف الآخر، كانت "ليلي" تجلس أمام مرآتها، تتفحص انعكاسها بنظرة شاردة، بينما والدتها، "نيفين"، تقف خلفها، تمسح على كتفها بحنان، عيناها تلمعان بمزيج من الفخر والرهبة. نيفين، بصوت مفعم بالمشاعر، وهي تهتف مبتسمة: -بنتي الحلوة كبرت وبقت عروسة يا ناس! إيه يا حبيبة قلبي، جهزتي نفسك؟
رفعت "ليلي" عينيها إلى المرآة، تتأمل انعكاس والدتها، ثم زفرت بضيق، وأجابت ببرود: -اتزفت... يا رب تكونوا مرتاحين بس! قطبت "نيفين" حاجبيها، وضربت كتف ابنتها بخفة، وقد بدا في نبرتها بعض التأنيب. نيفين، محذرة: -وبعدين بقى يا ليلي؟ إحنا مش اتفقنا إنك هتكوني لطيفة مع الراجل؟ ليلي، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة، قبل أن ترد بغيظ: -حاضر، هبقى لطيفة! حآاااضر، هعملك كل اللي إنتي عايزاه!
بس والله لأجيبه آخره النهارده، وأعرفكوا حقيقته كويس! نظرت إليها "نيفين" نظرة جادة، تتفحص ملامحها التي تعكس عنادًا متأصلًا، ثم قالت بحسم: نيفين، بإصرار: -على فكرة، يا بنتي، الراجل ده لو ماكنش كويس، ماكنش دخل البيت من بابه! وأنا واثقة إنه هيحميكي من اللي بيتربصوا بيه وبينا، سواء كان أسر العزبي ولا صالح الذهبي!
اتسعت عينا "ليلي" قليلًا عند سماع الأسماء، لكن قبل أن ترد، دوّى صوت جرس الباب في أرجاء المنزل، ليقطع عليهما حديثهما. اتسعت عينا "نيفين" بحماسة، وهتفت بفرحة ظاهرة: نيفين، بلهفة: -هه، أكيد هو! يا رب يكون جاب "شامل" معاه! ثم استدارت نحو ابنتها، تشير إليها بحزم قبل أن تغادر الغرفة. نيفين، محذرة برقة: -خليكي إنتي هنا لحد ما أجي آخذك!
وما إن غادرت حتى زفرت "ليلي" بحدة، وألقت بنفسها على السرير، ودفنت وجهها في الوسائد، قبل أن ترفع رأسها فجأة، وتتمتم بضيق بالغ: ليلي، مغمغمة بسخط: -أستغفر الله العظيم... مصيبة إيه دي يا رب؟! راجل تنح وبآاااارد أووووي!!!!!!! كانت "يقين" تجلس على سريرها، تحتضن وسادتها بين ذراعيها، بينما يعبث القلق بملامحها. حدّقت في الهاتف الموضوع أمامها، ترددت للحظات قبل أن تلتقطه، ثم أخذت نفسًا عميقًا وضغطت على زر الاتصال.
لم تمضِ سوى ثوانٍ حتى جاءها صوته عبر السماعة، هادئًا لكنه محمَّلٌ بشيءٍ خفي: -يقين؟ أغمضت عينيها للحظة، كأنها تستمد القوة من مجرد سماع اسمه بصوته، ثم همست: -كنت مستنية تكلمني. جاءها صوته أعمق، وكأنه قرأ ما خلف كلماتها: -حسيت إنك محتاجة تتكلمي. ترددت قليلًا، ثم قالت بصوتٍ خافت: -حاسّة إن كل حاجة بقت غريبة، وكل ما أحاول أفهم، الدنيا بتتلخبط أكتر. ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يأتيها صوته ثابتًا لكنه دافئ:
-أنا مش عايزك تفضلي قلقانة كده. ابتسمت بسخريةٍ باهتة: -طب فهمني، عشان أقدر أرتاح. زفر ببطء، ثم قال بنبرةٍ جادة: -الحاجة الوحيدة اللي لازم تفهميها دلوقتي.. إنك أهم عندي من أي حاجة تانية. لم ترد، لكنها شعرت بقلبها ينبض أسرع، وكأن كلماته استطاعت أن تهدئ العاصفة بداخلها. همست بعد لحظةٍ قصيرة: -متأكد؟ جاء رده بلا تردد: -أكتر من أي حاجة في الدنيا، يا يقين.
تنفست بعمق، ثم أغمضت عينيها مجددًا وهي تضغط الهاتف على أذنها، تستمع إلى صمته، وكأنه أكثر صدقًا من أي كلمات. وفي الخارج، كان الليل يُسدل ستاره، محتفظًا بأسرار القلوب التي تنبض في صمت. داخل الغرفة، كانت "ليلي" واقفة خلف الباب، تستمع لكل كلمةٍ تُقال، وقلبها ينبض بعنف، كأن صدرها صار قفصًا تضجُّ فيه أسراب الطيور المذعورة. لم تكن تعرف تحديدًا ما تشعر به، لكن توترها كان أكبر من أن تتجاهله.
منذ بدأت هذه القصة، وهي تشعر وكأنها تُدفع في تيارٍ لا تملك السيطرة عليه، كأن القرار لم يكن بيدها تمامًا، وكأنها مجرد ورقةٍ في مهب الريح، تُساق إلى حيث يشاء الآخرون. -ليلي! جاء صوت والدتها قاطعًا شرودها، فتصلّبت في مكانها للحظة، ثم زفرت ببطء، تدفع نفسها لمواجهة الأمر. فتحت الباب بخطواتٍ بطيئة، وخرجت إلى الصالة حيث كان الجميع ينتظر.
كانت الأنظار مُعلقة بها فور ظهورها. "نيفين" تبتسم بترحيبٍ مُصطنع، و"مهاب" يُراقبها بعين الفاحص، بينما "رائد" يجلس في هدوءٍ يُخفي خلفه ثقلًا لا يمكن تجاهله. عيناه الثابتتان لم ترمشا لحظةً منذ أن وقعتا عليها، وكأنهما تدرسانها، تُقيمان ارتباكها، ترصدان كل نبضةٍ تتسارع في صدرها. -مساء الخير. قالتها بصوتٍ خرج أضعف مما أرادت.
-مساء النور يا ليلي. جاء صوته عميقًا، هادئًا، لكنه يحمل وقعًا خاصًا، وكأنه لا يقول مجرد تحية عابرة، بل يعلن بداية شيءٍ ما. جلست في المقعد المقابل له، وأحسّت بقلبها يدقّ أسرع مما ينبغي، فحاولت أن تتظاهر بالتماسك. لا يمكن أن يرى ضعفها، لا يمكن أن يعرف كم تفكر فيه أكثر مما يجب.
صمتَ الجميع لوهلة، وكأنهم يمنحونها الفرصة لتتكلم أولًا، لكنها لم تفعل، فألقى "رائد" نظرةً خاطفة على "نيفين"، ثم عاد بعينيه إليها مباشرةً، قائلًا بنبرةٍ جمعت بين الجدية واللين: -أنا هنا عشان أسمع منك إنتي، ليلي. ارتبكت قليلًا، لكنها تماسكت سريعًا: -إحنا لسه بنتكلم في الموضوع ده؟ -أكيد، وإلا مكنتش جيت. تبادل "مهاب" ووالدته نظرةً خفية، بينما ظل "رائد" يثبت عينيه عليها، مُنتظرًا ردّها.
-بصراحة، أنا مش عارفة إيه المتوقع مني دلوقتي. قالتها بجديةٍ، محاولةً أن تبدو أكثر ثباتًا. ابتسم ابتسامةً صغيرة، لكنها لم تصل إلى عينيه: -المتوقَّع إنك تقولي رأيك، من غير تأثير من حد. ضغطت "ليلي" شفتيها معًا، ثم زفرت ببطء، محاولةً ترتيب أفكارها وسط هذه العاصفة. كانت تعلم أن هذه اللحظة حاسمة، وأن كل كلمةٍ ستقولها الآن ستحدد مسارًا لا رجعة فيه. تدخلت "نيفين" سريعًا وهي تضحك، محاولةً كسر حدة الصمت:
-ما شاء الله، قاعدين رسمي أوي كأننا في اجتماع مجلس إدارة! ليلي، يا حبيبتي، ريّحي نفسك وتكلمي براحتك. رفعت "ليلي" عينيها إلى "رائد"، مُستجمعةً شجاعتها قبل أن تقول مباشرةً، دون مقدمات: -أنا عندي أسئلة، وعايزة إجابات صريحة. لم يبدُ عليه الاندهاش، بل مال برأسه قليلًا وقال بثبات: -اسألي، وإجاباتي هتكون واضحة وصريحة زي ما بتطلبي. ترددت للحظة، ثم قالت بصوتٍ ثابت لكنه محملٌ بالقلق:
-اللي اكتشفناه إننا في دائرة واحدة، وإننا كنا دايمًا على طرفين متضادين. أبوي كان ضدّ أبوك.. ومحدش يقدر ينكر إن كان فيه عداوة قديمة بينهم. فأنا محتاجة أفهم، ليه دلوقتي؟ وليه أنا؟ مش ممكن تكون دي مجرد.. طريقة انتقام؟ ظل ينظر إليها بثباتٍ لم يتزعزع، لم تتغير ملامحه، ولم يبدُ عليه التأثر بالكلمات الثقيلة التي ألقتها أمامه. بل ردّ بصوتٍ هادئ، لكنه يحمل ثقلًا خفيًّا:
-أنا عمري ما دخلت معركة بنص نوايا، وما عنديش وقت ألعب ألعاب انتقام مالهاش لازمة. لو كنت شايفك مجرد وسيلة لتصفية حساب، ما كنتش جيت بنفسي وقعدت قدامك دلوقتي. تعمّقت نظراتها إليه، محاولةً سبر أغوار كلماته، لكنه لم يمنحها الفرصة، بل تابع بصوتٍ أكثر حدة، وأكثر تأثيرًا:
-أنا شخص باخد اللي أنا عايزه، بس باخده بطريقتي، مش بطرق حد غيري. ولو كنتي متخيلة إن سبب وجودي هنا هو أي حاجة غير اللي قولته، يبقى لازم تعيدي التفكير من جديد. مرّت لحظات من الصمت، قبل أن يتدخل "مهاب" قائلاً بنبرةٍ متوجّسة وهو ينظر إلى "ليلي" مباشرةً: -إنتي مش مضطرة تاخدي قرار دلوقتي، لو عايزة وقت، خديه براحتك. لكنها لم تكن متأكدة مما تحتاجه أكثر في هذه اللحظة... وقت؟ أم يقينًا لا تشوبه شكوك؟
لكن "رائد" لم يُزح نظره عنها، بل قال بهدوءٍ خطير: -أنا كمان مش مستعجل، لكن في الآخر، القرار هيكون واضح. يا أبيض يا أسود.. مفيش رمادي. شعرت "ليلي" وكأنها أمام مفترق طرق لا رجعة فيه، وكأنها دخلت إلى عالمٍ جديد، حيث الاختيارات لا تحتمل التردد، وحيث الرجل الذي أمامها لا يقبل بأنصاف الحلول. لكن ما لم تكن تعرفه بعد... أن هذا لم يكن سوى البداية.
ساد الصمت لثوانٍ، ثوانٍ ثقيلة كأنها تُحفر في الزمن، قبل أن تقطعها "نيفين" بابتسامةٍ مصطنعة، وهي تقول بحماسٍ زائف: -أنا شايفة إن الأحسن نسيب ليلي ورائد بيه يتكلموا مع بعض براحتهم... يا مهاب، تعالَ معايا المطبخ نشوف حاجة حلوة نقدّمها لضيافتنا! رمقها "مهاب" بنظرةٍ مترددة، لم يبدُ مقتنعًا تمامًا بترك أخته وحدها معه، لكنه لم يُرِد افتعال مشكلة أمام ضيفهم. زفر ببطء، ثم قال بلهجةٍ حذرة:
-ماشي، بس لو احتاجتِ حاجة، أنا برّه يا ليلي! أومأت "ليلي" ببطء، بينما انسحبت "نيفين"، تدفع ابنها برفق خارج الغرفة، ثم أغلقت الباب من خلفها، تاركةً إياها وحدها مع "رائد"، وسط جوٍّ مشحونٍ بتوترٍ لم يُحسم بعد.
ظل "رائد" يراقبها بصمت، يتفحص ملامحها المتوترة، التي لم تفلح في إخفاء اضطرابها عنه. رفع كوب العصير الموضوع أمامه، ارتشف منه رشفةً صغيرة، ثم أعاده إلى الطاولة بإيقاعٍ رتيب، لكن ثقله كان كافيًا لإشعارها بأنه يسيطر على المشهد بالكامل. تجمّدت اللحظات، لكنها لم تكن سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة...
كانت عينا "ليلي" تحدقان في "رائد"، وكأنهما تفتشان عن كذبةٍ بين كلماته، عن زيفٍ يختبئ خلف ذلك الإصرار. لكن المشكلة أن نظراته كانت صادقة حدّ الإرباك... حدّ الزلزلة! رفعت يدها لتدفع خصلة شعرٍ عن وجهها، محاولةً كسب لحظة تفكير، لحظة تتعلق فيها بأي منطقٍ يُخرجها من هذا الفخ العاطفي. لكنها لم تجد سوى قلبها، ذاك الخائن الذي لم ينسَ لحظةً واحدة، رغم كل ما مرت به. قالت أخيرًا، بنبرةٍ منخفضة لكنها مليئة بالمرارة:
-احنا في دايرة واحدة، وعارف إن اللي بين أهلنا كان أكبر من خلاف بسيط... أبويا كان ضد أبوك، والمفروض إني أشوفك زي ما كان بيشوفك، عدو مش أكتر! رفع حاجبه قليلًا، كأنه يزن كلماتها بتمعن، ثم قال بهدوءٍ مشوبٍ بالثقة: -وأنا؟ شايفاني كده؟ لم تجب مباشرةً، فقط زفرت ببطء، وكأنها تحاول ترتيب أفكارها، ثم قالت بنبرةٍ أكثر حدة: -محدش يقدر ينكر إنك رجل صعب، وقراراتك مش سهلة، ولو قلت إني مش خايفة، هبقى بضحك على نفسي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!