تحميل رواية قلب السلطة بقلم مروة البطراوي pdf
بقلم مروة البطراوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تكرار لحظة مخيفة، كأنها لعنة أبدية تُعيد نفسها بلا رحمة. وتكرار لحظة مدمرة، أشبه ببئر مظلم مليء باللعنات، لا نهاية له ولا مهرب منه. كان رائد يقف أمام الباب، لا يدري إن كان يعود لمنزل عمه، أم ينبش قبرًا منسيًّا. الهواء يحمل رائحة العطن والذكريات المتحللة. مدّ يده إلى المفتاح، لكنه توقف للحظة، كأن شيئًا بداخله يصرخ ألّا يفعل. ثم، بحركة بطيئة، دار المفتاح في القفل، وأصدر الباب أنينًا متعبًا وهو يُفتح. من الداخل، كان المنزل غارقًا في ظلال رمادية، كما لو أن الزمن قد تجمد بداخله. لم يتغير شيء، إلا أن...
رواية قلب السلطة الفصل الأول 1 - بقلم مروة البطراوي
تكرار لحظة مخيفة، كأنها لعنة أبدية تُعيد نفسها بلا رحمة. وتكرار لحظة مدمرة، أشبه ببئر مظلم مليء باللعنات، لا نهاية له ولا مهرب منه.
كان رائد يقف أمام الباب، لا يدري إن كان يعود لمنزل عمه، أم ينبش قبرًا منسيًّا. الهواء يحمل رائحة العطن والذكريات المتحللة. مدّ يده إلى المفتاح، لكنه توقف للحظة، كأن شيئًا بداخله يصرخ ألّا يفعل. ثم، بحركة بطيئة، دار المفتاح في القفل، وأصدر الباب أنينًا متعبًا وهو يُفتح.
من الداخل، كان المنزل غارقًا في ظلال رمادية، كما لو أن الزمن قد تجمد بداخله. لم يتغير شيء، إلا أن كل شيء بدا أقدم، أكثر هشاشة، أقرب إلى التحلل. في ركن الغرفة، كان نوح الذهبي يجلس كتمثال مهترئ، رأسه مائل، عيونه غارقة في العتمة.
رفع الرجل العجوز رأسه قليلاً، صوته خرج مبحوحًا، وكأنه لم يتحدث منذ زمن:
"مين؟"
جاءه الصوت من الظلام، هادئًا، لكنه بارد، كما لو كان ينبعث من ماضٍ بعيد:
"أنا."
تحرك ظل وسط العتمة، قبل أن يكشف القادم عن وجهه، خالعًا شماغه ببطء.
"إنت مين؟!"
لمعت الأباجورة بضوء أصفر شاحب، فظهرت الملامح بوضوح. للحظة، ظلت عينا نوح متسعتين، قبل أن يتمتم بصوت متهدج:
"رائد؟"
ابتسامة خفيفة لامست طرف شفتي القادم، لكن عينيه ظلتا جامدتين:
"أيوه، يا عمي. أنا رائد. كويس والله إنك لسا فاكرني."
ارتعشت يد نوح وهو يكفكف دمعة سالت دون أن يشعر بها، كمن فوجئ بأنه لا يزال قادرًا على البكاء:
"فاكرك يا بني؟ ده انتَ دمك من دمي… بس اتأخرت. اتأخرت أوي. كنت مستنيك."
لم يتحرك رائد نحوه. فقط أدار عينيه في المكان، كأنه يتفحص آثار جريمة قديمة. ثم اقترب أخيرًا، ببرود، ونطق بصوت خالٍ من أي انفعال:
"دريت، دريت يا عمي. البقاء لله."
سكنت الغرفة لحظة، لم يُسمع فيها سوى صوت أنفاس نوح المتعبة. رفع رأسه ببطء، وكأنه يريد أن يقول شيئًا، لكن الكلمات ضاعت منه وسط دوامات الذاكرة. كانت عيناه تبحثان عن شيء في ملامح رائد، شيء لم تجده.
أما رائد، فكان واقفًا هناك، كالغريب الذي عاد بعد سنوات، ليكتشف أن لا شيء في المكان يخصه، ولا حتى الدم الذي يجري في عروقه.
***
كان الليل كثيفًا، كأن السماء حبست أنفاسها فوق هذا الخان المنسي، حيث تسكن الأرواح المثقلة بالأسرار. الضوء الشاحب لمصباح الزيت في ركن الغرفة يلقي بظلال متراقصة على الجدران، وكأنها أشباح تراقب المشهد في صمت.
جلس "رائد الذهبي" متكئًا على الأريكة العتيقة، ساقًا فوق ساق، وعيناه تنغرسان في الرجل الجالس أمامه، رجل بدا وكأنه خرج من تحت أنقاض حرب خاسرة. كانت يداه ترتجفان فوق ركبتيه، وعيناه غارقتين في بئر من الندم والخوف.
قال الرجل بصوت مبحوح، وهو يبلع ريقه بصعوبة:
"أنا غلطت، بس والله ما كان قصدي الأذية، يا رائد."
ابتسم "رائد" ببطء، كأن كلماته لم تصل إلى قلبه، بل مرت فوقه كما تمر الريح فوق صخور الصحراء. ثم قال، بصوت هادئ كهدوء ما قبل العاصفة:
"الغلط ليه تمن، وانت أكتر واحد عارف التمن، مش كده؟"
ازدرد الرجل ريقه مرة أخرى، ونظر إلى الباب كأنما يتأكد أنه لا يزال مفتوحًا، أنه لا يزال يملك فرصة للهرب. لكن رائد، وكأنه قرأ أفكاره، استند للأمام، وغمغم بنبرة خافتة لكنها مشحونة بالخطر:
"مفيش مَفَر، ولا فايدة من الندم دلوقت."
ارتعشت أنفاس الرجل، وحاول الدفاع عن نفسه:
"كنت مضطر! كانوا هيقتلوني لو ما عملتش اللي قالوا عليه."
قهقه "رائد" ضحكة قصيرة، لكنها باردة كحد السكين، ثم هتف بسخرية:
"يا سلام! خايف على روحك وما خفتش على اللي بعته لله؟"
ثم مال للأمام أكثر، حتى أصبح وجهه أقرب ما يكون لوجه الرجل، وهمس بنبرة أشبه بالسم الزعاف:
"احكي لي، إيه الإحساس لما تبص في عيون حد عارف إنك سلمته للموت؟ كان إيه آخر كلمة قالها؟"
اختنق الرجل بعبرته، لم يستطع الرد، لكن جسده كله بات يروي الحكاية، يرتعش، يتلوى، كأن الألم يأكله حيًا.
نهض "رائد" ببطء، خطا نحوه، ثم جلس القرفصاء أمامه، ناظرًا لعينيه مباشرة، وقال بصوت خفيض لكنه كالسيف القاطع:
"أنا مش جاي أسمع أعذار، أنا جاي أقرر... هتموت إزاي."
ساد الصمت للحظات، ثم انطفأ المصباح فجأة، ولم يبقَ سوى صوت الريح تعوي خلف النوافذ، وصوت شهقة اختنقت في منتصفها...
***
كان الليل خفيف الخطوات، يسير على أطرافه في الخان الكبير، حيث لا صوت إلا أنين الريح بين الأبواب الخشبية العتيقة. كان "رائد الذهبي" واقفًا عند النافذة، يراقب الظلام كأنه يبحث عن شيء فيه. خلفه كان "العم صابر" جالسًا، ظهره محني، ووجهه كأن الزمن قرر أن يحفر فيه أخاديد لا تُمحى.
قال العم بصوت مبحوح، كمن فقد كل شيء:
"ما كنتش عارف إنك هتطلع زي أبوك، قوي للدرجة دي."
لم يلتفت "رائد"، ظل محدقًا في الخارج، كأنه غير معنيٍّ بالكلمات، ثم قال ببرود:
"الدم ما يبقاش ميّه، يا عمي."
تنهد العم بعمق، ثم غمغم بصوت بالكاد يُسمع:
"أبوك كان راجل صالح، ما كانش يغدر، ولا يغلط حتى في عدوه."
التفت "رائد" أخيرًا، عينيه حادتان، وصوته خرج كالسيف المسلول:
"وأنا مش أبويا، عارف ده كويس."
ارتعش العم قليلًا، وأطرق برأسه كمن أدرك أن النهاية اقتربت، لكنه قال بشيء من التوسل:
"أنا ما كانش ليَّ يد في اللي حصل، الزمن كان أقوى مننا كلنا، والناس كانت مستنيّة اللحظة اللي تقع فيها عيلة الذهبي."
ضحك "رائد" ضحكة خافتة، ثم اقترب منه بخطوات ثقيلة، جلس قبالته، وقال بلهجة خالية من أي مشاعر:
"مش الزمن اللي قتل أبوي، ولا اللي بوّظ الدنيا. البشر، الخيانة، الطمع... ده اللي عمل كل ده."
حاول العم النهوض، لكن رائد وضع يده على كتفه بثقل جعل الرجل يجلس مجددًا، ثم أخرج من جيب معطفه ظرفًا قديمًا، ورماه أمامه. تسمرت عينا العم عليه، ثم رفع بصره إلى رائد، مستفسرًا بصمت.
قال "رائد" بجمود:
"افتحه."
بأصابع مرتجفة، التقط العم الظرف، فتحه ببطء، وسحب الأوراق بداخله. ما إن قرأ الأسطر الأولى، حتى شهق شهقة مكتومة، وارتعشت يداه حتى كاد يسقط الورق من بين أصابعه.
نظر إلى "رائد" بعيون متوسلة، وقال بصوت متهدج:
"إنت... إنت جبت الورق ده منين؟!"
ابتسم "رائد"، لكن ابتسامته كانت بلا دفء، بلا رحمة، ثم قال بصوت خافت لكنه نافذ:
"مش مهم منين، المهم إن كل كلمة فيه حقيقية. اعترف، يا عمي... مين اللي خان الأول؟"
ساد الصمت للحظات، لم يُسمع فيها سوى لهاث العم، بينما انحنى "رائد" للأمام أكثر، منتظرًا الإجابة التي يعلمها مسبقًا.
***
كان الليل كثيفًا فوق الخان، يُلقي بظلاله القاتمة على الأبواب العتيقة والجدران التي شهدت حكايات لا تُحصى من الغدر والخيانة. في إحدى الغرف، حيث الضوء الشاحب للمصباح يترنح مع نسمات الهواء البارد، جلس "رائد الذهبي" على مقعد جلدي قديم، ساقًا فوق ساق، يُدخن سيجارًا كمن يمتلك زمام اللحظة كاملة.
أمامه، جلس "العم صابر"، رجل طاعن في السن، ظهره محني كأنما يحمل جبالًا من الذنوب فوق كتفيه. كانت يداه متشابكتين فوق ركبتيه، يعبث بإبهامه في توتر، بينما عينه تراقب "رائد" بحذر، كأنهما تتحسسان الخطر الذي يحيط به كطوق محكم الإغلاق.
تحدث "رائد" أخيرًا، بصوت هادئ لكنه نافذ:
"كنت متأكد إنك مش هتقدر تبص في عيني، يا عمي."
لم يرد "صابر"، بل ابتلع ريقه بصعوبة، ثم غمغم بصوت بالكاد يُسمع:
"الزمن علّمنا نبص لقدام، يا بني... الماضي خلاص راح."
ضحك "رائد" ضحكة قصيرة، ثم مال للأمام، مسندًا مرفقه على ركبته، وقال بنبرة باردة:
"الماضي ما بيروحش، يا عمي... الماضي بيقعد جنبنا، بينام في سريرنا، بيصحى معانا، وبيدفعنا للّي إحنا فيه دلوقتي."
ثم أطفأ سيجاره ببطء على حافة المنفضة، وسحب من جيبه ورقة مطوية، فتحها أمام عمه، ورماها أمامه على الطاولة. كانت الورقة تحمل توقيعًا مألوفًا، توقيعًا يعرفه "صابر" جيدًا.
حدّق فيها الرجل بعينين متسعتين، ارتعشت أصابعه وهو يلتقطها، وقبل أن ينطق بأي كلمة، قال "رائد" بصوت رخيم لكنه قاسٍ:
"كل حاجة بثمنها... حتى الخيانة."
شهق "صابر"، عينه تتحرك بين توقيعه القديم وكلمات الاتفاق المكتوبة بوضوح، قبل أن يتمتم بصوت مخنوق:
"إنت... إنت ازاي وصلت للورقة دي؟!"
أمال "رائد" رأسه قليلًا، كأنه يستمتع بصدمة الرجل، ثم قال ببرود:
"خلينا نقول إن الدنيا دايرة، اللي بيتدفن بيصحى، واللي بيهرب بيتجاب، واللي خان... بيتحاسب."
ارتجف جسد "صابر"، ورفع عينه لرائد، يحاول استجداء رحمة لم يكن يعرفها الأخير، ثم قال بصوت يائس:
"إنت ناوي تعمل إيه؟"
ابتسم "رائد"، تلك الابتسامة التي تحمل ألف معنى، ثم قال بهدوء مرعب:
"أنا مش ناوي... أنا خلاص عملت."
وفي الخارج، على مشارف الخان، كان الدخان يتصاعد في السماء، يُعلن عن شيء قد انتهى... أو ربما شيء قد بدأ.
***
كان الهواء في الغرفة خانقًا، مشبعًا برائحة الخشب العتيق والرطوبة التي تسربت إلى الجدران بمرور السنين. وقف "رائد الذهبي" أمام الطاولة، عيناه كجمرتين تتوهجان في الظلام، بينما جلس "العم صابر" على المقعد المقابل، يراقبه بنظرة مشوبة بالخوف والندم.
قال "رائد" بنبرة هادئة، لكنها تحمل تحتها طوفانًا من الغضب المكتوم:
"إحنا النهارده بنكتب الفصل الأخير، يا عمي."
حاول "صابر" أن يتماسك، لكنه شعر بأن الأرض تهتز تحت قدميه، فتمتم بصوت مرتجف:
"أنا غلطت... لكن إنت كمان غلطت، يا رائد، وأنا وإنت عارفين إن الدوامة دي عمرها ما بتقف عند حد!"
ضحك "رائد" ضحكة جافة، ثم قال ببرود:
"يمكن... بس النهارده، أنا اللي في إيدي القلم."
أخرج من جيب معطفه مسدسًا، وضعه فوق الطاولة برفق، ثم سحب من جيب آخر مجموعة أوراق، بسطها أمام عمه وقال بنبرة آمرة:
"وقّع."
نظر "صابر" إلى الأوراق، ثم إلى المسدس، ثم إلى عيني "رائد"، وكأنه يبحث عن ثغرة، عن أي مخرج. لكنه لم يجد. لم يبقَ له إلا أن يواجه مصيره كما فعل غيره.
مد يده المرتجفة إلى القلم، وقبل أن يلمسه، قال بصوت منكسر:
"كنت بحبك زي ابني، يا رائد..."
لكن "رائد" لم يرمش حتى، بل رد بجفاء:
"وأنا عمري ما كنت ابنك."
وفي اللحظة التي لامس فيها القلم الورق، انطفأ شيء في عيني "صابر"، كأنما أدرك أخيرًا أن لا طريق للعودة، وأن كل ما بناه سُرق منه... كما سرق هو من قبل.
***
كانت خطوات "ليلى" على الأرضية الرخامية تصدر صدى حادًا في الممر الطويل، وكأنها تعكس التوتر الذي يغلي في صدرها. دخلت المنزل بوجه مكفهر، أغلقت الباب خلفها بقوة جعلت "نيفين"، التي كانت تجلس على الأريكة تتصفح هاتفها، ترفع رأسها بفزع.
"إيه يا ليلى؟ داخلة تولّعي البيت ليه؟!" قالت الأم بنبرة مستنكرة، وهي تضع هاتفها جانبًا.
ألقت "ليلى" حقيبتها على الطاولة، وخلعت وشاحها بعصبية قبل أن تقول بصوت غاضب:
"ما هو البيت هيتولع فعلًا لو فضلت ساكتة! أنا تعبت، يا ماما... تعبت بجد!"
اعتدلت "نيفين" في جلستها، تشبثت بكلمات ابنتها التي كانت تحمل نذر العاصفة، وسألت بقلق:
"إيه اللي حصل؟!"
رفعت "ليلى" يديها بعصبية ثم أنزلتهما على جانبيها وقالت بصوت يقطر ضيقًا:
"مدير المدرسة، يا ماما! الراجل ده فاكرني شغالة عنده مش مدرسة محترمة! من أول ما اشتغلت هناك وأنا موضحة إني مش بطلع رحلات مع العيال المدلعة بتوعهم، وهو وافق... فجأة النهارده، جاي يفرض عليّا أروح رحلة غصب عني! ولما رفضت، قال لي لو مش عاجبني أمشي!"
زفرت "نيفين" بضيق، وهزت رأسها:
"هو كان ناقصك وجع دماغ، يا بنتي؟ طب وإنتي عملتي إيه؟"
تراجعت "ليلى" للخلف، وأسندت نفسها على الطاولة بذراعيها المتشابكتين، ثم قالت بحدة:
"سلمت له استقالتي في لحظتها!"
اتسعت عينا "نيفين" بصدمة:
"إيه؟! إنتي اتجننتي؟!"
أشاحت "ليلى" بيدها وقالت:
"مش هستحمل حد يتحكم فيَّا! أنا محترمة نفسي وشغلي، مش هقعد في مكان يعاملني كأني ملكية خاصة!"
وضعت "نيفين" يدها على جبينها كأنها تحاول استيعاب الكارثة، قبل أن تهمس بحنق:
"يا بنتي، وإنتي فاكرة الدنيا سهلة؟ هتلاقي شغل بسهولة كده؟!"
لم تكد "ليلى" ترد حتى انفتح باب الغرفة المجاورة، وظهر "مهاب"، شقيقها الأصغر، وهو ينظر إليهما بوجه متجهم، وقال بحدة:
"هو إحنا خلصنا من مصيبة وفائي، ندخل في مصيبة ليلى؟!"
تصلبت ملامح "ليلى"، ثم نظرت إلى والدتها بحدة وسألت:
"وفائي؟ مال وفائي؟!"
زفرت "نيفين" بضيق، كأنها كانت تحاول تأجيل الحديث عن هذا، ثم قالت بنبرة متثاقلة:
"وفائي اتقبض عليه، يا ليلى!"
تراجعت "ليلى" خطوة للوراء، وكأنها تلقت ضربة غير متوقعة، وسألت بذهول:
"إيه؟! ليه؟!"
نظر "مهاب" إلى أخته نظرة تحمل مزيجًا من الغضب والشفقة، ثم قال بسخرية مريرة:
"لأنه ابن خالتك شكران، ولازم حد في العيلة يورّطنا في مصيبة كل شوية!"
***
عاد "رائد" إلى منزله في العاشر من رمضان، لكن هذه المرة، لم يكن الانتصار الذي حمله معه كافيًا ليمنحه الراحة. كان في داخله شيء لا يهدأ، كأن هناك حربًا لم تنتهِ بعد، رغم أنه استرد كل ما كان يريده من عمه.
دخل المنزل متثاقل الخطوات، ألقى سترته على الأريكة بإهمال، واتجه مباشرة إلى المطبخ حيث كانت "يقين" تقف تعد كوبًا من القهوة، التفتت إليه فور أن شعرت بوجوده، وحدقت فيه قليلًا قبل أن تقول بنبرة هادئة:
"ما كنتش متوقع ترجع بالسرعة دي."
جلس على الكرسي وسحب نفسًا عميقًا قبل أن يجيب بصوت خافت:
"خلصت اللي كان لازم يتعمل."
وضعت فنجان القهوة أمامه، ثم جلست مقابلة له وهي تتفحص ملامحه المتوترة.
"مش شايفة في ملامحك راحة اللي خلص كل حاجة... إيه اللي مضايقك، يا رائد؟"
مرر كفه فوق وجهه في إرهاق، ثم قال بعد صمت قصير:
"فيه حاجة غلط، يقين... كل حاجة تمت زي ما خططت، بس حاسس إن الموضوع مش مقفول."
قطبت يقين حاجبيها، وقالت بحذر:
"تقصد عمك؟"
هز رأسه ببطء، ثم قال بصوت خافت لكنه حازم:
"لا، عمّي انتهى خلاص. لكن في حد تاني دخل اللعبة... حد كان مترصد لي طول الوقت."
شعرت يقين بقشعريرة تسري في جسدها، فسألته بقلق:
"مين؟"
رفع رائد عينيه إليها، وعيناه تلمعان بالغموض:
"نيرفانا."
كاد الفنجان يسقط من يد "يقين"، فتداركته بسرعة قبل أن تسأله بدهشة:
"بنتك؟! مالها نيرفانا؟"
أسند رائد مرفقيه على الطاولة، وشبّك أصابعه معًا، ثم قال ببطء:
"من ساعة ما سافرت لعمي، وهي اختفت من المدرسة. محدش عارف هي فين، ولا حتى المدرّسين. الأم خدت البنت وراحت على بلدها، وده معناه حاجة واحدة بس..."
أحست يقين بثقل كلماته قبل أن ينطق بها، فأكملت عنه بقلق:
"إنهم كانوا عارفين إنك مشغول في حربك مع عمك، واستغلوا الفرصة!"
ابتسم رائد ابتسامة خفيفة، لكنها كانت مزيجًا من السخرية والغضب:
"بالظبط... لكنهم نسيوا إن الحرب ما بتخلصش إلا لما أنا أقول إنها خلصت!"
وقفت يقين مكانها، تنظر إلى شقيقها الذي بدأت تتغير ملامحه تدريجيًا... لم يعد ذلك الرجل العائد بانتصار، بل صار وحشًا يستعد لمعركة جديدة، وربما أكثر خطورة من كل ما سبق.
رواية قلب السلطة الفصل الثاني 2 - بقلم مروة البطراوي
في صباح اليوم التالي، كانت ليلى تمشي داخل المدرسة بخطوات مثقلة، تشعر أن كل شيء من حولها يبدو غريبًا، وكأن المكان ذاته لفظها بعد ما فعلته. نظرات الزملاء، تلميحات الطلاب، الصمت الغريب الذي يلف الممرات… كل ذلك لم يكن طبيعيًا.
ما إن وصلت إلى مكتب المدير حتى شعرت أن الهواء داخله مشبع بشيء يشبه الخطر. سليمان جالس خلف مكتبه، عيناه متردّدتان، وعلى الطرف الآخر رجل غريب، لا تبدو عليه ملامح الانفعال، لكنه لم يكن عاديًا. عيناه كانتا أقرب إلى عيون صيّاد يُراقب فريسته قبل الانقضاض.
"رائد الذهبي بعت لك رسالة… رجّعي البنت، وإلا..." قال سليمان بصوت خافت لكنّه نافذ. نظر إلى الرجل الذي أمامه، وكأنه يترك له إكمال الجملة.
الرجل الغريب لم يتكلم فورًا. أخرج من جيب معطفه ورقة مطوية، ووضعها على المكتب، ثم دفعها نحو ليلى بطرف إصبعه.
"دي مش تهديد… دي فرصة أخيرة، يا أبلة ليلى." قال الرجل بصوت هادئ لكنّه يحمل شيئًا خفيًا.
نظرت ليلى إلى الورقة. شيء ما في أعماقها رفض لمسها، وكأنها سُمّ مغلف بالحبر. لكنها التقطتها على أي حال. لم تفتحها.
وبهدوء متعمد، ألقتها مجددًا على المكتب، رفعت عينيها، وقالت بنبرة ثابتة: "قول لرائد الذهبي… لو كنت بخاف، ما كنتش عملت اللي عملته. البنت في حضن أمها… وانتهى الموضوع."
توقعت أن ترى ردة فعل من الرجل، لكنه لم يفعل شيئًا. لم يتشنّج، لم يغضب. فقط، تبسّم، وكأنها قالت شيئًا سخيفًا للغاية.
ثم مال قليلًا نحوها، وقال بصوت منخفض، لكنه كان أشبه بوعد مظلم: "الأمور ما بتنتهيش عندك… بتبدأ."
ارتعشت أنفاسها للحظة، لكنها تماسكت. ظلت صامدة، بينما وقف الرجل، خطا نحو الباب، وقال قبل أن يخرج: "لو ما رجعتش خلال يومين… هتسمعي اسمي."
وغادر، تاركًا خلفه هواءً ثقيلاً لم يكن موجودًا من قبل.
أما سليمان، فظل صامتًا للحظة، ثم أطلق تنهيدة عميقة، وقال: "ليلى، إنتِ مش مدركة حجم المشكلة. رائد الذهبي مش راجل بيتنسي له تحدي. اللي بيعانده ما كسبش."
"حلو الكلام، وبعدين؟" قالت ليلى بسخرية خفيفة، تخفي قلقها المتزايد.
تردد سليمان للحظة، ثم قال: "فيه حد ممكن يساعدك… بس المشكلة إنه نفس الشخص اللي وقّعك في المصيبة."
"مين؟" قالت ليلى بتقطيبة حادة.
بلع سليمان ريقه، ثم قال ببطء، وكأنه يعلم أنها ستكره الجواب: "الأستاذ شامل."
رفعت حاجبها بدهشة، ثم ضحكت ضحكة جافة، كأنها تسمع نكتة سيئة: "شامل؟ شامل إيه اللي يساعدني؟ ده ما بيجيش من وراه غير الكوارث."
لكن سليمان لم يبتسم، بل نظر إليها نظرة طويلة قبل أن يقول: "أيوة… بس برضو، هو اللي وشى بيك وصوّرك مع أمها."
توقّف الزمن للحظة. شامل؟ العالم من حولها تقلّص، وانحصر في اسم واحد. شعرت بأن شيئًا ما انكسر داخلها، لكنها لم تظهر ذلك. فقط، شحبت عيناها للحظة، قبل أن تستعيد صلابتها بسرعة.
"شامل...؟" قالت ليلى ب هم س بطيء، وكأنها تذوق الاسم بمرارة لأول مرة.
***
"الأستاذ شامل؟ هو ده اقتراحك؟ الشخص اللي سلّمني بإيده؟ اللي طعني في ضهري؟!" قالت ليلى بصوت منخفض لكنه ينضح بالغضب المكبوت، وقد تجمّدت لثوانٍ. رم ت الكلمة الأخيرة وكأنها بصق مسموم، بينما عيناها تضيقان بشك واضح.
"ما عندِكيش اختيارات كتير. يا تتحركي، يا تواجهي تحقيقات رائد، يا تجهّزي CV محترم وتدوري على مدرسة تانية." قال سليمان متنهّدًا بضيق، لكنه حافظ على نبرته الحازمة.
"بقى ده كلامك يا أستاذ سليمان؟" قالت ليلى باندهاش ممزوج باحتجاج مكبوت.
"أيوه، ده كلامي. التدريس في مدرسة خاصة مش مجرد حصة تشرحيها وتمشي، ليه ضريبة... والمدرس الناجح مش اللي بيخاف، حتى لو قدامه أم بتصرخ وتبكي عشان بنتها. شوفي حواليك، كام مدرس وقع في نفس الفخ؟ فاكرة المدرس اللي استدعته أم بحجة مصلحة لابنها، وطلعت متفقة مع جوزها علشان تصفي حساباتها؟" قال سليمان ببرود متعمد، وكأنه يحاول إجبارها على مواجهة الحقيقة.
كانت ليلى تراه يتكلم، لكن عقلها كان في مكان آخر، يعيد ترتيب الأوراق في ذهنها. كلمات سليمان كانت واقعية لدرجة مستفزة. العالم الذي تعمل فيه لم يكن عادلاً، والقواعد دائمًا ما تميل لصالح الأقوى.
"ده آخر كلام عندك؟" قالت ليلى بصوت جاف، وقد بدأ الغضب يتحوّل إلى تصميم بارد.
"آخر كلام. وعايز ردّك بكرة الصبح، علشان ألحق أتصرف. ولو مش عجبِك، شوفي لك مدرسة حكومية تشتغلي فيها براحتِك. بس وقتها، انسَي الدخل اللي متعودة عليه، وحضّري نفسك لعيشة على العيش الحاف." قال سليمان مباشرًا وصارمًا، كمن يُلقي حجرًا في مياه راكدة.
كانت ليلى تنظر إليه، لكن ملامحها لم تعد تعكس الغضب فقط. شيء آخر بدأ في التشكل… شيء يشبه العزم، لكنه ليس العزم النبيل، بل العزم الذي يتشكل عندما يجد الإنسان نفسه محاصرًا، فيدرك أنه لا خيار له سوى الهجوم.
راقبته يخرج من المكتب بخطوات ثابتة، ثم غلق الباب خلفه، تاركًا إياها مع أفكارها، وحدها مع معركتها القادمة.
ضغطت على أسنانها، وعيناها تتوهجان بنار جديدة وهي تهمس لنفسها: "مدرسة حكومية؟ وبيتي ومصاريفي؟! طيب... نشوف مين اللي هيكسب الجولة دي، يا أستاذ سليمان."
***
هبطت من السيارة بخطوات بطيئة، وكأن الأرض تحاول التمسك بها، تمنعها من المضيّ قدمًا نحو مصير لا تعرف حدوده. لم يكن غضبها مجرد رد فعل على تهديد أو خسارة متوقعة، بل كان أشبه ببركان ظل يغلي في جوفها طويلًا، ولم يعد أمامه سوى الانفجار.
الشارع بدا أطول من المعتاد، أو ربما كانت خطواتها هي التي تثقلها الأفكار. لم يكن اليوم مجرد يوم عاصف… بل كان اليوم الذي شعرت فيه أنها خسرت معركتها حتى قبل أن تبدأ.
هل كان قرارها خاطئًا؟ أم نيرفانا لم تفعل سوى ما كان يجب عليها فعله، أخذت طفلتها كما تفعل أي أم. لكن ليلى لم تكن غافلة عن الحقيقة الأخرى… الحقيقة التي كانت تسري في الهواء، كخيط رفيع من الدخان الأسود… الحقيقة التي تقول إن رائد الذهبي لن يترك الأمر يمر مرور الكرام.
رائد… لا تعرف إن كان اسمه يستفزها أكثر، أم الخوف الذي يتسلل خلف حروفه هو ما يضغط على أنفاسها.
تابعت سيرها إلى منزلها، محاوِلة إيجاد شيء يوقف الغليان في صدرها، لكن لا أحد هناك… لا كتف تستند عليه، ولا صوت يُطمئنها أن كل شيء سيكون على ما يرام.
أطبقت جفونها قليلًا وهي تستشعر نبضات رأسها تضرب كطبول الحرب. كان الضغط يرتفع في جسدها، ليس فقط من الغضب، ولكن من الإدراك المرير بأنها عالقة… عالقة في شبكة لم تكن مستعدة للدخول إليها.
هل تتمسك بموقفها، تُواجه العاصفة وحدها، حتى لو انتهى بها الأمر خارج المدرسة، وربما داخل قفص تُحاك خيوطه الآن في الخفاء؟ أم تتراجع؟ تُعيد نيرفانا إلى أبيها، تغلق هذا الباب، وتتعامل مع الأمر كأنه لم يكن؟
رفعت يدها إلى وجهها، مسحت العرق الذي بدأ يتسلل إلى جبينها، وكأن جسدها يحاول التخفف من النار التي أشعلها عقلها.
كان الاختيار واضحًا، لكنه كان فخًا، مهما سلكت طريقًا، ستدفع الثمن.
همست، بالكاد خرج صوتها من بين شفتيها الجافتين: "في النهاية… المال فتنة تُفسد القلوب، لكن الخوف… الخوف هو الذي يُهلكها."
***
أنهى شامل عمله في المدرسة، لكن هذه المرة لم يكن متعجِّلًا في الذهاب إلى رائد كما يفعل عادة. كان يدرك أن المواجهة ستكون مشتعلة، وأن كل كلمة منه قد تكون شرارة جديدة تضاعف النيران. ومع ذلك، لم يكن هناك مفر، فالأمر خرج عن السيطرة.
حين وصل إلى منزل رائد الذهبي، لم ينتظر طويلًا قبل أن يرى الأخير يقتحم عليه المكان، وعيناه تشتعلان غضبًا.
"شامل... بنتي خرجت إزاي من المدرسة؟" قال رائد بصوت منخفض لكنه حاد كحد السيف.
كان شامل قد توقع هذا السؤال، لذا لم يتعجّل في الرد، بل تقدم نحو الطاولة، أخرج بعض الأوراق ووضعها أمام رائد دون أن ينطق بكلمة.
"بسألك يا شامل! بنتي خرجِت إزاي؟!" قال رائد، ويرفع صوته وهو يقترب منه بخطوات ثقيلة.
رفع شامل نظره إليه بهدوء، ثم قال بنبرة ساخرة رغم التوتر الذي يملأ الأجواء: "مش المفروض تسأل بنتك الأول؟ يمكن هي اللي اختارت تمشي مع أمها؟"
لم تعجب الإجابة رائد، فرفع يده وركل الكرسي القريب منه، ليصطدم بالجدار مُحدثًا صوتًا مدويًا.
"إنت بتختبر صبري يا شامل؟ أنا سألتك، يعني عايز إجابة واضحة!" قال رائد بغضب مكبوت.
زفر شامل وكأنه تعب من كثرة الكلام، ثم أشار إلى الأوراق وقال: "البنت خرجت في وقت الفسحة، بإذن رسمي من المدرسة، تحت إشراف المدرّسة ليلى. أمها وصلت ومعاها راجلها الجديد، واستلمتها بهدوء. ولا خطف، ولا تهديد، ولا مقاومة. وفوق ده كله، نيرفانا بنفسها راحت معاها وهي فرحانة."
تراجع رائد خطوة للخلف، وكأن الكلمات الأخيرة كانت لكمات تخترق صدره. لم يقل شيئًا، لكنه شعر بشيء غريب يضغط على أنفاسه.
"وأنا؟ أنا ماليش كلمة؟ البنت تتاخد كده قدام عيني؟" قال رائد بصوت هادئ لكنه مشحون بالغضب.
اقترب منه شامل قليلًا، نبرته كانت أكثر جدية هذه المرة: "بص يا رائد، البنت دي ضحية حرب مالهاش ذنب فيها. وأمها، مهما كنت شايفها غلطانة، أم في النهاية. تفتكر ليلى سمحت بده ليه؟ لأنها شايفة إن الوضع اللي نيرفانا فيه غلط. البنت مش لعبة شدّ حبل بينك وبين أمها. وبعدين، إنت داخل انتخابات مجلس شعب… محتاج تظبط صورتك، مش تهدّ الدنيا على دماغك بسبب العند."
ظل رائد واقفًا، وجهه خالٍ من أي تعبير واضح، لكن نظراته كانت تكشف عن بركان يغلي في داخله. لم يكن الغضب وحده ما يسيطر عليه، بل الإهانة أيضًا… كيف تُؤخذ ابنته من تحت أنفه، دون أن يكون له كلمة؟
لم يكن في مزاج ليستمع لأي مبررات بعد الآن. استدار بخطوات حادة متجهًا إلى الباب، لكن قبل أن يصل، اصطدم بأخته يقين التي كانت تراقب المشهد من بعيد.
"إيه يا رائد؟ رايح فين بالسرعة دي؟" قالت يقين بتعجب وقلق.
"وراي مشوار." قال رائد بصوت عميق وجاف.
"مشوار إيه؟" قالت يقين بتوجس.
توقف للحظة، استدار نحوها ونظر مباشرة في عينيها… كان هناك شيء مختلف في ملامحه، كأن القرار قد حُسم أخيرًا.
"رايح أجيب بنتــــي!" قال رائد بصوته الثقيل الواثق.
***
عادت ليلى إلى منزلها بعد يوم طويل وعاصف، وهي تشعر وكأنها تحمل فوق كتفيها جبالًا من الهموم. بالكاد وضعت مفتاحها في الباب حتى سمعت أصواتًا قادمة من الداخل. لم يكن لديها وقت لاستيعاب المفاجأة، فقد فُتح الباب لتجد خالتها "شكران" وأخوها "مهاب" في انتظارها، بينما جلس وفائي على الأريكة، متجهم الوجه وكأنه للتو تلقى حكمًا بالإعدام.
قبل أن تنطق بكلمة، اندفعت شكران نحوها واحتضنتها بحرارة، مغمغمة بعبارات مليئة بالمحبة: "يا حبيبة خالتك، يا ست البنات، يا بنت الأصول! والله ما عارفة أشكرك إزاي! جدعنة منك، يا روحي، وجدعنة مفيش بعدها!"
لكن ليلى لم ترد بالمثل، بل أبعدت نفسها قليلًا ونظرت إليها ببرود، ثم قالت بنبرة متماسكة: "يا خالتو، لو سمحتي، بلاش الكلام ده. اللي حصل حصل، والمهم إن الحساب يتقفل هنا."
نقلت نظراتها إلى وفائي، الذي تجنب عينيها وهو يحدق في الأرض، ثم أكملت: "مش هسألك ليه عملت كده، مش فارق معايا. أنا فلوسي رجعت للراجل، بس المشكلة إن اللي حصل مش مجرد غلطة، ده اختيار. وصدقني، الاختيارات دي بتحدد مصيرك أكتر من أي حد تاني."
تدخل مهاب أخيرًا، وهو يقف مسندًا ظهره إلى الجدار، موجهًا حديثه إلى خالته بلهجة لم تخلُ من العتاب: "خالتو، إحنا ساعدناكم النهارده عشان ليلى حلفت عليا، لكن اللي حصل ده مش هيحصل تاني. وفائي مش صغير، ولو مشي في الطريق ده تاني، محدش فينا هيدفع تمن غلطته غيره."
التفت إلى وفائي مباشرة، ونظر إليه بحدة وهو يضيف: "وأنا متأكد إنك فاهم كلامي كويس، مش كده؟"
لم يرد وفائي، لكنه عقد ذراعيه بعناد، فيما أغمضت شكران عينيها بضيق وقالت، محاولة التخفيف من التوتر: "يا ولاد، أنا مش عايزة مشاكل... إحنا عيلة واحدة، وكلنا لبعض."
لكن ليلى قاطعتها على الفور، وقد اشتعلت بداخلها مشاعر لم تستطع كبحها أكثر: "عيلة واحدة مش معناها إننا نفضل نصحح أخطاء بعض طول العمر. كل واحد فينا مسؤول عن تصرفاته، وأنا عندي ما يكفيني من المشاكل، مش ناقصة أشيل فوقهم مصايب حد تاني."
أشارت إلى حقيبتها، وهي تتهيأ للخروج، فاستوقفتها والدتها التي كانت تراقب المشهد بصمت حتى الآن: "رايحة فين يا بنتي؟" قالت والدة ليلى بارتياب.
"عندي حاجة لازم أخلصها الليلة. بخصوص بنت اسمها نيرفانا." قالت ليلى بإصرار.
عقدت والدتها ذراعيها، وأخذت تنظر إليها بحذر: "وأنتِ هتروحي لها فين؟ مش عايزة أسمع بكرة إن بنتي اتحبست في قسم شرطة بسبب عركة مع حد!"
ضحك مهاب ضحكة قصيرة لكنه لم يبدُ مستمتعًا بالموقف: "أهو ده العادي بتاعك يا ليلى، كل يوم قضية جديدة!" قال ساخرًا.
نظرت ليلى إليه نظرة مطولة قبل أن تقول بهدوء، لكن بنبرة حادة: "وأنا متعودة أخلص مشاكلي بنفسي، مش أهرب منها زي بعض الناس."
ثم التفتت إلى والدتها وقالت: "يا أمي، بس عايزاكي تفضلي عاقلة، وما تعمليش مشاكل مع سليمان بكرة. أنا هخلص الموضوع بطريقتي." قالت ليلى بحزم.
تنهدت والدتها بقلق، لكنها اكتفت بإيماءة صغيرة، بينما خرجت ليلى من المنزل، وعقلها يعصف بالأفكار. لم تكن متأكدة مما ستواجهه، لكنها عرفت شيئًا واحدًا يقينًا: هذه الليلة لن تمر دون مواجهة حقيقية.
***
جلس رائد في المقعد الخلفي للسيارة، يراقب الطريق الممتد أمامه دون أن يراه فعليًا. كان شروده عميقًا، تتلاطم داخله الأفكار كبحر هائج. كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟ كيف استطاعت "شجن" أن تأخذ نيرفانا من تحت أنفه؟ والأهم… كيف وافق الحاج صابر على أن يكون جزءًا من هذه الخطة؟
قطع شروده صوت "شامل"، الذي كان يجلس بجانبه، وهو يقول بلهجة ساخرة: "إيه يا باشا، لسه في عالم تاني؟ ولا بتفكر في رد الفعل المناسب على الصفعة اللي خدتها؟"
لم يرد رائد فورًا، بل أطلق زفرة طويلة، ثم رفع هاتفه، واضعًا إياه على أذنه. كان يعرف تمامًا من يجب أن يواجهه الآن.
ثوانٍ معدودة، ثم جاءه صوت الحاج "صابر"، جافًا كالعادة: "خير، يا سي رائد؟ وش القمر طلع ليه دلوقتي؟"
ضغط رائد على أسنانه قبل أن يرد بنبرة هادئة تحمل تحتها إعصارًا: "خير؟ الخير كله عندك، يا حاج صابر. أنت اللي خليت شجن تاخد بنتي، مش كده؟"
قهقه صابر بخفة، كأنه كان ينتظر هذا السؤال تحديدًا، وقال بلا مبالاة: "وأفرض يا سيدي؟ بنتها برضه، ومن حقها تشوفها، ولا إيه؟"
شدّ رائد قبضة يده على الهاتف وكتم غيظه بصعوبة، قبل أن يرد بصوت منخفض لكنه يحمل تهديدًا واضحًا: "أنت فاكر نفسك لسه بتلعب معايا، حاج صابر؟ أنا افتكرت إن الحساب بيني وبينك خلص لما أخدت كل حاجة منك، لكن شكلي كنت غلطان. كده بتفتح بيني وبينك صفحة جديدة... صفحة مش هتعجبك نهايتها."
صمت صابر للحظة، ثم قال بنبرة خبيثة: "إنت فاكر إن الفلوس والممتلكات هما كل حاجة؟ لا يا رائد، في حاجات أهم... زي الكرامة، وزي الإحساس بالانتصار. وإنت، يا سيادة النائب المرتقب، لازم تتعلم إن مش كل حاجة ممكن تشتريها بالفلوس."
لم يرد رائد، لكنه شعر بنبضه يتسارع، وبداخله يقين بأن هذه المواجهة لن تكون الأخيرة. أنهى المكالمة دون كلمة أخرى، ثم ألقى الهاتف بجانبه وهو يغمغم: "حلو أوي، يا حاج صابر… نشوف مين فينا اللي هيكسب الجولة الأخيرة."
أما شامل، الذي كان يتابع الحوار بصمت، فابتسم ابتسامة جانبية وقال وهو يشبك ذراعيه: "يظهر إن المعركة دي هتكون ممتعة… وأنا بحب الفرجة على المعارك، خصوصًا لما يكون فيها دم!"
***
وقف رائد في المدخل، نظراته ثابتة على شجن، وكأنهما خصمان التقيا في ساحة حرب بلا سلاح سوى الكلمات. لم يكن في عينيه غضب فائر، بل برود قاتل لا يقل خطورة عن العاصفة حين تهدأ قبل أن تهدم كل شيء.
شجن، كعادتها، لم تفقد توازنها. استندت إلى إطار الباب بكسل مصطنع، ورفعت حاجبها بسخرية: "كنت متوقعة تيجي، بس مش بالسرعة دي… إيه؟ خايف تروح عليك الجولة؟"
لم يرد فورًا، بل تقدم خطوة أخرى، صوته خرج هادئًا لكنه محمل بوعيد واضح: "إنتِ فاكرة إن اللي عملتيه هيمر بالساهل؟"
ضحكت ضحكة قصيرة، ومالت نحوه قليلًا، قائلة ببرود: "أنت اللي مصدق إنك تقدر تمنعني. رائد الذهبي اللي فكر إنه ماسك الدنيا، نسي إنه مش قادر يمسك بيته."
ضاقت عيناه، لكن ملامحه لم تتحرك قيد أنملة، قبل أن يرد بنفس البرود القاتل: "إنتِ اشتريتِ حرب، شجن… ومشكلتك إنك مش قد تمنها."
رفعت حاجبها بتحدٍّ: "وأنا عمري ما لعبت غير مع الكبار، يا رائد… أو نسيت؟"
ظل يحدق فيها للحظات، ثم فجأة، أطلق ضحكة قصيرة بلا أي أثر للمرح، وهمس بنبرة مشحونة بالخطر: "أنا مش من اللي يتلعب بيهم، وإنتِ عارفة ده كويس… لكن الغلطة دي هكلفك غالي."
تقدمت خطوة، حتى كادت أن تلتصق به، ثم قالت بصوت منخفض لكنه مليء بالثقة: "وأنا مستعدة أدفع… بشرط إنك تكون الخسران في النهاية."
ساد صمت مشحون بينهما، قبل أن تميل شجن برأسها قليلًا وتقول بنبرة ذات مغزى: "بس خليني أفكرك بحاجة مهمة… بلاشي المحاكم، ولا الشوشرة، وإنت داخل على انتخابات. عارف إنك مش هتحب الشوشرة، صح؟"
لم ينبس بكلمة، فقط عيناه كانتا كافيتين لتجعل ابتسامتها تتراجع، ولو للحظة خاطفة.
رواية قلب السلطة الفصل الثالث 3 - بقلم مروة البطراوي
داخل منزل "شجن"، حيث يجلس "رائد" و"شامل" في غرفة المعيشة، الجو مشحون بترقب غير معلن.
لم تمر سوى لحظات حتى فُتح باب إحدى الغرف، وخرجت "نيرفانا". لم يكن خروجها اندفاعيًا أو مليئًا بالمفاجأة، بل كان أقرب إلى الظهور الحذر. توقفت عند الباب للحظة، تأملتهم جميعًا، ثم ركزت عينيها على والدها.
أما "رائد"، فقد نهض فورًا، عيناه التهمتا ملامح ابنته، لكنها لم تتحرك نحوه، ولم تندفع كما كان يتوقع. بل وقفت، مترددة، وكأن بداخلها معركة لم تُحسم بعد.
"تعالي هنا، يا نيرفانا." قالها بصوت دافئ، لكن الفتاة لم تتزحزح من مكانها، فقط تقدمت خطوة واحدة، وعقدت ذراعيها أمام صدرها.
"إزايك، بابي؟" نطقتها وكأنها تحاول استكشاف مدى ارتياحها لنطق الكلمة أمامه الآن.
ابتسم "رائد"، لم يعلق على المسافة التي حافظت عليها بينهما، لكنه مدّ يده مشيرًا إليها أن تقترب أكثر.
"وحشتيني، تعالي قربي."
نظرت إلى "شجن"، وكأنها تطلب إذنًا غير مباشر، لكن الأخيرة لم تقل شيئًا، فقط رفعت حاجبها بكسل، مما جعل "نيرفانا" تتجه ببطء إلى والدها.
حين وصلت إليه، لم يعطها فرصة للتردد، بل جذبها إلى حضنه بقوة، عانقها طويلًا، وربّت على شعرها برفق. لكن ما لم يكن يتوقعه هو أن جسدها ظلّ متصلبًا للحظات، لم تبادله العناق على الفور.
"نيرفانا..." همس باسمها، وكأنه يحاول كسر الجمود. عندها فقط استسلمت، ووضعت رأسها على صدره، لكن دون الكلمات الحماسية المعتادة، دون أن تهمس بلهفة كما كانت تفعل في الماضي.
"كبرتي عليا، يا بنتي؟" سأله بصوت هادئ، وهو يبعدها قليلًا لينظر في وجهها.
ابتسمت نصف ابتسامة، ثم قالت بمزيج من الجدية والمزاح:
"لا، بس الدنيا مش زي زمان، بابي."
نظر إليها بتمعن، يدرك أن خلف هذه الكلمات عالمًا تغيّر، عالمًا لم يكن جزءًا منه طوال الفترة الماضية.
تدخلت "شجن"، وهي تتكئ على طرف الأريكة، عيناها مليئتان بالانتصار الصامت:
"نيرفانا بقت عاقلة، وبتفكر في كل حاجة قبل ما تتصرف. مش كده، حبيبتي؟"
لم تجب "نيرفانا"، فقط نظرت إلى والدها، وكأنها تحاول أن تفهم شيئًا أكبر من مجرد لقاء عابر.
قبل أن يردّ "رائد"، اهتز الهاتف في جيب سترته، أخرجه دون أن ينظر في الاسم، ثم وضعه على أذنه قائلًا بجمود:
"أيوه؟"
جاءه الصوت من الطرف الآخر، رخيمًا مشوبًا بالسخرية:
"عامل إيه يا ابن أخويا؟ شايفك دخلت عش الدبابير بإيديك."
تصلبت ملامح "رائد"، وألقى نظرة على "شجن" التي كانت تتابعه بترقب، وكأنها تعرف من المتصل. ثم عاد صوته أكثر برودًا وهو يقول:
"خير، يا حاج صابر؟"
ضحك الرجل العجوز في الهاتف، تلك الضحكة التي يعرفها "رائد" جيدًا، ضحكة من يملك أوراقًا لا يعرفها الطرف الآخر بعد.
"لا، مفيش خير ولا شر… إنما حبيت أقولك إنك لو فاكر إنك بتتحكم في كل حاجة، تبقى واهم. وفيه حاجات، يا رائد، غصب عنك… لازم تتقبلها."
لم يردّ "رائد"، لكنه شعر بأن هذا الاتصال ليس عابرًا، بل هو تمهيد لشيء أكبر… شيء لم يخطط له بعد.
***
لم تكن ليلى بحاجة إلى استرجاع الذكريات، فالألم محفور في داخلها، لا يحتاج إلى استدعاء. حين رأت نيرفانا تقف بين والدها ووالدتها، تتقاذفها المشاعر بين الطرفين، شعرت بوخزة داخلها، وكأنها تنظر إلى نفسها منذ سنوات.
لم يكن الأمر تعاطفًا محضًا مع شجن، بل كان انعكاسًا لحياتها الخاصة. كيف لها أن تقف عقبة أمام امرأة تحاول استعادة ابنتها، بينما هي نفسها عاشت ذات الوجع؟ كيف تمنع شيئًا تمنّت لو وجدته حين كانت في عمر نيرفانا؟
لقد كانت في نفس الموقف، طفلة صغيرة لا تفهم معنى أن تُؤخذ من والدتها رغمًا عنها، ولا تدرك أن من يُفترض به أن يحميها يمكن أن يكون هو ذاته من يسلبها حقها في الاختيار.
تذكرت كيف كانت تحمل حقيبتها الصغيرة وتنتظر والدها ليأخذها في نهاية الأسبوع، متلهفة لرؤيته. لكنها لم تكن تعلم أن أحد تلك المشاوير المعتادة سيتحول إلى اختطافٍ شرعيٍّ مغلفٍ بالقانون.
لم يمنحها فرصة الوداع، لم يسمح لها حتى بضم والدتها للمرة الأخيرة. فقط حملها بعيدًا، بحجة أنها ابنته وهو الأدرى بمصلحتها. ولم تفهم في البداية، ظنت أنها ستعود بعد أيام، لكن الأيام صارت شهورًا، والشهور أعوامًا.
عاشت في قصره، محاطة بكل ما يمكن أن تحلم به أي فتاة، ملابس فاخرة، ألعاب ثمينة، رحلات وسائقون وخدم. لكن كل ذلك لم يكن سوى قفص مذهّب، لا يُشترى به الحنان ولا يعوض حضن أمها.
كبرت وهي ترى والدها رجلاً مشغولًا دائمًا، متحفظًا، لا يعرف كيف يتحدث مع ابنة، فقط يعطي الأوامر، فقط ينفق المال. لم يسألها يومًا كيف تشعر، لم يلاحظ ارتجافها ليلة امتحانها الأول، ولم يهنئها عندما تفوقت. كانت مجرد فرد من أفراد منزله، لا أكثر.
وحين بلغت السن القانوني، قررت العودة إلى والدتها، توقعت منه أن يغضب، أن يرفض، أن يحاول استمالتها… لكنه لم يفعل.
وقف أمام القاضي بوجه بارد، وعندما سأله القاضي عن رأيه، قال ببساطة:
"إن كانت لا تريد العيش معي، فلا أريد شيئًا منها."
كانت كلماته أشبه بصفعة. لم يحارب لأجلها، لم يتمسك بها، فقط تخلّى. والأسوأ، أنه قطع كل صلة، وكأنها لم تكن جزءًا من حياته يومًا.
حين خرجت من قاعة المحكمة، شعرت أنها خرجت من حياته للأبد، لا أب يسأل عنها، لا سند، لا شيء سوى ذلك الجرح العميق الذي خلّفه داخله.
منذ ذلك اليوم، لم تعد ترى الرجال كما كانت تراهم من قبل. لم يعودوا آباءً، لم يعودوا سندًا، بل صاروا في نظرها مجرد كائنات تجيد التملّك، لكنها لا تجيد الحب.
لهذا حين جاءت "شجن" تطلب تسهيل أمورها مع "نيرفانا"، لم تتردد "ليلى" لحظة. لم يكن دعمًا لأجل "شجن" وحدها، بل كان محاولة لتعويض جزء من ماضيها، لإنقاذ فتاة أخرى من المصير الذي تجرعته يومًا.
***
لم يكن "رائد" ينظر إلى المسألة بعاطفة الأب الحاني فقط، بل كان يرى الصورة كاملة، من منظور الرجل الذي يعرف "شجن" جيدًا. هو لم يكن أبدًا الأب المثالي، لكنه كان واثقًا أن بقاء "نيرفانا" معه، في محيطه، وسط قواعده الصارمة، أفضل ألف مرة من تركها بين يدي امرأة تجيد اللعب بالأدوار وتغيير الأقنعة وفقًا لمصلحتها.
أما "نيرفانا"، فكانت تقف أمامهم بثقة لا تتناسب مع سنها. لم تكن تلك الفتاة الصغيرة التي عرفت الطاعة كواجب منزلي في بيت عائلة "الذهبي"، بل كانت شخصًا آخر، مزيجًا من براءة الطفولة التي لم تكتمل، وملامح أنثى تتشكل بوعي مستجدّ، تحاول أن تفهم مكانها في هذا الصراع.
ألقى "رائد" نظرة طويلة عليها، نظرة لم تكن قاسية، لكنها كانت محمّلة بقلق دفين. كيف يمكن لثلاثة عشر يومًا فقط أن تغيّر ابنته إلى هذا الحد؟ كانت ترتدي ثيابًا لم تكن لتجرؤ على ارتدائها تحت سقف منزله، ثيابًا جعلت حتى "شامل"، الذي يراها كل يوم في المدرسة، يرمقها باندهاش واضح.
حاول "شامل" أن يخفف وقع دهشته، فابتسم بتوتر وقال محاولًا التهرب من الموقف:
"ما شاء الله، نيرفانا كبرت بجد... يعني، بقت شابة، ربنا يحفظها."
لم يرد "رائد"، بل ظلّ صامتًا، بينما رفعت "شجن" ساقًا فوق ساق، ونظرت إليه بابتسامة مستفزة، قائلة بصوت ناعم، لكنه يحمل جرأة واضحة:
"إيه يا رائد؟ مش عاجبك التغيير؟ مش المفروض تفرح إن بنتك لقت نفسها أخيرًا؟"
تجاهل "رائد" تعليقها، وتقدم ببطء نحو "نيرفانا"، محاولًا قراءة ملامحها، لكنه لم يجد الطفلة التي يعرفها، بل وجد فتاة تحاول التظاهر بالقوة، رغم أن عينيها كانتا تحملان بقايا تردد خجول.
"نيرفانا... تعالي معايا." قالها بهدوء، لكنه كان أمرًا أكثر منه رجاءً.
نظرت إليه للحظات، وكأنها تزن خياراتها، ثم قالت بصوت ثابت:
"أنا مش راجعة يا بابي. أنا مبسوطة هنا، مامي بتفهمني."
اتسعت ابتسامة "شجن"، لكنها لم تتكلم، فقط اكتفت بالمشاهدة، وكأنها تستمتع برؤية الصراع أمامها.
مرت لحظة صمت مشحونة، ثم قال "رائد" بصوت منخفض لكنه حمل صرامة لا تقبل الجدال:
"البيت ده مش بيتك، والست دي مش أمك اللي عرفتها، وإنتي بنتي، وأنا اللي هحدد إيه المناسب ليكي."
رفعت "نيرفانا" ذقنها بعناد، لكن ارتجافة خفيفة في أناملها كشفت قلقها، قبل أن ترد بتمرد مكتوم:
"أنا كبرت يا بابي... ومش هفضل بنتك الصغيرة طول العمر."
كان في ردها ما أشعل داخله الغضب، لكنه كبح جماحه. نظر إلى "شجن"، التي لم تزل تحتفظ بابتسامتها المنتصرة، ففهم أن هذه ليست مجرد معركة بينه وبين ابنته… بل هي حرب تخوضها "شجن" بأسلحتها الخاصة، و"نيرفانا" مجرد رقعة شطرنج في يدها.
الهدوء الذي عمّ الغرفة لم يكن سوى هدوء ما قبل العاصفة.
***
ليلى لم تكن من النساء اللواتي يسعين وراء الرفاهية، بل كانت امرأة تحسب خطواتها بدقة، تعرف جيدًا قيمة الأشياء قبل أن تمد يدها نحوها. لم يكن الزهد اختيارًا مؤقتًا، بل كان نهج حياة فرضته على نفسها منذ الصغر. لم تكن بحاجة إلى الكثير، بل تفضل القليل الواضح على الكثير المُبهم.
لكن رغم بساطتها، كانت دائمًا ما تجد نفسها وسط تعقيدات لا تخصها، وكأن القدر يصر على أن يزج بها في دوائر من الصراعات التي لا ناقة لها فيها ولا جمل. وأكبر هذه الصراعات الآن هو مصير نيرفانا.
نظرت إلى الساعة، كانت تعلم أن عليها التحرك. هدفها كان واضحًا: إنهاء هذه الفوضى وإقناع شجن بأن تعيد نيرفانا دون الحاجة لمزيد من المناورات. لم تكن واثقة تمامًا من نجاحها، لكنها لم تكن مستعدة للوقوف متفرجة أيضًا.
قبل أن تصل إلى الباب، رن هاتفها. كان المدير على الخط.
"أستاذة ليلى، بلاش تروحي لشجن. مافيش لزوم خلاص."
عقدت حاجبيها، أدركت من نبرة صوته أن الأمر جدي. سألته بحدة:
"فيه إيه؟"
"رائد هناك دلوقتي، راح ياخد بنته بنفسه."
ساد الصمت للحظة. شعرت بأنفاسها تتباطأ. لم تكن قد خططت لهذا السيناريو، ولم تتوقع أن يتحرك رائد بهذه السرعة. كانت تدرك أنه يريد استعادة نيرفانا، لكنه كان دائمًا يتصرف بأسلوب محسوب، لا يندفع بهذه الطريقة.
حاولت أن تستوعب الأمر، لكن عقلها كان مشغولًا بسؤال آخر: كيف ستكون ردة فعل شجن؟
أغلقت المكالمة، وقفت في مكانها للحظات، ثم وضعت يدها على مقبض الباب، مترددة للحظة قبل أن تسحبه ببطء.
كان عليها أن تذهب، حتى لو لم تكن متأكدة مما ستواجهه هناك.
***
داخل شقة شجن، كان الجو مشحونًا بالتوتر. جلس رائد في مواجهة شجن، بينما وقفت نيرفانا على مسافة قريبة، صامتة، عيناها تراقبان المشهد بقلق واضح.
كانت شجن تميل بجسدها إلى الخلف في مقعدها، ساق على ساق، تحتسي قهوتها بنظرة واثقة، وكأنها هي صاحبة اليد العليا.
"أنا مش فاهمة، جاي النهارده ليه؟ بعد 13 يوم، قررت تفوق وتاخدها؟" قالتها بنبرة ساخرة، قبل أن تتابع، وهي تتظاهر بالتفكير: "ولا يمكن حد قالك إنها مبسوطة هنا أكتر من بيتك الكئيب؟"
رائد لم يكن في مزاج للمساومات. نظر إليها ببرود وقال بلهجة قاطعة:
"أنا جاي آخد بنتي، مش جاي أسمع محاضرة منك."
ضحكت شجن بخفّة، قبل أن تميل نحوه قائلة:
"أنا عندي شروط، يا أبو نيرفانا. مش هتخرج من هنا ببلاش."
رمقها بنظرة قاتمة، بينما وضعت كوب القهوة على الطاولة ببطء، ثم تابعت بنبرة متمهلة:
"البنت بتحب المكان هنا، عجبها. وعلشان تخرج، لازم تدفع تمن البيت اللي عاجبها، وتعوضني عن كل حاجة خسرتها السنين اللي فاتت. يعني… شقة ملك باسمي، عربية، ورصيد محترم في البنك. ده أقل واجب، ولا إيه؟"
تدخلت نيرفانا باضطراب، محاولة إيقاف هذا المشهد:
"ماما، خلاص، ما تكبريش الموضوع…"
لكن شجن تجاهلتها تمامًا، مركزة نظرها على رائد، الذي لم يبدُ عليه أي انفعال.
نظر إليها مطولًا قبل أن يقول بصوت منخفض لكنه حاد:
"إنتي فاكرة إنك بتتكلمي مع مين؟"
رفعت حاجبها بتحدٍّ:
"فاكرة كويس، رائد الذهبي، الراجل اللي كنت فاكراه هيكون أذكى من كده، لكنه طلع سهل ينلعب بيه."
صمت لثوانٍ، ثم ابتسم بزاوية فمه، ابتسامة خالية من الدفء:
"أنا ممكن أخد بنتي في لحظة، من غير ما تدفعي تمن اللي بتلعبيه ده."
اتسعت عيناها قليلًا، لكنها حاولت التمسك بتماسكها، فقالت ببطء:
"والقانون؟"
ضحك رائد هذه المرة، لكنها لم تكن ضحكة مريحة:
"القانون؟ إنتي ناسية إن نيرفانا في مدرستي؟ وإنك لما خدتيها بالطريقة اللي خدتيها، ممكن يتحسب ضدك؟"
أدركت شجن أنه لم يأتِ هنا ليُساوِم. كان قد قرر بالفعل كيف سينهي الأمر. حاولت أن تتمالك نفسها، لكن في داخلها، عرفت أنها بدأت تخسر السيطرة.
تقدمت نيرفانا إلى والدها، ونظرت إليه بتردد، كأنها تنتظر منه طمأنة أو تفسيرًا.
نظر إليها رائد وقال بهدوء، لكن بحسم لا يقبل النقاش:
"يلا، روّحي على أوضتك، غيري هدومك، عشان هنمشي."
تراجعت نيرفانا قليلًا، ثم نظرت إلى والدتها التي لم تنطق بكلمة، وكأنها أدركت أنها فقدت اللعبة.
"نيرفانا، يلا."
ترددت للحظة، ثم استدارت ودخلت غرفتها، تاركة شجن تنظر إلى رائد بعيون تحمل غضبًا مكبوتًا.
قبل أن يخرج، وقف أمامها للحظات، وقال بصوت منخفض:
"اللعبة خلصت، شجن. البنت دي مش ورقة بتلعبي بيها."
ثم استدار وخرج، بعدما لحقت به نيرفانا، تحمل حقيبة صغيرة، وعيناها تائهتان بين والدها ووالدتها.
شجن لم تتحرك من مكانها، لكن في داخلها، عرفت أن رائد لم يخرج فقط بابنته، بل خرج منتصرًا في معركة لم تكن تتخيل أنها ستنتهي بهذه السرعة.
***
في الصباح الباكر، توجهت ليلى إلى المدرسة، خطواتها كانت هادئة لكن عقلها مزدحم بالأفكار. لم تكن واثقة مما ستجده عند وصولها، لكنها كانت تدرك أن الأمر لم ينتهِ بعد.
طرقت باب مكتب الأستاذ شامل، لتجد الباب مفتوحًا جزئيًا، فدخلت بخطوات ثابتة. كان شامل يجلس خلف مكتبه، منشغلًا ببعض الأوراق، لكنه رفع رأسه فور رؤيتها، ورحّب بها بابتسامة لطيفة:
"أهلاً وسهلاً يا أستاذة ليلى، نورتِ المدرسة."
ردّت ليلى بابتسامة خفيفة، وجلست على الكرسي المقابل دون انتظار دعوة:
"إزاي الحال يا أستاذ شامل؟"
أغلق شامل الملف الذي بين يديه، وأسند مرفقه على الطاولة، وقال بنبرة هادئة:
"تمام، بس واضح إنك جاية مخصوص علشان نيرفانا."
لم تعلق ليلى مباشرة، لكنها عقدت يديها أمامها وقالت بجدية:
"حصل إيه بالضبط؟ أنا سمعت إن الأستاذ رائد راح بنفسه وخدها من بيت والدتها."
ضحك شامل بخفّة، وكأنه يتذكر مشهدًا لم يكن يتوقعه:
"مش خدها وبس، ده قلب البيت عليهم. شجن كانت فاكراه جاي يتفاوض، لكن لما لقت نفسها محاصرة بالقانون، البنت خرجت معاه من غير نقاش."
رفعت ليلى حاجبها، وقالت ببطء:
"يعني مفيش مساومات؟"
هزّ شامل رأسه بالنفي:
"رائد الذهبي مش من النوع اللي حد يساومه على بنته، ولا يسمح إن حد يلعب بيه. شجن فكرت إنها تقدر تاخد أكتر من اللي تستحقه، لكنها في الآخر خرجت خالية اليدين."
صمتت ليلى قليلًا، ثم قالت وهي تفكر بصوت عالٍ:
"يعني دلوقتي نيرفانا رجعت بيت والدها، لكن السؤال… هل هي فعلًا عايزة ترجع؟"
أطرق شامل للحظة، ثم قال بجديّة:
"دي النقطة اللي مخلياني مش متفائل أوي. نيرفانا في السن ده مش سهلة، وشجن عرفت تلعب على عقلها كويس."
زفرت ليلى ببطء، وكأنها كانت تتوقع هذا الرد. كانت تعرف أن المشكلة لم تنتهِ عند هذا الحد، وأن ما حدث الليلة الماضية كان مجرد بداية لفصل جديد من الصراع.
***
توقفت سيارة رائد أمام بوابة المدرسة، ولم يكن في مزاج يسمح له بالانتظار. نزل منها بخطوات واثقة، عيناه تمسحان ساحة المدرسة بسرعة، يبحث عن ابنته. كان على يقين بأن شجن قد لا تلتزم بوعدها، لذا قرر الحضور بنفسه.
عند رؤيته، توقفت نيرفانا فجأة وسط زميلاتها، وكأن الوقت تجمّد للحظة. بدا الارتباك جليًا على وجهها، لكنها لم تتردد طويلًا، إذ خطت نحوه بخطوات مترددة. عندما اقتربت بما يكفي، لم يمنحها الفرصة للكلام، بل انحنى قليلًا واحتضنها بحنان، كمن يستعيد جزءًا ضائعًا من روحه.
"حبيبتي... إنتِ كويسة؟"
لم ترد، فقط أومأت برأسها، بينما كانت أصابعها تتشبث بسترته كمن يخشى أن يُنتَزَع منه الأمان. شعر برعشتها الخفيفة، فابتعد قليلًا لينظر في عينيها، لكنه تفاجأ بآثار دموع جافة على وجنتيها.
"إنتِ كنتِ بتعيطي؟ حد قالك حاجة؟"
أجابت بصوت مرتجف:
"لا... بس..."
ترددت، ثم همست بصعوبة:
"ليه طلبت من مس ليلى تبعد عني؟"
قطّب رائد حاجبيه، ولم يرد فورًا. التفت حوله، ثم أمسك بيدها برفق وقادها نحو السيارة، وهو يقول بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
"هنروح البيت، وبعدين نتكلم."
استدارت نيرفانا مرة أخيرة نحو المدرسة، وكأنها تبحث عن شيء مفقود. ربما كانت تأمل في رؤية ليلى، في تلقي نظرة وداع، لكن لم يكن هناك أحد.
ركبت السيارة بجوار والدها، وهي تشعر أن حياتها على وشك أن تتغير مرة أخرى، لكنها لم تكن واثقة إن كان هذا التغيير سيجعلها أكثر سعادة أم أكثر ضياعًا.
***
عاد رائد إلى منزله مع نيرفانا، محاولًا أن يوفر لها جوًا هادئًا بعد اليوم الحافل. جلسا معًا على طاولة الطعام، يحاول أن يفتح معها حديثًا عاديًا، لكنها بدت شاردة، تحرّك الطعام في صحنها أكثر مما أكلته. لم يكن بحاجة إلى سؤالها عن السبب، كان يعرفه جيدًا.
بعد الغداء، صعدت نيرفانا إلى غرفتها، بينما ظل رائد في مكتبه، يدخن سيجاره ببطء، يراقب حلقات الدخان وهي تتلاشى في الهواء. عقله كان منشغلًا بشيء واحد فقط: ليلى. كان يدرك أن ابنته أصبحت متعلقة بها إلى درجة تهدد سلطته عليها، ولم يكن مستعدًا للسماح بذلك.
مدّ يده إلى الهاتف، واتصل بشامل.
رائد (بصوت هادئ لكنه حاسم):"أنا عايزك عندي دلوقتي."
لم يسأل شامل عن السبب، فقد تعوّد أن الأوامر الصادرة من رائد لا تقبل التأجيل. خلال أقل من نصف ساعة، كان في مكتب رائد، يجلس أمامه بهدوء مترقب.
رائد (ينفث الدخان ثم ينظر لشامل بحدة):"قول لي، إيه حكاية المدرسة دي؟ ليلى."
شامل (يميل برأسه قليلًا مستغربًا):"تقصد مدرسة نيرفانا؟"
رائد (بهدوء زائف):"بالضبط. عايز أعرف كل حاجة عنها."
شامل (يهز كتفيه):"ست عادية، مدرسة محترمة، مافيهاش حاجة تلفت النظر، لكن واضح إن البنت متعلقة بيها جدًا."
لم يبدُ هذا الجواب مقنعًا لرائد. أشعل سيجارًا جديدًا، ثم قال بنبرة تحمل شيئًا من التحدي:
"وأنا مش عايز بنتي تتعلق بحد غيري."
صمت شامل للحظات، ثم قال بحذر:
"بس البنت محتاجة تعويض. أمها مش موجودة، وواضح إن ليلى سدت الفراغ ده عندها."
لم يكن هذا الرد هو ما يريد سماعه، لكنه لم يُظهر أي انفعال، فقط ألقى نظرة باردة على شامل قبل أن يقول:
"هشوف الموضوع ده بنفسي، لكن أنا مش طالب نصيحة، أنا طالب معلومات. فاهمني؟"
ابتسم شامل ابتسامة صغيرة تخلو من الدفء، وأومأ برأسه، مستعدًا لفعل ما يُطلب منه، كعادته.
***
جلس رائد في مكتبه، السيجار يتراقص بين أصابعه، والشرر الخافت يتوهج في عينيه. الباب انفتح بهدوء، وقف شامل للحظة يتأمل ملامح رائد المتيبسة قبل أن يجلس مجددا ، واضعًا ساقًا فوق الأخرى بنبرة شبه هادئة.
شامل (بحيادية مستترة):"واضح إن الموضوع مستفزك جدًا يا باشا. ليلى، صح؟"
رائد (يشيح بنظره بعيدًا، صوته بارد لكنه يحمل توترًا مكتومًا):"مش مستفزني، بس مش عاجبني. بنتي مش من حق حد غيري، مش هاسمح لحد يدخل في علاقتها بيَّا، ولا يؤثر عليها، خصوصًا حد زيها."
شامل (رافعًا حاجبه بدهشة):"حد زيها؟! دي مجرد مدرسة، مش شايف إنها واخدة أكبر من حجمها في دماغك؟"
رائد (يحدق فيه بحدة):"لأن بنتي هي اللي بتديها حجم أكبر من اللازم. أنا اللي ربيتها على إني كل حاجة في حياتها، مش هسيب حد يجي يقلب الموازين."
شامل (يبتسم بمكر وهو يخرج دفترًا صغيرًا، يعبث بقلمه دون أن يدون شيئًا):"طب قوللي، عايزني أعمل إيه؟ نبعدها؟ نشوه صورتها؟ ولا عندك اقتراح مختلف؟"
رائد (يرمي السيجار في المنفضة، مستندًا إلى المكتب):"عايزها تختفي من حياة بنتي، من غير دوشة، من غير فضايح، من غير ما حد يربط حاجة بحاجة. نيرفانا مش لازم تحس إن ده قرار مني."
شامل (يغمغم متأملًا):"يعني نضغط عليها بطريقة تخليها تبعد من نفسها... من غير ما تحس البنت بحاجة؟"
رائد (يميل للأمام، صوته خافت لكن حاسم):"بالظبط. أي حد عنده نقطة ضعف، وأنا متأكد إن ليلى مش استثناء."
شامل (يبتسم ابتسامة جانبية وهو يطرق بإصبعه على الدفتر):"يبقى لازم نعرف هي بتخاف على إيه بالضبط... عيلتها؟ شغلها؟ سمعتها؟"
رائد (يضيق عينيه بتفكير، ثم يقول ببرود):"هي بتحب شغلها. خلت بنتي تتعلق بيها لأنها كانت بالنسبة لها نموذج مختلف عن أمها. عارفة يعني إيه؟ يعني لو فجأة فقدت الصورة دي، نيرفانا هتبعد عنها بنفسها، من غير ما نعمل حاجة مباشرة."
شامل (بصوت خافت، كمن يعيد رسم الخطة في رأسه):"يبقى نلعب على ده... نخليها مش مناسبة في نظر البنت. بس لازم نكون أذكياء، مفيش حاجة تتربط بينا."
رائد (بابتسامة باردة، وهو يشعل سيجارًا جديدًا):"أنا معتمد عليك في الحتة دي، شامل. بس افتكر... مش عايز مشاكل، مش عايز أسامي تتقال، ولا حد يلمح إننا ورا الموضوع."
شامل (يومئ مطمئنًا):"ولا كأننا كنا هنا."
وقف شامل، عاقدًا العزم على تنفيذ خطته، بينما استرخى رائد في مقعده، ينفث الدخان ببطء، وعيناه مسمرة على نقطة بعيدة، كمن يراقب انهيار قادم لكنه يرحب به.
***
(بعد الغداء، صعدت نيرفانا إلى غرفتها كما تفعل دائمًا، ألقت بجسدها على السرير، تحاول أن تغمض عينيها، لكن النوم أبى أن يطرق جفونها. كانت الأفكار تتزاحم في رأسها، تقلبها بين مشاعر متشابكة، بين الفرح بعودتها إلى والدها، والقلق مما قد يحدث بعد ذلك.)
(استدارت في فراشها مرات ومرات، لكن إحساسًا غامضًا بعدم الراحة كان يمنعها من الاستسلام للراحة، وكأن شيئًا ناقصًا، أو أن هناك حديثًا لم يكتمل بعد.)
(تنهدت بضيق، قبل أن تنهض من سريرها، تنتعل خفيها المنزلي، ثم تنسل خارج الغرفة بخطوات خفيفة. عبرت الممر الطويل في الطابق العلوي حتى وصلت إلى السلم، ثم هبطت إلى الطابق الأرضي، تتجه مباشرة إلى مكتب والدها.)
(كانت تعرف أنه هناك... دائمًا ما يلجأ لمكتبه في مثل هذا الوقت، يجلس خلف مكتبه الفخم، يدخن سيجاره بهدوء، بينما الغموض يكسو ملامحه. ترددت قليلًا أمام الباب، ثم رفعت يدها لتطرقه بخفة.)
نيرفانا (بصوت خافت):"بابي؟"
(من الداخل، لم يتأخر صوت رائد، كان صوته هادئًا لكن يحمل نبرة اهتمام واضحة.)
رائد:"تعالي، يا نيرفانا."
(دفعت الباب ببطء، ثم دخلت، لتجده جالسًا خلف مكتبه، السيجار بين أصابعه، بينما عيناه تتأملانها بنظرة متفحصة.)
رائد (يميل بجسده للأمام قليلًا، بنبرة هادئة لكن حازمة):"إيه اللي صاحيكي لحد دلوقتي؟ مش كنتِ نايمة؟"
(تقدمت نحوه بخطوات بطيئة، ثم سحبت كرسيًّا وجلست أمامه، تشابكت أصابعها في حضنها، قبل أن تقول بصوت متردد بعض الشيء:)
نيرفانا:"حاولت أنام، بس مَعرفتش... كنت بفكر في حاجات كتير."
رائد (يرفع حاجبه باهتمام):"زي إيه، يا حبيبتي؟"
(ترددت قليلًا، ثم تنفست بعمق، قبل أن تقول مباشرة:)
نيرفانا:"زي موضوع مس ليلى."
(تصلب جسد رائد للحظة، لكن ملامحه لم تتغير. أسند ظهره إلى كرسيه، وأخذ نفسًا عميقًا من سيجاره، قبل أن يقول بنبرة محايدة:)
رائد:"وأنا كنت مستني اللحظة دي... كنت عارف إنك هتنزلي تسأليني عنها."
(نظرت إليه نيرفانا بترقب، وكأنها تحاول قراءة أفكاره، ثم قالت برجاء خافت:)
نيرفانا:"بابي... مش عايزاك تبعدها عني."
(نظر إليها رائد طويلًا، كأنما يزن كلماته قبل أن يتحدث. ثم، بعد لحظات من الصمت، قال بصوت هادئ لكن قاطع:)
رائد:"وإيه اللي خلاكِ تفكري إني ممكن أعمل كده؟"
نيرفانا (تنظر إليه مباشرة، بعينين تحملان مزيجًا من القلق والتوسل):"لأنك مش بتحب حد يشاركني في حياتي، بابي... مش بتحب حد يبقى قريب مني غيرك."
(ارتفع حاجباه قليلًا، وكأنها أصابته في موضع لم يتوقعه، لكنه ظل متماسكًا، يميل للأمام ببطء، ينقر بأصابعه على سطح المكتب الفخم، قبل أن يبتسم ابتسامة صغيرة لا تصل لعينيه.)
رائد (بصوت هادئ لكنه ذو مغزى):"وإنتِ شايفة ده شيء وحش؟"
(ترددت للحظة، وكأنها تفكر في الطريقة الصحيحة لقول ما يدور في رأسها، ثم أجابت بصوت خافت، لكنه واثق:)
نيرفانا:"مش وحش... بس أنا كبرت، وبقيت محتاجة أتكلم مع حد غيرك، حد يفهمني من غير ما يحس إنه مسؤول عني طول الوقت."
(ضاقت عيناه قليلًا، وهو يتأملها، وكأنها باتت لغزًا جديدًا عليه. رفع السيجار إلى شفتيه، لكنه لم يدخن، فقط ظل ممسكًا به، قبل أن يقول بصوت منخفض:)
رائد:"وإنتِ شايفة إن مس ليلى دي هي الحد ده؟"
نيرفانا (بسرعة، بإصرار واضح):"أيوه! هي أكتر حد فهمني، مش بس كمدرسة، لكن كإنسانة كمان. عمرها ما كانت بتعاملني على إني بنت رائد الذهبي، كانت بتعاملني على إني نيرفانا وبس."
(ظل ينظر إليها بصمت، قبل أن يميل برأسه قليلًا، ثم يقول بلهجة لا تخلو من التحليل:)
رائد:"وده معناه إن الناس اللي بتعاملِك على إنك بنتي بيضايقوكي؟"
(ارتبكت قليلًا، أدركت أنها دخلت في منطقة حساسة، لكنها لم تتراجع، بل قالت بصدق طفولي:)
نيرفانا:"مش بيضايقوني... بس ساعات بحس إني مش أنا، بحس إني مجرد امتداد ليك، مش نيرفانا الحقيقية."
(سقطت كلمتها الأخيرة كحجر في بحيرة ساكنة، أحدثت تموجًا خفيًا في ملامحه، لكنه سرعان ما استعاد رباطة جأشه، وضع السيجار في المنفضة، ثم نهض من مقعده، يدور حول المكتب ليقترب منها، قبل أن يجلس على طرف الطاولة، مواجهًا إياها مباشرة.)
رائد (بصوت منخفض لكنه عميق):"نيرفانا... إنتِ بنتي، واللي عندي ليكِ مش مجرد مسؤولية، ولا فرض، ده حب... حب مش هتلاقي زيه عند حد تاني."
(نظرت إليه بصمت، محاولة استيعاب كلماته، لكنه تابع بنبرة حازمة هذه المرة:)
رائد:"أنا وعدتك إننا هنتكلم في موضوع مس ليلى، وهنعمل كده... بس لما يكون الوقت مناسب، مفهوم؟"
(لم يعجبها الرد، لكنها أدركت أنها لن تحصل على إجابة أخرى الليلة، فتنهدت باستسلام، ثم قالت بهدوء:)
نيرفانا:"مفهوم، بابي."
(راقبها للحظات، قبل أن يمد يده ليمسح على شعرها بحنان، ثم قال بصوت أكثر دفئًا:)
رائد:"يلا، روحي نامي، عشان عندك مدرسة الصبح."
(أومأت برأسها ببطء، ثم نهضت من مكانها، تتجه نحو الباب، لكنها قبل أن تخرج، استدارت نحوه، وقالت بصوت خافت لكنه مليء بالمعنى:)
نيرفانا:"بحبك، بابي... بس أتمنى تحبني بالطريقة اللي أنا محتاجاها، مش بالطريقة اللي إنت شايفها مناسبة لي."
(ثم غادرت، تاركة خلفها صمتًا ثقيلاً، ورائد الذهبي غارقًا في أفكار لم يعتدها.)
(ظل رائد واقفًا في مكانه، يراقب الباب الذي أغلقته نيرفانا خلفها، شاردًا في كلماتها التي تسللت إلى أعماقه كخنجر مغلف بالحرير. لأول مرة منذ سنوات، شعر أن هناك شيئًا خارج نطاق سيطرته... شيئًا لا يستطيع توجيهه أو التحكم فيه.)
(تنهد ببطء، ثم التقط سيجاره مجددًا، أشعله هذه المرة، وسحب منه نفسًا عميقًا، قبل أن يطلق الدخان في الهواء وهو يتمتم بصوت بالكاد يُسمع:)
"إنها بنتي... وأنا اللي هقرر مين يكون في حياتها ومين لأ."
(لكن رغم ثقته المطلقة بنفسه، تسلل إلى داخله شعور غامض، شعور لم يعتده... وكأنه يخشى أن يكون فقد السيطرة فعلًا. وكأن شيئًا ما، أو ربما شخصًا ما، بدأ يهدد ذلك العالم الذي بناه حول نفسه بإحكام.)
رواية قلب السلطة الفصل الرابع 4 - بقلم مروة البطراوي
في اليوم التالي، دخلت ليلى إلى مكتب شامل بعد أن استدعاها. لم تكن واثقة مما ينتظرها، لكن القلق الذي ارتسم على ملامحه جعلها تدرك أن الحديث لن يكون عابرًا.
ليلى: خير، يا أستاذ شامل؟ حضرتك طلبتني ليه؟
شامل: آه... كنت عايز أتكلم معاكِ في موضوع مهم.
ليلى: خير؟
شامل: إنتي عارفة إن رائد الذهبي مش راجل عادي، صح؟
ليلى: على حسب، عادي زي إيه؟ زي أي أب بيحب بنته ولا زي حد تاني تمامًا؟
شامل: زي حد لما ياخد قرار، محدش يقدر يراجعه فيه. وده اللي حصل.
ليلى: قرار؟ قصدك إيه؟
شامل: تم نقلك من المدرسة. القرار طلع، وانتهى الأمر.
ليلى: نُقلت؟ ليه؟! وعلى أي أساس؟!
شامل: رائد مش مرتاح لوجودك هنا، وده كفاية.
في تلك اللحظة، مرر شامل يده على جبينه، وأشاح بوجهه عنها للحظات. كان الاتفاق مع رائد واضحًا: عليه أن يشوه سمعتها، يجعل الجميع يصدقون أنها مشكلة يجب التخلص منها، أن وجودها في المدرسة تهديد، لكن... لكنه لم يستطع. شيء ما بداخله رفض تنفيذ ذلك. لم تكن ليلى مجرمة، ولم تكن تستحق هذا المصير. ربما يستطيع إبعادها، لكنه لن يكون السبب في تدمير حياتها. لا، ليس بهذا الشكل.
ليلى: فهمت... ده عقاب، مش كده؟ عشان كنت مع نيرفانا في الفترة اللي فاتت؟
شامل: مش لازم تفهمي كل حاجة، بس لازم تعرفي إنك تخرجي من الدوامة دي بأقل خسائر ممكنة.
ليلى: أنا مش هسيب مكاني بسهولة.
شامل: ما تعنديش، ليلى. العناد قدام النوع ده من الناس... خسارة محققة.
ليلى: أنا مش بعند، أنا بس بحب أفهم... بس شكلي لازم أفهم بالطريقة الصعبة.
تخرج من المكتب بخطوات ثابتة، بينما يراقبها شامل بصمت، وهو يشعر بعبء ثقيل يضغط على صدره. كان بإمكانه تدميرها تمامًا، لكنه لم يفعل. ربما سيغضب رائد منه، وربما سيدفع الثمن لاحقًا... لكنه على الأقل، لم يخن ضميره هذه المرة.
بعد مرور أكثر من أربعة أسابيع، كانت ليلى تحاول التأقلم مع حياتها الجديدة في المدرسة التي نُقلت إليها. لكنها لم تشعر يومًا بأنها تنتمي لهذا المكان. لم تكن مجرد جدران مختلفة أو وجوه جديدة، بل كان الإحساس نفسه... شعور دائم بالغربة، وكأنها تعيش في محطة انتظار، وليست في مكان يمكن أن تسميه بيتها.
كانت تحاول إقناع نفسها أن الابتعاد هو الحل، لكن كل يوم يمضي كان يزيد من قناعتها بأنها لم تهرب من المشكلة، بل أجلتها فقط. وفي النهاية، لم تستطع الاحتمال أكثر. قررت أن تعود، حتى لو كان ذلك يعني مواجهة المصير الذي هربت منه في المرة الأولى.
عادت إلى المدرسة بخطوات مترددة، وكأنها غريبة عن المكان الذي كان يومًا جزءًا من حياتها. لم يكن طردًا مباشرًا ما أجبرها على الرحيل، بل كان استجابة لتحذير شامل، الذي أخبرها أن مواجهة رائد تعني الهلاك.
وقفت للحظة، تتأمل الجدران التي لطالما حملت صدى صوتها، وتساءلت في سرها: "يا ترى، افتقدوني؟" لم تكن تتوقع احتضانًا دافئًا، لكنها على الأقل تمنّت نظرة ترحيب أو كلمة تطمئنها أنها لم تكن منسية. لكن ما لاقته كان أبعد ما يكون عن ذلك. نظرات متفرقة، بعضها فضولي، وبعضها متوجس، وكأن عودتها لم تكن أكثر من خبر عابر.
زادت المفاجأة حين اكتشفت أن شامل أعلن للجميع أنها غادرت بإرادتها، وليس لأنها أُجبرت على ذلك. شعرت كأنها صارت طرفًا في مسرحية لم تُكتب بيدها، والجمهور يراقبها دون أن يصفّق أو يعترض.
ليلى: "أنا عارفة إن خروجي كان مفاجئ... بس أنا كنت خايفة، ودي الحقيقة. خفت من اللي حصل لنيرفانا يتكرر، خفت أكون في وسط حاجة أكبر مني. لكن معرفتش أعيش بره هنا... المكان ده جزء مني، مهما حصل."
انتظرت ردًا، كلمة، حتى نظرة تشجيع، لكن الصمت كان سيد الموقف. شعرت وكأنها تتحدث في الفراغ، وكأن صوتها مجرد صدى يتلاشى قبل أن يصل لأي شخص.
"إزاي؟ إزاي فجأة بقيت كأن ماليش وجود؟"
بابتسامة باهتة، خطت إلى غرفة المعلمين، علّها تجد فيها بعض الألفة، لكنها فوجئت بأنها شبه خاوية. تساءلت في داخلها إن كان هذا تهرّبًا متعمدًا، أم مجرد صدفة سيئة. مرّت أصابعها على أحد المقاعد، وكأنها تبحث عن أثر يدل على أن هذا المكان لا يزال يتذكرها.
لكن لا شيء.
تنهدت، ثم سارت نحو مكتب شامل، تنوي أن تنهي هذا العبث. طرقت الباب بخفة، ثم دخلت قائلة بنبرة هادئة لكنها ثابتة:
ليلى: صباح الخير، يا فندم.
رفع شامل رأسه، وعلى شفتيه ابتسامة لم تستطع أن تفهم حقيقتها، هل هي ودّ صادق أم مجرد مجاملة؟
شامل: أهلاً وسهلاً يا أستاذة ليلى! نورتينا تاني. اتفضلي.
جلست أمامه، عينها لا تفارقه، تحاول أن تستشف ما وراء هذه اللهجة المرحبة.
شامل: إيه؟ مش عجبك المكان الجديد؟
ليلى: الموضوع مش كده، بس أنا مش حاسة إن ليّا مكان في أي حتة غير هنا.
شامل: طيب، ودي حاجة كويسة ولا وحشة؟
ليلى: ده اللي هنعرفه قريب... بس قبل أي حاجة، محتاجة عنوان أستاذ رائد الذهبي.
ارتفعت حاجباه قليلاً، قبل أن يرد بنبرة خالية من أي انفعال:
شامل: وعايزة عنوانه ليه يا أستاذة؟
ليلى: عايزة أقابله. لازم أتكلم معاه، وأفهم حاجات كتير. واللي بيني وبينه لازم ينتهي بشكل واضح.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يشيح شامل بوجهه قليلاً، وكأنه يدرس رد فعله قبل أن يظهره.
شامل: مش متأكد إن ده القرار الصح، بس واضح إنك خلاص خدتيه.
أومأت ليلى دون أن تفقد ثباتها، منتظرة جوابه الذي سيحدد خطوتها التالية.
تردد "شامل" قليلًا، ثم مال إلى الخلف في مقعده، عاقدًا حاجبيه وهو يتأمل "ليلى" بصمت. كانت نظراته غير مريحة، وكأنه يزن الأمور في عقله، أو ربما يقيس مدى إصرارها.
شامل: في طلبات بتكون خطورتها مش في تحقيقها... إنما في مجرد التفكير فيها.
ليلى: هو أنا طالبة تصريح أمني عشان أزوره؟ ده مجرد عنوان، مش مكان محظور!
لم يرد "شامل" فورًا، بل ظل يراقبها بعينين ضيقتين، قبل أن يميل للأمام، مسندًا مرفقيه على سطح المكتب.
شامل: وربما يكون محظورًا عليكِ،
صمتت "ليلى" للحظة، ثم زفرت بنفاد صبر، مائلة للأمام بدورها:
ليلى: أنا مش رايحة أحاربه، ولا رايحة أواجهه بسلاح. رايحة أتكلم... وأنا مش صغيرة، ولا ساذجة.
شامل: وانتي عارفة إن مجرد الكلام معاه ممكن يكلفك كتير؟
ليلى: وأنا مستعدة أدفع الثمن.
تأملها للحظات أخرى، ثم أطلق ضحكة قصيرة، لكنها لم تحمل مرحًا حقيقيًا. مد يده إلى درج مكتبه، أخرج ورقة صغيرة، وبدأ يكتب عليها العنوان. حين أنهى، دفعها نحوها على سطح المكتب، لكن عينيه لم تفارقاها.
شامل: العنوان ده مش مجرد مكان، ده بوابة لعالم مليان أسرار. لو دخلتي، الخروج مش هيكون سهل.
ليلى: ولا عمري كنت بدور على الطرق السهلة.
نهضت بخطوات ثابتة، ألقت عليه نظرة أخيرة، ثم غادرت دون تردد، تاركة خلفها رجلاً لم يكن متأكدًا إن كان قد ساعدها أم دفعها نحو الهاوية.
بعد شهورٍ من الجفاء، كانت "نيرفانا" لا تزال تتجنب عمتها "يقين"، رغم محاولات الأخيرة المستمرة للتقرب منها.
عادت "نيرفانا" من المدرسة برفقة والدها، وكانت تفضل الصعود إلى غرفتها فورًا، لكن وجود "يقين" في انتظارهم عند طاولة الطعام جعلها تتوقف. الطاولة كانت ممتلئة بأشهى الأطعمة، كأنها وليمة مُعدة لكسب القلوب قبل البطون. ولم تكتفِ "يقين" بذلك، بل دعت "شامل" أيضًا، كأنها أرادت أن تجمع الخيوط كلها في يدها.
رفعت "نيرفانا" عينيها نحو والدها نظرة حذرة، فأدرك "رائد" ما يدور في ذهنها، فابتسم قائلاً بنبرة هادئة:
رائد: ماتشليش هم، يا نيرفانا. عمتك يقين جزء من العيلة، والمفروض يكون ليها مكانة كبيرة عندك.
تأملته "نيرفانا" للحظات، ثم التفتت إلى "يقين"، وقالت بنبرة خالية من المجاملات:
نيرفانا: أنا مابحبش اللي بيحاولوا ياخدوا مكان حد تاني في حياتي.
ارتسمت على شفتي "يقين" ابتسامة واهية، وقالت بصوت ماكر يكسوه اللين:
يقين: أنا مش باخد مكان حد، أنا عمتك. يعني لو مس ليلى كانت لسه في المدرسة، كنتِ هتحبيها أكتر مني؟
لم تدرك "يقين" أن ذكر "ليلى" أمام "رائد" و"شامل" كان كإلقاء حجر في بحيرة راكدة. توقف "رائد" للحظة، ثم تنحنح وهو يشد ياقة قميصه، بينما ألقى "شامل" نظرة خاطفة إلى "رائد"، قبل أن يعود سريعًا إلى طبقه كأنه لم يسمع شيئًا.
أما "نيرفانا"، فقد ردت بثقة:
نيرفانا: كنت هحبها أكتر، وهحترمها أكتر، وهثق فيها أكتر.
كأن كلماتها ألقت بظل ثقيل على الجلسة. ساد الصمت، قبل أن تضحك "يقين" بمرح مصطنع وهي تقول:
يقين: واضح إن ليلى سابت أثر كبير،
ثم نظرت إلى "رائد" وأضافت بابتسامة خفيفة:
يقين: وأظن مش عند نيرفانا بس.
حملقت فيها "نيرفانا"، بينما ظل "رائد" هادئًا، لكن عينيه كانتا تحملان بريقًا حادًا، كأنه تحذير غير معلن.
أما "شامل"، فقد اكتفى بالمراقبة، لكن يقينه ازداد بأن "يقين" ليست امرأة تُلقي الكلمات عبثًا... بل هي تلعب لعبتها بذكاء.
وفجأة، وكأنها أرادت تغيير مجرى الحديث، استدارت إلى "شامل" ونظرت إليه بنظرة متأنية قبل أن تقول بصوت خفيض:
يقين: إزيك يا شامل؟
في اللحظة التي وجهت فيها "يقين" حديثها إلى "شامل"، كان الأخير منشغلًا بمراقبة ردود فعل "رائد"، كأنه يبحث عن إشارات خفية تكشف ما يدور في رأسه.
ابتسمت "يقين" بجرأة قائلة:
يقين: مش هتسألني إزيي يا شامل؟ ولا أنا ماستاهلش؟
رفع "شامل" حاجبيه قليلًا قبل أن يرد بلباقة:
شامل: طبعًا تستاهلي، يقين هانم. أخبارك إيه؟
يقين: الحمد لله، كويسة. وعلشان أبقى أحسن، عزماك تتعشى معانا النهارده.
نظرة عابرة تبادلها "شامل" و"رائد"، ثم عاد الأول ليركز على "يقين" وهو يسأل بنبرة حذرة:
شامل: تعزمي حد على عشا من غير سبب؟ لا، كده لازم أقلق!
ضحكت "يقين" وهي تميل برأسها قليلًا:
يقين: لا تقلق ولا حاجة، أنا اللي طابخة بإيدي النهارده، وقلت لازم يبقى في ضيف يشهد على مهارتي... غير نيرفانا طبعًا.
لم يرد "شامل" على الفور، بل تطلع إلى "نيرفانا"، التي كانت تنظر إلى عمتها بفتور، قبل أن تقول بنبرة هادئة لكنها خالية من الحماس:
نيرفانا: لو ده اللي هيريحك، ماعنديش مانع.
في تلك اللحظة، تحرك "رائد" بخفة، ليطوق خصر ابنته بذراعه، كأنه يحميها من شيء غير مرئي، ثم قال بصوت منخفض لكن محمل بالإرهاق:
رائد: يلا بينا ناكل. ماكلتش كويس بقالى أيام.
كان صوته يحمل معنى أعمق من مجرد الجوع، وكأن الإرهاق الذي يتحدث عنه ليس جسديًا فقط، بل هو شيء آخر... شيء أكبر وأثقل.
في صباح هادئ، جلست ليلى على طرف سريرها، تتأمل هاتفها بتوتر. كانت تعلم أن عليها الاتصال بمديرها، الأستاذ سليمان، لكنه لم يكن اتصالًا عاديًا؛ بل خطوة ستحدد الكثير.
تنهدت بعمق، ثم ضغطت على زر الاتصال. لم يطل الانتظار، فجاءها صوته بنبرة يقظة كعادته:
سليمان: صباح الخير، يا ليلى. وصلتِ المدرسة؟
ليلى: لسه، يا أستاذ سليمان، بس خلاص، قربت.
سليمان: هاه، ناوية تعملي إيه؟
ليلى: هتصرف، زي ما اتفقنا. أنا مش راجعة عشان أشتغل وبس، راجعة علشان أضمن إن الأمور تستقر، ونيرفانا ترتاح.
سليمان: تمام، بس فاكرة إحنا متفقين على إيه؟ الأمور لازم تتظبط من غير تهور، ومن غير ما تدخلي في حاجة مش في صالحنا.
ليلى: عارفة، متقلقش. بس فيه خطوة لازم أعملها الأول...
سليمان: خطوة إيه؟
ليلى: لازم أعرف مكان شغل الرائد الذهبي.
صمت سليمان للحظة، قبل أن يأتي صوته حادًا على غير العادة:
سليمان: إنتي بتقولي إيه؟! عايزة تروحي له بنفسك؟ إوعي يا ليلى، ده مش شخص عادي، ودي مش مقابلة ودية في كافيه!
ليلى: مش رايحة أزعله، رايحة أوضح وجهة نظري، لازم يسمعني.
سليمان: وإيه اللي يضمن إنه هيقبل يسمعك؟ هو أصلاً مش عايز يشوف حد في الموضوع ده.
ليلى: لكن اللي بيني وبينه مش مجرد سوء تفاهم، ده خلاف كبير، ومش هيتحل لو فضلت قاعدة مكاني مستنية الفرج.
سليمان: إنتي عنيدة، ودي مش حاجة في صالحك دلوقت! اسمعي كلامي، خلي الموضوع يمشي بسكته، وسيبيني أنا أتصرف.
لكن ليلى لم تكن من النوع الذي ينتظر الحلول تأتيه. حتى بعد انتهاء المكالمة، لم تغير رأيها. قررت أن تأخذ زمام الأمور بنفسها، وبطريقتها.
وبالفعل، لم يكن الأمر صعبًا كما تخيلت، فبذكائها استطاعت أن تستدرج شامل لمساعدتها دون أن يلاحظ. حصلت منه على ما أرادت، لكن ما لم تدركه وقتها... أن هذه الخطوة، قد تفتح عليها أبوابًا لم تتوقعها أبدًا.
في شقة رائد الذهبي
كانت "نيرفانا" واقفة أمام خزانة ملابسها الجديدة، تتأمل القطع الأنيقة التي لم تكن تتوقع رؤيتها يومًا في دولابها. لم تكن هذه مجرد ملابس، بل رسالة غير مباشرة من يقين، أو ربما من والدها نفسه. تساءلت في صمت: هل هذه محاولة صادقة للتقرب منها، أم مجرد خطوة أخرى في لعبة السيطرة التي يتقنها الجميع من حولها؟
قطع أفكارها طرق خفيف على الباب، أعقبه دخول "يقين" بابتسامة عريضة ونبرة مرحة:
يقين: إيه يا حبيبتي؟ واقفة محتارة كده ليه؟ عاجبك اللي جبته؟
التفتت نيرفانا ببطء، نظراتها مترددة بين الامتنان والشك، قبل أن تسأل مباشرة:
نيرفانا: إنتي اللي جبتيهم؟ ولا بابا اللي طلب منك؟
رفعت يقين حاجبها بدهشة، لكنها سرعان ما ضحكت وقالت بمرح مصطنع:
يقين: أنا اللي نزلت واخترت كل حاجة بنفسي، بس طبعًا بعد ما خدت موافقته. هو اللي قال لي: جيبي حاجات تعجب نيرفانا.
لم ترد نيرفانا، فقط أومأت برأسها وأخذت قطعة ملابس من الدولاب تتأملها بصمت. شعرت يقين أن الصمت يثقل الأجواء، فاقتربت وربتت على كتفها بحنان:
يقين: بصي، أنا مش جايه أفرض نفسي عليك، بس... عايزة نبقى قريبين. مش يمكن ندي لبعض فرصة؟
نظرت إليها نيرفانا للحظات، ثم قالت بابتسامة خفيفة:
نيرفانا: أنا بحاول، يا عمتي . بس انتي عارفة، في حاجات مش بسهولة تتغير.
كادت يقين ترد، لكن نغمة هاتف نيرفانا قطعت الحديث. ألقت نظرة على الشاشة، فتسمرت للحظات قبل أن تضغط على زر الرد.
نيرفانا: ميس ليلى؟
اتسعت عينا يقين، لكن نيرفانا سارعت بالخروج إلى الشرفة، وأغلقت الباب خلفها بإحكام، لتترك يقين وحدها، والشك بدأ يتسلل إلى عقلها.
في تلك اللحظة، دخل "رائد" إلى جناحه الخاص، ألقى هاتفه على الطاولة، ومرر أصابعه في شعره بتعب، قبل أن يلقي بجسده على الأريكة. لم يكد يغمض عينيه، حتى انفتح الباب ببطء...
رفع رأسه ببطء، ليجد "يقين" تقف أمامه، عيناها تضيقان بريبة، قبل أن تقول بصوت خافت لكنه مشحون بالفضول:
يقين: رائد... إنت متأكد إن ليلى دي مش رجعت المدرسة ؟
فتح عينيه تمامًا، حدّق فيها لثوانٍ قبل أن ينهض من مجلسه، يقترب منها خطوة خطوة، حتى أصبحت المسافة بينهما معدومة تقريبًا. نظر في عينيها مباشرة، ثم قال بنبرة ثقيلة، تحمل في طياتها أكثر مما تنطق به الكلمات:
رائد: إنتِ سمعتي حاجة؟
لكن يقين لم ترد. فقط، ابتسمت ابتسامة خفيفة... ابتسامة حملت معها ألف معنى.
رواية قلب السلطة الفصل الخامس 5 - بقلم مروة البطراوي
دقت "نيرفانا" على الباب بخفة، ثم فتحته قليلًا، وتقدمت بخطوات مترددة. لم تكن تحمل تلك الابتسامة المعتادة، بل كانت نظراتها تحمل شيئًا من القلق المكتوم.
نيرفانا (بصوت منخفض): بابي...
استدار "رائد"، الذي كان يقف أمام النافذة، ينظر إلى الأضواء المتناثرة أسفل البناية. لم يكن في حالته المعتادة من الهدوء المسيطر. التفت إليها، وعندما لمح ملامحها القلقة، قطب حاجبيه قليلًا.
رائد (بصوت هادئ لكن ثابت): مالك يا نيرفانا؟
تقدمت نحوه حتى وقفت أمامه تمامًا، ثم رفعت عينيها إليه، كأنها تحاول قياس رد فعله قبل أن تتحدث.
نيرفانا (بتردد): عايزة أطلب منك حاجة... بس مش عارفة هتوافق ولا لأ.
نظر إليها "رائد" طويلًا قبل أن يمد يده إلى كتفها، يضغط عليه برفق.
رائد: إنتي عارفة إن مفيش حاجة في الدنيا أقدر أرفضها ليكي، بس قوليلي الأول، عشان أفهم.
ابتلعت ريقها، ثم تشجعت وقالت بصوت شبه هامس:
نيرفانا: ميس ليلى رجعت المدرسة.
لم يتغير تعبير وجه "رائد" فورًا، لكنه ترك كتفها ببطء، ثم خطا بعيدًا عنها، كأن المسافة بينهما باتت ضرورة في هذه اللحظة.
رائد (بهدوء جليدي): وإنتي شايفة إن ده شيء يستحق إنك تقلقي عشان تقولي لي بالشكل ده؟
خفضت "نيرفانا" رأسها، تدرك أن هذا الهدوء لم يكن إلا العاصفة التي تسبق الانفجار.
نيرفانا (بحذر): هي مدرسة شاطرة، وأنا بحب طريقتها في الشرح، وكمان... كمان حسيت إنها كانت مضايقة لما شافتني.
لم يتحرك "رائد"، لكنه سأل بصوت أخفض، وأكثر خطورة:
رائد: وإنتي ضايقتي لما شفتيها؟
ترددت، لكنها هزت رأسها بالنفي.
نيرفانا: لا، بس... حاسة إنها محتاجة فرصة. زينا كلنا.
ضحك "رائد" ضحكة خافتة بلا مرح، ثم استدار ليواجهها مباشرة.
رائد (بجمود): أنا اللي بقرر مين يستحق الفرص هنا، ومين لأ. وإنتي، يا نيرفانا، مش المفروض تشيلي هم حاجات مش بتخصك.
نيرفانا (بتصميم خجول): بس هي بتخصني... إنت دايمًا بتقول إن حياتك كلها عشاني، طب لو حياتي فرّقت مع حد تاني، مش المفروض إنك تهتم؟
ارتفع حاجباه قليلًا، نظرة خفيفة من الدهشة تسللت إلى عينيه، لكنها تلاشت سريعًا. لم يرد فورًا، وكأن كلامها تطلب منه لحظة استيعاب.
ثم اقترب منها فجأة، وضع يده على جانب وجهها برفق، لكنه قال بصوت منخفض وحاد:
رائد: أنا عمري ما سمحت لحد يقاسمني حاجة بتاعتي، مش هيحصل دلوقتي.
نيرفانا (بهدوء متوسل): بابي...
رائد (بحدة قاطعة): الموضوع انتهى.
نظر في عينيها طويلًا، كأنه يتأكد أنها استوعبت أن هذه هي النهاية، ثم أدار ظهره وعاد للنظر من النافذة.
وقفت "نيرفانا" مكانها لحظات، تشعر وكأنها اصطدمت بجدار صلب. لم يكن الحوار بسيطًا، ولم تكن هذه آخر محاولة. لكنها كانت تعلم أن الأمر يحتاج إلى أكثر من مجرد كلمات عفوية لتغيير رأي "رائد الذهبي".
استدارت ببطء، وخرجت من الغرفة، وهي تفكر في خطوتها القادمة.
***
جلس "شامل" على طرف الأريكة في منزل "يقين" حيث لها منزلا منفصلا لا احد يعلم طريقه سوى شامل، الذى كان يجلس عاقدًا يديه بإحكام فوق ركبتيه، متأملًا الصالة الفسيحة التي غمرتها أضواء المساء الخافتة. كانت هذه الليلة مختلفة، مشحونة بنوع غريب من الترقب.
كانت يقين قد دعته لهذا العشاء الخاص، محاولة أن تمهد لخطوة منتظرة منذ زمن. لم تخبره صراحةً، لكنه فهم مقصدها من نظراتها، من الطريقة التي اهتمت بها بأدق التفاصيل الليلة، من تصرفاتها التي لم تعُد تخلو من محاولة الإيحاء بأنها امرأة جديرة بأن تكون شريكة حياته.
لكن "شامل" لم يكن حاضرًا بالكامل، عقله كان عالقًا في مكان آخر، حيث يتردد صدى كلمات لم يستطع نسيانها. لم تكن كلماتها، بل كلمات "رائد الذهبي"، التي ألقاها عليه بحدة ذلك اليوم، وكأنها وُضعت خصيصًا لتثير نيرانه الدفينة.
"البنات زهور يا شامل، وإحنا دورنا نحميها، مش نقطفها."
شدّ "شامل" على أصابعه، شعر بوخز في صدره وهو يسترجع تلك الجملة التي لم يكن لها مكان في حديثهما العادي، لكنها خرجت من "رائد" بطريقة لم تخفَ عنه. وكأنه كان يرسل تحذيرًا غير مباشر... وكأنه قرأ ما يدور في صدره!
لكن هل كان الأمر كذلك فعلًا؟ هل تجاوزت مشاعره تلك الحدود الخفية التي لا يحق له الاقتراب منها؟
لم يكن هناك إجابة واضحة، لكن كل ما يعرفه أن شيئًا بداخله كان يتحرك كلما التقت عينه بعينيها. كان الأمر أشبه بحوار غير منطوق، صراع صامت لم يجرؤ حتى على تسميته.
استفاق على صوت "يقين" وهي تجلس أمامه، تحمل على وجهها تلك الابتسامة المطمئنة التي اعتادها منها.
يقين (برقة): شكلك سرحان، في حاجة مضايقاك؟
تردد للحظة، قبل أن يهز رأسه نافيًا، محاولًا أن يبدو طبيعيًا.
شامل (بهدوء مصطنع): لا، بس يمكن شوية إرهاق.
راقبته يقين بصمت، لكنها لم تقتنع. كانت تعرفه جيدًا، تعرف متى يكذب، ومتى يحاول التهرب. لكنه لم يمنحها فرصة للتعمق في حديثها، إذ وقف فجأة، كأن البقاء في هذا المكان لم يعُد يريحه.
شامل (بصوت خافت لكنه حاسم): أنا لازم أمشي، عندي شغل بدري الصبح.
لم تُخفِ "يقين" خيبة أملها، لكنها لم تُعلّق، بل اكتفت بهزة رأس بسيطة وهي تتبعه بعينيها حتى خرج من المنزل.
في الخارج، وقف "شامل" أمام سيارته، استند إليها، ثم أغمض عينيه للحظات، كأنه يريد التخلص من كل تلك الأفكار التي تثقل رأسه.
لكنه أدرك جيدًا أن هناك حقيقة واحدة لا يمكن إنكارها...
هناك حرب تدور داخله، وهو يخسرها.
***
في صباحٍ رمادي، تسللت أشعة الشمس المترددة عبر زجاج النافذة، لترسم خطوطًا باهتة فوق وجه "ليلى" المستلقي بلا راحة. لم تكن نائمة تمامًا، بل كانت عالقة في حالة بين النوم واليقظة، أفكارها تتشابك كسلاسل لا نهاية لها.
فتحت عينيها أخيرًا، تطلعت إلى السقف قليلًا، ثم التفتت نحو هاتفها الموضوع بجانب الوسادة. لا إشعارات، لا رسائل، لا مكالمات فائتة من "شامل". ضغطت على الشاشة مرة، ثم مرتين، وكأنها تأمل أن يتغير شيء في كل مرة، لكن الهاتف ظل صامتًا كأنما يعكس صمته المريب.
زفرت بضيق، ودفعت الغطاء عن جسدها بحركة سريعة، كأنما تفر من قلقها. نهضت واتجهت إلى الحمام لتغسل وجهها، علّها تطرد ذلك الخدر الذي يثقل عقلها. لكنها أدركت أن الماء البارد لن يكون كافيًا هذه المرة. عليها أن تفعل شيئًا... الآن.
دقائق قليلة، وخرجت من غرفتها وهي ترتدي ملابسها بعناية غير معتادة، انتقت ألوانًا هادئة لكنها أنيقة، وربطت شعرها بتلك الطريقة التي تجعلها تبدو أكثر نضجًا. نظرت إلى المرآة نظرة خاطفة قبل أن تغادر، كأنها تقيّم نفسها في مواجهة اليوم الذي لم تتضح معالمه بعد.
في المطبخ، كانت "نيفين" جالسة على الطاولة، تحتسي كوبًا من الشاي بنصف تركيز، بينما تتصفح هاتفها ببطء. رفعت رأسها عندما شعرت بحركة "ليلى"، وتأملتها للحظة قبل أن تقول بنبرة متفحصة:
نيفين: مالك صاحية بدري كده؟ ده مش معادك.
ليلى (وهي تفتح الثلاجة بلا اكتراث): عندي حاجة لازم أعملها قبل المدرسة.
وضعت كوبها على الطاولة، عقدت ذراعيها وقالت بنبرة متوجسة:
نيفين: حاجة زي إيه؟
قبل أن تجيب، ظهر "مهاب" وهو يتثاءب، ممسكًا بهاتفه في يد وكوب القهوة في اليد الأخرى. نظر إلى المشهد أمامه، ثم رفع حاجبه بسخرية:
مهاب: إيه الجو العائلي ده؟ وليلى عاملة نفسها رايحة اجتماع مجلس إدارة الصبح بدري؟
رمقته "ليلى" بنظرة سريعة، ثم تجاهلته وهي تلتقط قطعة خبز.
مهاب (وهو يضع القهوة على الطاولة): لا بجد، رايحة فين كده متأنقة؟
ليلى (بلا مبالاة مصطنعة): مشوار صغير، مش هتأخر.
مهاب (بضحكة ساخرة): مشوار إيه بقى؟ مش ناوية تقولي؟ ولا لازم أحطك في جلسة تحقيق؟
نيفين (مقاطعة بجدية): هو ده اللي بسأل فيه، البنت دي في دماغها حاجة ومش عايزة تقول!
"مهاب" ألقى نظرة جانبية نحو "ليلى"، ثم هز رأسه قائلاً بنبرة تحذيرية:
مهاب: ليلى... لو بتخططي لشيء مش تمام، أنصحك تراجعي نفسك.
توقفت "ليلى" عن تقطيع الخبز للحظة، ثم التفتت إليه بابتسامة خفيفة وقالت ممازحة:
ليلى: هروح أقابل حظي.
رفع "مهاب" حاجبيه في استنكار، ثم استدار نحو والدته وهو يهمس بمكر:
مهاب: واضح إننا هنشوف مصايب النهارده!
ضحكت "ليلى"، لكنها لم تقل شيئًا آخر. وضعت سندوتش الجبن في حقيبتها، ثم التقطت هاتفها وخرجت بسرعة، تاركة "نيفين" تنظر إلى ابنها قائلة بقلق:
نيفين: أنا حاسة إن البنت دي بتعمل حاجة مش سهلة.
مهاب (متمتمًا وهو يرتشف قهوته): وأنا متأكد!
***
في صباحٍ مشحونٍ بالتوتر، جلس "شامل" في سيارته أمام منزل "رائد الذهبي"، ينقر بأصابعه على المقود في إيقاعٍ متوتر. لم يكن هذا الصباح كأي صباحٍ آخر.
لم يأتِ به القدر هنا صدفةً، بل هو من اقترح على "رائد" أن يتولى توصيل "نيرفانا" إلى المدرسة، مستغلًا انشغال صديقه بحملته الانتخابية.
بعد لحظات، انفتح باب المنزل وخرجت "نيرفانا"، ترتدي زيّها المدرسي الأنيق، وحقيبتها على كتفها. بدت مشرقة كعادتها، لكن في عينيها شيءٌ من التردد.
نيرفانا (بابتسامة خفيفة): صباح الخير، مستر شامل.
شامل (بابتسامة ودودة): صباح النور على أحلى بنت في الدنيا. جاهزة؟
نيرفانا (بهدوء): جاهزة.
تقدمت نحو السيارة، لكنها فجأة توقفت ونظرت إلى الباب، وكأنها تنتظر خروج والدها ليلوح لها كعادته. لكنه لم يفعل. كان "رائد" مشغولًا كعادته، وهي بدأت تعتاد على غيابه.
ركبت بجوار "شامل"، الذي ألقي عليها نظرة طويلة قبل أن يدير المحرك.
تحركت السيارة في الشوارع الهادئة، بينما "نيرفانا" جالسة في المقعد المجاور، تنظر عبر النافذة بشرود. كان الصمت بينهما أثقل من المعتاد، حتى قطعه "شامل" بصوت بدا وكأنه يختبر شيئًا في داخله.
شامل (بهدوء مصطنع): مبسوطة في المدرسة الجديدة؟
نيرفانا (ببرود): مش عارفة... مش بحب التغييرات الكتير.
ألقى عليها نظرة جانبية، مترددًا للحظة قبل أن يسأل:
شامل: لسه بتفتكري مامتك؟
التفتت نحوه فجأة، وكأن سؤاله اخترق جدارًا حاولت أن تبنيه حول مشاعرها.
نيرفانا (بصوت خافت): طبعًا، بس... كل حاجة اتغيرت.
هز رأسه متفهمًا، لكنه لم يرد، فتابعت بصوت يشوبه القليل من المرارة:
نيرفانا: بابا بقى مختلف. الأول كان بيسألني رأيي في كل حاجة، دلوقتي كل القرارات بياخدها لوحده، حتى لو كانت تخصني أنا.
تأملها "شامل" للحظة، ثم قال بنبرة خافتة وهو يعيد تركيزه إلى الطريق:
شامل: هو بيحاول يحميكي.
نيرفانا (بابتسامة ساخرة): يحمني من إيه؟ من الحياة؟
ابتسم "شامل" بهدوء، لكنه لم يقل شيئًا. بدا وكأنه يفكر في أمر آخر، شيء لم ترغب "نيرفانا" في سؤاله عنه. لكنها لمحت نظرة غريبة في عينيه عندما قال ببطء:
شامل: بس أحيانًا... في حاجات ماينفعش نحاربها.
تجمدت أصابعه على المقود للحظة قبل أن يعود ليقود كالمعتاد. لم تفهم "نيرفانا" ما الذي قصده تحديدًا، لكنها شعرت بأن هذا الحديث لا يجب أن يستمر.
وفي هذه اللحظة، رن هاتفها، نظرت إلى الشاشة قبل أن ترد بصوتها الهادئ المعتاد:
نيرفانا: ألو، بابي!
كان الصوت على الطرف الآخر يحمل نبرة يقظة لم تخطئها أذن "شامل".
رائد (بصوت حازم): إنتي فين يا نيرفانا؟
نيرفانا (بهدوء): في الطريق للمدرسة مع مستر شامل.
لم يقل "رائد" شيئًا للحظات، وكأن عقله يعالج المعلومة، ثم جاء صوته أكثر حدة:
رائد: ليه ما استنتيشني؟ أنا كنت نازل أوصلك.
تبادلت "نيرفانا" نظرة سريعة مع "شامل"، الذي بدا وكأنه فقد جزءًا من ثقته بنفسه.
نيرفانا (بصوت محايد): أصل مستر شامل قال إنه هيكون هنا بدري، فقلت مش لازم أستناك تتأخر.
تغيرت نبرة "رائد" تمامًا، وكأن شيئًا ما لم يعجبه في كلامها.
رائد (بهدوء مريب): طيب، هنتكلم لما ترجعي.
أغلقت الهاتف، ولمحت على وجه "شامل" شبح ابتسامة وهو يقول وكأنه يحاول إخفاء ارتباكه:
شامل: شكله مش مبسوط.
نيرفانا (ببرود): بابا دايمًا مش مبسوط.
ظل الصمت يخيّم على الأجواء بعد ذلك، لكن في عقل كل منهما، كانت هناك أفكار لم تقال بعد... وأسرار لم تخرج إلى العلن.
تحركت السيارة بسلاسة في شوارع المدينة، لكنه شعر أن الأجواء صامتة أكثر مما يجب.
شامل (بابتسامة هادئة): عارفة يا نيرفانا؟ أنا مبسوط إننا بقينا بنشوف بعض أكتر.
نيرفانا (بنبرة عادية): وأنا كمان، بس الصراحة... كنت متعودة إن بابي يوصلني، حتى لو كان مشغول.
شامل (بهدوء): هو مشغول عشانك. عشان مستقبلك.
نظرت إليه "نيرفانا" للحظة، ثم أومأت برأسها بصمت. لكنه لم يكن يريد لهذا الحديث أن ينتهي عند هذا الحد. كان بحاجة إلى أن يختبر ما يشعر به، أن يفهم إن كانت مجرد مشاعر أبويه أم شيء أكثر تعقيدًا.
شامل (بنبرة مرحة متعمدة): بس قوليلي بقى، في المدرسة... أكيد عندك معجبين، صح؟
نيرفانا (باندهاش): معجبين؟!
شامل (مازحًا): أيوه، يعني أكيد في حد كده بيحاول يبعتلك رسائل، يهديكي شوكولاتة، الحاجات اللي بيعملوها الشباب دول!
ضحكت "نيرفانا" بخجل، ثم قالت وهي تنظر أمامها:
نيرفانا: لا طبعًا، إحنا في مدرسة محترمة، وبابا لو عرف حاجة زي دي هيقلب الدنيا.
ضحك "شامل" معها، لكن في داخله لم يكن يضحك. كان يعرف "رائد" جيدًا، ويعرف أن هذه الفتاة لم ترث فقط جمال والدتها، بل ورثت معها الحماية المطلقة التي يفرضها "رائد" حولها.
شامل (بهدوء، وهو يركز في الطريق): طب لو حد حاول يقرب منك... هتقوليلي؟
نيرفانا (بتلقائية): ليه؟ هتعمل إيه؟
شامل (بابتسامة غامضة): هتصرف.
لم تفهم "نيرفانا" قصده، لكنها لم تشغل بالها كثيرًا. أما "شامل"، فكان يعرف أن ما يمر به ليس عاديًا، وليس صحيحًا. لكنه لم يكن قادرًا على التراجع بعد الآن.
وعندما وصلا إلى المدرسة، توقفت السيارة. التفتت "نيرفانا" إليه قائلة:
نيرفانا (بابتسامة): شكرًا على التوصيلة، مستر شامل.
شامل (وهو ينظر إليها نظرة طويلة): دايمًا تحت أمرك.
ترجلت "نيرفانا" من السيارة، وراقبها "شامل" وهي تبتعد بخطوات واثقة.
***
لم تكن "ليلي" تدرك أن اللحظة التي ستطرق فيها باب "رائد الذهبي" ستكون اللحظة التي يتغير فيها كل شيء.
وقفت أمام العمارة، يداها ترتجفان رغم حرارة الشمس التي صهرت الإسفلت تحت قدميها. نظرت إلى الرقم المكتوب على الورقة بين يديها، ثم إلى المبنى الشاهق. تنفست بعمق وصعدت السلالم، كل خطوة تأخذها نحو المجهول.
ما إن وصلت إلى الطابق المقصود، حتى انفتح الباب قبل أن تطرقه. خرج منه رجل يرتدي بدلة رسمية، نظراته قاسية، كأنه لم يُخلق ليبتسم. نظر إليها للحظة قبل أن يسأل بنبرة جافة:
"إنتي مين؟ عايزة إيه؟"
ارتبكت، لكنها تماسكت بسرعة:
"أنا ليلي... عايزة أتكلم مع الأستاذ رائد، ضروري."
رفع الرجل حاجبه، ثم أخرج هاتفه واتصل بشخص ما، تحدث بصوت خافت قبل أن يلتفت إليها مجددًا:
"استني هنا."
ثم اختفى داخل الشقة، تاركًا الباب مواربًا.
شعرت "ليلي" بعدم الارتياح، لكنها لم تتحرك. مرت دقائق، قبل أن يخرج نفس الرجل، لكن هذه المرة كان معه شخص آخر. رجل لم تره من قبل، لكن ملامحه لم توحِ بالخير.
"تعالي معايا، أستاذ رائد مستنيكي جوه."
شعرت بقلبها يضرب صدرها بقوة. شيء ما لم يكن طبيعيًا. تراجعت خطوة للخلف:
"لا، أنا هستناه هنا."
نظر الرجلان إلى بعضهما، ثم قال الأول بنبرة حازمة:
"إنتي سمعتي اللي قولته، ادخلي جوه."
في تلك اللحظة، فهمت "ليلي" أن عليها الفرار. استدارت بسرعة محاولة الركض نحو السلالم، لكن يدًا قوية أمسكت بها من الخلف، وجذبتها بعنف.
"فاكرة نفسك هتمشي كده بالساهل؟"
لم يكن هناك وقت للصراخ، ولا مجال للهروب.
لكن قبل أن تُدرك ما يحدث، دوّى صوت إطلاق نار في المكان. تجمد الجميع. الرجل الذي كان يمسك بها انهار على الأرض، ويده ما زالت ممدودة نحوها.
استدارت ببطء، وعيناها متسعتان بالصدمة. على بعد خطوات، وقف "رائد الذهبي"، ممسكًا بمسدسه، عينيه باردتان كالصقيع، يوجه فوهته نحو الرجل الثاني الذي رفع يديه مستسلمًا.
"لمستها ليه؟"
كانت كلماته أشبه بحكم إعدام.
أما "ليلي"، فكل ما استطاعت فعله هو أن تتنفس أخيرًا... وهي تدرك أنها لم تكن تبحث عن "رائد"، بل كانت تسير مباشرةً نحو فخ لم يكن لها أن تخرج منه أبدًا.
رواية قلب السلطة الفصل السادس 6 - بقلم مروة البطراوي
دوّى صوت الرصاصة، فسقط الحارس الذي كان يقبض على "ليلي"، يده ما زالت ممدودة نحوها كأنها تحاول الاحتفاظ بآخر ذرة من السلطة قبل أن تخور قواه. أما الرجل الآخر، فقد جمده الرعب، رفع يديه مستسلمًا، وعيناه تتنقلان بين جثة زميله و"رائد" الذي كان يمسك بمسدسه بثبات قاتل.
أدار "رائد" عينيه ببطء نحو "ليلي"، التي وقفت كأن قدميها التصقتا بالأرض، جسدها ينتفض بلا إرادة، ووجهها شاحب كالموتى. للحظة، خُيّل لها أنها انتقلت من قبضة وحش إلى قبضة وحش آخر، لكن الفرق أن هذا الوحش يملك القانون بين يديه.
تقدّم "رائد" ببطء، عينيه تزدادان برودة، حتى صار أمامها مباشرة. رفع يده ولمست أصابعه ذقنها برفق، رفع وجهها قليلًا، نظر في عينيها مباشرة، ثم همس بصوت لم يكن يحمل أي دفء:
"إيه اللي جابك هنا؟"
حاولت أن تتكلم، أن تدافع عن نفسها، لكن الكلمات تجمدت في حلقها. كانت تعرف أن أي إجابة خاطئة قد تجعل الموقف أسوأ.
"رائد" لم يكن لديه وقت للانتظار. استدار نحو الحارس الثاني وقال بلهجة قاتلة:
"اخدها لفوق... دلوقتي."
أومأ الرجل سريعًا، وأمسك بذراع "ليلي" بحذر، كأنه يخشى أن تنفجر بين يديه. لم تحاول المقاومة، لم تكن حتى قادرة على التفكير. كل ما شعرت به هو أن قدميها تسيران بها إلى مصير مجهول.
***
في منزلها، كانت والدة "ليلي" تجلس ويداها تضغطان على الهاتف بقوة. الساعة تقترب من الثالثة عصرًا، ولم تعد ابنتها. قلقها تصاعد مع كل دقيقة تمر، حتى قررت الاتصال بالسيد "سليمان"، لكنه أخبرها أن "ليلي" لم تأتِ إلى المدرسة. حاولت كبح ذعرها، فاتصلت بمدير المدرسة الأخرى، غير أن جوابه لم يكن مختلفًا.
أحست الأم بالعجز، لكن فكرة خطرت لها: الاتصال بشامل.
كان "شامل" في تلك اللحظة يقود سيارته، وعيناه زائغتان كأنه يقاتل أفكاره. بجانبه، جلست "نيرفانا"، تراقبه بقلق، تشعر أن هناك شيئًا خاطئًا. عندما رن الهاتف، أجاب بصوت محايد، لكنه سرعان ما تصلب حين سمع صوت والدة "ليلي" المضطرب:
"مستر شامل، أنا مش لاقية "ليلي"!"
شحب وجهه، وانعكس ذلك على قيادته، فمالت السيارة قليلًا قبل أن يستعيد توازنه. التفتت "نيرفانا" إليه، عيناها متسعتان، وقالت بصوت مختنق:
"شامل... هو في إيه؟"
حاول التظاهر بالتماسك، لكنه لم يستطع منع القلق من التسلل إلى صوته:
"مفيش حاجة، بس... لازم نروح لمستر رائد دلوقتي."
***
كانت "ليلى" جالسة فوق الأرض الباردة، في زاوية ضيقة من غرفة بلا نوافذ، لم يُترك لها فيها إلا صخرة صلبة تصلح بالكاد مقعدًا.
تحسسَت أطراف أصابعها بوجل، قبل أن تغرس أسنانها في أحدها، كأنها تحاول انتزاع الألم الجاثم في صدرها. أنفاسها مضطربة، ودموعها لم تجف منذ لحظة انتزاعها من أمام باب "رائد الذهبي". لم تستوعب بعد ما يحدث، أو ربما لم ترد أن تستوعب.
"ليه؟ ليه يعاملني كده؟"
سؤال تردد داخل رأسها بلا إجابة. هل كانت غبية حين ظنّت أنه سيسمعها؟ هل أخطأت حين جاءت؟ أم أن الخطأ كان في اللحظة التي ظنّت فيها أن لرجلٍ مثله قلبًا؟
ارتفع صوتها فجأة، كأنها تحاول محاربة خوفها بالصوت وحده:
"يا ريتني ما جتش! لو مش عايز يقابلني، ليه ما سبنيش أمشي؟ ليه يحبسني هنا زي..."
لكن الكلمات خانتها، كأن عقلها رفض وصف نفسها بـ"السجينة"، رغم أن الحقيقة كانت واضحة كالشمس.
لم يمضِ وقت طويل حتى فُتح الباب، ليدخل رجلٌ ضخم الجثة، ملامحه صارمة، لكن نظراته لم تكن قاسية تمامًا... بل أقرب إلى الحذر، وكأنه يتعامل مع قنبلة موقوتة.
"مش وقت البكا، خدي الأمور بعقل بدل ما تورّطي نفسك أكتر."
لم ترفع "ليلى" رأسها في البداية، بل ظلت تحدق في الأرض، أصابعها مشدودة على ملابسها. ثم، وببطء، نظرت إليه، وعيناها مزيج من الرجاء والتمرد.
"أنا ما عملتش حاجة غلط!" قالتها باندفاع، قبل أن تهز رأسها بيأس. "كل اللي كنت عاوزاه هو أشوفه... أكلمه... أفهم!"
"تفهمي؟" ضحك الرجل ضحكة قصيرة، لكنها بلا سخرية حقيقية، وكأنه تعجب من سذاجتها. "الفهم ليه تمن، وإنتِ لسه ما دفعتيش كفاية."
انكمشت أكثر في مكانها، كأن الغرفة تضيق عليها، وكأن الجدران تُطبق على أنفاسها. هل كان يقصد أنها لم تتألم كفاية؟ أو أن هناك ما هو أسوأ قادم؟
حاولت الوقوف، لكنها شعرت أن ساقيها لا تحملانها، فعادت إلى وضعها، تنظر إليه بنظرة ممتزجة بالغضب والانكسار.
"هو ما عندوش قلب؟!" نطقت بالكلمة وكأنها تُلقيها في الفراغ، كأنها تسأل نفسها قبل أن تسأله. "لو كنت غلطت، ما كانش ينفع يقولي بدل ما يرميني هنا؟!"
هذه المرة، لم يضحك الرجل. بل تأملها للحظة، قبل أن يقول بصوت أكثر هدوءًا:
"بتدوري على قلب عند حد زي "رائد الذهبي"؟" هز رأسه بأسف خافت. "بلاش تعيشي في الأوهام، الدنيا مش مكان للمثاليين."
تسارعت أنفاسها، وبدأت عيناها تلمعان ببصيص من المقاومة. كانت تدرك أنها في موقف لا تحسد عليه، لكن هناك شيء ما بداخلها رفض الاستسلام.
"لو كان عندك ذرة إنسانية، افتح لي الباب." قالتها وهي تنظر في عينيه مباشرة، تحاول أن تجد منفذًا ولو بسيطًا للهرب. "أنا مش مجرمة، ليه يتحكم فيا كده؟!"
لكن الرجل لم يتحرك. لم تطرأ عليه أي علامة تدل على أنه سيتعاطف معها. بل كل ما فعله أنه زفر ببطء، كأنه يختار كلماته بعناية.
"لو عايزة تخرجي من هنا، لازم تتعلمي حاجة مهمة." اقترب منها خطوة، لتشعر أخيرًا بثقل وجوده. "الخوف ما بيخلّصكش... لكنه بيدمّرك لو عرفتيش تتحكّمي فيه."
تركها بعدها في صمت، وانسحب، مغلقًا الباب خلفه، تاركًا "ليلى" وسط أفكارها التي بدأت تتغير. لم تعد تفكر فقط في كيف وصلت إلى هنا... بل بدأت تفكر في كيف ستخرج.
***
كانت "ليلى" جالسة على الأرض، ظهرها مستند إلى الجدار، وذراعاها تضمان ركبتيها في محاولة بائسة لاحتواء ارتجاف جسدها. الهواء في الغرفة كان خانقًا، والدماء التي سالت على الأرض بعد الطلقة الأخيرة ما زالت تنشر رائحتها الثقيلة في المكان.
عيناها، المتسعتان بالذعر، كانتا تحدقان في الباب الموارب، تنتظر ما سيأتي بعدها. لم تكن تعلم إن كان "رائد" سينقذها أم أن خلاصها سيكون مجرد وهم آخر.
لم تمضِ سوى لحظات حتى سمعت وقع خطوات عنيفة تقترب. انتفض قلبها. الباب انفتح بعنف، ودخل أحد الرجال، وجهه متجهم، وعيناه تبحثان عنها كصياد وجد فريسته.
"قومي بسرعة! الباشا مستنيك!"
حاولت الوقوف، لكن قدميها كانتا ترتجفان، فاضطر للإمساك بذراعها وسحبها بعنف. تأوهت من الألم، لكن لم يكن لديها وقت للاعتراض.
خرج بها إلى الممر المؤدي إلى الصالة الواسعة، حيث وقف "رائد الذهبي"، ظهره للباب، بينما يعبث بأزرار قميصه، كأن شيئًا لم يحدث منذ دقائق. عندما سمع صوت خطواتهم، التفت ببطء، وعيناه تقابلتا بعينيها المرتجفتين.
توقفت أنفاس "ليلى" للحظة، لم تكن قادرة على قراءة ما يدور في رأسه. هل هو غاضب؟ هل كان كل هذا اختبارًا لصبرها؟ أم أنها بالفعل تجاوزت حدودًا لم يكن يجب أن تقترب منها؟
"زعلانة ليه؟ مش كنتي عايزة تشوفيني؟ أهو أنا قدامك."
بلعت ريقها بصعوبة، ثم حاولت أن تتحدث، لكن الكلمات لم تخرج بسهولة:
"أنا... أنا كنت بس عايزة أفهم ليه... ليه حبستني؟!"
ابتسم "رائد"، لكن ابتسامته لم تكن مطمئنة على الإطلاق. تقدم منها خطوة، فشعرت بالغريزة أنها يجب أن تتراجع، لكنها تماسكت.
"حبستِك؟ دي كلمة كبيرة أوي... أنا بس كنت عايزك تفهمي حاجة مهمة قبل ما نكمل كلامنا."
نظر نحو الحارس بإشارة بسيطة، ففهم الرجل الأمر على الفور وأفلت ذراعها، فتراجعت بضع خطوات، تلتقط أنفاسها المضطربة.
"انتي لسه فاكرة إنك تقدري تدخلي حياتي وقت ما تحبي؟ أو تقرري تواجهي الحقيقة بالطريقة اللي تعجبك؟"
أحست "ليلى" بظهرها يرتطم بالحائط، لم يكن هناك مجال آخر للتراجع. نظرت إليه برجاء، تحاول البحث عن أثر لأي شيء إنساني في ملامحه، لكنها لم تجد سوى البرود والصرامة.
"أنا مش عدوتك، رائد..."
ارتفع حاجباه للحظة، كأنها قالت شيئًا فاجأه، ثم اقترب منها أكثر، حتى صار بينهما شبر واحد، وقال بصوت لا يقل عن همس خافت لكنه ممتلئ بالقوة:
"يبقى إياكي تتصرفي كعدو."
لم تفهم إن كان هذا تهديدًا أم تحذيرًا، لكنها أدركت أمرًا واحدًا... لم يكن هذا المكان سجنًا لها فقط، بل كان اختبارًا، وإذا فشلت فيه، فلن يكون لها فرصة أخرى.
***
لم يتحرك "رائد" من مكانه، لكنه ثبت نظره على "ليلى" بتفحصٍ حاد، كأنما يقيس مدى صمودها أمام العاصفة القادمة. كانت الغرفة هادئة، لكنها لم تكن تحمل أي طمأنينة، بل كانت كهدوء ما قبل الانفجار.
أما "ليلى"، فوقفت جامدة، تشد على قبضتيها، تحاول التماسك، لكن جسدها كان يرتجف رغمًا عنها. لم تكن متأكدة مما سيحدث الآن، لكنها أيقنت أنها تواجه شخصًا آخر غير الذي ظنته يومًا.
"فاكرة نفسك بتلعبي دور الضحية؟ أنتِ اللي حطيتي نفسك في الموقف ده بإيدك."
لم تتحمل كلماته. كانت محاصرة بالخوف، لكنها رفضت أن يُملى عليها شعور الذنب بهذه السهولة. رفعت ذقنها قليلًا وقالت بصوتٍ حاولت جعله ثابتًا:
"أنا ما عملتش حاجة غلط! كنت بس عايزة أفهم... كنت فاكراك مختلف!"
ارتفع حاجباه في سخرية خفيفة، ثم تقدم خطوة، حتى أصبحت المسافة بينهما تكاد تختفي. شعرت بأنفاسه قريبة، لكنها تماسكت، رغم أن قلبها كان يخفق بجنون.
"مختلف؟ عن إيه بالضبط؟ عن الصورة اللي رسمتيها لي في خيالك؟ ولا عن الكلام اللي صدقتيه من غير ما تفكري؟"
لم تجد ردًا سريعًا، لكن صمتهما لم يدم طويلًا، إذ استجمعت شجاعتها وقالت بحدة، عيناها تشعان إصرارًا رغم الاضطراب الذي ينهشها من الداخل:
"أنا وثقت في والدة نيرفانا... وهي قالت لي كلام ما ينفعش أسكت عليه!"
في لحظة، انطفأت السخرية من وجه "رائد"، وتبدلت ملامحه إلى صلابة قاتمة، كأن اسم "نيرفانا" قد مس وترًا حساسًا لم يكن يجب الاقتراب منه. ظل صامتًا لثوانٍ، عيناه مثبتتان عليها بحدة كأنهما تحفران داخل روحها.
"والدة نيرفانا؟"
تراجعت "ليلى" خطوة للخلف، لكنها لم تهرب بنظرها منه، رغم أن الرعب بدأ يزحف إلى أطرافها. أكملت بصوت مرتجف:
"هي قالت لي إنك بتجرّ بنتك للهلاك، وإنك السبب في المصايب اللي بتحاوطها... وإنك ما بتسمعش غير نفسك!"
ازدادت ملامحه تيبسًا، لكن عيناه اشتعلتا بنظرة لا تبشر بالخير. ثم، فجأة، ضحك ضحكة قصيرة باردة، خلت من أي مرح حقيقي.
"وأنتِ صدقتيها؟"
لم تستطع الرد فورًا، لكنها ابتلعت ريقها وأومأت برأسها، محاولة ألا تُظهر مدى ارتجافها.
"أنا... صدّقتها."
ساد الصمت، لكنه لم يكن صمتًا عاديًا، بل كان ممتلئًا بآلاف الكلمات التي لم تُنطق بعد. نظر "رائد" إليها للحظات، ثم أدار وجهه قليلًا، كأنما يستعيد نفسه، أو ربما يمنحها فرصة أخيرة لاستيعاب ما ينتظرها.
لكن حين عاد ينظر إليها، كان كل شيء قد تغير.
***
التوتر كان يكاد يُلمس في الهواء. لم يكن الصمت هدوءًا، بل كان أشبه بعاصفة محبوسة تنتظر لحظة الانفجار. "رائد" لم يحرّك ساكنًا، فقط نظر إلى "ليلى" نظرة من يزن الأمور بدقة قبل أن يحسم قراره.
ثم، فجأة، انطلقت منه ضحكة قصيرة، لكن لم يكن فيها أثر للمرح، بل كانت ضحكة شخص أدرك للتو حجم ما يحاك حوله. رفع يده إلى وجهه، مسح بها جبينه كأنما يحاول طرد فكرة ما من رأسه، ثم التفت إليها، نظراته أشبه بشفرة حادة.
"برافو يا ليلى... كنتِ قطعة شطرنج ممتازة في لعبتهم."
شعرت بقشعريرة تسري في أوصالها، لكنها رفضت أن تنحني أمام نظراته. رفعت ذقنها بعناد، رغم أن قلبها كان يخفق بجنون.
"أنا مش لعبة في إيد حد! كل اللي عملته إني حاولت أفهم... حاولت ألاقي الحقيقة اللي إنت بتخبيها."
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، لكنها لم تصل إلى عينيه. خطا خطوة نحوها، لتجد نفسها محاصرة بينه وبين الجدار، تمامًا كما كانت منذ لحظات، لكن هذه المرة، كان إحساسها بالخطر أقوى.
"الحقيقة؟ الحقيقة يا ليلى إنك لعبتي بالنار... وكنتِ هتتحرقي قبل ما توصلي لأي حاجة!"
لمعت عيناها باضطراب، لكنها لم تتراجع، رغم أن أنفاسها كانت تتسارع.
"إنت اللي ما بتقولش الحقيقة! نيرفانا كانت في خطر... وأنا كنت بحاول أحميها!"
تصلبت ملامحه للحظة، كأن كلماتها أصابت وترًا حساسًا داخله، لكنه سرعان ما أخفى رد فعله خلف جدار جليدي من اللامبالاة. تقدم أكثر، حتى أصبحت المسافة بينهما تكاد تختفي، ثم همس بصوت جعل الدم يتجمد في عروقها.
"نيرفانا كانت في خطر... بس مش مني!"
اتسعت عيناها في ذهول، لكن قبل أن تنطق، أكمل بصوت منخفض، حمل معه ثقلًا رهيبًا.
"والدة نيرفانا باعتها بثمن بخس، وإنتِ كنتِ مجرد أداة عشان تسرّع الصفقة."
دوّت كلماته كالرعد في أذنيها، فشعرت أن الغرفة تدور بها. لم يكن هذا ما جاءت من أجله، لم يكن هذا ما توقعت سماعه. الحقيقة التي كانت تظن أنها تسعى إليها... تحولت إلى كابوس يفوق أسوأ مخاوفها.
ارتجفت شفتاها، لكن صوتها خرج بالكاد مسموعًا:
"إنت... بتكدب."
لمعت عيناه للحظة، وكأن كلماتها اخترقت جدارًا داخله، لكنه لم يمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها.
"الغلطة الحقيقية، يا ليلى، إنك جيتي للكهف... ومستنية التنين يرحّب بيكي!"
حبست أنفاسها، شعرت وكأن الغرفة تضيق عليها، والهواء من حولها أصبح ثقيلًا. هل كانت هذه النهاية؟ أم أن اللعبة لم تبدأ بعد؟
نظر إليها للحظات، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة لم تفهم مغزاها، قبل أن يبتعد خطوة، وكأن ما حدث للتو لم يكن سوى تحذير أولي... تحذير قد لا يأتي بعده آخر.
***
كان "شامل" واقفًا بالقرب من النافذة، عيناه تائهتان في الظلام الممتد خلف الزجاج، لكن عقله لم يكن هنا. كان عالقًا في دوامة من الأفكار، كل الاحتمالات تتصارع في رأسه، وكلها تقوده إلى شيء واحد... ليلى اختفت.
على بُعد خطوات، كانت "يقين" تراقبه بصمت. لم يكن الأمر يحتاج إلى كلمات؛ القلق مرسوم على ملامحه بوضوح. لكنها، وبطريقة ما، قررت كسر هذا الجدار. تقدمت ببطء حتى وقفت خلفه مباشرة، ثم قالت بصوت هادئ لكنه نافذ:
"شامل... طول عمرك قوي، ما تخليش القلق يشدّك لحتة ما ترجعش منها."
التفت إليها ببطء، عيناه لا تزالان محملتين بذلك التوتر الخفي. نظر إليها طويلًا، كأنما يحاول أن يجد في ملامحها ملاذًا مؤقتًا، لكنه لم يستطع.
"يقين، ليلى اختفت."
جمدت ملامح "يقين" للحظة، لكنها سرعان ما استعادت رباطة جأشها.
"اختفت؟ يعني إيه؟ إنت متأكد؟"
"محدش عارف هي فين، والآخر مرة كانت رايحة لرائد."
لمعت عينا "يقين" بقلق واضح، لكنها حاولت أن تحافظ على هدوئها.
"طيب... ممكن يكون في تفسير تاني؟ ممكن تكون راحت مكان تاني؟"
أطبق "شامل" فكيه بقوة، ثم قال بنبرة لم تخلُ من الحدة:
"أنا عارف رائد كويس، ولو ليلى كانت معاه... يبقى مفيش تفسير غير واحد."
ساد بينهما صمت ثقيل، حتى قطعه "شامل" وهو يشيح بوجهه عنها، كأنه لا يريد أن يرى نظرات القلق في عينيها.
"أنا مش هسيبها، يقين. حتى لو كان رائد نفسه هو اللي واقف في طريقي."
نظرت إليه يقين طويلًا، ثم قالت بنبرة جادة:
"لو كنت ناوي تدخل في لعبة مع رائد، فكر كويس يا شامل. لأن اللي بيدخلها... نادرًا ما بيخرج منها سليم."
نظر إليها شامل نظرة طويلة، لكن لم يكن فيها تردد... بل تصميم.
"أنا ما بخافش من اللعب، يقين... أنا بس بحب أربح."
***
كان المكان مظلمًا، والكلمات بين "رائد" و"ليلى" تتناثر في الهواء مثل سكين حاد، يقطع كل لحظة صمتٍ بينهما. التوتر كان يزداد بشكل متسارع، وكل منهما يحاول قياس الآخر، اختبار رد فعله، ومعرفة الحدود التي يمكن لكل منهما أن يصل إليها.
نظر "رائد" إليها طويلًا، ملامحه جامدة، لكنها تحمل خلفها عاصفة. ثم، وبنبرة باردة كالجليد، قال:
"اللي بيدخل لعبة الكبار، يا ليلى، لازم يكون مستعد يدفع الثمن."
لم تتحرك "ليلى"، لم ترمش حتى، رغم أن قلبها كان يخفق بجنون. حاولت أن تبقى ثابتة، لكن عينيه اخترقتاها كأنهما تكشفان كل نقطة ضعف مخفية.
"وإنت ناوي تحاسبني على إيه بالظبط؟" قالتها بصوت ثابت، لكنها لم تكن واثقة مما سيأتي بعدها.
اقترب منها خطوة، حتى أصبح بينهما أنفاس قليلة فقط، ثم همس بصوت خافت لكنه محمل بالتهديد:
"لسه هتعرفي... بس لما ييجي الوقت المناسب."
فتح الباب فجأة، فاندفعت إضاءة خافتة إلى الداخل. ظهر أحد رجاله، وعيناه تحملان رسالة واضحة. التفت إليه "رائد" ببطء، ثم نظر إلى "ليلى" نظرة طويلة أخيرة قبل أن يقول بلهجة لا تقبل الجدل:
"ما تخرجيش من هنا إلا لما أقول."
ثم غادر، تاركًا "ليلى" وحدها وسط الظلام، ومعها سؤال واحد يطرق رأسها بلا توقف:
"إيه اللي هيحصل بعد كده؟"
رواية قلب السلطة الفصل السابع 7 - بقلم مروة البطراوي
خرج "رائد"، تاركًا "ليلى" وحدها وسط الظلام.
"إيه اللي هيحصل بعد كده؟"
حبست أنفاسها لوهلة، ثم زفرت ببطء، محاولة أن تسيطر على الارتباك الذي بدأ يتسلل إلى عقلها. نظرت حولها، المكان لم يكن معتمًا تمامًا، بل هناك خيوط ضوء خافتة تتسلل من تحت الباب، لكنها لم تكن كافية لتهدئة توترها.
تقدمت بخطوات حذرة نحو الباب، وضعت يدها على المقبض، لكنه لم يتحرك. أغلقه خلفه، بالطبع فعل.
"إيه اللي كان عايز يوصله بالحوار ده؟"
عادت إلى الخلف، وقلبها ينبض بقوة. لا تعرف كم من الوقت ستظل هنا، لكن ما تعرفه أنها لن تقف مكتوفة اليدين.
رنت عيناها على الطاولة القريبة، لم يكن عليها سوى كوب ماء وبعض الأوراق المبعثرة. لا هاتف، لا أي وسيلة تواصل.
حاولت أن تبقى هادئة، أن تتعامل مع الموقف بعقلانية، لكنها لم تستطع منع نفسها من التفكير في كلماته الأخيرة:
"ما تخرجيش من هنا إلا لما أقول."
هل كان تهديدًا؟ أم تحذيرًا؟ أم مجرد استعراض قوة؟
"ليلى" لم تكن ساذجة. عرفت أن "رائد" لا يقول شيئًا بلا سبب، وإن قالها، فهو يعنيها.
لكنها لم تكن مستعدة للبقاء هنا طويلاً.
خطت إلى النافذة، دفعت الستائر قليلًا، كان الظلام يغطي الخارج، باستثناء أنوار خافتة منبعثة من بعض المصابيح في الساحة. لمحت بعض الرجال يتحركون في الخارج، وكأنهم أشباح تحرس المكان.
لم تكن لديها خطة واضحة، لكنها لم تكن مستعدة للاستسلام لهذه العزلة.
وبينما كانت تحاول تحليل خياراتها، سمعت صوتًا خلف الباب. خطوات ثقيلة، صوت مفتاح يدور في القفل.
تراجعت لا إراديًا، وانتظرت.
الباب انفتح ببطء، ليظهر منه "رائد"، واقفًا بنفس هدوئه المثير للجنون، وعيناه تتأملانها بنظرة يصعب تفسيرها.
تقدمت نحوه خطوة، وعيناها تشتعلان بالغضب المكبوت:
"إيه اللي انت عايزه؟!"
ابتسم ابتسامة خفيفة، وأمال رأسه قليلًا قبل أن يجيب بصوت منخفض:
"السؤال الصح... إنتي عايزة إيه يا ليلى؟"
نظرت إليه "ليلى"، وداخلها طوفان من الغضب، لكن عقلها كان يحاول أن يبقى هادئًا. أخذت نفسًا عميقًا وقالت بصوت ثابت رغم كل ما تشعر به:
"أنا عايزة أمشي من هنا."
لم تتغير ملامحه، بل زادت ابتسامته الغامضة عمقًا، وكأنه توقع ردها تمامًا.
"هو ده اللي متأكدة منه؟"
ضيّقت عينيها بانزعاج، لكنها لم تسمح له بأن يلعب بأعصابها أكثر. تقدمت خطوة، وقلبها ينبض بسرعة، وقالت بحزم:
"أيوه. افتح الباب."
وقف للحظة يراقبها، ثم زفر بهدوء وكأنه يزن الأمور في رأسه، قبل أن يميل قليلاً نحوها وقال بصوت خافت لكنه ثقيل بالمعاني:
"أنا مش بحبس حد عندي، بس لما حد يدخل حياتي، لازم يعرف إن خروجه مش هيكون زي دخوله."
لم تعلق، لم ترد أن تستمر هذه اللعبة معه. كل ما أرادته الآن هو أن تبتعد عن هذا المكان.
أشار برأسه نحو الباب، فُتح على الفور، وظهر أحد رجاله واقفًا في الخارج.
"وصّلها لحد عربيتها."
تقدمت "ليلى" بسرعة، لا تريد أن تمنحه فرصة أخرى لإطالة هذا الحديث. عبرت الباب، لكنها شعرت بنظراته تلاحقها حتى بعد أن ابتعدت خطوات.
عندما وصلت إلى الساحة، شعرت بنسمة هواء باردة تضرب وجهها، لكنها لم تشعر بالراحة. كل شيء داخلها كان مشحونًا بتوتر لم تشعر به من قبل.
ركبت سيارتها، أغلقت الباب بقوة، وضغطت على المقود بأصابع مرتجفة.
كان المكان خلفها، لكنها كانت تعرف أن هذا لم يكن النهاية.
"الموضوع لسه مخلصش..."
همست بالكلمات لنفسها، دون أن تدري أنها كررت بالضبط ما قاله "رائد" قبل أن يغادرها في تلك الغرفة.
ثم، دون تردد، أدارت المحرك، وانطلقت مبتعدة عن هذا المكان... ولكن ليس عن تأثيره.
بعد أن غادرت "ليلى"، تاركة خلفها صخبًا من المشاعر التي لم تستطع أن تهدأ داخلها، كانت أنفاسها لا تزال متسارعة وهي تقود سيارتها بعيدًا عن ذلك المكان، وكأنها تهرب من شيء يطاردها في الظلام. كانت يداها مشدودتين على المقود، وعقلها يعيد استرجاع كلماته، نظرته، وطريقة وقوفه أمامها وكأنه يحاصرها دون أن يمد يده.
"الموضوع لسه مخلصش."
ظلت هذه الجملة تتردد في رأسها، وكأنها توقيع غير مرئي على يومها، أو ربما على شيء أكبر لم تدركه بعد.
حين وصلت أخيرًا إلى منزلها، لم تشعر براحة كما كانت تتمنى. ألقت بحقيبتها على الطاولة، ثم جلست على الأريكة، ووضعت رأسها بين يديها محاولة أن تستعيد هدوءها.
"أنا كنت متخيلة إني فاهمة هو إزاي... بس الليلة دي غيرت كل حاجة."
رفعت رأسها، تنهدت بعمق، ثم نهضت لتذهب إلى غرفتها، آملة أن النوم سيكون رحيمًا بها هذه الليلة. لكنها كانت تعلم أن الأفكار لن تتركها بسهولة.
على الجانب الآخر...
صعد "رائد" إلى شقته، بخطى ثقيلة، كأنما يحمل شيئًا أكبر من مجرد التعب. ألقى بمفتاحه على الطاولة، ثم مرر يده في شعره، متجهًا نحو الشرفة. الهواء الليلي كان ثقيلًا، لكنه لم يكن أكثر ثِقلًا مما يدور في رأسه.
ظهر "شامل" من الداخل، وعيناه تمتلئان بأسئلة غير مطروحة، لكنه لم يكد يفتح فمه حتى قطع "رائد" عليه بنظرة واحدة.
"مافيش كلام دلوقتي، شامل. امشي."
لم يعترض "شامل"، فقط أومأ برأسه وانسحب في صمت، تاركًا "رائد" وحده في مواجهته الخاصة مع الليل.
وقف عند النافذة، أشعل سيجارة، وراح يراقب أضواء المدينة من بعيد. لم يكن يعلم لماذا يشعر بهذا الكم من التوتر، لكنه كان يعلم شيئًا واحدًا:
"ليلى مش هتخرج من دايرتي بسهولة... حتى لو حاولت."
بعد لحظات، انتزع هاتفه من جيبه، ضغط على رقم مألوف، وانتظر.
وحين جاءه الرد، قال بصوت هادئ لكنه يحمل أمرًا لا يقبل النقاش:
"أنا عايزها ترجع المدرسة بكرة."
على الطرف الآخر، جاءه الصوت المتردد لسليمان، مدير المدرسة:
"بس يا باشا... هي قالت-"
قاطعه "رائد" ببرود:
"أنا قلت ترجع. هتبلغها، وخلاص."
أنهى المكالمة دون انتظار رد، ثم ألقى الهاتف على الطاولة، مستندًا إلى الحائط للحظة.
كانت عيناه تراقبان المدينة، لكنها لم تكن ترى شيئًا سوى وجه واحد، وصوت واحد، وشيء ما يخبره أن هذه اللعبة لم تبدأ بعد.
وفي الصباح...
حين رن هاتف "ليلى"، ونظرت إلى الشاشة، وجدت اسم "سليمان" يلمع أمامها. شعرت بارتجافة صغيرة في يدها وهي ترد.
"أيوه، مستر سليمان؟"
"صباح الخير، ليلى. عندي خبر لازم تعرفيه... هترجعي المدرسة النهارده."
شعرت بأنفاسها تتباطأ، وكأن الزمن توقف للحظة.
"إيه؟ بس... مين قال كده؟"
صمت سليمان للحظة قبل أن يقول بصوت حذر:
"قرار إداري... من فوق."
لم يحتج الأمر إلى تفسير أكثر. عرفت فورًا مصدر القرار، وعرفت أيضًا أن هذا يعني شيئًا واحدًا:
"رائد الذهبي ما خلصش كلامه معايا."
عندما وصلت "ليلى" إلى المدرسة، كانت تشعر بثقل غير مرئي يجثم على صدرها. خطواتها كانت أبطأ من المعتاد، وكأن قدميها تترددان في حملها إلى الداخل. لم تكن تعلم هل هو الإرهاق الذي لم يفارقها منذ الليلة الماضية، أم أن عقلها لا يزال عالقًا هناك، في ذلك المكان الذي لم تكن تتوقع أن تزوره بتلك الطريقة.
ما إن عبرت بوابة المدرسة حتى لمحها "سليمان"، فتوجه نحوها بخطوات سريعة، وعيناه تعكسان دهشة خفيفة:
"ليلى! مش معقول! أنتِ رجعتي فعلاً؟"
رفعت عينيها إليه، وابتسمت ابتسامة باهتة:
"واضح إن ده قرار ماكانش في إيدي."
قطب "سليمان" جبينه، ثم أشار برأسه نحو مكتبه:
"تعالي، لازم نتكلم."
في الداخل، جلست "ليلى" على الكرسي أمامه، وأسندت كفيها إلى الطاولة، بينما كان هو يراقبها بنظرة متفحصة. كانت ملامحها منهكة، وعيناها تحملان أثر ليلة لم تكن سهلة.
"عايز أفهم، إيه اللي حصل بالضبط؟"
ترددت للحظة، ثم قالت بصوت هادئ لكنه مثقل بالتوتر:
"أنا مشيت من المدرسة امبارح، وبعدها... حصلت حاجة خلتني أروح لمكان ماكانش المفروض أروحه."
لم يكن "سليمان" بحاجة لسماع الاسم، فقد عرف على الفور. تراجع في مقعده، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول:
"رائد الذهبي."
أومأت "ليلى" برأسها ببطء، دون أن تنطق.
أغمض "سليمان" عينيه للحظة، ثم فتحهما وقال بجدية واضحة:
"ليلى، أنا مش هسألك عملتي إيه هناك، بس لازم تسألي نفسك سؤال واحد: إنتِ فعلاً كنتِ مستعدة تدخلي اللعبة دي؟"
رفعت عينيها إليه، وكأنها تفكر في الإجابة، لكنها لم تجد ردًا. كانت تعلم أن هناك شيئًا ما تغير، لكنها لم تستطع تحديده بعد.
نهض "سليمان" من مكانه، وسار بضع خطوات في الغرفة قبل أن يلتفت إليها مجددًا:
"رجوعك هنا معناه إن فيه حد قرر إنك لازم ترجعي. وده معناه إن الموضوع لسه مخلصش، بالعكس... لسه بيبدأ."
تنهدت "ليلى"، ومسحت على جبينها، محاولة أن تدفع عن نفسها الإحساس بالخطر الذي تسلل إلى عقلها منذ تلك الليلة.
"أنا جيت هنا علشان أشتغل، مش علشان ألاقي نفسي في وسط دوامة بالشكل ده."
اقترب "سليمان"، وأسند يده إلى الطاولة، ثم قال بصوت منخفض لكنه حاد:
"لو كنتِ فاكرة إنك تقدر تتحكّمي في الأحداث، فأنتِ غلطانة. الناس دي، يا ليلى، مابتدخلش حد حياتها بدون سبب. وإنتِ دخلتي."
شعرت "ليلى" بقشعريرة باردة تسري في جسدها، لكنها رفعت رأسها بإصرار، وقالت بهدوء:
"أنا لسه عندي فرصة أخرج."
نظر إليها "سليمان" للحظة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، لكنها لم تكن تحمل أي طمأنينة:
"يا ترى؟"
في تلك اللحظة، دق جرس المدرسة، معلنًا بدء يوم جديد، لكنه بالنسبة لـ"ليلى" كان مجرد امتداد لليلة لم تنتهِ بعد.
رنت أول حصة، وبدأ اليوم الدراسي، لكن عقل ليلى لم يكن حاضرًا بالكامل في الفصل.
رغم محاولاتها للتركيز مع الطلاب، كانت أفكارها تتقاذفها، تعود بها إلى الليلة الماضية، إلى كل لحظة أمضتها في مواجهة رائد الذهبي.
كان التلاميذ منهمكين في الكتابة عندما ظهر سليمان عند باب الفصل، ألقى عليها نظرة قصيرة، ثم أشار لها بإيماءة هادئة. فهمت فورًا أنه يريدها للحظة.
تقدمت نحوه بحذر، وقبل أن تتكلم، قال بصوت منخفض:
"مش عايز أعطلك عن الحصة، بس كنت عاوز أطمن إنك كويسة."
ترددت لحظة قبل أن ترد بصوت خافت:
"أنا بخير."
راقب ملامحها، كأنه يحاول أن يقرأ بين السطور، ثم قال:
"أنا فاهم إنك مش عايزة تتكلمي، بس خدي بالك، الناس دي... الدخول عندهم مش زي الخروج."
رفعت رأسها ونظرت إليه نظرة طويلة، ثم قالت بثبات:
"أنا خرجت خلاص، وده كل اللي يهمني."
لم يُبدِ سليمان اقتناعًا كاملًا، لكنه أومأ بهدوء، ثم قال قبل أن يستدير مبتعدًا:
"لو احتجتي أي حاجة... أنا موجود."
عادت ليلى إلى الفصل، وقبل أن تدخل، توقفت للحظة، زفرت بعمق، ثم استعادت هدوءها، مستعدة لمتابعة يومها كأن شيئًا لم يكن... أو على الأقل، تحاول أن تفعل ذلك.
في منزل الذهبي، بزغ نور الصباح بهدوء، يتسلل عبر الستائر الثقيلة ليملأ الأرجاء بإشراق ناعم.
في ذلك الوقت، كانت نيرفانا قد استيقظت بالفعل، مفعمة بالحيوية كعادتها، تركض في أرجاء المنزل بخفة، قبل أن تقرر أخيرًا الذهاب إلى والدها. وجدته جالسًا في البهو يحتسي قهوته ببطء، شارداً في أفكاره.
ركضت نحوه بخفة، ثم تسلقت ركبتيه وجلست عليه بعفوية، تحيطه بذراعيها الصغيرتين.
"صباح الفل يا بابي!"
نظر إليها رائد بابتسامة دافئة، ثم مرر يده على شعرها:
"صباح النور على أحلى بنت في الدنيا... إيه النشاط ده كله من بدري؟"
ابتسمت نيرفانا وقالت بحماس:
"مبسوطة عشان رايحة المدرسة!"
ضحك رائد بخفوت، ثم نظر إليها بعينين تحملان مزيجًا من الأبوة والاهتمام:
"وعشان تشوفي مس ليلى، صح؟"
أومأت برأسها بسعادة:
"أكيد! هي وحشتني!"
راقبها رائد بصمت للحظة، وكأنه يقيس تأثير تلك المرأة على ابنته. ثم قال بنبرة هادئة:
"طيب، بما إنك بتحبيها كده، إيه رأيك لو تخليها تيجي تدرّسك في البيت كمان؟"
اتسعت عينا نيرفانا بحماس:
"بجد؟! هتخليها تيجي البيت؟"
ضحك رائد وقال بمكر خفيف:
"آه، بس عشان أثبتلك إنك هتزهقي منها بسرعة!"
هزّت نيرفانا رأسها بإصرار طفولي:
"لأ، أنا مش ممكن أزهق منها أبداً!"
نظر إليها رائد طويلاً، ثم قال ممازحًا:
"طيب نشوف، بس دلوقتي، يلا كلي إفطارك بسرعة قبل ما يوصلك شامل للمدرسة."
أسرعت نيرفانا إلى الطاولة، تأكل بسعادة، بينما عاد رائد إلى قهوته، لكن ذهنه ظل مشغولًا. لم يكن متأكدًا مما إذا كان قراره نابعًا من رغبته في اختبار صبر ابنته... أم لرغبته هو في رؤية ليلى مرة أخرى.
كان شامل يقف بجوار السيارة، يُشعل سيجارته الأولى في الصباح بينما ينتظر نيرفانا. كان الهواء الصباحي يحمل نسمات باردة، لكن أفكاره كانت مشغولة بأمور أخرى، لم يكن في مزاج يسمح له بالاستمتاع بالهدوء.
لم يطل انتظاره، فسرعان ما فُتح باب المنزل وخرجت نيرفانا بخطواتها الطفولية الواثقة، تحمل حقيبتها الصغيرة على ظهرها، وعيناها تشعان بالحماس.
"صباح الخير، أونكل شامل!"
ابتسم شامل وأطفأ سيجارته سريعًا، ثم انحنى قليلًا وهو يفتح لها باب السيارة:
"صباح الفل على أحلى نيرفانا. جاهزة للمدرسة؟"
قفزت إلى داخل السيارة بحماس، ثم نظرت إليه بعينين واسعتين وقالت:
"أيوه! عاوزة أوصل بسرعة، مس ليلى مستنياني!"
أطلق شامل ضحكة قصيرة وهو يُغلق الباب خلفها، ثم ركب إلى جوارها وأدار المحرك، بينما قال بنبرة مرحة:
"هو انتي بتروحي المدرسة عشان الدراسة ولا عشان مس ليلى؟"
ضحكت نيرفانا وهي تربط حزام الأمان:
"عشان الاتنين طبعًا!"
هزّ شامل رأسه وهو يضغط على دواسة البنزين، ثم تمتم بخفوت:
"ربنا يستر بس من اللي جاي!"
وانطلقت السيارة نحو المدرسة، تاركة خلفها منزل الذهبي الذي لم يخلُ يومًا من القرارات الثقيلة واللحظات المليئة بالأحداث.
بينما كان شامل يراقب نيرفانا وهي تركض نحو باب المدرسة، ظهرت أمامه فجأة إحدى المعلمات، تحمل بيدها مجموعة من الأوراق، ويبدو عليها التوتر. كانت تتلفت وكأنها تبحث عن أحد. ما إن وقع نظرها على شامل حتى هرولت إليه قائلة بنبرة متعجلة:
"أستاذ شامل، الحمد لله إنك هنا! المدير بيدور عليك من الصبح، فيه مشكلة في جدول الحصص وعاوزك حالًا."
رفع شامل حاجبيه باستغراب، ثم زفر بضيق قبل أن يرد:
"مشكلة إيه تاني؟ هو الجدول ده مش بيتعدل غير لما الدنيا تولّع؟!"
ضحكت المعلمة رغم توترها وقالت:
"أصل إحنا كنا ناقصين مصايب!"
حك شامل مؤخرة رأسه بإرهاق، ثم لوّح بيده قائلاً:
"خلاص، ما دام المدير مستنيني يبقى مفيش فكاك... يلا نشوف إيه القصة الجديدة."
ثم سار بجوارها باتجاه مبنى الإدارة، وقد تلاشت الضحكة عن وجهه تدريجيًا، وعاد إلى عبء يومه الثقيل.
كان شامل يسير في ممرات المدرسة بخطوات شبه مترددة بعد أن أخبرته المعلمة أن المدير يريده. مرّ بجوار بعض الفصول المغلقة، وتناهى إلى سمعه أصوات الطلاب المنخفضة، ثم توقف للحظة أمام باب مكتب المدير. أخذ نفسًا عميقًا، ثم طرق الباب مرتين ودخل.
كان سليمان جالسًا خلف مكتبه، وأمامه بعض الأوراق، بينما ليلى كانت تقف إلى جانبه، تتصفح دفترها بتركيز. رفع المدير رأسه فور دخول شامل، وأشار له بالجلوس دون أن يرفع حاجبيه، وكأنه كان يتوقع تأخره مسبقًا.
"وأخيرًا، يا أستاذ شامل!" قالها سليمان بنبرة هادئة لكنها تحمل في طياتها الكثير.
ابتسم شامل ابتسامة صغيرة وهو يجلس:
"صباح الخير، أستاذ سليمان. آسف لو كنت اتأخرت شوية."
ألقى سليمان قلمه على الطاولة وقال:
"أنا مش هكرر كلامي عن أهمية الانضباط، بس لازم تفهم إنك مش موظف عادي هنا. إنت مش بس بتدرس، إنت كمان مسؤول بشكل غير مباشر عن الطلبة اللي بيتعلقوا بيك. وأولهم نيرفانا."
شعر شامل للحظة أن الحديث خرج عن نطاق العمل، لكنه اكتفى بالرد بجملة مقتضبة:
"فاهم يا أستاذ سليمان."
تدخلت ليلى، محاولة تخفيف التوتر قائلة:
"نيرفانا بتحب أستاذ شامل جدًا، وده مش عيب، بس الأهم نحط حدود بين علاقتنا كمعلمين وبين الطلبة."
لم تعجبه جملة "نحط حدود"، لكنها لم تكن اللحظة المناسبة للرد. أومأ سريعًا وقال:
"أكيد، وأنا عمري ما تخطيت دوري، وكل حاجة في إطارها الصحيح."
أشار له سليمان بأن بإمكانه الانصراف، فنهض شامل وقال بنبرة خفيفة وهو يتجه نحو الباب:
"ما تقلقش يا أستاذ سليمان، كل حاجة تحت السيطرة."
لكن قبل أن يخرج، استوقفته ليلى بصوت خافت:
"أستاذ شامل، في الفسحة... عايزاك في موضوع."
نظر إليها لوهلة، ثم أومأ بصمت وخرج.
في الخارج، لم يتجه شامل مباشرة إلى صفه، بل وقف للحظة يتأمل الممر الطويل أمامه، وكأن هناك شيئًا لم يستطع تفسيره بعد. شيء لم يكن في كلماته مع المدير، ولا في كلمات ليلى... بل في شيء آخر تمامًا، شيء لم يكن تحت السيطرة كما ادعى.
رن الهاتف باسم "عماد"، أحد معارفه القدامى، الذي لم يتصل به منذ فترة طويلة. رفع شامل الهاتف إلى أذنه وهو يتوقع أن المكالمة لن تكون عابرة. جاءه صوت عماد متوترًا على الطرف الآخر:
"شامل، اسمعني كويس... فيه كلام بيتقال عن إن ليلى مش هتفضل في المدرسة دي كتير!"
تجمدت ملامح شامل، وشدّ قبضته على الهاتف، ثم سأل بحدة مكتومة:
"إنت متأكد من اللي بتقوله؟!"
رواية قلب السلطة الفصل الثامن 8 - بقلم مروة البطراوي
ابتسمت ليلى لها وقالت بنبرة دافئة:
"برافو يا نيرفانا، أنا عارفة إنك شاطرة وهتبقي من الأوائل إن شاء الله."
رفّت عينا نيرفانا بوميض سعادة طفولي، وردّت بحماسة خجولة:
"إن شاء الله، يا مس ليلى!"
بعد انتهاء الحصه استدعاها شامل في مكتبه.
جلس شامل أمام مكتبه في المدرسة، يراقب ليلى وهي تجلس أمامه، بنظرتها الثابتة المعتادة، وكأنها حصن لا يمكن اختراقه. حاول أن يكون لبقًا قدر الإمكان، لكن الحذر في عينيها جعله يدرك أن الأمر لن يكون سهلًا.
"بصي يا آنسة ليلى، أنا عارف إنك مشغولة وربنا يعينك، بس نيرفانا تستاهل حد زيك يكون مدرس خصوصي. البنت محتاجة اللي يهتم بيها ويشرح لها بطريقة تفهمها."
أخذت ليلى نفسًا هادئًا، ثم قالت بابتسامة دافئة ولكن حاسمة:
"يا شامل، والله أنا مقدرة، ونيرفانا بنت شاطرة. بس أنا فعلًا وقتي مليان، ومش هقدر ألتزم بحاجة زيادة. أتمنى تلاقي حد مناسب."
أدرك شامل أنه لن يحصل على موافقتها بسهولة، لكنه لم يرد الإلحاح أكثر، فاكتفى بهزّ رأسه قائلاً:
"ماشي، يا آنسة ليلى. شكرًا على وقتك."
غادرت ليلى، تاركة خلفها إحساسًا غريبًا بعدم الارتياح، بينما ظل شامل جالسًا، يتأمل ما جرى.
خرج شامل من مكتبه وهو يزفر بضيق، مدركًا أنه لن يحصل على ما يريد. لم يُضيّع وقتًا، فاتجه مباشرة إلى رائد ليخبره بالرفض.
حين وصله الخبر، انعقد حاجباه بضيق، لكنه لم يكن من أولئك الذين يقبلون بالرفض بسهولة. التقط هاتفه على الفور واتصل بليلى، عازمًا على تغيير قرارها بنفسه.
في تلك الأثناء، كانت ليلى مستلقية على الأريكة، تستمتع بلحظات من السكينة بعد يوم طويل. رن الهاتف، نظرت إلى الشاشة، وحين رأت الاسم، زفرت بضيق قبل أن تضغط على زر الحظر دون تردد.
لكن رائد لم يكن ممن يتراجعون بسهولة. لم تمر سوى لحظات حتى عاد الهاتف يرن مجددًا برقم آخر. تجاهلته في البداية، لكن الرنين استمر بإصرار مزعج. زمت شفتيها، حاولت التظاهر بعدم الاكتراث، لكن عندما فاض بها الكيل، التقطت الهاتف وردّت بنبرة حادة:
"إيه الزن ده؟! إنت ناوي تزهقني بجد؟ سيبني في حالي بقى، أنا مش فاضية للمسخرة دي!"
لم تنتظر ردًا، بل أنهت المكالمة دفعة واحدة، وألقت الهاتف بجانبها وهي تزفر بانفعال. لكن في أعماقها، شعرت أن الأمر لم ينتهِ بعد.
ألقت ليلى الهاتف بجانبها، تحاول استعادة هدوئها بعد المكالمة العاصفة. لكن بالكاد مرّت ثوانٍ حتى عاد الهاتف يرن مجددًا. رمقته بغيظ، ورفعت يدها لتضغط على زر الرفض مرة أخرى، لكن شيئًا ما جعلها تتوقف. الرقم مختلف هذه المرة.
ترددت للحظة، ثم التقطت الهاتف وردّت بلهجة جافة:
"نعم؟"
جاءها صوت هادئ، لكن يحمل نبرة ساخرة:
"يا ساتر يا رب! أمال اللي مزعلك ده يعمل إيه؟"
انتفضت في مكانها، وهي تحدّق في الرقم غير المسجل، ثم أعادت الهاتف إلى أذنها وسألت بتوجس:
"مين معايا؟"
سمعت ضحكة خافتة، ثم جاءها صوته من جديد:
"أكيد مش اللي كنتِ هتبلغي عنه بكرة. إلا صحيح، مين الرزل السمج اللي خلاكِ تخرجي عن شعورك بالشكل ده؟"
شعرت بتوتر غريب يسري في أوصالها. ازدردت ريقها قبل أن تكرر السؤال بصوت أكثر حذرًا:
"مين معايا؟"
وهذه المرة، جاءها الرد واضحًا وقاطعًا:
"رائد الذهبي يا آنسة ليلى."
اتسعت عيناها بصدمة، بينما تسارعت أنفاسها رغم محاولاتها التماسك. عدّلت جلستها وردّت بصوت منخفض متحفظ:
"أهلاً يا أستاذ رائد. خير؟"
ابتسم رائد، وكأن ابتسامته تسللت عبر الهاتف وهو يرد بنبرة هادئة:
"الخير كله عندك. بس كنت حابب أتكلم معاك شوية، بس شكلك مش في مود الكلام."
زمت شفتيها وردّت بحزم:
"فعلاً. الوقت متأخر ومافيش داعي للاتصال."
لكنه، وبكل ثقة، أجاب:
"ماشي، يا آنسة ليلى. بس لسه ما خلصتش كلامي معاكِ."
ثم أنهى المكالمة قبل أن تمنحه فرصة للرد، تاركًا إياها تتأمل الهاتف بين يديها، وهي غارقة في دوامة من التفكير والتوجس.
البدايات تبدو هادئة كنسيم الفجر، لكنها في جوهرها زلازل خفية، تزرع في القلب هواجس وأسئلة لا إجابة لها.
بعد أن أنهى رائد المكالمة فجأة، بقيت ليلى تحدّق في الهاتف بملامح متوترة. زفرت بقوة، وكأنها تحاول إخراج كل الضيق الذي تسلل إليها مع صوته. ألقت الهاتف بجانبها، وأسندت رأسها إلى مسند الأريكة، تغمض عينيها للحظات، ثم تمتمت بضيق:
"إيه اللي عايزه الراجل ده مني؟ مش المفروض إنه يسيبني في حالي؟"
مررت أصابعها في شعرها بتوتر، وأخذت نفسًا عميقًا، تحاول تهدئة أفكارها التي بدأت تتصارع داخلها. ثم عادت تخاطب نفسها بصوت خافت:
"طب هو أنا كنت غلطانة لما كنت حادة معاه؟ يمكن كان لازم أتكلم بهدوء أكتر… بس إزاي؟ إزاي أكون هادية مع حد بالشكل ده؟ لا، اللي عملته كان لازم. لازم يعرف إن ليَّ حدود."
نهضت بتوتر، وسارت نحو النافذة. أزاحت الستارة قليلًا ونظرت إلى الشارع المظلم، حيث الأضواء الخافتة والمباني الصامتة بدت وكأنها تراقبها في صمت ثقيل.
"كل حاجة برة هادية… لكن جوايا؟ الدنيا مقلوبة. المكالمة دي أكيد مش هتكون الأخيرة، أنا عارفة نوعه، النوع اللي ما بيعرفش يقول كفاية."
عادت لتجلس أمام مكتبها، تحدّق في كومة الأوراق التي تنتظرها منذ الصباح. مدّت يدها إلى القلم، لكن يدها توقفت في الهواء، وكأن شيئًا ما بداخلها يمنعها من المضي قدمًا… وكأن رائد، رغم انتهاء المكالمة، لا يزال حاضرًا في أفكارها.
"طب أنا المفروض أركز إزاي دلوقتي؟ أكتب دروس إزاي وأنا عقلي مش فيهم؟"
دفعت ليلى نفسها للخلف، وأسندت رأسها إلى ظهر الكرسي، بينما تشابكت يداها أمامها. همست لنفسها بصوت ضعيف:
"ليلى… فوقي بقى! انتي أقوى من كده. ما تخليش حد زي ده يهزك. عيشي حياتك زي ما انتي عايزة، لا يهمك مين هو ولا إيه بيخطط له."
أخذت نفسًا عميقًا وهي تمسك بالقلم من جديد، تحاول أن تكتب شيئًا على الورق أمامها، لكن عقلها ظل مشغولًا، وكأن شيئًا غامضًا يثقل عليها. شعور بأن المكالمة لم تكن مجرد إزعاج عابر، بل بداية شيء أكبر… شيء لا تستطيع التحكم فيه.
في وقت لاحق، داخل سيارة شامل.
ساد الصمت في السيارة، بينما كان يقودها بهدوء، غارقًا في تفكير عميق. لم يكن الأمر يتعلق فقط برفض ليلى، بل بكل ما جرى اليوم… بالمكالمة التي تلقاها، وبنظرات نيرفانا التي لم تفارقه.
ألقى نظرة سريعة على نيرفانا، التي جلست بجانبه، شاردة الذهن. حاول أن يقرأ تعابيرها، ثم قال بنبرة خفيفة، محاولًا كسر الصمت:
"إيه يا نيرفانا؟ شكلك كده ليه؟ فين حماستك؟"
نظرت إليه بعينيها اللامعتين، تحمل في داخلهما شيئًا لم تفصح عنه. ابتسمت، لكنها كانت ابتسامة محايدة، وقالت بصوت هادئ يكاد لا يُسمع:
"مافيش حاجة يا أونكل شامل."
راقب شامل ملامحها بحذر، ثم قال بلطف وهو يحاول أن يبعث الطمأنينة في صوتها:
"لو في حاجة مضايقاكي، قوليلي، أنا هنا عشانك."
لكن نيرفانا لم تجب، بل أشاحت بوجهها نحو النافذة، وكأنها تحاول الهروب من الحديث، تاركة شامل يتساءل عمّا يدور في رأسها… وعن السبب الحقيقي لهذا التوتر.
داخل السيارة، كان شامل يقود في صمت، بينما جلست نيرفانا بجواره، تحدق عبر النافذة بشرود. لم يكن هذا الصمت طبيعيًا، ولم يكن يشبه الأجواء المعتادة بينهما.
بعد دقائق من التردد، زفر شامل ببطء وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل شيئًا من الحذر:
"حاولت أكلم مس ليلى النهارده… طلبت منها تكون معلمتك الخصوصية."
التفتت نيرفانا إليه بلمحة دهشة سرعان ما أخفتها، ثم سألت بهدوء مصطنع:
"وهي قالت إيه؟"
شامل نظر إليها للحظة قبل أن يعيد عينيه إلى الطريق، ثم قال بلا مواربة:
"رفضت."
لم تُظهر نيرفانا أي رد فعل فوري، لكن أصابعها تشبثت بحقيبتها قليلاً، ثم سألت بصوت هادئ لكنه كان يحمل خلفه فضولًا لا يمكن إخفاؤه:
"ليه؟"
هزّ شامل كتفيه بخفة، مجيبًا بنبرة محايدة:
"قالت إنها مشغولة، وإن وقتها مشغول بمسؤوليات تانية، ومش هتقدر تضيف حاجة جديدة."
ساد الصمت مجددًا، لكن هذه المرة كان أكثر ثقلًا. حدقت نيرفانا في النافذة، وكأنها تستوعب الأمر ببطء، ثم تنهدت قائلة:
"طب أنا هقول لبابي، وأكيد هو هيعرف يقنع مس ليلى."
ابتسم شامل ابتسامة باهتة، وقال بنبرة خالية من الاهتمام الحقيقي:
"ممكن… بس هي كانت واضحة جدًا في كلامها."
لم تعلق نيرفانا، بل اكتفت بإيماءة صغيرة قبل أن تقول:
"شكراً، أوك. أنا هانزل دلوقتي."
أوقف شامل السيارة أمام بوابة المنزل، لكنه قبل أن تتجه نيرفانا لفتح الباب، قال بنبرة أهدأ قليلًا:
"نيرفانا…"
التفتت إليه ببطء، فتابع بنبرة لم تخلو من الاهتمام الصادق:
"إنتي كويسة؟"
حافظت نيرفانا على تعبيرها المحايد، ثم أجابت ببساطة:
"أنا تمام، ليه السؤال ده؟"
ابتسم شامل بخفة، لكنه لم يجب مباشرة، بل قال بصوت يحمل لمحة من الجدية:
"ما أعرفش، بس حاسس إنك مش على طبيعتك."
لم تجبه نيرفانا، بل اكتفت برفع حاجبيها وكأنها تفكر في رد مناسب، قبل أن تحسم الأمر بقولها:
"أنا تمام يا أونكل شامل، متشكر على سؤالك."
هزّ رأسه موافقًا، وقال وهو يشير لها أن تنزل:
"تمام، خلي بالك من نفسك."
أومأت نيرفانا برأسها، ثم فتحت الباب ونزلت بخطوات ثابتة، لكن ذهنها ظل معلقًا بتلك المكالمة التي أجراها شامل… وبرفض ليلى الذي لم تستطع أن تفهم سببه الحقيقي بعد.
انطلق شامل بسيارته، لكنه لم يكن في طريقه إلى شقة سرية أو إلى لقاء خفي… بل كان ذهنه يطارد فكرة أخرى تمامًا. لم يكن مقتنعًا أن ليلى رفضت لمجرد أنها مشغولة، وكان يدرك جيدًا أن الأمر يحمل أبعادًا أخرى، أبعادًا ربما لم تدركها حتى نيرفانا نفسها بعد.
في صباحٍ مشرق، وقفت نيرفانا بجوار سيارة والدها، تتأمل المدرسة بنظرات مترددة، بينما كان رائد يقفل باب السيارة قبل أن يلتفت إليها قائلاً بنبرة عملية:
"يلا يا نيرفانا، مش عايزين نتأخر."
لكن نيرفانا لم تتحرك فورًا، كانت تفكر في كلمات شامل الليلة الماضية، وكيف أخبرها برفض ليلى أن تكون معلمتها الخصوصية. ترددت للحظة قبل أن تقول بصوت خافت:
"بابي، ممكن أطلب منك حاجة؟"
نظر إليها رائد باهتمام، وأشار لها أن تستمر. زفرت نيرفانا بضيق وقالت:
"كنت عايزة مس ليلى تكون بتشرح لي في البيت، بس هي رفضت. ممكن تكلمها إنت؟ أكيد هتسمع كلامك."
ارتفع حاجب رائد قليلًا، وكأنه يستوعب الفكرة، ثم سألت عيناه بفضول:
"هي رفضت ليه؟"
هزت نيرفانا كتفيها قائلة ببراءة:
"مشغولة، أو يمكن مش عايزة تدرس لحد برا المدرسة. مش عارفة."
صمت رائد للحظة، لكنه لم يُظهر انزعاجًا. على العكس، ظهر على وجهه تعبير مدروس، كأنه يعيد حساباته بشأن الأمر. ثم قال بنبرة هادئة لكن حازمة:
"ما تقلقيش. أنا هتصرف."
ابتسمت نيرفانا، وشعرت براحة طفيفة، قبل أن تسير معه نحو بوابة المدرسة، غير مدركة أن كلماتها تلك كانت كافية لتشعل في ذهن والدها فكرة جديدة تمامًا.
داخل المدرسة، تحديدًا في غرفة المعلمين.
كانت ليلى تجلس إلى مكتبها الصغير، تدون بعض الملاحظات في كشكولها، حين طُرق الباب. رفعت رأسها، لتجد المدير يُطل عليها بابتسامة رسمية:
"مس ليلى، ممكن لحظة؟ في حد عايز يقابلك."
قطبت حاجبيها قليلًا قبل أن تنهض متسائلة:
"مين؟"
لكن المدير لم يُجب مباشرة، فقط أفسح الطريق لرائد الذهبي الذي دخل بخطوات هادئة وواثقة، واضعًا يديه في جيبي سترته. اتسعت عينا ليلى للحظة، لكنها سرعان ما استعادت هدوءها، فردّت بتحفظ:
"خير، رائد بيه؟"
ابتسم رائد، ونظر إلى المدير قائلاً بنبرة تحمل أمرًا خفيًا:
"ممكن تسيبنا دقيقتين، لو سمحت؟"
تردد المدير قليلًا، لكنه انسحب في النهاية، تاركًا ليلى ورائد بمفردهما في الغرفة.
رفعت ليلى رأسها، ناظرة إليه نظرة تحمل في طياتها نفورًا خفيفًا، ثم قالت:
"أنا مشغولة، ياريت توضح لي سبب وجودك بسرعة."
أشار رائد بيده إلى أحد الكراسي قائلاً بنبرة هادئة:
"مش هنطوّل، بس كنت حابب أفهم منك حاجة."
لم تجلس ليلى، بل ظلت واقفة واضعة ذراعيها أمام صدرها في وضع دفاعي. أدرك رائد أنها لن تُسهل الأمر، فابتسم وقال مباشرة:
"سمعت إنك رفضت تدرّسي لنيرفانا في البيت."
رفعت ليلى حاجبها ببطء، قبل أن ترد بثبات:
"صحيح. عندي التزامات كتير، ومش متاحة للدروس الخصوصية."
صمت رائد للحظة، كأنه يزن كلماتها، ثم قال بنبرة منخفضة لكنها ذات ثقل:
"ولا علشان الطلب جاي من بنتي؟"
نظرت إليه ليلى بحدة، وشعرت وكأنه يحاول استدراجها إلى فخ غير مرئي، فقالت بحزم:
"السبب واضح، ومافيهوش حاجة شخصية."
مال رائد برأسه قليلًا، كأنه يختبر رد فعلها، ثم قال بنبرة تحمل مزيجًا من الإصرار واللعب على الأعصاب:
"طب، ولو كان فيه عرض مغري يخليك تفكري تاني؟"
تصلبت ملامح ليلى على الفور، وقالت بحزم قاطع:
"أنا مش بشتغل بالفلوس، ولا قراري بيتغير بالعروض."
ضحك رائد بصوت خافت، ثم قال وكأنه يخاطب نفسه:
"واضح إنك عنيدة أكتر مما كنت متخيل."
نظرت إليه ليلى ببرود، وقالت بنبرة جافة:
"خلصت كلامك يا رائد بيه؟"
نهض رائد من مكانه ببطء، ثم قال بنبرة غامضة قبل أن يغادر:
"تمام، مش هضغط عليكِ أكتر. بس خدي بالك، يا مس ليلى... أحيانًا، الفرص اللي بترفضيها، بترجع لكِ تاني بطريقة مختلفة."
راقبته ليلى وهو يخرج من الغرفة، وعقلها يُعيد كلماته الأخيرة، محاولة أن تتجاهل الإحساس الذي تركه في الجو بعد مغادرته.
دخلت ليلى الغرفة بخطوات متوترة، خلعت وشاحها بسرعة وألقت حقيبتها على الطاولة بنفَس ضيق. كانت عائشة، زميلتها، جالسة على أحد المقاعد، منشغلة بترتيب بعض الأوراق، لكنها رفعت رأسها فور أن لاحظت توتر ليلى.
"مالك يا ليلى؟ شكلك مش مرتاحة."
"لا، مافيش... شوية صداع بس."
"صداع؟ شكلك مش طبيعي خالص! إنتِ متوترة، في حاجة حصلت؟"
ترددت ليلى للحظة، وكأن عقلها يعيد ترتيب الكلمات قبل أن تخرج، لكنها في النهاية فضّلت أن تحتفظ بما جرى لنفسها.
"بجد مافيش حاجة، بس ضغط الشغل النهارده كان زيادة شوية."
"إنتِ متأكدة؟ مش عوايدك تكوني شاردة كده!"
أخذت ليلى نفسًا عميقًا، ثم ردت بنبرة حاولت أن تجعلها عادية:
"كل شيء تمام، متقلقيش."
لكن داخلها كان يعج بالفوضى. كلمات رائد لا تزال تتردد في ذهنها، ونظرته الواثقة لم تفارق مخيلتها. كانت تعلم أن هذا اليوم لم يكن كأي يوم آخر، وأنها، بطريقة ما، قد أصبحت في دائرة لم تكن تريد أن تدخلها.
في الصباح الباكر، وسط صمت الشقة الخانق، جلست يقين على طرف الأريكة، تتأمل الفراغ أمامها بعينين شاردتين. كانت تشعر أن شيئًا ما يتحرك في حياتها خارج نطاق سيطرتها، كأنها خيط رفيع في يد مجهولة.
لم يكن الأمر مجرد قلق عابر، بل كان ثِقَلًا يجثم على صدرها منذ رأت رائد يغادر مع نيرفانا. لم يكن خوفًا صريحًا، لكنه كان شعورًا غامضًا بأن شيئًا ما يتغير، وأن هذا التغيير قد لا يكون لصالحها.
أمسكت هاتفها بتردد، تفكر في الاتصال بشامل. لم تكن تحب فكرة الاعتماد على أحد، لكنها في تلك اللحظة، كانت بحاجة إلى صوت مألوف يُطمئنها أن الأمور لم تنحرف عن مسارها تمامًا.
ضغطت زر الاتصال، وانتظرت. جاءها صوته بعد ثوانٍ، هادئًا لكنه يحمل بقايا إرهاق لم تخطئه أبدًا.
"صباح الخير، يقين. مالك؟"
قالت بسرعة، وكأنها تخشى أن تفقد شجاعتها:
"ممكن تيجي الشقه بتاعتي ؟"
صمت شامل للحظة، وكأنما كان يزن طلبها، ثم رد بلطف:
"خلاص، هدبر وقتي وأجي."
لم يطل انتظارها. بعد دقائق، سمعت صوت طرقات خفيفة على الباب، فتحت بسرعة، فوجدت شامل واقفًا أمامها بملامح هادئة، لكن عينيه كانتا تدرسان وجهها.
دخل وأغلق الباب خلفه، بينما بقيت هي واقفة للحظات، كأنها تحاول استجماع أفكارها. تقدم نحوها بخطوات ثابتة، ثم سأل بصوت منخفض:
"إيه اللي حصل؟"
جلست على الأريكة، وأسندت رأسها إلى يدها، قائلة بصوت متعب:
"حاسّة إن كل حاجة بتخرج من إيدي. وكأن الدنيا بتدور حواليا وأنا مش قادرة أوقفها."
جلس شامل أمامها، متأملًا وجهها لبعض الوقت قبل أن يقول بهدوء:
"إنتِ مش لوحدِك، يا يقين."
رفعت عينيها لتلتقي بعينيه، محاولة أن تستشف منه إجابة على أسئلتها المبعثرة. لكنها لم تقل شيئًا. فقط، سمحت لذلك الشعور الغريب بالاستقرار في قلبها... أن هناك من لا يزال بجانبها، حتى لو لم تكن متأكدة إن كان وجوده سيغير شيئًا.
رفعت عينيها إليه، تبحث في ملامحه عن شيء تطمئن له، ثم تنهدت قائلة:
"أنا مش خايفة من الطريق، خايفة من اللي ممكن نلاقيه في آخره."
ابتسم شامل ابتسامة خفيفة وقال بنبرة واثقة:
"مهما كان اللي مستنينا هناك، إحنا مش هنكون لوحدنا."
صمتت يقين للحظة، كأنها تزن كلماته، ثم نهضت بتثاقل وهي تقول:
"تعالَ، هعمل لك قهوتك. لسه بتحبها سادة، صح؟"
ضحك شامل وهو يلحق بها نحو المطبخ:
"طبعًا، ولو عملتيها بزيادة سكر، هعتبرها إعلان حرب."
ضحكت يقين بخفة، لأول مرة منذ الصباح، وشعرت بشيء من الراحة. ربما لم تتغير الأوضاع كثيرًا، لكن مجرد وجوده بجانبها كان كافيًا ليجعلها تشعر أن الطريق، مهما كان مظلمًا، يمكن قطعه حين يكون هناك من يسير بجانبك.
رائد لم يكن الرجل الذي يقبل بالرفض بسهولة، خاصة حين يتعلّق الأمر بشيء يريده. ومنذ آخر مواجهة بينه وبين ليلى، وهو يدرك أنها تحاول تجنبه بأي وسيلة. لكن هذا زاد من إصراره على وضع الأمور في نصابها، بطريقته الخاصة.
قرر استخدام نفوذه. لم يكن يريد أن يراها في المدرسة حيث يمكن أن تتملص بسهولة، ولم يكن من النوع الذي ينتظر المصادفات. لذا، استغل سلطته ونفوذه، وأرسل طلب استدعاء رسمي من إدارة المدرسة يطلب حضورها إلى مكتبه، بحجة "مناقشة أمر يخص مستقبلها المهني".
عندما تلقت ليلى الإشعار، شعرت بالريبة. لم يكن لديها أي مشاكل مهنية تستدعي لقاءً رسميًا مع ولي أمر، لكنها لم تجد مبررًا لرفض الطلب. وصلت إلى العنوان المحدد، حيث وجدت نفسها داخل أحد مقرات شركات رائد الذهبي، وليس في أي مكان محايد كما توقعت.
عند دخولها، استقبلتها سكرتيرته بابتسامة رسمية وقالت:
"رائد بيه مستني حضرتك جوه."
ارتبكت ليلى، لكنها تماسكت ودخلت المكتب بثبات. وما إن أغلقت الباب خلفها، حتى وجدت رائد جالسًا في هدوء، ينظر إليها بنظرة عميقة لم تستطع فك شفرتها.
"صباح الخير يا آنسة ليلى، أهلاً بيكِ."
"صباح النور يا رائد بيه، إزاي حضرتك؟"
أشار رائد إلى الكرسي المقابل وهو يعدل جلسته:
"الحمد لله، كل شيء تمام. اتفضلي اقعدي."
عندما جلست ليلى أمامه، كانت تشعر بالضيق والانزعاج. منذ أن دخلت هذا المكان، وهي تحاول أن تفهم لماذا اختار استدعاءها هنا وليس في المدرسة، ولماذا هذا الأسلوب الرسمي المفاجئ؟
للحظات، لم يقل شيئًا، فقط نظر إليها نظرة ثابتة جعلت الصمت بينهما يثقل الأجواء. فقطعته بصوت جاد:
"حضرتك باعتلي علشان نيرفانا، صح؟ خير؟"
ارتسمت ابتسامة جانبية على شفتي رائد، وكأنه توقع ردها تمامًا، ثم قال بهدوء، محاولًا تلطيف الأجواء:
"بصراحة... الموضوع مش عن نيرفانا. هي بنتي وأنا عارف مصلحتها كويس."
انعقد حاجبا ليلى في استغراب، وردت بتركيز:
"طيب، مش فاهمة... إيه سبب اللقاء إذن؟"
عدل رائد وضع جلوسه قليلًا، مستندًا بمرفقه على المكتب، وعيناه معلقتان بها بثقة:
"عايزك تفكري في مستقبلك، وفي اللي ممكن يكون أفضل ليكِ."
عقدت ليلى حاجبيها في حيرة، ثم قالت:
"حضرتك تقصد إيه؟ أنا مرتاحة في شغلي ومليش رغبة في تغييره."
"أنا مش راجل بحب المقدمات الطويلة، وعشان كده هقولها على طول... أنا عايزك تكوني جزء من حياة نيرفانا بشكل أكبر."
"علشان كده هقولها مباشرة: أنا عايز أتجوزك، يا ليلى."
اتسعت عينا ليلى في صدمة لم تستطع إخفاءها، وكأن الكلمات ضربتها في الصميم. للحظة، شعرت أن عقلها قد توقف عن العمل، قبل أن تتلعثم قائلة بصوت مبحوح:
"إنت... عايز تتجوزني أنا؟!"
هز رائد رأسه بتأكيد، وعيناه لا تزالان مسمرة عليها بثبات:
"أيوة، وبكل وضوح."
بدأ قلبها يخفق بسرعة، ويديها تشددان قبضتهما على حقيبتها الصغيرة، وكأنها تحاول التمسك بأي شيء يمنعها من الانجراف في دوامة أفكارها. حاولت أن ترد، أن تجد إجابة تخرق حاجز الذهول الذي حاصرها.
ساد الصمت للحظات، لكنه لم يكن صمتًا عاديًا، بل كان أشبه بعاصفة مشاعر مكبوتة تبحث عن مخرج. ليلى، التي كانت تتجنب أي احتكاك معه خارج نطاق عملها، وجدت نفسها الآن في قلب موقف لم تحسب له حسابًا.
تنفست بعمق، وحاولت أن تستعيد رباطة جأشها وهي تقول ببطء:
"رائد بيه، أنا مش فاهمة... إنت عارف إن حياتنا مختلفة تمامًا. وإحنا أصلًا..."
قاطعها رائد بهدوء لكنه كان يحمل شيئًا من الحزم:
"وإيه المشكلة؟ الاختلاف مش عائق، بالعكس... هو اللي خلاني أشوفك بطريقة مختلفة."
ثم مال إلى الخلف في كرسيه، ورفع إحدى حاجبيه وهو يضيف بنبرة واثقة:
"أنا راجل واضح، وما بحبش ألف وأدور. لو فكرتي بعقل، هتعرفي إن ده القرار الصح ليكِ وليا."
ظلت ليلى تنظر إليه بذهول، غير قادرة على تصديق أنه يتحدث بهذه الطريقة الجادة عن شيء لم يخطر لها على بال. لكن في داخلها، كانت تدرك جيدًا أن هذا ليس مجرد عرض... بل هو قرار اتخذه رائد الذهبي، والرجل الذي يأخذ قرارًا، نادرًا ما يتراجع عنه.
في اللحظة التي همّت فيها ليلى بالرد، دق هاتف رائد، فقطع الصمت المشحون بينهما. ألقى نظرة خاطفة على الشاشة، ثم ابتسم بخبث وهو يردّ:
"كويس إنكِ لسه ما قلتيش لا... لأن عندي حاجة تانية ممكن تغيّر رأيك."
ثم أشار بيده نحو الباب، ليُفتح فجأة... وتظهر أمامه مفاجأة لم تتوقعها ليلى أبدًا.
فتحه أحد حراسه بهدوء... لتدخل نيرفانا، ابنته، إلى المكتب. كانت عيناها تبحثان عن ليلى مباشرة، ووجهها يعكس مزيجًا من الترقب والفضول.
وقف رائد من مكانه، واتجه ناحية ابنته قائلاً بصوت يحمل دفئًا غير معتاد:
"كنت مستني اللحظة المناسبة علشان أقولك... بس بما إننا في النقاش ده، حبيت إنك تسمعي حاجة بنفسك."
نظرت ليلى إلى نيرفانا التي تقدمت بخطوات ثابتة، ثم قالت بصوت هادئ لكنه جاد:
"مس ليلى، أنا سمعت إنكِ رفضتي تبقي مدرسة خصوصي ليا... بس بابي بيقول إنك ممكن تبقي حاجة أهم من كده."
اتسعت عينا ليلى بذهول، وقلبها بدأ ينبض بعنف، وكأنها استوعبت الآن فقط أن هذا ليس مجرد عرض زواج عادي، بل خطة محكمة رسمها رائد بعناية، ليجعلها أمام خيارين لا ثالث لهما: القبول أو... الانسحاب إلى الأبد.
نظر رائد إليها بابتسامة جانبية، ثم قال بصوت هادئ لكنه محمّل بالثقل:
"كنتِ دايمًا بتقولي إن علاقتك بنيرفانا هي السبب في رفضك أي حاجة تانية... دلوقتي، بقولك إنها السبب في إني مش مستعد أقبل رفضك."
لم تجد ليلى ما تقوله، كانت المفاجأة أكبر من أن تستوعبها في لحظتها. هل كان هذا اختبارًا لها؟ أم أن رائد بالفعل قد جعل الأمر واقعًا لا يمكنها تغييره؟
صمت ثقيل، وملامح متجمدة على وجه ليلى، بينما رائد يراقبها بعينين لا تعترفان بالرفض.
رواية قلب السلطة الفصل التاسع 9 - بقلم مروة البطراوي
ابتسم "رائد" ابتسامة جانبية وهو يراقب تعابير الصدمة على وجه ليلى، بينما نيرفانا تجلس بجواره بترقب واضح.
"شكلك مصدومة، ليلى. مكنتيش متوقعة، صح؟"
حاولت ليلى الحفاظ على هدوئها، لكنها لم تستطع إخفاء ارتباكها وهي تقول:
"مش مستوعبة... حضرتك بتتكلم في جواز! حاجة المفروض يبقى وراها مشاعر وتفاهم، مش مجرد قرار منطقي!"
نظرت نيرفانا إليها بعينين واسعتين، وقالت بصوت خافت لكنه واثق:
"مس ليلى، أنا بحبك جدًا... وبابا قال إن ده هيكون الأفضل لينا كلنا."
شعرت ليلى بأن رائد يستخدم ابنته كورقة ضغط، لكن رغم ذلك ابتسمت لنيرفانا بمحبة وردّت برفق:
"نيرفانا، حبيبتي، الجواز مش قرار سهل، ولازم الواحد يكون مقتنع بيه تمامًا."
تدخل رائد بنبرة هادئة لكن حاسمة:
"وأنا متأكد إنك لو فكرتي بعقل، هتعرفي إنه القرار الصح."
رفعت ليلى حاجبيها باستنكار، ثم قالت بنبرة أكثر صلابة:
"حضرتك مش بتطلب رأيي، إنت بتفرض واقع!"
كان في نبرتها رفض واضح، وهو ما لم يفت على رائد، فالتفت إلى ابنته قائلاً بصوت رقيق لكنه يحمل أمرًا مبطنًا:
"حبيبتي، روحي استنيني برا لحد ما أخلص كلامي مع مس ليلى."
نظرت نيرفانا إليه باستغراب، ثم إلى ليلى، قبل أن تنهض ببطء وتقول:
"بس..."
قاطعها رائد بابتسامة مطمئنة:
"متقلقيش، مش هطوّل."
ترددت نيرفانا للحظة، ثم غادرت، لتُغلق الحارسة الباب خلفها. بمجرد أن أصبحت الغرفة خالية، تحولت الابتسامة على وجه رائد إلى شيء آخر... أكثر جدية، وأكثر إصرارًا.
"دلوقتي بقى، نقدر نتكلم بجد."
شعرت ليلى بقشعريرة باردة تسري في جسدها، لكنها تماسكت وهي ترد بحزم:
"أنا مش محتاجة وقت للتفكير، وإجابتي هي نفس الإجابة اللي كنت هقولها قدام بنتك... أنا مش موافقة!"
اتكأ رائد إلى الخلف، أشعل سيجاره بهدوء، ثم قال بصوت منخفض لكنه محمّل بالثقل:
"هتشوفي."
وقفت ليلى محاولة إنهاء الحديث، لكن نظرته كانت تخبرها أنه لا يقبل الرفض بسهولة. ورغم ذلك، لم تتراجع وهي تقول بثبات:
"لو كنت متعود إن كل حاجة تمشي زي ما انت عايز، فأحب أقولك إنك أول مرة تقابل حد مش هيمشي حسب خطتك."
ظل رائد ينظر إليها بصمت، وكأنه يزن كلماتها، ثم تمتم مبتسمًا:
"وابتدا المشوار."
***
ليل المدينة كان مختلفًا...
لم يكن هادئًا كليل القرى، لكنه لم يكن صاخبًا أيضًا. الأضواء المتراقصة فوق اللافتات، وأصوات السيارات المتقطعة، كلها صنعت إيقاعًا خاصًا. ومع ذلك، في غرفة صغيرة بأحد الأحياء، كان الصمت هو السيد.
جلست "ليلى" وحيدةً، في الظلام إلا من نور خافت يتراقص على مكتبها الخشبي. عيناها كانتا شاخصتين نحو الفراغ، فيما كانت الأفكار تتزاحم في رأسها بلا هوادة، كأنها دوامة لا تهدأ.
"ليه كل حاجة قلبت فجأة؟ أنا كنت عايشة حياتي عادي، ولا ليّ دعوة بحد. مكنتش بفكر في حاجة غير شغلي ومستقبلي. لحد ما ظهر... رائد."
وضعت رأسها بين يديها، تحاول إيقاف زحف الأفكار، لكنها لم تستطع. نهضت ببطء واتجهت إلى النافذة. فتحتها قليلًا، فاستقبلها هواء الليل البارد، وجعل خصلات شعرها تتمايل بخفة. حدقت في الأضواء المتناثرة أسفلها، لكن عقلها لم يكن معها.
"كل مرة بحاول أفهمه، ألاقي نفسي متلخبطة أكتر. هو عايز مني إيه؟ اهتمام؟ سيطرة؟ ولا حاجة تانية أنا مش مستوعباها؟!"
توقفت قليلًا، تنظر إلى السماء الملبدة بالغيوم، ثم أردفت بصوت خافت:
"ليه نظراته دايمًا بتحاصرني؟ ليه كأنه دايمًا عارف أنا بفكر في إيه قبل ما أقوله؟"
أغلقت النافذة فجأة، كأنها تخاف أن يطاردها ظله حتى هنا. عادت إلى سريرها وجلست على طرفه، تحتضن نفسها بذراعيها، كأنها تبحث عن دفء مفقود وسط برودة مشاعرها المتضاربة.
***
وفي الجهة الأخرى من المدينة...
كان الليل أكثر سكونًا. في حي أكثر رفاهية، وفي شقة فسيحة تعلو المباني الأخرى، وقف "رائد الذهبي" أمام نافذته الواسعة، يراقب الأفق. الأضواء المنبعثة من المدينة انعكست على زجاج النافذة، بينما كان يدخن سيجارته ببطء، عيناه نصف مغمضتين، وكأنه يزن أفكاره.
أمامه كوب قهوة بارد لم يمسّه، لكن السيجارة كانت تحترق بين أصابعه ببطء، كما لو كانت تعكس صبره اللامتناهي.
"ليلى... البنت دي مختلفة. مش زي أي واحدة قابلتها قبل كده. فيها حاجة غريبة... يمكن خوفها؟ يمكن تحديها؟ أو يمكن... لأنها الوحيدة اللي مش مستوعبة أنا عايز إيه."
سحب نفسًا عميقًا من سيجارته، ثم أطلق الدخان ببطء، وعيناه لا تزالان مسلطتين نحو البعيد.
"هي بتحاول تفهم، بتحاول تهرب... بس أنا مش هديها الفرصة. عارف إنها بتفكر فيا دلوقتي... زي ما أنا بفكر فيها."
ابتسم ابتسامة جانبية وهو يرمي بسيجارته في المنفضة، ثم أدار ظهره للنافذة وسار بخطوات هادئة نحو مكتبه، كأنه قرر شيئًا.
"الموضوع ما بدأش لسه... ولسه اللي جاي أهم."
ثم التقط هاتفه، وضغط رقمًا سريعًا...
***
كانت المدينة تتلألأ بأضوائها، صاخبة بحركتها المستمرة، لكن داخل شقة رائد، كان الصمت سيد الموقف. وقف عند النافذة، يراقب الأضواء المتناثرة كأنها خرائط مرسومة لمصائر البشر، بينهم شخص واحد فقط كان يشغل تفكيره.
مد يده إلى جيب سترته، وأخرج هاتفه، ضغط رقمًا سريعًا ووضعه على أذنه. لم ينتظر طويلًا حتى جاءه الرد.
"كل حاجة تحت السيطرة؟"
جاءه الصوت من الطرف الآخر، ثابتًا كالمعتاد:
"أيوه يا فندم، كل حاجة زي ما طلبت بالظبط."
"بتعمل إيه دلوقتي؟"
"رجعت بيتها من ساعة، ما خرجتش تاني. قعدت فترة عند النافذة، شكلها كانت بتفكر في حاجة، وبعدها قفلت النور تقريبًا ونامت."
"كويس… فضّل متابع كل تحركاتها. عاوز أعرف بتكلم مين، بتروح فين، وبتفكر في إيه. أي حاجة جديدة، تبلغني فورًا."
"حاضر، مفهوم."
أغلق رائد الهاتف ببطء، وعاد ببصره إلى النافذة، حيث المدينة التي لم تهدأ، تمامًا كعقله الذي لا يكف عن التخطيط.
"أنا مش محتاج أستعجل… كل خطوة محسوبة. هي مش فاهمة إن وجودها في حياتي مش صدفة… لا، ده جزء من كل حاجة أنا عايزها. وهي المفتاح."
وضع الهاتف على الطاولة، ثم توجه إلى مكتبه، حيث استلقى دفتره الأسود الصغير في مكانه المعتاد. فتحه، وكتب شيئًا جديدًا بجانب اسمها، ثم أغلقه مجددًا بابتسامة باردة.
"النهاية قريبة، ليلى… حتى لو إنتِ لسه مش شايفاها. الزمن ملكي… والخطوات كلها في صالحي."
***
في الجهة الأخرى من المدينة…
كانت ليلى لا تزال واقفة أمام نافذتها، عيناها تائهتان بين أنوار الشارع، لكنها لم تكن ترى سوى الأسئلة التي تدور في رأسها، وكأنها انعكاس لمخاوفها.
"هو أكيد قاعد دلوقتي، بيفكر في نفس الحاجة… هو دايمًا واثق كده ليه؟ أنا مش عارفة أهرب، ولا عارفة أواجه… بس، لحد إمتى؟"
أغلقت النافذة فجأة، كأنها تخاف أن تجد صورته منعكسة عليها، يبتسم لها بتلك الابتسامة التي تثير حيرتها أكثر مما تطمئنها. زفرت بضيق، ثم ألقت بجسدها فوق السرير، تحاول أن تغرق في النوم، لكن عقلها لم يكن مستعدًا للاستسلام.
***
اليوم التالي…
كان ضوء الشمس قد تسلل إلى غرفتها، لكن عيناها ظلتا مغمضتين حتى لحظة دخول والدتها، التي لم تكلف نفسها عناء الطرق على الباب.
"يا بنتي، إنتي لسا نايمة لحد دلوقتي؟ قومي بقى! بقينا بعد صلاة الجمعة!"
تقدمت إلى النافذة، وسحبت الستائر بعنف، فاندفعت أشعة الشمس إلى الداخل كأنها تجتاح هدوء الغرفة كله. تأففت ليلى وهي تنقلب على جنبها الآخر، محاولة الهروب من الضوء ومن صوت والدتها.
"إففف يا ماما! 100 مرة قلتلك ما بحبش أروح عند أختك، خصوصًا لو ابنها الرزل ده هناك. قفلي الستائر الله يرضى عليكي وسبيني أنام شوية، ده يوم إجازتي!"
"لأ، مافيش نوم. قومي يلا، وإنتي عارفة إنك مش المفروض تتكلمي كده عن ابن خالتك."
اعتدلت ليلى فجأة في سريرها، نظرت لوالدتها بغضب، وكأن هذا الحديث قد أخرجها عن صبرها.
"يا ماما، إنتي مش بتزهقي خالص؟ إحنا اتكلمنا في الموضوع ده 100 مرة! ابن خالتي ده زي أخويا، وقلتلك قبل كده، مش هتجوزه! مش هيحصل، فلا تحطي أملك نهائي على حاجة مش هتتغير."
"يا بنتي، ما حدش قال إنك لازم تعملي حاجة غصب عنك. بس قومي بقى، هنروح نتغدى عند خالتك، وأظن ده مش هيضايقك."
لم ترد ليلى، لكنها كانت تشعر أن حديث والدتها لم يكن مجرد كلام عابر… وكأن هناك شيئًا آخر يُحاك في الخفاء، شيء لا تريد أن تعرفه، لكنها تعلم أنها لن تستطيع تجنبه طويلًا.
***
كان الصمت قد عاد ليسيطر على الغرفة بعد الجدال القصير بين ليلى ووالدتها، لكن التوتر ظل معلقًا في الهواء، لم يهدأ بعد. من داخل غرفته، ظهر مهاب، أخوها الأصغر، وهو يمدد جسده متثائبًا، قبل أن ينظر إليهما بكسل.
"إيه ده؟ هو كل يوم جمعة لازم نصحى على خناقة؟"
"ما تدخلش، مش ناقصة سخافاتك."
"واضح إن نفس الموضوع بتاع كل أسبوع…" (يقلد صوت نيفين بسخرية) "يا بنتي، شوفي ابن خالتك، ده راجل محترم!" (ثم يغير نبرة صوته مقلدًا ليلى) "لأ يا ماما، مش هتجوزه، فاهمين ولا لأ؟!"
حدجته ليلى بنظرة نارية، بينما انفجرت نيفين في تأفف واضح.
"مهاب، قوم جهّز نفسك، هنروح عند خالتك، ومش عاوزة غلاسة منك."
"أنا مش جاي، عندي ماتش مع صحابي."
"مش بكيفك! هتيجي يعني هتيجي، مش كل مرة تهرب من العزومات!"
"طب ما أنا عارف النهاية… ليلى هتتنرفز، تخرب اليوم علينا، وفي الآخر نرجع كلنا بنفس الزهق اللي خرجنا بيه."
"ما فيش مشكلة، أنا كمان زهقت، بس أنا بقولها أهو… لو حد فتح الموضوع ده، برحمة أبويا يا ماما، هقوم وأمشي فورًا، مش هعمل اعتبار لحد، لا خالتي ولا غيرها."
"ماشي يا ستي، المهم قومي بقى بدل ما نتأخر!"
زفرت ليلى بضيق وهي تركل الغطاء بقدمها بعنف، ثم دخلت الحمام. الماء البارد على وجهها لم يخفف من شعورها بالتوتر. كانت تعرف أن هذه الزيارة لن تمر دون تعليقات أو محاولات جديدة لإقناعها بما ترفضه منذ البداية.
في الخارج، كان مهاب قد جلس مجددًا، يتابع شاشة هاتفه، قبل أن يلقي نظرة على والدته.
"هو ليه كل ما نحاول نجوزها، الموضوع بيقلب بحرب أهلية؟"
"يا ابني، أهي عنيدة… وكل مرة بتخلي الموضوع أكبر من حجمه."
"ممكن نفكر في حلول جديدة… نحبسها مثلًا؟"
نظرت إليه نيفين بضيق وضربته على ذراعه، فرفع يديه مستسلمًا وهو يضحك.
خرجت ليلى من غرفتها بعد أن تجهزت، وجهها لا يزال يحمل ملامح الضيق، لكنها مستعدة للمواجهة.
"إنت لسا هنا؟ ما كنت بتقول مش هتيجي؟"
"أهو إنتي السبب، لو كل مرة هنروح عندهم هيحصل فيها شغل دراما، يبقى لازم أحضر العرض!"
"ممتاز، لما يبدأ العرض متتريقش لما أطردك من المسرح."
ضحك مهاب بينما هزّت نيفين رأسها بيأس.
"طيب يا بنتي، خليها زيارة خفيفة وخلينا نمشي من غير مشاكل، أرجوكي."
خرجت العائلة من المنزل وسط صخب المدينة، وكلهم يعلم أن هذا اليوم لن يخلو من الحوار المتكرر والمواجهة الجديدة. لكن ليلى، في أعماقها، كانت موقنة أن رفضها لن يتغير… مهما حاول الجميع دفعها نحو طريق لا تريده.
***
عاد رائد إلى شقته بعد صلاة الجمعة، الأجواء في الخارج دافئة، والشمس تلقي بظلالها على أركان المدينة، لكن داخله كان هناك هدوء ثقيل، كهدوء ما قبل العاصفة.
دخل إلى غرفة المعيشة فوجد يقين منشغلة بتجهيز المائدة، رائحتها تعبق بالمكان، لكنها لم تكن كافية لتخفف من شعور غريب تسلل إليه فجأة، كأنه إحساس ناقص، شيء غير طبيعي.
"نيرفانا فين؟"
رفعت يقين نظرها إليه، ثم ردّت بلا اهتمام يُذكر:
"خرجت من بدري، قالت إنها هتقابل أصحابها."
ضاقت عيناه قليلًا، لم يكن هذا هو ما أثار شكوكه، بل طريقتها في قولها، كأنها تخفي شيئًا.
"وأنتِ وافقتي كده بكل بساطة؟"
"هي مش طفلة، وبعدين التغيير مطلوب، مش لازم تفضل قاعدة في البيت طول الوقت."
تحركت أصابعه ببطء فوق الطاولة أمامه، نظراته ظلت معلقة بها لثوانٍ قبل أن يسأل:
"مع مين بالضبط؟ والسواق معاها؟"
"لأ، أصحابها عدّوا خدوا العربية وراحوا مع بعض، وهيرجعوها لحد البيت، متقلقش."
ظل صامتًا للحظة، ثم أطلق زفرة قصيرة، وانحنى للأمام، يرتكز بمرفقيه على ركبتيه.
"أنا مش قلقان، لكن مش معنى كده إني سايب الحبل على الغارب."
"اتصلي بيها حالًا."
"رائد… ممكن يكون…"
"قلت… كلميها فورًا."
ارتجفت يدها وهي تلتقط الهاتف، ضربات قلبها تسارعت وهي تطلب الرقم… لكن المفاجأة كانت أن الهاتف مغلق.
نظر رائد إلى شاشة الهاتف أمامه، ثم وقف ببطء… نظرته كانت قاتلة، وجهه صار أشبه بظل الموت نفسه.
"لو كانت فاكرة إن المسافة تديها الحرية… فهي غلطانة."
صمت "رائد"، لكن شيء ما لم يرق له، إحساس داخلي يضغط على صدره، كأنما هناك قطعة من اللغز مفقودة.
بعد مرور ساعتين و تكليف شامل بالبحث عنها
فجأة، انفتح باب الشقة بعنف، ودخل "شامل" بخطوات سريعة، وجهه متجهم ونظراته تحمل قلقًا مكتومًا. التفت إليه "رائد" فورًا، عيناه تضيقان بتركيز.
"لقيتها؟"
"أيوة…
كانت فين."
"الحمد لله إنها مش في خطر…"
لكن "شامل" لم يكن مرتاحًا، وقف أمام "رائد" ثم أخرج هاتفه، قلب الشاشة ببطء ثم مدها إليه.
"بما إنك سألت كانت فين… شوف بنفسك."
نظر "رائد" إلى الشاشة، وعلى الفور تجمدت ملامحه. لم تكن صورة، بل مقطع صوتي…
ضغط على زر التشغيل، فجاءه صوت "نيرفانا" وهي تضحك، ضحكة مسترخية خالية من أي توتر، ثم تلاه صوت شاب يقول لها بمزاح:
"كنتي وحشاني، عارفة؟"
ثم صوتها مجددًا، وهي ترد بنفس النبرة المرحة:
"وأنت كمان!"
لم يكن محتاجًا لسماع المزيد. أطفأ التسجيل، ثم رفع رأسه ببطء، وجهه صار كقطعة من الجليد، لكن عينيه اشتعلتا بنار لا ترحم.
وقف بهدوء، خطواته محسوبة، كأنما يزن كل حركة قبل أن يقوم بها.
"جبت التسجيل ده منين؟"
"واحد من رجالتك كان قريب من المكان، شافها بالصدفة، وحب يتأكد الأول قبل ما يبلغك، فصور فيديو صغير وهي قاعدة مع الولد ده وسجل المكالمة دي."
"ورجالتي سايبينها كده؟"
"لما عرفوا إنها مش في خطر، بقوا مستنيين أوامرك."
نظر "رائد" إلى الهاتف مجددًا، كأنما يحاول أن يستوعب أن الصوت الذي سمعه هو صوت "نيرفانا". زفر ببطء، ثم قال بنبرة أشبه بالثلج المحترق:
"دلوقتي… أكلمها ولا أروح لها بنفسي؟"
"رائد، ممكن يكون…"
"أنا قلت… أكلمها ولا أروح لها بنفسي؟"
لم ترد، لكنها شعرت أن الليلة لن تمر بسلام
لكن "شامل" كان أسرع منه، وضع يده على كتفه ليمنعه من التحرك، وقال بهدوء محسوب:
"لو روحتلها دلوقتي، إيه اللي ممكن يحصل؟"
نظر إليه "رائد" بحدة، صوته خرج كالخنجر:
"هترجع معايا حالًا، وهعرفها إن اللي عملته ده مالوش تاني!"
"وهتخليها تعمل إيه؟ تهرب تاني؟ تصرّ أكتر؟ رائد، أنت مش هتعالج الموضوع بالغضب… لو رُحتلها دلوقتي، ممكن تخسرها بدل ما تحميها."
تدخلت "يقين" سريعًا، صوتها يحمل رجاءً صادقًا:
"شامل عنده حق، يا رائد. احنا عرفنا إنها مش في خطر، وإنها هترجع. لو رُحتلها بنفسك دلوقتي، ممكن الأمور تتعقد أكتر."
ضاقت عيناه وهو ينظر إليهما، ثم زفر بقوة، كأنه يحاول أن يكبح العاصفة التي تعصف بداخله. قبضته تشدّدت حول الهاتف، لكن خطواته لم تتحرك.
"كويس إنها راجعة… بس لما تيجي، هتعرف إن الباب اللي خرجت منه بالشكل ده… مش مفتوح ليها تاني بنفس السهولة."
ساد الصمت للحظة، قبل أن يلقي الهاتف على الطاولة، ثم يدير ظهره لهم متجهًا إلى النافذة، يحدّق في الأفق البعيد… ينتظر.
***
عاصفةٌ في بيت الخالة شكران
كان الغروب ينسج خيوطه الذهبية على المدينة، يودّعها بألوان دافئة كأنها تحاول تهدئة الأرواح المضطربة قبل أن يسدل الليل ستاره. في منزل الخالة شكران، كان الجو مشبعًا برائحة الطعام المنزلي وأصوات الضحكات الخافتة. ليلى جلست بين والدتها وخالتها، تحاول أن تتظاهر بالاسترخاء، لكن شيئًا ما كان ينغص مزاجها.
وفي لحظة… انكسر الهدوء.
ظهر بحري كظلٍّ ثقيل، يقتحم الأجواء بخطوات واثقة تحمل مزيجًا من الغرور والاستهتار. نظر إليها نظرة زاحفة، كأنها فريسة وقعت بين مخالبه. ثم اقترب منها حتى كاد يلامس كتفها وهمس بصوتٍ أقرب إلى لسعة خنجر:
"ليلى، يا حبيبة قلبي…"
كأن تيارًا كهربيًا صعق جسدها، استدارت إليه بعينين متسعتين، مزيج من الصدمة والاشمئزاز يشتعل فيهما.
"إنت بتعمل إيه؟! ابعد عني فورًا!"
ضحك بحري ضحكة قصيرة، لكنها كانت ممتلئة بالاستفزاز، ومال نحوها قليلًا وهو يقول:
"إيه يا ليلى؟ ما إنتي خطيبتي، وده الطبيعي بين المخطوبين!"
ارتفع حاجباها بدهشة، ثم تحولت الدهشة إلى غضبٍ ناري. نهضت من مكانها فجأة، وكأنها سيفٌ سُلّ من غمده، ثم قالت بصوت حمل قوة الزلازل:
"خطيبتي؟! إمتى بالظبط حصل ده؟ لما كنت نايمة في بيتنا وأمي قررت تجوّزني غصب عني؟! اسمع يا بحري، أنا ما ليش علاقة بيك، وده آخر تحذير، لو حاولت تقرب مني تاني… مش هتكون نهايتك سهلة."
رمقها بنظرة متفحصة، وكأنه لم يستوعب التهديد في كلامها، ثم ابتسم ابتسامة خبيثة وهو يقترب خطوة أخرى، لكن يد ليلى كانت أسرع.
صفعة مدوّية شقت الهواء.
تراجع بحري خطوة إلى الخلف، يضع يده على خده وقد احمرّ من قوة الضربة. حدق بها بعدم تصديق، فهذه لم تكن ليلى التي اعتاد أن يراها صامتة أمام قرارات والدتها.
"إنتِ ضربتيني؟!"
"وأعيدها كمان لو قرّبت مني تاني! خلي عندك دم، لأن اللي زيّك المفروض ما يمشيش في الشارع بين الناس!"
وفي اللحظة التي همّت فيها بالمغادرة، انفتح باب المنزل بعنف، ودخل مهاب، أخوها، وعيناه تحملان نظرة لم تعهدها ليلى من قبل. كان قد سمع الضجة من الخارج، وفهم من تعبيرات وجوه الجميع أن شيئًا ما قد حدث.
"حد يفهّمني هنا إيه اللي بيحصل؟!"
أخذ الجميع خطوة للوراء، لكن بحري، رغم إحساسه بالخطر، حاول أن يتظاهر بالهدوء.
"أخو العروسة، أهلًا وسهلًا! كنت بس باتكلم مع ليلى، عادي يعني."
تحولت نظرات مهاب إلى جمرة متقدة، ثم اقترب في خطوتين فقط حتى وقف وجهًا لوجه مع بحري، حدقتاه مغروستان في عينيه وكأنهما تحرقان روحه من الداخل.
"عادي؟ إنت عيل قليل الأدب. لو قربت من أختي تاني، مش هتلاقي وشّك ده سليم."
ثم أمسكه من ياقة قميصه، وسحبه نحوه بقوة جعلت الجميع يلهثون.
"واعتبرها آخر مرة تشوف فيها ليلى، مفهوم؟!"
حاول بحري أن يتملص، لكنه كان أضعف من مواجهة قوة مهاب الجسدية ونظرته القاتلة، فحرك رأسه بالإيجاب، وهو يلعن نفسه في سره لأنه تجرأ على تحدي ليلى أمام أخيها.
ليلى، التي لم تكن بحاجة إلى أي رجل ليدافع عنها، نظرت إلى مهاب بامتنان خفي، لكنها لم تقل شيئًا، فقط تركت المكان وعيناها تقولان: "المعركة لم تنتهِ بعد."
***
الغضب يشتعل في بيت الخالة شكران
خرجت ليلى من المنزل كالإعصار، أنفاسها تتلاحق، وعيناها تشتعلان بنيران الغضب. وقفت في الشارع تلتقط أنفاسها، بينما يدها لا تزال ترتجف من شدة التوتر. شعرت بكفٍ تُربّت على كتفها، فالتفتت لتجد مهاب يقف بجوارها، وجهه متجهم كأنه يستعد للمعركة.
"اهدي، يا ليلى... ما تخليش الزفت ده يستفزك أكتر."
"إزاي تهدى بعد اللي حصل، مهاب؟! الوغد حاول يمد إيده عليا!"
تصلبت ملامح مهاب أكثر، وعيناه اشتعلتا بغضبٍ حقيقي، لكنه رفع يده بإشارة تُطمئنها.
"ما تقلقيش… اتعاملت معاه خلاص."
نظرت إليه ليلى بدهشة، لكنها لم تسأله كيف "اتعامل معه"، فقد رأت الشرر المتطاير من عينيه، وعرفت أن بحري لن يجرؤ على الاقتراب منها مرة أخرى بسهولة.
***
داخل المنزل، كانت العاصفة لا تزال مستعرة.
جلست نيفين على الأريكة تحاول تهدئة أنفاسها، بينما كانت شكران واقفة في منتصف الغرفة، تنظر إلى ابنها بحري بحدةٍ وهي تسأله:
"إنت عملت إيه للبنت يا بحري؟!"
رفع بحري يده إلى خده الذي لا يزال يلتهب من الصفعة، ثم قال بصوتٍ يختلط فيه الغضب بالمهانة:
"عملت إيه؟ دي المجنونة ضربتني بالقلم قدام الكل!"
شهقت شكران، بينما نظرت إليه نيفين بنظرةٍ مليئة بالاحتقار، وقالت بحدة:
"وهو إنت كنت مستني منها إيه بعد اللي عملته؟ كنت فاكرها هتسكت لك يعني؟"
زمّ بحري شفتيه، وبدأ صوته يتقطّع بين الغيظ والمهانة:
"أنا اللي كنت فاكرها بنت ناس، لكن طلعت قليلة الأدب! لازم تعرف إن دي مش أخلاق بنات محترمة!"
قبل أن يتم كلمته، انفتح باب المنزل بعنف، ودخل مهاب بخطوات ثابتة، وجهه متجهم وعيناه تقدح شررًا. وقف أمام بحري مباشرة، والتوتر في الهواء كان أشبه بعاصفةٍ على وشك الانفجار.
"إيه اللي سمّعته ده، بحري؟ إنت فعلاً فاكر نفسك تقدر تهين أختي وتفلت؟"
ارتبك بحري للحظة، لكنه حاول استعادة توازنه، فقال بتهكم:
"وإنت هتعمل لي إيه، يا مهاب؟"
لكن قبل أن يكمل كلمته، وجد نفسه يُدفع بعنف نحو الحائط، ومهاب يقبض على ياقة قميصه بقوة، عينيه محمرتان بالغضب.
"هقولها لك للمرة الأخيرة… آخر مرة تمد إيدك أو لسانك على أختي. فاهم؟"
حاول بحري التملص، لكن قبضة مهاب كانت من حديد، فابتلع ريقه بصعوبة قبل أن يهز رأسه ببطء.
"فاهم…"
تركه مهاب فجأة، فسقط الأخير على قدميه وهو يلهث، بينما رمقه مهاب بنظرةٍ أخيرة قبل أن يستدير خارجًا، قائلاً ببرود:
"ولو ليلى شافت منك نظرة تانية مش هتخرج منها بصفعة… فاهمني؟"
خرج مهاب من المنزل بخطواتٍ واثقة، بينما ظلت شكران واقفة في مكانها، تنظر إلى ابنها بنظرةٍ مزيج من الصدمة والقلق.
أما نيفين، فتنهدت وقالت بصوتٍ خافت وهي تهز رأسها بأسى:
"ربنا يكفينا شركم!"
***
عاصفة في منزل رائد الذهبي
في شقة رائد الذهبي، كان التوتر يملأ الهواء، ثقيلًا كالرصاص، مشحونًا كسماء تسبق العاصفة. جلس رائد في منتصف الصالة، كفيه مشدودتان إلى بعضهما بقوة، وعيناه تضيقان كمن يراقب فريسته في الظلام.
يقين، شقيقته، كانت تحاول تهدئته، صوتها يحمل رجاءً مشوبًا بالخوف، كمن يحاول إخماد نارٍ تلتهم الأخضر واليابس.
"رائد، استهدى بالله، إحنا عارفين إنها كويسة، وشامل قال إنها مش في خطر."
"16 سنة يا يقين! 16 سنة ومحدش عارف كانت فين ولا مع مين! ده استهتار، وده بيتي، وأنا اللي بحدد القواعد فيه!"
"ما هي خرجت مع أصحابها، البنات في سنها بيعملوا كده."
"نيرفانا مش أي بنت، ومش في أي بيت! أنا حذرتها قبل كده من إنها تتجاوز حدودها، لكن شكلها فاكرة إن القواعد دي ممكن تتكسر."
وفجأة، دوّى جرس الباب، كطلقة مدوية في سكون الليل. التفت الجميع ناحية الباب، بينما تحركت الخادمة ببطء، فتحت الباب بحذر…
وظهرت نيرفانا عند العتبة.
كانت ترتدي فستانًا أبيض لؤلؤي، ناعمًا كالفل، لكنه لم يكن مرتبًا تمامًا، بل بدا كأنها عبرت به طريقًا طويلًا دون أن تأبه. شعرها كان فوضويًا قليلًا، ووجهها يحمل إرهاقًا غريبًا، لكن الأغرب… أنها كانت تبتسم.
تقدم رائد خطوة، صوته خرج هادئًا بشكل خطير، كالسكون الذي يسبق الانفجار:
"كنتِ فين، نيرفانا؟"
رفعت رأسها، التقت عيناهما، لكنها لم تهرب منهما، لم تتردد، بل قالت بنفس الابتسامة الغامضة:
"كنت بعيش حياتي، بابي."
وفي تلك اللحظة، لم يكن الهدوء سوى فتيل… ورائد الذهبي كان الشعلة التي ستشعل النار.
رواية قلب السلطة الفصل العاشر 10 - بقلم مروة البطراوي
في شقة رائد الذهبي، كان الصمت له صوت، صوت غليانٍ مكبوت تحت سطحٍ من الجليد. رائد واقف في منتصف الصالة، كالسيف المسحوب، يشع غضبًا، يتنفس ببطء كأنه يعد الثواني قبل الانفجار.
أما يقين… فكانت تقف متكئة على حافة الأريكة، ذراعاها معقودتان أمام صدرها، ووجهها جامد، لا يحمل خوفًا، بل مزيجًا غريبًا من الشفقة… والمتعة. كأنها تراقب مشهدًا طالما انتظرته.
يقين (بصوتٍ هادئ، لكنه مائل للبرود): "رائد… مش شايف إنك بتكبر الموضوع؟ يعني البنت خرجت، ورجعت… إيه الجديد؟"
رائد (يحدجها بنظرة نارية): "أنتِ اللي مش شايفة حاجة، يقين… البنت رجعت بـ وش تاني. وش بيقول إنها بتتحداني… وده في بيتي."
لم ترد، بل اكتفت بابتسامة باهتة، مرّت على شفتيها كطيف، وسرعان ما اختفت، لكن في عينيها ظل بريق… بريق لا يفهمه إلا من خبر الخذلان.
كانت تقف هناك كأنها تشاهد شيئًا يتكرر… شيئًا لا يعرفه سواها، ولا تنساه هي.
وفجأة، وكأن النار استعرت فيه، التفت بسرعة خاطفة نحو الباب الذي لم يُغلق بعد، وخطا خطوات سريعة، صوته هادرًا:
رائد (بصوتٍ يقطر غضبًا): "نيرفانا!"
توقفت نيرفانا في مكانها، كمن تجمد في العاصفة. استدارت ببطء، ورفعت عينيها حتى التقت بعيني والدها المتقدتين.
رفعت رأسها، التقت عيناهما، لكنها لم تهرب منهما، لم تتردد، بل قالت بنفس الابتسامة الغامضة:
نيرفانا (ببرود): "كنت بعيش حياتي، بابي."
تجمدت الكلمات في فم رائد، للحظة، كأنه لم يسمعها. ثم تحرك ببطء نحوهـا، خطاه ثقيلة كمن يسير على حد السكين.
رائد (بصوت منخفض خطير): "عيشتك دي كانت مع مين؟"
لم تجب. رفعت حاجبًا واحدًا، ونظرت إليه بملامح باردة، لكنها كانت ترقص من الداخل، كأنها تتعمد غرس السكين أعمق.
عندها، التفت نحو يقين كأنه يبحث عن دعم، لكنه لم يجد سوى عينيها تراقبان المشهد ببرود. لم تكن خائفة… بل كأنها كانت تنتظر اللحظة.
يقين (بنبرة خافتة): "رائد… البنت تعبانة، وباين عليها."
لم يجب. إنما أخرج هاتفه من جيبه، ورفع عينه عليها.
نظرة خالية من الرحمة، خالية من التساؤل، فقط… نظرة حكم.
رائد (بصوت خافت لكنه مشدود): "شامل… بعتلي ده. قال لي اسمعه… من غير ما تحكم… واسمعته."
ضغط زر التشغيل.
صوت ضحكتها انطلق أولًا… ضحكة مرتاحة، خالية من أي قلق.
ثم صوت شاب يمازحها: "كنتي وحشاني، عارفة؟"
وردّها جاء بنفس النبرة اللاهية: "وأنت كمان!"
انتهى التسجيل.
لكن الصدى بتاعه كان بينفجر جوّه، في دماغه، وفي قلبه.
رائد (بصوت بارد، مبحوح بالغضب): "أنتِ… بتضحكي… كده مع مين؟"
نيرفانا رفعت عينها، بنفس الهدوء، وقالت: "مع واحد… مش مهم، بابي. المهم… إني كنت بعيش حياتي."
رائد اقترب خطوة، مستحلفًا بالنار اللي جوّاه: "مين هو؟ ماعرفش صوته… ماعرفش ضحكتك دي كانت ليه؟ كنتي فين؟!"
نيرفانا (بلامبالاة): "قلت لك… مع أصحابي، وسهرنا، و… شربنا. وأيوه، شربت، زي ما أمي كانت بتشرب، وزي ما أنت بتشرب، و… خلاص."
رائد اتنفس بصوت عالي… أنفاسه كانت بتلهب صدره، اقترب منها، شم أنفاسها، تأكد…
صرخ فجأة، صوت كالرعد: "نهارك اسود!"
نيرفانا (بانفجار): "ليه كل حاجة حلوة ألاقيها، تحرمني منها؟! حتى مس ليلي؟! انت السبب، دايمًا انت السبب!"
وهوى كف رائد على وجهها… ضربة واحدة، أسقطتها، أسقطت معاها كل صمودها.
سقطت نيرفانا… وسقط في قلب يقين شيء قديم… شيء لم يُنسَ.
دوافع مطمورة… لم تظهر، لكنها تتحرّك في صمت… كالعقارب.
هوَت "نيرفانا" أرضًا، وقد ضاعت ملامحها بين الدموع وحرقة الكفّ، فتجمّدت برهة، وكأن الألم لم يوقظها من غفلةٍ، بل غاص بها في قاعٍ مظلم، كانت تحاول النجاة منه عبثًا.
"رائد" ظل واقفًا، عرق الغضب يتصبّب من جبينه، وكفّه لا تزال معلّقة في الهواء، شاهدة على ما اقترفه، وعلى ما هو آتٍ.
ساد الصمت لحظة، لا تُقاس بالزمن، بل بثقلها، حتى انكسر بصوت "يقين"…
صوتها جاء هادئًا كنسيم الفجر، لكنه كان يحمل في عمقه شيئًا خفيًا، كأنها تسقي الأرض بزهرٍ مسموم.
قالت، وهي تنظر إلى "نيرفانا" بعينٍ تلمع ببريقٍ غامض: "وجعك؟ حلو… لازم تحسي، عشان تعرفي إن الدار اللي اتبنت على دموع… عمرها ما تفرّح."
انتفض "رائد" كمن لسعه الجمر، والتفت نحوها، وصوته يفيض غضبًا مكتومًا: "بتقولي إيه يا يقين؟!"
رفعت "يقين" رأسها، نظرت إليه بثباتٍ لا يعرف رهبة، وقالت بنبرة لا تخلو من خبثٍ مستتر: "بقول الحق، والحق ساعات بيبقى مرّ… وِمش لازم يتبلّع. نيرفانا ما عملتش حاجة غريبة… دي ماشية عِ السكة اللي اتفرشت ليها زمان. ومهما تشدّ وتزمجر… مش هتغيّر اللي مكتوب."
رمقها "رائد" بنظرة حادة، وكأنها طعنت كبرياءه دون أن تلمسه، فتقدم نحوها خطوة، وقال بصوتٍ هابط لكنه أشبه بالزئير: "أنا السبب؟ بتشاور عليّا؟!"
"يقين" لم تتزحزح، بل زادها اقترابه صلابة، فقالت ببرودٍ قاتل: "أنا ما بشاورش، أنا بقول اللي الناس كلها بتخاف تقوله. زمان، لما كنت فاكر نفسك فوق الكل، كنت بتبني… بس مش بيت، لأ… كنت بتبني نار، والنار دي دلوقتي بتاكلك. وشامل؟ جاب لك تسجيل بسيط… لكن لو أنا فتحت اللي في قلبي… لا، ده انت تشوف حاجات ما حلمتش تشوفها."
سكتت لحظة، وعيناها تتفرسان في وجهه كمن يختبر عمق الجرح، ثم أردفت ببطء، كمن يُلقي طُعمًا في ماءٍ راكد: "أنا ساكتة من زمان… بس في دوافع… كانت مدفونة، وساعتها جت خلاص."
ساد المكان صمت كثيف، كأن الجدران نفسها تخشى أن تنقل ما قيل، وكأن الزمن توقف عند هذه اللحظة… لحظة كشفٍ لا رجعة بعدها.
كان "رائد" واقفًا في موضعه، صامتًا، لكن صمته لم يكن هدنة، بل عاصفة تُخفي زئيرها خلف السكون.
وعلى الأرض، جلست "نيرفانا" تلملم بقاياها، لا تجرؤ على النهوض، كأنها تنتظر أن تنتهي هذه الليلة، ولا تنتهي.
أما "يقين"، فكانت واقفة، ثابتة كجدارٍ قديم، لا تهتزّ لرياحٍ عاتية، ولا تُبالي بنظراتٍ غاضبة.
في عينيها لمعة… لا هي فرح، ولا شماتة، بل شيءٌ أعمق… شيءٌ لا يُقال.
وفي قلبها، نبضٌ قديم… نبضٌ ظلّ صامتًا سنوات، حتى جاء هذا الليل، فارتفع، وكأنه يهمس لها: آن الأوان.
خيم الصمت على المكان، لكن لم يكن ذلك الصمت سوى إعلان… أن كل ما مضى، لم يكن إلا تمهيدًا… لما سيأتي.
***
نامت "نيرفانا" تلك الليلة مثقلةً بالألم، وكأن شيئًا انكسر فيها للأبد، شيءٌ لم يكن يُرى، لكنه كان يحملها في مواجهة هذا العالم.
تظاهرت بالصلابة حين غادرت الصالة، رأسها مرفوع، وخطواتها واثقة، لكن وحدها غرفتها شهدت هشاشتها حين أغلقت الباب خلفها.
لم تطلب أحدًا، ولم تسمح لـ"يقين" بأن تقترب، بل اكتفت بهمسةٍ خافتة: "سيبيني لوحدي… بلاش كلام."
لم تكن تحتاج إلى عزاء، ولا إلى نصيحة، فكل الكلمات بدت جوفاء، لا تصمد أمام جرحٍ لا تندمل حوافه.
كانت تريد الصمت…أن تغرق فيه، أن تختفي من أعين الجميع، أن تهرب من صورٍ تتكرر في رأسها… كفه تهوي، عيناها تدمع، وكبرياؤها يُذبح على مهل.
لم تفكر في "رائد" كملاذ، ولا خطر لها أن تلوذ به كما كانت تفعل قديمًا.
فالذراع التي كانت تحتمي بها، صارت اليوم منفى، والحضن الذي كان لها وطنًا… صار قيدًا يُحكم على عنقها.
وفي وحدتها، لم تكن تبكي فقط من وجع الضربة… بل من وجعٍ أعمق: وجع الخذلان، ومرارة الحب حين يتحوّل إلى سوط.
وغفت أخيرًا، لا على وسادة، بل على صمتٍ ثقيل… صمتٍ لم يكن راحة، بل هروبًا من كل شيء.
***
حين أشرق الصباح، لم يكن نور الشمس مرحبًا به في غرفة "نيرفانا". تسللت الأشعة من خلف الستائر كغريبٍ يتطفّل على خلوتها، لكنها لم تتحرك. ظلت راقدة، عيناها شاخصتان نحو السقف، وكأنهما تبحثان عن إجابة، عن تفسيرٍ لما حدث… عن تبريرٍ لهذا الألم.
لم تبكِ… لم يعد للبكاء جدوى. ما عاد يُخفف شيئًا، بل صار عبئًا جديدًا، يخدش ما تبقّى من عزّتها.
نهضت ببطء، كمن ينهض من بين ركام، جسدها يُطيعها، لكن روحها مثقلة بسلاسل من نار. وقفت أمام المرآة، حدّقت في وجهها طويلًا، فوجدت فتاة لم تعُد تعرفها، عيناها تائهتان، وملامحها تحمل ندبةً خفيّة لا تُرى… لكنها أعمق من كل جُرح.
اقتربت من المرآة، لمست خدّها بباطن كفّها، نفس الموضع الذي هوت عليه يد والدها… فلم ترتعش، بل قالت لنفسها همسًا: "خلص… اللي انكسر، ما يرجعش."
ثم أبعدت يدها، التقطت هاتفها، وفتحته ببطء، كأنها تتردد بين المضي أو التراجع. لوهلةٍ، تجمّدت يدها على الشاشة… ثم قررت.
ضغطت على الاسم ذاته…"أوس."
وانتظرت… تنتظر صوتًا ليس فيه قسوة، ليس فيه لوم، صوتًا يجعلها تشعر أنها لم تَعُد وحدها في هذا العالم.
لكن في قلبها، كانت تعلم… أن الطريق الذي اختارته تلك الليلة، لن يعيدها لما كانت، وأن الخطوة القادمة… لن تكون عادية. بل خطوة في مجهولٍ لا عودة منه.
ظلت "نيرفانا" تُمسك بالهاتف، تُراقب الشاشة كأن الزمن توقف عند تلك اللحظة. ثوانٍ مرّت وكأنها دهور، حتى جاء الرد…
صوت رجولي، ناعم لكن يحمل شيئًا مبهمًا، كأن فيه وعودًا وأسرارًا.
"أوس":"نيرفانا؟ كويسة؟"
صمتت… لم تُجبه فورًا، لم تجد الكلمات، فالصوت وحده كان كافيًا لإغراقها في موجةٍ من مشاعر مختلطة… راحة، خوف، تمرد، وشيءٌ آخر لم تفهمه.
نيرفانا (بهمس): "أنا محتاجة أكلمك…"
سكت "أوس" لحظة، ثم رد، صوته هادئ لكن بين كلماته ترصّد خفي: "حصل حاجة؟ باباكي عمل حاجة؟"
ارتجف قلبها، ذكر اسمه جعل كل ما حاولت دفنه يعود للسطح، لكنها قاومت، وردت ببرودٍ مصطنع: "مش مهم إيه اللي حصل… المهم أنا عايزة أشوفك، في اقرب وقت."
صمت "أوس" مرة أخرى، وكأنّه يختبر صدقها أو يقيس دوافعها، ثم قال بنبرةٍ خفيّة فيها تملّك: "تعالي في يوم بدل ما تروحي المدرسة …بس إنتي متأكدة؟ مش هتندمي؟"
أغمضت عينيها، وكأنها تُغلق أبوابًا كثيرة خلفها، ثم همست: "الندم ده أنا خلصته امبارح."
أغلق الهاتف، وظلّت تُمسكه بين يديها كمن أمسك ببوابة لا يدري إن كانت إلى نجاة… أم إلى سقوطٍ جديد.
وقفت أمام المرآة، نظرت إلى وجهها نظرة أخيرة، ثم ابتسمت ابتسامة خافتة… ليست فرحًا، بل كمن قرّر أن يخوض الحرب، ولو خاسرًا.
ولم تكن تدري… أن "أوس" لم يكن أبدًا كما تظن.
***
وفي مكانٍ آخر، كان "شامل" يجلس في عتمة غرفته، والسكون ينهش عقله كما تنهش الكوابيس نوم طفلٍ بريء. لم تكن تلك الليلة كسائر الليالي، ولم يكن ما يعتمل في صدره مجرد قلقٍ على نيرفانا… بل كان أكثر تعقيدًا.
تدفقت في ذهنه تفاصيل تلك الليلة كالسيل، يقف أمامها عاجزًا، ينهزم أمام سؤالٍ بسيط: "لِمَ لَمْ أذهب بنفسي؟"
كان بإمكانه، بل وكان يجب عليه، أن يكون أول من يسعى إليها، أن يتحدّى الجميع، أن يأخذها من حيث كانت، بيده، كما يليق بمن يدّعي حرصًا أو حبًا.
لكنّه لم يفعل.
بل اختار أن يُرسل التسجيل، ويُشعل النار عن بُعد، كمن يُراقب اشتعال الحريق دون أن يمد يدًا للماء.
أدار وجهه نحو النافذة، ونظره معلّق بالفراغ. "ليه ما روحتش؟… ليه اكتفيت باللي عملته؟"
ترددت هذه الكلمات في ذهنه كصدى مريب. كان يعلم الجواب، لكن الاعتراف به أمام نفسه أصعب من احتماله.
نيرفانا كانت قريبة… لكنه اختار أن يظل بعيدًا.
اختار أن ينتظر، أن يراقب، أن يترك رائد يكتشف التسجيل بنفسه، ويواجه ابنته بنفسه، لتنكسر أمامه، وتتصدع العلاقة بينهما… خطوةٌ مدروسة؟ أم لحظة ضعفٍ دفين؟
التقط هاتفه، استعرض الرسائل القديمة، توقّف عند صورةٍ أرسلها لنفسه يومًا، يظهر فيها مع نيرفانا، لقاءٌ عابر، لحظة لم تُدرك هي قيمتها… لكنه حفظها كمن يحفظ كنزًا.
ابتسم بسخرية مريرة، ثم تمتم: "أنا مش عايز أكون بطل… أنا عايز أكون صاحب القرار."
كان يعلم أن تدخله المباشر كان سيُربكه، وربما يضعه في مواجهةٍ مع رائد، مواجهة لم يكن مستعدًا لها بعد.
فترك الجميع يتحركون كما يشاء هو… وسكوتُه لم يكن ضعفًا، بل اختيارًا.
في عتمة الغرفة، لم يكن شامل يهدأ، بل كان يُخطط. يعرف كيف يلعب، ومتى… وهو الآن، قد بدأ يلعب بطريقته.
***
نزلت الطبيب زاهد من الغرفة، ملامحه جامدة كجدار، لا تحمل أثرًا لانفعالٍ أو ارتياح. أدار مقبض الباب برفق حتى انغلق خلفه بإحكام، ثم التفت ببطء ليواجه رائد، الذي انتفض واقفًا كمن طُعن من خلف.
صوت رائد خرج متوترًا، مشحونًا بالقلق والغضب في آن:
– "طمني، زاهد… نيرفانا كويسة؟ فيها حاجة؟"
لم يُجب الطبيب فورًا، بل حدق في عيني رائد كأنه يُفكّك شخصيته قبل أن ينطق. رفع يده، وأشار بإيماءة تطلب منه التريث.
ثم قال بصوتٍ هادئ، بارد:
– "اقعد الأول، يا رائد. وشيل السيف اللي ف وشك ده، أنا جاي أكلمك، مش أتحاكم."
رائد، الذي بدا كأن الغضب يمسك بتلابيب روحه، تمتم بغلظة:
– "قول، يا زاهد. مش وقت دروس."
زفر زاهد ببطء، ثم قال:
– "البنت… مش بتتكلم. رفضت تجاوبني على أي سؤال. كل اللي عملته إنها بصّتلي، وسكتت. ولا دمعة، ولا كلمة، كأنها مش موجودة."
تجمد رائد في مكانه، كأن الأرض قد سُحبت من تحت قدميه. اقترب خطوة، وقال بصوت خافت، لكنه يحمل تحت سطحه بركانًا:
– "يعني إيه؟ يعني مافيش حاجة؟ ولا في حاجة ومش عايزة تقولها؟"
رد زاهد بنبرة غامضة:
– "في فرق بين اللي يوجعه جسمه… واللي روحه هي اللي فيها الكسر. وأنا شايف بنتك… فيها كسر مش من امبارح. قديم… وبيتراكم."
ظل رائد ينظر إليه في صمت، ملامحه متوترة، لا يعرف كيف يرد، ولا كيف يتقبل هذه الكلمات.
أضاف زاهد، كمن يلقي حجرًا آخر في بحيرة هادئة:
– "رائد… إنت مش بتعرفها كويس، وده أكبر غلط. البنت عندها حاجة… بس مش مستعدة تقولها. واللي حصل امبارح… خلاها تنغلق أكتر."
رائد زم شفتيه بقوة، ثم قال بحدة:
– "أنا عارف بنتي، وعارف إزاي أرجّعها لعقلها… لو كانت ضاعت."
ابتسم زاهد بسخرية مريرة، وقال:
– "هو ده اللي خايف منه… إنك ترجعها لعقلها بطريقتك، وتخسرها للأبد."
ثم التفت، دون أن ينتظر ردًا، وسار مبتعدًا في ممر المنزل، تاركًا خلفه صدى كلماته يدوي في رأس رائد كضربات الطبول.
توقف رائد، عينيه معلّقتين بباب غرفة نيرفانا المغلق… وبين صدره، قلبٌ يتصارع فيه الغضب والخوف، والحيرة.
كان لا يزال واقفًا، حين انطفأت أنوار الردهة من تلقاء نفسها، وكأن البيت كله… قرر أن يختنق بالصمت.
غُرفتُها كانت أشبه بصندوقٍ مغلقٍ على جراح لا تُرى، كل شيء فيها صامتٌ إلا عقلها، الذي صار كعجلة تدور بلا توقف. جلست نيرفانا في الظلام، لم تشأ أن تُشعل الضوء، وكأنها تهرب من نفسها.
عيناها الجافتان لا تحملان دمعًا، كأن البكاء قد صار رفاهية لا تملكها. كانت تنظر إلى الفراغ كمن يرى ما لا يُرى، تُحدّق في الجدار أمامها، وكأن الأحداث تُعاد مرارًا أمام عينيها. لا صوت إلا صوت أنفاسها الثقيلة، تتسارع حينًا، وتكاد تختفي حينًا آخر.
كل شيء يتداخل في رأسها. صوت أبيها وهو يصرخ، نظرات يقين التي لا تفارقها، وجه "أوس" الذي بات لعنة في ذاكرتها، والتسجيل… الضحك الذي انقلب سكّينًا.
همست لنفسها، بنبرة خافتة مكسورة:
– "أنا غلطت؟ ولا اتجرحت؟… ليه الكل شايفني أنا المشكلة؟"
رفعت يديها لتمسك برأسها، كما لو تحاول أن تسكته، أن تطرد الأفكار التي تنهشها. كانت تشعر وكأنها تتفكك، جزءًا جزءًا، وكلما حاولت أن تجمع نفسها، انهارت أكثر.
مرت لحظات، أو ربما ساعات، لا تدري. فقدت الإحساس بالزمن. لا تعرف إن كان الليل قد انقضى أم لا يزال يحاصرها.
ثم، سُمِع طرقٌ خفيف على الباب. لم ترد. لم تتحرك. جاءها صوت يقين، رخيمًا، حذرًا:
– "يا نيرفانا… باباك قاعد بره، مستنيك."
لم تجب. ظلت ساكنة، حتى همست يقين، بصوت بدا وكأنه قادم من زمنٍ بعيد:
– "عيب يا بنت الناس… اللي عملتيه مش قليل عليه."
كأن هذه الكلمات كانت القشة الأخيرة، انتفضت نيرفانا واقفة، تتنفس بصعوبة، ويديها ترتجفان. مشت نحو المرآة، نظرت إلى وجهها، فلم تعرفه.
همست كأنها تُخاطب شخصًا آخر:
– "أنا مش ضعيفة… أنا مش ضعيفة…"
ثم فتحت خزانة الملابس، التقطت شيئًا عشوائيًا، وارتدته كمن يرتدي درعًا، لا ثوبًا. مسحت وجهها بيدها، وضغطت على شفتيها حتى اختفى ارتجافها.
تقدّمت نحو الباب، فتحت القفل ببطء. لحظة صمت طويلة مرّت… ثم خطت إلى الخارج.
كانت عيناها جامدتين… كأنها ماتت ليلًا، وخرجت الآن… لتدفن نفسها بيديها.
***
دوى صوتٍ ثقيل، حادّ كحد السيف، لكنه لم يصرخ:
– "اسمعي يا نيرفانا، أنا سايبك دلوقتي علشان عقلي لسه مش راكب مكانه. بس ما تفكريش إن اللي حصل عدى… كل حاجة هتتغير. خروج؟ مفيش. مدرسة؟ مفيش. و… موبايلك؟ نسِيه."
نيرفانا خفضت رأسها، ودموعها تهبط بصمت، كأنها تخشى أن يتنفس الحزن بصوت مسموع.
تقدمت يقين خطوة، وقالت بتوتر:
– "يا رائد، البنت خلاص… اتكسرت. إنت كده بتزود عليها وهي مش ناقصة."
رفع رائد عينيه نحو يقين، وكأن الكلام لم يصله، ثم عاد بنظره إلى نيرفانا، وقال بصوتٍ بارد:
– "أنا سايبك دلوقتي… مش رحمة، بس علشان ما أندمش. فاستغلي اللحظة… وحطي في بالك إن اللي جاي... أصعب."
ثم التفت خارجًا، وخطواته تُحدث صدى خافتًا كأنها تُنذر بعاصفة مؤجلة.
خرج وأغلق الباب خلفه، بينما ظلت نيرفانا جامدة، دموعها تحفر طريقها فوق وجنتيها، وقلبها يرتجف من صمتٍ لم يكن هدوءًا... بل هدنة، لا أكثر.
حين أغلق رائد الباب خلفه، خيّم صمت ثقيل على الغرفة، كأنما الهواء ذاته قد تجمّد. جلست نيرفانا على طرف السرير، كتمثال هشّ، عيناها تحدّقان في اللاشيء، كأن عقلها قد فارقها، تاركًا جسدها سجين تلك اللحظة.
يقين اقتربت ببطء، وجلست إلى جوارها، مدت يدها لتلمس كتفها، لكنها ارتعشت حين لم تجد في نيرفانا سوى صقيعٍ غريب.
قالت يقين، بصوت منخفض:
– "حبيبتي، قوليلي بس إنتي عايزة إيه؟ كُلي حاجة… اشربي شوية مياه… اتكلمي."
لكن نيرفانا لم تُجِب، فقط كانت تنظر إلى الجدار المقابل وكأنها تراه للمرة الأولى.
ثم، فجأة، تحركت ببطء، نهضت كأن في جسدها ثقلًا لا يُحتمل، ومشت نحو النافذة. سحبت الستائر بنفَسٍ متقطع، وفتحت الزجاج ببطء. لفحها هواء بارد، عبث بشعرها الفوضوي، لكنها لم تبالِ.
قالت بصوتٍ خافت، كأنها تكلّم نفسها:
– "كان نفسي أكون بني آدم طبيعي… أعيش زي الناس… أضحك براحتي، وأزعل من غير ما أخاف. بس هنا… هنا كله بيحرق."
أرادت يقين أن تمنعها من فتح النافذة، لكن نيرفانا رفعت يدها كمن يطلب الصمت، وأكملت بنفس النبرة الواهنة:
– "أنا تعبت، تعبت قوي. لِمّا بتوجع… محدش بيسمعني، ولِمّا أضحك… كله يلومني. أنا حاسة إني مخنوقة، ومفيش هُرب."
ثم استدارت، نظرت إلى يقين، وفي عينيها نظرة غريبة، مزيج من الحزن والاستسلام، وهمست:
– "عايزة أختفي، يومين بس، أختفي… من نفسي ومنهم."
لم تملك يقين سوى أن تقترب وتضمّها إلى صدرها، بينما الدموع تتساقط بصمت من عينيها هي الأخرى.
أما نيرفانا، فقد أغمضت عينيها، كأنها تحاول أن تهرب... إلى الداخل، حيث لا أحد يستطيع الوصول.
***
في صباحٍ رمادي ثقيل، كان "شامل" يقف بسيارته أمام بيت رائد، لا يدري لماذا ساقته قدماه إلى هنا. لم يكن ينوي الدخول، ولا حتى الحديث مع أحد، لكنه كان يشعر أن شيئًا ما قد فلت من بين يديه، وعليه أن يعيده قبل أن يصبح بعيد المنال.
ترجل من السيارة ببطء، وقف أمام البوابة الحديدية كمن يستجمع شجاعته لعبور عتبة مجهولة. يده امتدت إلى الجرس، لكنها توقفت في منتصف الطريق. في داخله صراع لا يهدأ؛ أيجرؤ؟ وهل يحق له؟
في تلك اللحظة، فتح الباب فجأة من الداخل، وخرج "رائد" بخطوات متسارعة. توقف حين رأى شامل أمامه، وتغيرت ملامحه بسرعة، كأن وجوده ليس مرغوبًا فيه.
شامل بنبرة هادئة، لكنها حذرة:
– "صادفني الحظ… كنت ناوي أعدي أطمن. كل شيء تمام؟"
رائد بنبرة جافة وهو يغلق البوابة خلفه:
– "كل شيء تمام. أنا مشغول دلوقتي، نتكلم بعدين."
شامل بقلقٍ حاول إخفاءه:
– "نيرفانا عاملة إيه؟"
رائد وهو يشيح بنظره:
– "مرتاحش بالكلام ده. مفيش خروج ولا مدرسة، خليها تعقل."
لم يرد شامل، لكن عينيه تحركتا بلا وعي نحو نافذة الطابق العلوي، كأن روحه تبحث عنها من خلف الزجاج.
رائد بنبرة أكثر صرامة:
– "خليك في حالك يا شامل. الموضوع ده خلص."
ثم غادر دون أن يترك له فرصة للرد. أما شامل، فقد وقف للحظة، كأنه يحاول استيعاب ما سمعه. ثم، دون أن يدري لماذا، عاد إلى سيارته. لكنه لم ينطلق. جلس خلف المقود، عينيه مثبتتان على المنزل، وكأن انتظاره يحمل نية لا يجرؤ على الاعتراف بها حتى لنفسه.
كان يحمل الهاتف في يده، يتأمل رسالة قديمة، تسجيل صوتي حصل عليه من يقين. استمع إليه مرارًا، حتى كاد صوتها يتغلغل في عظامه. لم يكن يعرف ما يدفعه إلى التعلق بها بهذا الشكل، لكنه كان مدفوعًا بقوة غريبة، أشبه بالهوس المقنّع.
همس لنفسه بصوت منخفض:
– "كان ممكن أكون معاها دلوقتي… بس الظاهر كل حاجة ليها وقتها."
***
نزلت يقين الدرج بخفةٍ متوجسة، كأنها تخشى أن يلحظ أحد وجودها في تلك الساعة المبكرة. كانت ملامحها شاحبة، وعيناها متورمتين من قلة النوم، كأن الأرق قد أقام في جفونها معسكرًا لا يبرح. وما إن وطأت قدماها الرُكن الهادئ قرب المدخل، حتى لمحته... شامل، يسير بخطوات سريعة نحو البوابة، كمن يحمل في صدره نارًا يريد الهرب منها.
تسمرت في مكانها للحظة، كأن الزمن قد توقف. شيءٌ في قلبها انقبض، لم تستطع تفسيره، لكنه دفعها دفعًا للحاق به.
نادت بصوت خافت، لكنه حاد:
"شامل! استنى!"
توقف في مكانه، ودار ببطءٍ نحوها، وقد بدا عليه الارتباك. اقتربت منه بخطوات حثيثة، وحدجته بنظرة ثاقبة، كأنها تحاول أن تنفذ إلى ما خلف وجهه الهادئ.
يقين، بنبرة مشوبة بالريبة:
"كنت طالع من فين دلوقت؟"
شامل، وهو يتصنّع الثبات:
"كنتش جوه... كنت مستني رائد برة، كلمته وملقتش رد، قلت أعدّي."
يقين، تضيّق عينيها:
"وما دخلتش خالص؟"
تردد لثوانٍ، ثم قال:
"دخلت أشوف نيرفانا، قلت أطمن عليها بس... مش أكتر."
ظلت تحدّق فيه، كأنها تستنطق صمته قبل كلماته، ثم قالت بنبرة خافتة ولكنها صارمة:
"ربنا ما يوريك اللي يخليني أشك فيك... بس الحذر واجب."
سكتت لحظة، ثم أضافت:
"رائد مش سهل... لو شمّ ريحة حاجة، مش هيعدّيها."
أطرق رأسه، ولم يرد. أما هي، فكانت تقرأ وجهه كما تقرأ كتابًا مفتوحًا، لكن ما خفي منها كان أعمق من أن يظهر.
نظرت إلى الباب، ثم إليه، وقالت بحدة خافتة:
"ماشي، روّح دلوقتي... ومتجيش غير لما أقولك."
نظر إليها نظرة طويلة، ثم غادر دون كلمة أخرى، بينما ظلت هي واقفة في مكانها، تتبعه بعينيها حتى اختفى... وظلت في أعماقها غصة لا تعرف مصدرها، كأن شيئًا يُكتم عنها، وموعد انكشافه يقترب.
***
في صباحٍ متلبّد بالقلق، كانت ليلى واقفة قدّام المدرسة، تلف في يدها مفتاحًا صغيرًا، وتبص في ساعتها كل دقيقتين.
"اتأخرت... نيرفانا عمرها ما غابت من غير ما تقول."
خطوات "شامل" كانت وراها، لكنها ما انتبهتش له غير لما سمعته بيقول:
"متشغليش بالك يا ليلى، الموضوع بسيط، وأنا لسه جاي من عندهم."
استدارت ناحيته بدهشة:
"من عندهم؟ قصدك عند رائد؟ نيرفانا كويسة؟"
شامل بابتسامة مصطنعة:
"أيوه... رائد اتصرف، وكل حاجة تحت السيطرة. البنت بس محتاجة يوم راحة. وهو هيتواصل معاكي قريب."
ثم أضاف، كأنه بيقفل أي باب لأسئلة تانية:
"سيبيه يرتب أموره، وبلاش استعجال."
ليلى شعرت بقبضة في قلبها، لكن قبل أن تحسم أمرها، جاءها اتصال من والدتها، لهجته كانت مختلفة، قاطعة. طلبت منها أن تعود للبيت فورًا، دون تفسير. نظرت ليلى حولها، استأذنت من مديرة المدرسة، وغادرت بخطى قلقة.
عادت ليلى إلى المنزل، ووجدت أمها جالسة في صمت غريب، وجهها شاحب، ونظراتها معلّقة في الفراغ، كأنها تنتظر كارثة تعرف موعدها مسبقًا.
ليلى: "ماما؟ مالك؟ في إيه؟"
رفعت الأم عينيها ببطء، وقالت بصوت خافت:
"في حاجات لازم تعرفيها، يمكن تأخرت فيها، بس... دلوقتي ماعادتش تنفع تفضل مدفونة."
اقتربت ليلى وجلست قبالتها، القلق ينهش ملامحها:
"مدفونة؟ تقصدي إيه؟"
أمها، بعد تنهيدة طويلة:
"فاكرة أيام أبوكي الأخيرة؟ لما رجعنا المحكمة علشان الحضانة؟ تفتكري ليه فجأة وافق يرجعك ليّا، من غير مشاكل؟"
ليلى بتوتر:
"انتي قلتي إنه كان تعبان، و..."
قاطعتها الأم، ونظرة غامضة في عينيها:
"لا... رجعك علشان يتستر... على حاجة عملها. حاجة كانت ممكن تخليه يخسر كل حاجة، حتى حريته."