الفصل 2 | من 26 فصل

رواية قلب السلطة الفصل الثاني 2 - بقلم مروة البطراوي

المشاهدات
22
كلمة
3,892
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 8%
حجم الخط: 18

في صباح اليوم التالي، كانت ليلى تمشي داخل المدرسة بخطوات مثقلة، تشعر أن كل شيء من حولها يبدو غريبًا، وكأن المكان ذاته لفظها بعد ما فعلته. نظرات الزملاء، تلميحات الطلاب، الصمت الغريب الذي يلف الممرات… كل ذلك لم يكن طبيعيًا.

ما إن وصلت إلى مكتب المدير حتى شعرت أن الهواء داخله مشبع بشيء يشبه الخطر. سليمان جالس خلف مكتبه، عيناه متردّدتان، وعلى الطرف الآخر رجل غريب، لا تبدو عليه ملامح الانفعال، لكنه لم يكن عاديًا. عيناه كانتا أقرب إلى عيون صيّاد يُراقب فريسته قبل الانقضاض. "رائد الذهبي بعت لك رسالة… رجّعي البنت، وإلا... " قال سليمان بصوت خافت لكنّه نافذ. نظر إلى الرجل الذي أمامه، وكأنه يترك له إكمال الجملة.

الرجل الغريب لم يتكلم فورًا. أخرج من جيب معطفه ورقة مطوية، ووضعها على المكتب، ثم دفعها نحو ليلى بطرف إصبعه. "دي مش تهديد… دي فرصة أخيرة، يا أبلة ليلى." قال الرجل بصوت هادئ لكنّه يحمل شيئًا خفيًا. نظرت ليلى إلى الورقة. شيء ما في أعماقها رفض لمسها، وكأنها سُمّ مغلف بالحبر. لكنها التقطتها على أي حال. لم تفتحها. وبهدوء متعمد، ألقتها مجددًا على المكتب، رفعت عينيها،

وقالت بنبرة ثابتة: "قول لرائد الذهبي… لو كنت بخاف، ما كنتش عملت اللي عملته. البنت في حضن أمها… وانتهى الموضوع." توقعت أن ترى ردة فعل من الرجل، لكنه لم يفعل شيئًا. لم يتشنّج، لم يغضب. فقط، تبسّم، وكأنها قالت شيئًا سخيفًا للغاية. ثم مال قليلًا نحوها، وقال بصوت منخفض، لكنه كان أشبه بوعد مظلم: "الأمور ما بتنتهيش عندك… بتبدأ." ارتعشت أنفاسها للحظة، لكنها تماسكت. ظلت صامدة، بينما وقف الرجل، خطا نحو الباب،

وقال قبل أن يخرج: "لو ما رجعتش خلال يومين… هتسمعي اسمي." وغادر، تاركًا خلفه هواءً ثقيلاً لم يكن موجودًا من قبل. أما سليمان، فظل صامتًا للحظة، ثم أطلق تنهيدة عميقة، وقال: "ليلى، إنتِ مش مدركة حجم المشكلة. رائد الذهبي مش راجل بيتنسي له تحدي. اللي بيعانده ما كسبش." "حلو الكلام، وبعدين؟ " قالت ليلى بسخرية خفيفة، تخفي قلقها المتزايد. تردد سليمان للحظة،

ثم قال: "فيه حد ممكن يساعدك… بس المشكلة إنه نفس الشخص اللي وقّعك في المصيبة." "مين؟ " قالت ليلى بتقطيبة حادة. بلع سليمان ريقه، ثم قال ببطء، وكأنه يعلم أنها ستكره الجواب: "الأستاذ شامل." رفعت حاجبها بدهشة، ثم ضحكت ضحكة جافة، كأنها تسمع نكتة سيئة: "شامل؟ شامل إيه اللي يساعدني؟ ده ما بيجيش من وراه غير الكوارث." لكن سليمان لم يبتسم، بل نظر إليها نظرة طويلة قبل أن يقول: "أيوة… بس برضو، هو اللي وشى بيك وصوّرك مع أمها."

توقّف الزمن للحظة. شامل؟ العالم من حولها تقلّص، وانحصر في اسم واحد. شعرت بأن شيئًا ما انكسر داخلها، لكنها لم تظهر ذلك. فقط، شحبت عيناها للحظة، قبل أن تستعيد صلابتها بسرعة. "شامل... " قالت ليلى ب هم س بطيء، وكأنها تذوق الاسم بمرارة لأول مرة. *** "الأستاذ شامل؟ هو ده اقتراحك؟ الشخص اللي سلّمني بإيده؟ اللي طعني في ضهري؟!

" قالت ليلى بصوت منخفض لكنه ينضح بالغضب المكبوت، وقد تجمّدت لثوانٍ. رم ت الكلمة الأخيرة وكأنها بصق مسموم، بينما عيناها تضيقان بشك واضح. "ما عندِكيش اختيارات كتير. يا تتحركي، يا تواجهي تحقيقات رائد، يا تجهّزي CV محترم وتدوري على مدرسة تانية." قال سليمان متنهّدًا بضيق، لكنه حافظ على نبرته الحازمة. "بقى ده كلامك يا أستاذ سليمان؟ " قالت ليلى باندهاش ممزوج باحتجاج مكبوت.

"أيوه، ده كلامي. التدريس في مدرسة خاصة مش مجرد حصة تشرحيها وتمشي، ليه ضريبة... والمدرس الناجح مش اللي بيخاف، حتى لو قدامه أم بتصرخ وتبكي عشان بنتها. شوفي حواليك، كام مدرس وقع في نفس الفخ؟ فاكرة المدرس اللي استدعته أم بحجة مصلحة لابنها، وطلعت متفقة مع جوزها علشان تصفي حساباتها؟ " قال سليمان ببرود متعمد، وكأنه يحاول إجبارها على مواجهة الحقيقة.

كانت ليلى تراه يتكلم، لكن عقلها كان في مكان آخر، يعيد ترتيب الأوراق في ذهنها. كلمات سليمان كانت واقعية لدرجة مستفزة. العالم الذي تعمل فيه لم يكن عادلاً، والقواعد دائمًا ما تميل لصالح الأقوى. "ده آخر كلام عندك؟ " قالت ليلى بصوت جاف، وقد بدأ الغضب يتحوّل إلى تصميم بارد.

"آخر كلام. وعايز ردّك بكرة الصبح، علشان ألحق أتصرف. ولو مش عجبِك، شوفي لك مدرسة حكومية تشتغلي فيها براحتِك. بس وقتها، انسَي الدخل اللي متعودة عليه، وحضّري نفسك لعيشة على العيش الحاف." قال سليمان مباشرًا وصارمًا، كمن يُلقي حجرًا في مياه راكدة.

كانت ليلى تنظر إليه، لكن ملامحها لم تعد تعكس الغضب فقط. شيء آخر بدأ في التشكل… شيء يشبه العزم، لكنه ليس العزم النبيل، بل العزم الذي يتشكل عندما يجد الإنسان نفسه محاصرًا، فيدرك أنه لا خيار له سوى الهجوم. راقبته يخرج من المكتب بخطوات ثابتة، ثم غلق الباب خلفه، تاركًا إياها مع أفكارها، وحدها مع معركتها القادمة. ضغطت على أسنانها، وعيناها تتوهجان بنار جديدة وهي تهمس لنفسها: "مدرسة حكومية؟ وبيتي ومصاريفي؟! طيب...

نشوف مين اللي هيكسب الجولة دي، يا أستاذ سليمان." *** هبطت من السيارة بخطوات بطيئة، وكأن الأرض تحاول التمسك بها، تمنعها من المضيّ قدمًا نحو مصير لا تعرف حدوده. لم يكن غضبها مجرد رد فعل على تهديد أو خسارة متوقعة، بل كان أشبه ببركان ظل يغلي في جوفها طويلًا، ولم يعد أمامه سوى الانفجار.

الشارع بدا أطول من المعتاد، أو ربما كانت خطواتها هي التي تثقلها الأفكار. لم يكن اليوم مجرد يوم عاصف… بل كان اليوم الذي شعرت فيه أنها خسرت معركتها حتى قبل أن تبدأ. هل كان قرارها خاطئًا؟

أم نيرفانا لم تفعل سوى ما كان يجب عليها فعله، أخذت طفلتها كما تفعل أي أم. لكن ليلى لم تكن غافلة عن الحقيقة الأخرى… الحقيقة التي كانت تسري في الهواء، كخيط رفيع من الدخان الأسود… الحقيقة التي تقول إن رائد الذهبي لن يترك الأمر يمر مرور الكرام. رائد… لا تعرف إن كان اسمه يستفزها أكثر، أم الخوف الذي يتسلل خلف حروفه هو ما يضغط على أنفاسها.

تابعت سيرها إلى منزلها، محاوِلة إيجاد شيء يوقف الغليان في صدرها، لكن لا أحد هناك… لا كتف تستند عليه، ولا صوت يُطمئنها أن كل شيء سيكون على ما يرام. أطبقت جفونها قليلًا وهي تستشعر نبضات رأسها تضرب كطبول الحرب. كان الضغط يرتفع في جسدها، ليس فقط من الغضب، ولكن من الإدراك المرير بأنها عالقة… عالقة في شبكة لم تكن مستعدة للدخول إليها.

هل تتمسك بموقفها، تُواجه العاصفة وحدها، حتى لو انتهى بها الأمر خارج المدرسة، وربما داخل قفص تُحاك خيوطه الآن في الخفاء؟ أم تتراجع؟ تُعيد نيرفانا إلى أبيها، تغلق هذا الباب، وتتعامل مع الأمر كأنه لم يكن؟ رفعت يدها إلى وجهها، مسحت العرق الذي بدأ يتسلل إلى جبينها، وكأن جسدها يحاول التخفف من النار التي أشعلها عقلها. كان الاختيار واضحًا، لكنه كان فخًا، مهما سلكت طريقًا، ستدفع الثمن. همست، بالكاد خرج صوتها

من بين شفتيها الجافتين: "في النهاية… المال فتنة تُفسد القلوب، لكن الخوف… الخوف هو الذي يُهلكها." *** أنهى شامل عمله في المدرسة، لكن هذه المرة لم يكن متعجِّلًا في الذهاب إلى رائد كما يفعل عادة. كان يدرك أن المواجهة ستكون مشتعلة، وأن كل كلمة منه قد تكون شرارة جديدة تضاعف النيران. ومع ذلك، لم يكن هناك مفر، فالأمر خرج عن السيطرة.

حين وصل إلى منزل رائد الذهبي، لم ينتظر طويلًا قبل أن يرى الأخير يقتحم عليه المكان، وعيناه تشتعلان غضبًا. "شامل... بنتي خرجت إزاي من المدرسة؟ " قال رائد بصوت منخفض لكنه حاد كحد السيف. كان شامل قد توقع هذا السؤال، لذا لم يتعجّل في الرد، بل تقدم نحو الطاولة، أخرج بعض الأوراق ووضعها أمام رائد دون أن ينطق بكلمة. "بسألك يا شامل! بنتي خرجِت إزاي؟! " قال رائد، ويرفع صوته وهو يقترب منه بخطوات ثقيلة.

رفع شامل نظره إليه بهدوء، ثم قال بنبرة ساخرة رغم التوتر الذي يملأ الأجواء: "مش المفروض تسأل بنتك الأول؟ يمكن هي اللي اختارت تمشي مع أمها؟ لم تعجب الإجابة رائد، فرفع يده وركل الكرسي القريب منه، ليصطدم بالجدار مُحدثًا صوتًا مدويًا. "إنت بتختبر صبري يا شامل؟ أنا سألتك، يعني عايز إجابة واضحة! " قال رائد بغضب مكبوت. زفر شامل وكأنه تعب من كثرة الكلام،

ثم أشار إلى الأوراق وقال: "البنت خرجت في وقت الفسحة، بإذن رسمي من المدرسة، تحت إشراف المدرّسة ليلى. أمها وصلت ومعاها راجلها الجديد، واستلمتها بهدوء. ولا خطف، ولا تهديد، ولا مقاومة. وفوق ده كله، نيرفانا بنفسها راحت معاها وهي فرحانة." تراجع رائد خطوة للخلف، وكأن الكلمات الأخيرة كانت لكمات تخترق صدره. لم يقل شيئًا، لكنه شعر بشيء غريب يضغط على أنفاسه. "وأنا؟ أنا ماليش كلمة؟ البنت تتاخد كده قدام عيني؟

" قال رائد بصوت هادئ لكنه مشحون بالغضب. اقترب منه شامل قليلًا، نبرته كانت أكثر جدية هذه المرة: "بص يا رائد، البنت دي ضحية حرب مالهاش ذنب فيها. وأمها، مهما كنت شايفها غلطانة، أم في النهاية. تفتكر ليلى سمحت بده ليه؟ لأنها شايفة إن الوضع اللي نيرفانا فيه غلط. البنت مش لعبة شدّ حبل بينك وبين أمها. وبعدين، إنت داخل انتخابات مجلس شعب… محتاج تظبط صورتك، مش تهدّ الدنيا على دماغك بسبب العند."

ظل رائد واقفًا، وجهه خالٍ من أي تعبير واضح، لكن نظراته كانت تكشف عن بركان يغلي في داخله. لم يكن الغضب وحده ما يسيطر عليه، بل الإهانة أيضًا… كيف تُؤخذ ابنته من تحت أنفه، دون أن يكون له كلمة؟ لم يكن في مزاج ليستمع لأي مبررات بعد الآن. استدار بخطوات حادة متجهًا إلى الباب، لكن قبل أن يصل، اصطدم بأخته يقين التي كانت تراقب المشهد من بعيد. "إيه يا رائد؟ رايح فين بالسرعة دي؟ " قالت يقين بتعجب وقلق.

"وراي مشوار." قال رائد بصوت عميق وجاف. "مشوار إيه؟ " قالت يقين بتوجس. توقف للحظة، استدار نحوها ونظر مباشرة في عينيها… كان هناك شيء مختلف في ملامحه، كأن القرار قد حُسم أخيرًا. "رايح أجيب بنتــــي! " قال رائد بصوته الثقيل الواثق. ***

عادت ليلى إلى منزلها بعد يوم طويل وعاصف، وهي تشعر وكأنها تحمل فوق كتفيها جبالًا من الهموم. بالكاد وضعت مفتاحها في الباب حتى سمعت أصواتًا قادمة من الداخل. لم يكن لديها وقت لاستيعاب المفاجأة، فقد فُتح الباب لتجد خالتها "شكران" وأخوها "مهاب" في انتظارها، بينما جلس وفائي على الأريكة، متجهم الوجه وكأنه للتو تلقى حكمًا بالإعدام. قبل أن تنطق بكلمة، اندفعت شكران نحوها واحتضنتها بحرارة، مغمغمة

بعبارات مليئة بالمحبة: "يا حبيبة خالتك، يا ست البنات، يا بنت الأصول! والله ما عارفة أشكرك إزاي! جدعنة منك، يا روحي، وجدعنة مفيش بعدها! لكن ليلى لم ترد بالمثل، بل أبعدت نفسها قليلًا ونظرت إليها ببرود، ثم قالت بنبرة متماسكة: "يا خالتو، لو سمحتي، بلاش الكلام ده. اللي حصل حصل، والمهم إن الحساب يتقفل هنا." نقلت نظراتها إلى وفائي، الذي تجنب عينيها وهو يحدق في الأرض،

ثم أكملت: "مش هسألك ليه عملت كده، مش فارق معايا. أنا فلوسي رجعت للراجل، بس المشكلة إن اللي حصل مش مجرد غلطة، ده اختيار. وصدقني، الاختيارات دي بتحدد مصيرك أكتر من أي حد تاني." تدخل مهاب أخيرًا، وهو يقف مسندًا ظهره إلى الجدار، موجهًا حديثه إلى خالته بلهجة لم تخلُ

من العتاب: "خالتو، إحنا ساعدناكم النهارده عشان ليلى حلفت عليا، لكن اللي حصل ده مش هيحصل تاني. وفائي مش صغير، ولو مشي في الطريق ده تاني، محدش فينا هيدفع تمن غلطته غيره." التفت إلى وفائي مباشرة، ونظر إليه بحدة وهو يضيف: "وأنا متأكد إنك فاهم كلامي كويس، مش كده؟ لم يرد وفائي، لكنه عقد ذراعيه بعناد، فيما أغمضت شكران عينيها بضيق وقالت، محاولة التخفيف من التوتر: "يا ولاد، أنا مش عايزة مشاكل... إحنا عيلة واحدة، وكلنا لبعض."

لكن ليلى قاطعتها على الفور، وقد اشتعلت بداخلها مشاعر لم تستطع كبحها أكثر: "عيلة واحدة مش معناها إننا نفضل نصحح أخطاء بعض طول العمر. كل واحد فينا مسؤول عن تصرفاته، وأنا عندي ما يكفيني من المشاكل، مش ناقصة أشيل فوقهم مصايب حد تاني." أشارت إلى حقيبتها، وهي تتهيأ للخروج، فاستوقفتها والدتها التي كانت تراقب المشهد بصمت حتى الآن: "رايحة فين يا بنتي؟ " قالت والدة ليلى بارتياب.

"عندي حاجة لازم أخلصها الليلة. بخصوص بنت اسمها نيرفانا." قالت ليلى بإصرار. عقدت والدتها ذراعيها، وأخذت تنظر إليها بحذر: "وأنتِ هتروحي لها فين؟ مش عايزة أسمع بكرة إن بنتي اتحبست في قسم شرطة بسبب عركة مع حد! ضحك مهاب ضحكة قصيرة لكنه لم يبدُ مستمتعًا بالموقف: "أهو ده العادي بتاعك يا ليلى، كل يوم قضية جديدة! " قال ساخرًا. نظرت ليلى إليه نظرة مطولة قبل أن تقول بهدوء،

لكن بنبرة حادة: "وأنا متعودة أخلص مشاكلي بنفسي، مش أهرب منها زي بعض الناس." التفتت إلى والدتها وقالت: "يا أمي، بس عايزاكي تفضلي عاقلة، وما تعمليش مشاكل مع سليمان بكرة. أنا هخلص الموضوع بطريقتي." قالت ليلى بحزم. تنهدت والدتها بقلق، لكنها اكتفت بإيماءة صغيرة، بينما خرجت ليلى من المنزل، وعقلها يعصف بالأفكار. لم تكن متأكدة مما ستواجهه، لكنها عرفت شيئًا واحدًا يقينًا: هذه الليلة لن تمر دون مواجهة حقيقية. ***

جلس رائد في المقعد الخلفي للسيارة، يراقب الطريق الممتد أمامه دون أن يراه فعليًا. كان شروده عميقًا، تتلاطم داخله الأفكار كبحر هائج. كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟ كيف استطاعت "شجن" أن تأخذ نيرفانا من تحت أنفه؟ والأهم… كيف وافق الحاج صابر على أن يكون جزءًا من هذه الخطة؟ قطع شروده صوت "شامل"، الذي كان يجلس بجانبه، وهو يقول بلهجة ساخرة: "إيه يا باشا، لسه في عالم تاني؟ ولا بتفكر في رد الفعل المناسب على الصفعة اللي خدتها؟

لم يرد رائد فورًا، بل أطلق زفرة طويلة، ثم رفع هاتفه، واضعًا إياه على أذنه. كان يعرف تمامًا من يجب أن يواجهه الآن. ثوانٍ معدودة، ثم جاءه صوت الحاج "صابر"، جافًا كالعادة: "خير، يا سي رائد؟ وش القمر طلع ليه دلوقتي؟ ضغط رائد على أسنانه قبل أن يرد بنبرة هادئة تحمل تحتها إعصارًا: "خير؟ الخير كله عندك، يا حاج صابر. أنت اللي خليت شجن تاخد بنتي، مش كده؟ قهقه صابر بخفة، كأنه كان ينتظر هذا السؤال تحديدًا،

وقال بلا مبالاة: "وأفرض يا سيدي؟ بنتها برضه، ومن حقها تشوفها، ولا إيه؟ شدّ رائد قبضة يده على الهاتف وكتم غيظه بصعوبة، قبل أن يرد بصوت منخفض لكنه يحمل تهديدًا واضحًا: "أنت فاكر نفسك لسه بتلعب معايا، حاج صابر؟ أنا افتكرت إن الحساب بيني وبينك خلص لما أخدت كل حاجة منك، لكن شكلي كنت غلطان. كده بتفتح بيني وبينك صفحة جديدة... صفحة مش هتعجبك نهايتها." صمت صابر للحظة،

ثم قال بنبرة خبيثة: "إنت فاكر إن الفلوس والممتلكات هما كل حاجة؟ لا يا رائد، في حاجات أهم... زي الكرامة، وزي الإحساس بالانتصار. وإنت، يا سيادة النائب المرتقب، لازم تتعلم إن مش كل حاجة ممكن تشتريها بالفلوس." لم يرد رائد، لكنه شعر بنبضه يتسارع، وبداخله يقين بأن هذه المواجهة لن تكون الأخيرة. أنهى المكالمة دون كلمة أخرى، ثم ألقى الهاتف بجانبه وهو يغمغم: "حلو أوي، يا حاج صابر… نشوف مين فينا اللي هيكسب الجولة الأخيرة."

أما شامل، الذي كان يتابع الحوار بصمت، فابتسم ابتسامة جانبية وقال وهو يشبك ذراعيه: "يظهر إن المعركة دي هتكون ممتعة… وأنا بحب الفرجة على المعارك، خصوصًا لما يكون فيها دم! *** وقف رائد في المدخل، نظراته ثابتة على شجن، وكأنهما خصمان التقيا في ساحة حرب بلا سلاح سوى الكلمات. لم يكن في عينيه غضب فائر، بل برود قاتل لا يقل خطورة عن العاصفة حين تهدأ قبل أن تهدم كل شيء.

شجن، كعادتها، لم تفقد توازنها. استندت إلى إطار الباب بكسل مصطنع، ورفعت حاجبها بسخرية: "كنت متوقعة تيجي، بس مش بالسرعة دي… إيه؟ خايف تروح عليك الجولة؟ لم يرد فورًا، بل تقدم خطوة أخرى، صوته خرج هادئًا لكنه محمل بوعيد واضح: "إنتِ فاكرة إن اللي عملتيه هيمر بالساهل؟ ضحكت ضحكة قصيرة، ومالت نحوه قليلًا، قائلة ببرود: "أنت اللي مصدق إنك تقدر تمنعني. رائد الذهبي اللي فكر إنه ماسك الدنيا، نسي إنه مش قادر يمسك بيته."

ضاقت عيناه، لكن ملامحه لم تتحرك قيد أنملة، قبل أن يرد بنفس البرود القاتل: "إنتِ اشتريتِ حرب، شجن… ومشكلتك إنك مش قد تمنها." رفعت حاجبها بتحدٍّ: "وأنا عمري ما لعبت غير مع الكبار، يا رائد… أو نسيت؟ ظل يحدق فيها للحظات، ثم فجأة، أطلق ضحكة قصيرة بلا أي أثر للمرح، وهمس بنبرة مشحونة بالخطر: "أنا مش من اللي يتلعب بيهم، وإنتِ عارفة ده كويس… لكن الغلطة دي هكلفك غالي." تقدمت خطوة، حتى كادت أن تلتصق به، ثم قالت بصوت

منخفض لكنه مليء بالثقة: "وأنا مستعدة أدفع… بشرط إنك تكون الخسران في النهاية." ساد صمت مشحون بينهما، قبل أن تميل شجن برأسها قليلًا وتقول بنبرة ذات مغزى: "بس خليني أفكرك بحاجة مهمة… بلاشي المحاكم، ولا الشوشرة، وإنت داخل على انتخابات. عارف إنك مش هتحب الشوشرة، صح؟ لم ينبس بكلمة، فقط عيناه كانتا كافيتين لتجعل ابتسامتها تتراجع، ولو للحظة خاطفة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...