أنت مضايق من حاجة؟ رفع عينيه عن الهاتف بملل واضح ورد بفتور: -لا عادي. نظرت له قليلاً بتفحص ثم قالت بصوت خافت مضطرب وكأنها تخشى رده على السؤال الذي قررت طرحه: -تحب نمشي طيب؟ انتفض معتدلاً في جلسته بحماس وهو يرى قرب تخلصه من هذا اللقاء الممل ورد بلهفة واضحة: -آه ياريت. قصدي لو أنتِ حابة تمشي. قال جملته الأخيرة حين شعر بحماسه الزائد. فنظرت له بعينين لمعت بهما الدموع التي أبت أن تسقط وقالت بخفوت متماسك: -آه حابة أمشي.
وقف سريعاً ما إن أنهت جملتها وقام بدفع الحساب ثم اتجه معها للخارج. وحين وصلا أمام المطعم وجدته يتوقف وقال بعدما نظر في هاتفه: -معلش بقى يا ياسمين امشي أنتِ، أصل افتكرت شغل مهم عندي في المصنع لازم أروح أخلصه. نظرت حولها بتوتر، لم تعتاد أن تسير بمفردها وقد قاربت على العاشرة مساءً. هي بالأساس لا تخرج بمفردها ليلاً، بالأخص فأبيها لا يسمح لها بالخروج لخوفه الشديد عليها. قطع حيرتها وهو يقول متعجلاً بنبرة غير مهتمة بها:
-ويا ريت لو عمي سألك تقوليله إني وصلتك ومشيت عشان يعني ميزعلش، أنت عارف تفكيره. يلا خدي بالك من نفسك. أنهى حديثه ولم يعطها فرصة للرد وذهب من أمامها فوراً كأنه يهرب من شيء يلاحقه. خفضت بصرها لأسفل وسقطت دموعها التي احتجزتها لدقائق. سقطت قهراً على حالها. صالح ابن عمها، حبها الأحمق له يرهق قلبها كثيراً ويفتك به. وهنا يأتي السؤال، متى ستتوقف عن حبه؟
لقد باتت موقنة أن صالح لا يحبها واضطر لخطبتها لرغبة والدته ليس إلا. منذ الخطبة وهو يعاملها بإهمال جلي، ويتحدث معها أقل من القليل. لا يطلب الخروج معها إلا حينما تطلب منه والدته أمام الجميع أن يأخذها ويخرجا قليلاً. لا يتحدث معها إلا إذا تحدثت هي، وحين تحدثه تشعر أنه قد مل من المكالمة التي لا تتجاوز الدقائق القليلة. تحاول جذب أطراف الحديث فتسأله عن يومه فيرد مجبراً بكلمات موجزة. وحين يجلس معها يمسك هاتفه ويظل منشغلاً به وكأنه يخبرها بلطافة أنه لا يريد الجلوس معها.
رفعت رأسها ومسحت دموعها بضيق قبل أن تشير لأحد سيارات الأجرة وتستقلها للعودة لمنزلها. ما إن ابتعد عنها حتى زفر باختناق وكأنه قد استطاع التنفس أخيراً. فتح باب سيارته وجلس على مقعد السائق. وقبل أن يغلق الباب ليتحرك، استمع لرنين هاتفه فضغط زر الإجابة سريعاً: -خمس دقايق وهكون قدامك. استمع لرد الطرف الآخر وهو يقول: -متأخر ربع ساعة على ميعادك ولسه هستنى! رد بنبرة لينة وهو يقول:
-معلش يا مُنمن، والله كان عندي مشوار مهم يدوب خلصته. أتاه صوتها مرة أخرى تقول متأففة: -بسرعة يا صالح، أنا زهقت من الانتظار. ابتسم وهو يدير سيارته وقال بمزاح: -غمضي عينك واستحضري صورتي، هتفتحي عينك هتلاقيني قدامك. سابك ومشي؟ أومأت بصمت وهي تنظر لـ "إسلام" بحرج. تلجأ للحديث معه لأنها لا تملك غيره. ليس لها أصدقاء ووالدتها قد توفت ووالدها لن تقدر أن تسرد له ما يفعله صالح معها، فهي لا تريد مشاكل بينهما.
استمعت لنبرة "إسلام" الجادة وهو يقول: -ياسمين، أنتِ هتقدري تكملي معاه وهو كده؟ دي فترة الخطوبة المفروض أكتر فترة فيها اهتمام وحب ولهفة لكلام ولا خروجة ولا قعدة بينكوا. إذا كان بيعمل كده في الخطوبة إيه اللي هيحصل بعد الجواز؟ اختنق صوتها من البكاء وهي تقول بدموع: -عارفة إني هعاني معاه بس غصب عني. بحبه يا إسلام ومش عارفة أبطل أحبه. أنت شوفت فرحتي لما اتقدملي! شوفت أحلامي اللي قعدت أبنيها على سراب!
أيوه سراب. صالح مش هينفذ ولا حلم من اللي بنيته. صالح الحقيقي غير البطل اللي رسمته في خيالي. أنا تايهة يا إسلام، تايهة أوي مش عارفة أعمل إيه. أسيبه؟ ما هو لو سبته مش هعرف أعيش من غيره ومش هتقبل أكون لحد غيره. أعمل إيه وأنا بين نارين؟ الاتنين هيحرقوني. قولي إيه الحل؟ تنهد إسلام بضيق وقال:
-أنا مش عارف أقولك إيه، بس صدقيني جحيم الفراق ولا نعيم القرب في الوضع ده. أنتِ بعدين مش هتستحملي تحسي إن جوزك مبيحبكيش وكأنك مغصوبة عليه. مش هتستحملي إهماله وبعده عنك وقلة كلامه معاكِ وعدم اهتمامه بيكِ. هتعاني كتير أوي. أنا عارف إن البعد صعب ومش حل مناسب ليكِ، بس لو كملتِ على الوضع ده هتظلمي نفسك. نظرت لأخيها بتفكير. أنه على صواب إن استمرت ستظلم نفسها، لكنها إن ابتعدت ستحرق نفسها. أيهما أهون يا ترى؟
كانت في حيرة من أمرها. أتحدثه؟ هي معتادة أن تهاتفه يومياً في الثانية عشر مساءً كي تتحدث معه قليلاً وتطمئن على عودته للمنزل وتحاول أن تسأله عن يومه لأنها لا تستطيع فعل هذا وهو أمامها، لقلة تبادل الأحاديث بينهما. زفرت بضيق قبل أن تردد محاولة إقناع نفسها:
-مش معنى إني هكلمه يبقى قررت أكمل. أنا بس هكلمه أشوف رجع ولا لأ. بعدين شغل متأخر كده يبقى أكيد كان في مشكلة في الشغل وممكن يكون متضايق دلوقتي. أنا هكلمه أطمن بس إن الأمور تمام وهقفل مش هفتح معاه حوارات. وبالفعل مسكت هاتفها وقامت بالاتصال به. وبعد دقيقتان فُتحت المكالمة واستمعت لصوته الرجولي يقول: -أيوه يا ياسمين. تنحنحت بتوتر وهي تقول: -خلصت شغلك ولا لسه؟ رد باقتضاب: -أنا لسه واصل البيت. -كويس، حمد الله على السلامة.
-الله يسلمك. هكذا فقط وصمت، وهي لم تتفاجأ فهذا هو طبعه يرد بكلمات مقتضبة وإيجاز ليس إلا وعليها هي أن تطيل الحديث بأسئلتها. -صالح، أنت ليه متصلتش تشوفني وصلت ولا لأ؟ سؤال لم تكن تنوي طرحه، فقط خرج منها بتلقائية لكثرة تردده في عقلها منذ أن وصلت للبيت. أليس من الطبيعي أن يهاتفها ليطمئن من وصولها! رد باستنكار لم يصل لها: -إيه اللي هيحصل يعني؟ طبيعي تكوني وصلتي. ثم إن المطعم مش بعيد عن البيت، دي هي عشر دقايق.
ابتلعت غصة مريرة احتلت حلقها قبل أن تقول بنبرة هادئة: -معاك حق، طبيعي هوصل. هو أنت كان في مشكلة في الشغل ولا حاجة؟ أصل أول مرة يكون في شغل بالليل. -لأ عادي. صمتت هذه المرة ولم تجد حديثاً آخر تقوله فقالت: -تمام، عاوز حاجة قبل ما أقفل؟ أتاها صوته الهادئ يقول: -شكراً، تصبحي على خير. وأُغلقت المكالمة! نظرت للهاتف بين يديها قبل أن تردد بخفوت متألم: -وأنت من أهل الخير.
في اليوم التالي وبعد تفكير طوال الليل اتخذت قرارها. هي لن تستطيع البعد، فلتتحمل مرارة القرب إذاً وتحاول أن تجعله يشعر بها. جلست بجواره كعادتها على الغداء بعدما دعته لتناول الغداء معهم ولم يمانع رغم تأففه من الأمر. نظر لها بجانب عينيه وتذكر حين حدثته منذ ساعة. -صالح، انزل اتغدى معانا. تجعدت ملامحه بضيق وهو يبعد الهاتف عن أذنه بتأفف ثم أعاده وقال بنبرة عادية: -مش لازم النهارده. قالت متسائلة بهدوء رغم حزنها من رفضه:
-ليه، وراك حاجة؟ زفر بضيق خافت لم يصل لها وقال: -لأ. بس يعني مش ضروري. مفيش مناسبة. أتاه نبرتها الحزينة وهي تهمس: -خلاص زي ما تحب. هقول لبابا إنك مش فاضي عشان قولتله إني هقولك تتغدى معانا النهارده. مسح بكفه على وجهه بضيق وقال باقتضاب: -خلاص طيب، نازل. وها هو يجلس جوارها وهو يبتسم باصطناع. وجهت نظرها له حين وقف فجأة وهو يقول: -تسلم إيدك يا ياسمين، سفرة دايمة يا عمي. عن إذنكم.
جملة كاملة قالها دون تقطع واتجه للخروج. فركضت هي لغرفتها لتجلب شيئاً ثم ركضت لباب الشقة لتلحقه على درجات السلم. فهتفت بتنبيه: -صالح استنى. لوى فمه بضيق قبل أن يحتل البرود وجهه وهو يلتفت لها، ليراها تتقدم منه وبيدها حقيبة هدايا متوسطة الحجم وتبتسم باتساع وهي تقول بخجل: -كل سنة وأنت طيب. أنا قلت أعزمك على الغدا النهارده عشان عيد ميلادك وكده وأعرف أقدم لك الهدية.
قطب حاجبيه باستغراب كبير وهو يفتح شاشة هاتفه لينظر لتاريخ اليوم ووجده بالفعل عيد مولده. التقط الحقيبة منها بملامح مندهشة وقال: -وأنتِ طيبة يا ياسمين. ابتسمت له بلطف وعادت لشقتها مرة أخرى. وقف ينظر لها بشرود. هو نفسه لم يتذكر عيد مولده ولا والدته ولا أخيه! كيف تذكرت هي؟
أفاق من شروده على صوت هاتفه فنظر له ليجد اسم "منى" يزينه. صعد درجات السلم سريعاً ودلف لشققته ثم لغرفته ووضع الحقيبة فوق الفراش بإهمال حتى سقطت بعد ثوانٍ وهو يتحدث بالهاتف. أنهى حديثه وهو يلتقط مفتاح سيارته ويقول: -ماشي يا عمري، ربع ساعة وأكون في المطعم أشوفك هناك، باي يا مُنمن. ثم أغلق معها واتجه للخارج تاركاً الحقيبة ساقطة أرضاً كقلب صاحبتها تماماً.
وصل للمطعم ليمرر بصره بين الحضور وأخيراً وجدها جالسة على طاولة في آخر المطعم. عدل من التيشيرت الأسود الأنيق فهو بالعادة يرتدي ملابس عصرية "كاجوال" في حياته العادية، لكن وقت العمل أو الحفلات الخاصة بالعمل يرتدي الملابس الكلاسيكية. نزع دبلته من كفه ووضعها في جيب بنطاله ثم رسم ابتسامة هادئة على ثغره قبل أن يتجه لها وهتف حين وصل أمامها: -مليش حق أسيب القمر ينتظرني، العادة إحنا اللي بننتظر القمر. ضحكت بدلال
وهي تقول بابتسامة واسعة: -بكاش أوي، ومحدش يقدر يغلبك. جلس وهو يغمز لها بشقاوة مردداً: -أنا! ده أنا أغلب واحد في المجرة. أرجعت شعرها للوراء وهي تقول مبتسمة: -غلبان! طيب يا غلبان، قلت إيه على رحلة الساحل؟ رد مبتسماً: -ودي تفوتني برضو، ظبط شغلي وطالع معاكِ بس هم 3 أيام وهرجع عشان الشغل وهسيبك مع صحابك. -أوك، عموماً هم هيسبقونا وهيمشوا بكرة واحنا هنحصلهم بعد بكرة عشان عندي عيد ميلاد ابن عمي بكرة ولازم أروح.
اقترب ليضع ذراعيه على الطاولة وهو يقول لها بضيق مصطنع: -أوعي يكون في بينكوا قصة حب ومخبية عليا. ضحكت بهدوء ثم قالت بخبث: -أنا مش بحبه بس، أنا بموت فيه. رفع حاجبه باستياء مردداً: -والله؟ اقتربت كما فعل هو وهي تغمز له قائلة: -ابن عمي عنده 4 سنين. ابتسم باتساع وهو يقول: -تشربي إيه بقى؟ -ها طمنيني، عجبته الهدية؟ قالتها "جيهان" وهي تجلس مع "ياسمين" في ردهة شقة "محمود". أخفضت "ياسمين" نظرها بتوتر وهي تقول:
-بصراحة يا طنط أنا مشيت قبل ما يشوفها، اتكسفت أقوله افتحها. تفهمت "جيهان" خجلها فابتسمت لها بهدوء وقالت: -مش مشكلة، أكيد هتعجبه. قوليلي طيب قالك إيه؟ -أنا قلتله كل سنة وأنت طيب، فقالي وأنتِ طيبة. ضيقت "جيهان" حاجبيها باستغراب وقالت: -بس؟ أومأت إيجاباً وهي توضح: -ما أنا مشيت بقى. تنهدت بخفوت: -ماشي، بس أكيد لما يشوف الهدية هيكلمك. ابتسمت ابتسامة مقتضبة وقالت بيأس خفي: -آه، أكيد. طب هنزل أنا. هتفت "جيهان"
بحماس وهي تنهض: -استني هقوم أجيبلك من البسبوسة اللي عملتها، هتعجبك أوي. ابتسمت بسعادة وهي تقول: -واو! لأ هي فيها بسبوسة يبقى قاعدة بقى. دلفت "جيهان" للمطبخ وهي تردد: -عملتها مخصوص عشانك. نظرت حولها بهدوء قبل أن تتجه ببصرها لباب غرفته. أنتابها الفضول للدخول لغرفته كالعادة حين تصعد لهنا في غيابه. تحب شعورها بوجوده حولها رغم غيابه، تحب رائحة عطره التي تملأ الغرفة، تحب تلك اللحظات المعدودة التي تقضيها في تأمل غرفته.
وقفت متجهة ناحية الباب بهدوء وهي تنظر حولها بتوتر خشية أن يراها أحد. حتى وصلت للباب الموارب قليلاً فدفعته بيدها ببطء كي لا يصدر صوت أثناء فتحه. ابتسمت باتساع حين هبت رياح محملة برائحة عطره. دلفت خطوتين وتوقفت ممررة عينيها في الغرفة بابتسامة عاشقة لتفاصيل هذه الغرفة فقط لأنها ملكه. توقفت عينيها حين لمحت حقيبتها المهداة له ملقاة أرضاً بجوار الفراش. اندثرت ابتسامتها وهي تشعر بغصة مريرة غزت حلقها فوراً.
اقتربت بخطوات بطيئة وهي تتمنى أن تكون الهدايا ليست بها على الأقل، لكن خاب أملها حين رأت هداياها كما هي حتى لم يأخذ الظرف الذي كتبت به بعض الكلمات التي تعبر عن مكنونات صدرها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!