حامل ! كلمة ظلت يتردد صداها في عقلها بعدما خرجت الممرضة وتركتها. طفل لم تكن تعلم بوجوده ولم تشعر به حتى أعلن عن وجوده في وقت مضطرب وعلاقة مذبذبة، على الأقل من ناحيتها الآن. لقد كانت تتخبط بالأساس ولا تعرف ماذا عليها أن تفعل، فجاء هو ليزيد من تخبطها ويفسد جميع خططها. ولكن لحظة! لِمَ عليه أن يفسد خططها؟ ولِمَ هي تجلس هكذا وكأنها قد وقعت على رأسها مصيبة للتو! إنه طفلها الأول، هل لها ألا تفرح بوجوده!
أيًا كانت علاقتها بأبيه، فهو ابنها ومن حقه عليها أن تسعد بوجوده حتى وإن كانت ترى أن الوقت غير مناسب. ربما بعد فترة تتحسن علاقتها بصالح وتقرر الاستمرار معه بعدما تتأكد من صدقه، حينها لن يبقى لها سوى سوء الذكرى حين علمت بخبر حملها ولم تفرح به. وحتى وإن قررت الانفصال في النهاية، هو ابنها ولا دخل له بمشاكلها مع أبيه. افتر ثغرها عن ابتسامة هادئة اتسعت شيئًا فشيئًا حتى احتلت وجهها بأكمله. ومسحت بكفها على بطنها
وهي تردد بعاطفة جياشة: "هو أنا إزاي محسيتش بوجودك! بيقولوا الأم بتحس بإبنها من أول ما بيتوجد، بس يمكن عشان متخيلتش إنك هتيجي بالسرعة دي...
مش عارفة، بس أنا مبسوطة أوي بوجودك، حاسة إن قلبي هيطير من الفرحة. متفتكرش عشان المشاكل اللي حاصلة إني هكره وجودك، أبدًا بالعكس، أنتِ اللي هتقويني الفترة الجاية وأيًا كانت النهاية هتكون داعم ليا عشان أكمل ومسمحش لنفسي أنهار. يمكن اللي اتغير بوجودك حاجة واحدة بس، إني دلوقتي هحارب عشانك، هحارب حتى لو أبوك نفسه. هحاول على قد ما أقدر أطلع كسبانة وحياتنا تستمر عشانك، حتى لو رجعتلها أنا هعرف إزاي أدبه وأرجعه لينا. متستاهلش إنك تتولد وتلاقي أبوك وأمك كل واحد في جهة، حتى لو اضطريت إني أفضل بس معاه عشانك ويبقى بالنسبة لي أبو ابني وبس."
أنهت حديثها وهي تتنهد براحة، تشعر الآن أنها بوعودها هذه قد أدت واجبها تجاه ابنها الذي للتو اكتشفت وجوده، وتاليًا ستسعى لتنفيذ وعودها. فُتح الباب بهدوء ودلف للداخل بخطى مرتجفة تمامًا كنبضاته التي خفقت بتوتر واضطراب وفرحة في آن واحد. رآها تجلس على الفراش منحنية الرأس لأسفل، لا يدري ماذا تفعل أو ماذا بها تحديدًا. وصل أمامها وجلس مقابلها تمامًا ثم همس باسمها: "ياسمين."
رفعت رأسها فورًا له، وكأنها لم تشعر بوجوده ولا جلوسه أمامها. نظرت له لتجد وجهه متوتر بشدة وأعينه لامعة بشيء غير مفهوم. ابتسمت بهدوء له وهي تجيبه: "نعم." "هو أنتِ حامل بجد؟ خرج سؤاله بتوتر بالغ وأعينه قد ظهر بها الآن بعض الدموع التي استطاعت رؤيتها، فاختفت ابتسامتها باستغراب شديد ثم أومأت له وهي تقول: "آه، حامل."
وفجأة وجدته يرتمي عليها محتضنًا إياها بقوة، حتى أنها استطاعت الشعور بتوتر عضلات جسده بوضوح. ظل هكذا لثوانٍ ولم تبخل هي عليه هذه المرة، فرفعت ذراعيها وحاوطته وهي تشعر بتوتره واضطرابه الذي لم تفهم سببه بعد. ابتعد عنها لترى دموعه واضحة الآن وقد سالت على وجنتيه ببطء. فانتفضت ملامحها وتوترت هي الأخرى وهي ترى دموعه وحزن وجهه الواضح، فلم تشعر سوى بيدها تمتد لتمسح وجنتيه برفق وهي تهمهم باستغراب وقلق: "فيه إيه يا صالح؟
أنت مش فرحان ولا مالك؟ ابتلع ريقه بصعوبة ثم نظر لها وقال بنبرة مهمومة: "أنا... أنا خايف." "خايف! رددتها بصدمة وهي تطالع وجهه بتمعن، فلم تتوقع أن تستمع لمثل هذه الكلمة منه والآن تحديدًا! أومأ برأسه عدة مرات قبل أن يتنهد بعمق ويقول: "خايف ربنا يجازيني في اللي جاي، رغم إني تبت بس لسه قلبي قلقان." رغم فهمها لمغزى حديثه وما يقصده، لكنها ادعت عدم الفهم وهي تسأله: "يجازيك عن إيه يا صالح؟ أنت كنت بتعمل إيه؟
عمق نظراته في نظراتها لدقيقة تقريبًا دون رد حتى قال أخيرًا: "هقولك، صدقيني هحكيلك وكنت ناوي أحكيلك كل حاجة عشان أرتاح بس مستني الوقت المناسب. بعد ما نطمن على البيبي هحكيلك كل حاجة، بس أوعديني تفهميني وتسامحيني." قال الأخيرة بنبرة رجاء ظهرت بوضوح، فتنهدت هي بتوتر لم تتوقع أبدًا أن يحكي لها صالح عن الأمر بنفسه! لكنها جمعت رباطة جأشها وهي تقول: "أوعدك يا صالح، حتى لو مش عشانك يبقى عشان اللي جاي." نفى
برأسه عدة مرات وهو يقول: "لأ يا ياسمين، عشاني، عشاني أنا مش عشانه، عشان حبنا وعشان حياتنا مع بعض." ابتسمت له بسمة اطمئنان وهي تقول: "هحاول." *** "لأ تمام، الجنين حالته كويسة وتقدري تتحركي براحتك بس بحذر طبعًا. وكمان أي تقارب بينكم ممنوع لحد الشهر الثالث." كانت تلك كلمات الطبيبة التي لجأوا لها لفحصها هي والجنين، فأردفت "ياسمين" بتساؤل: "هو الحمل في الأسبوع الكام؟ "الحمل بكرة هيتم شهر." قطبت "ياسمين"
حاجبيها بدهشة وهي تردد: "آه بس إحنا متجوزين بقالنا شهر ويومين تلاته يعني... قاطعتها الطبيبة بابتسامة وهي تقول: "وإيه المانع! الحمل ممكن يحصل من أول مرة." هنا تحدث "صالح" خارجًا عن صمته وهو يسألها: "إحنا عندنا ميعاد طيارة بكرة المفروض نرجع مصر، هينفع نرجع؟ نفت الطبيبة برأسها وهي تقول برفض: "لأ طبعًا، حضرتك بقول الحركة بحذر تقول سفر ودوامات هوائية!
لأ طبعًا مش هينفع قبل نهاية الشهر الثاني عالأقل، وده حسب كشفي على حالة المدام وقتها، لكن بعد التالت تقدروا تسافروا وأنتم مطمنين." نظرا لبعضهما بصدمة، هل سيضطران للبقاء هنا شهران آخران! وعن ياسمين فكانت تفكر في شيء آخر، هل ستظل في حيرتها وقلقها هذا لمدة شهران!؟ خرجا من عند الطبيبة بصمت دام حتى وصولهما الفندق، وكلاً منهما شارد في أفكاره. حتى قطع "صالح" الصمت وهو يقول لها:
"حبيبتي تعالي نتغدى، إحنا الغدا فاتنا وأكيد جعانة." لم تستمع له وهي منغمسه في أفكارها، فأمسك يدها يوقفها وهو يناديها: "ياسمين! انتبهت لنداءه لها فردت: "نعم." "مالك يا حبيبتي سرحانة في إيه؟ زفرت بضيق وهي تقول: "هسرح في إيه يا صالح! في اللخبطة اللي حصلت، هنضطر نقعد هنا كل ده، طب وشغلي و... قاطعه مبتسمًا وهو يقول: "تعالي بس نروح المطعم ونتكلم هناك." في المطعم... بعدما طلبوا ما أرادوه نظر لها وهو يقول مبتسمًا:
"كنتِ بتقولي شغلي! شغل إيه بس اللي بتتكلمي عنه، هو يعني شغلي أهم من سلامتك أنتِ وابني! صمت فجأة مبتسمًا باتساع وهو يردد بأعين لامعة: "ابني! كلمة حلوة أوي يا ياسمين، متوقعتش إني ممكن ييجي يوم وأقولها، أنا... أنا حاسس إني مبسوط أوي لدرجة إني مش عارف أعبر عن فرحتي." "آه بس شغلك... قاطعها قائلاً: "متشغليش بالك، هكلم بابا وهو هيتصرف، المهم هناكل دلوقتي ونطلع عشان ترتاحي ومن النهارده مش عاوزك ترهقي نفسك في أي حاجة."
قالها وقد كان يعنيها حقًا، فمنذ ذلك اليوم وحتى الآن، رغم مرور شهر ونصف كاملين، لم يهتم بشيء سوى هي، يهتم براحتها وطعامها ودوائها وسعادتها. فلم ينفك عن مفاجأتها بأشياء تحبها، كسهرة رائعة في أحد المطاعم مع جو شاعري أروع، والكثير من باقات الورود التي تحبذها، والأكثر من التدليل وإغداق مشاعره عليها. في حين كانت تراقب هي ما يصل له من رسائل ومكالمات من تلك المدعوة "منى"، ولم يتغير أسلوب "صالح" المتبع معها من تجاهل للرسائل والمكالمات لتهديد ووعيد إن لم تكف عن ما تفعله، فهذأ هذا من قلقها وثوران مشاعرها بطريقة أو بأخرى.
"كفاية يا صالح، مبقتش قادرة آكل أكتر من كده! قالتها "ياسمين" بتذمر وهو يجلسها بجواره تكاد تكون ملتصقة به، ويحرص على إطعامها كل الطعام تقريبًا. تأفأف بنفاذ صبر وهو يقول: "قلتلك طيارتنا بعد ساعتين وهنتحرك على المطار كمان شوية، عاوزة تتحركي وتروحي وتيجي من غير أكل! وكمان عشان دوا الفيتامينات." "آه ما أنا أكلت، لكن أنت كده بتزغطني! وبعدين ما فيه أكل في الطيارة."
"أكل الطيارة ده غدا، لكن ده فطار اللي حضرتك اتأخرتِ فيه النهارده عشان مكسلة تصحي." هتفت برجاء: "طيب عشان خاطري، كفاية والله مبقتش قادرة." استسلم لإلحاحها وقال: "ماشي، يلا بقى خدي الدوا وقومي البسي عشان ننزل." دلفت للداخل بعدما ناولها الدواء لتغير ثيابها، فاستمعت لنغمة مخصصة صدرت من هاتفها، فركضت سريعًا تجاهه تتفحصه حتى وجدت رسالة من "منى" لـ "صالح"، تبعتها رسالة أخرى من "صالح" يقول فيها:
"أنا نازل مصر النهارده، بكرة بليل نتقابل في كافيه ****** الساعة 9." فأتته رد "منى" وهي تقول: "هستناك أكيد." أغلقت هاتفها وهي تنظر للفراغ أمامها، فيبدو أن الحكاية على وشك الانتهاء وستُعلن نهاية هذه القصة السخيفة غدًا. ولكن السؤال، هل هي قادرة على تقبل تلك النهاية أيًا كانت!؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!