بقصر الدويرى. كانت داليدا مستلقيه فوق الفراش تتصفح هاتفها كعادتها بملل عندما فتح باب الغرفة فجأة ودلف زوجها داغر الدويرى إلى الغرفة. انتفضت واقفه بتعثر على قدميها وكعادتها عند رؤيتها له تثاقلت انفاسها التي انحبست داخل صدرها، بينما اخذت ضربات قلبها تزداد بقوة جنونية. اخفت يديها خلف ظهرها سريعا حتى تخفي ارتجافها الواضح عنه.
فقد كانت هذه هي ردة فعلها عندما رأته أول مرة في حياتها ولم تتغير حتى الآن، فلا يزال كيانها بأكمله يهتز عندما تراه أمامها. بينما كان هو كعادته التي لم تتغير منذ أن عرفته. بارد، صلب في تعامله معها، فلم يظهر يوما اهتماما أو أي رد فعل يدل على تأثره بها. وكعادته أيضا، دلف إلى الغرفة دون أن يلتفت نحوها ودون أن يوجه إليها حتى لو كلمة واحدة، مفضلا اعتبارها غير موجودة معه بهذه الغرفة.
راقبته بشرود وهو يتوجه بصمت نحو خزانة الملابس مخرجا ملابسه الخاصة بالنوم، وفوق وجهه يرتسم قناعه البارد. رغبت كثيرا لو كان لديها الجرأة لتصرخ بواجهه وتخبره بمدى تأثرها والألم الذي يسببه لها معاملته إياها بتلك الطريقة، لكنها حتى الآن لم تمتلك تلك الجرأة لفعلها.
تنفست بعمق بينما تحاول نفض تلك الأفكار بعيدا، محاولة رسم ابتسامة على وجهها وعدم إظهار ما يدور بداخلها من صراع، لكن خانتها شفتيها وارتجفت قليلا بسبب توترها. اتجهت بخطوات مرتجفة نحو الطاولة المجاورة للفراش، نازعة عنها الغطاء ليظهر أطباق مختلفة مليئة بالطعام الشهي. همست بصوت منخفض بينما تفرك يديها بتوتر وعيناها مسلطة عليه، تراقبه بأعين متسعة وأنفس متثاقلة وهو ينزع ببطء سترة بدلته. "أنا حضرت الأكل علشان نتعشا سوا...
التفت إليها ببطء كما لو أنه لم ينتبه إلى وجودها إلا الآن. ظل واقفا بمكانه يتطلع إليها بصمت عدة لحظات، وعينيه تمر ببطء عليها متأملا منامتها الواسعة التي تغلق أزرارها حتى عنقها، لكن رغم ذلك رفعت يدها تتمسك بخجل بعنق منامتها المغلق جيدا. هز رأسه برفض بينما يجيبها ببروده المعتاد معها، بينما يلتف مرة أخرى ويولي اهتمامه للخزانة متناولا ملابسه. "اتعشيت في المكتب...
أومأت رأسها بصمت محاولة محاربة خيبة الأمل التي غمرتها بعنف، فقد قضت الكثير من الوقت في صناعة تلك الأطعمة من أجله خصيصا، في محاولة منها لجذب انتباهه إليها ولو قليلا، وبدأ زواجهم كما كان يجب أن يبدأ منذ أول يوم.
تابعته بأعين تلتمع بالدموع بينما يدلف إلى الحمام الملحق بجناحهم، شاعرة بألم حاد يعصف بقلبها بسبب معاملته تلك التي لم تتغير أبدا منذ أول يوم في زواجهم، فقد مضى أكثر من أسبوعين على زواجهم ورغم هذا لم تتحسن معاملته لها.
اتجهت بخطوات مرتجفة نحو الفراش مرة أخرى، منهاره جالسة ببطء عليه، تتطلع بأعين شارده بباب الحمام الذي أغلقه خلفه، وقد بدأت تتساقط من عينيها دموع المرارة التي لم تعد تستطع حبسها أكثر من ذلك. فهي عند زواجها منه لم تكن تتوقع أن تكون حياتها معه بهذا الشكل. فقد كانت تعتقد أنه سيكون عوض الله لها عن كل ما قاسته في حياتها، خاصة وأنها كانت واقعة في حبه عندما تقدم لخطبتها، وكان ذلك أشبه بمعجزة قد تحققت من أجلها هي فقط.
شعرت برجفة حادة من الألم داخل صدرها عند تذكرها أول يوم رأت به داغر. كانت في هذا اليوم جالسة كعادتها أمام نافذة غرفتها التي لا تفارقها إلا نادرا، تنظر من خلال التلسكوب الخاص بوالدتها الراحلة تراقب القمر المشع في السماء الحالكة والنجوم التي تحاوطه بمشهد يخطف الأنفاس. فقد كان هذا روتينها اليومي منذ وفاة والدتها التي كانت عالمة فلك. فقد كانت تأخذها دائما معها لمراقبة النجوم ومسارها بهذا التلسكوب فوق سطح بنايتهم.
كانت والدتها مقربة منها للغاية، فقد كانت تحاول تعويضها دائما عن حرمانها من والدها الذي توفي وهي لازالت لم تتخط الثانية من عمرها. أحبت داليدا هذا المجال كثيرا بسبب والدتها، كما أصبح هذا التلسكوب أغلى ما لديها، فهو ما بقي لها من والدتها التي كانت تشجعها دائما على اكتشاف كل شيء وبث بها روح المغامرة.
حتى توفيت والدتها وتركتها وهي بعمر الثانية عشر من عمرها، تاركة إياها تحت وصاية شقيق والدتها الأصغر مرتضى الراوي، الذي كان يبلغ وقتها من العمر 22 عاما، فقد كان خالها وكذلك ابن عم والدها.
كان خالها مرتضى حاد الطباع دائما معها، وكان ترجع سبب ذلك إلى الفجوة العمرية التي بينهم، لكن زادت سوء معاملته لها بعد وفاة والدتها، فقد كان عندما يغضب منها أو عندما يأمرها بفعل شيء وترفض فعله يقوم بحبسها داخل غرفتها لعدة أيام حتى ترضخ أخيرا وتنفذ ما يطلبه منها. فقد كان يتعامل معها كما لو أنها لا تزال طفلة لا يمكنها التصرف بمفردها أو الاعتماد على نفسها، متدخلا في كافة شؤون حياتها.
فقد منعها بعد وفاة والدتها من الخروج خارج الفيلا، جاعلا إياها تكمل دراستها من داخل المنزل، آتيا إليها بمدرسين يعطونها دروسا خاصة، متحججا بأنه يشعر بالخوف عليها بسبب نوبات الذعر التي أصبحت تنتابها منذ وفاة والدتها. كانت وقتها طفلة فلم تستطع معارضته أو فعل شيء حيال ذلك.
ولكن عند بلوغها سن الثامنة عشر تمردت وطلبت منه أن تذهب للجامعة حتى تبدأ تتأقلم مع الذين هم في سنها، لكنه رفض بشدة. وعندما أصرت على موقفها وافتعلت معه العديد من المشاجرات العنيفة، وافق في النهاية على مضض أن يجعلها تذهب للجامعة تحت حراسة مشددة من رجاله الذين كانوا لا يجعلونها تستطيع حتى التنفس على راحتها.
لكن بعدها تطورت نوبات الذعر التي كانت تنتابها وأصبحت تصيبها بطريقة مبالغ بها. ففي بادئ الأمر عندما كانت تخاف من شيء أو تحزن كان تأتيها رجفة بسيطة بقدميها وذراعيها، لكن أصبحت أعراض تلك النوبات أقوى من قبل. فقد أصبح جسدها بأكمله يبدأ بالارتجاف وتتخلله برودة كالصقيع تصل إلى عظام جسدها، من ثم تصبح كما لو أنها تدخل عالما آخر لا تدري شيئا مما يدور حولها.
وعندما أصابتها تلك الحالة ذات مرة أثناء تشاجرها مع إحدى زميلاتها، شعرت وقتها بحرج لم تشعر به من قبل عندما وقف الجميع يتطلعون إلى يدها وقدميها المرتجفة كما لو كانت شيئا غريبا لم يروا مثله من قبل. لذا عادت يومها إلى المنزل مقررة أن تكمل دراستها بالمنزل كما كان يرغب خالها، عائدة إلى قوقعتها مرة أخرى.
محاولة تجنب خالها بقدر الإمكان، فقد كانت العلاقة بينهم دائما مليئة بالتوتر. فقد كان يتعامل معها كما لو أنها السبب في وفاة والدتها.
تساقطت الدموع من عينيها عند تذكرها اليوم الذي توفيت به والدتها، فقد كانوا بسيارة والدتها ذاهبتان لكي يشتروا ملابس لها لكي تحضر بها حفل تقيمه مدرستها. فقد أخذ خالها مرتضى يقنع والدتها بعدم الذهاب مشيرا بأنها مجرد حفل أطفال لا تستدعي اهتمام والدتها، لكن والدتها رفضت وأصرت أن تذهب وتشتري لها ملابس جديدة حتى تسعدها.
ولكن هم بالطريق ودون سابق إنذار ظهرت أمامهم سيارة نقل بضائع كبيرة ضربتهم من الأمام مما جعل سيارة تنقلب عدة مرات. توفيت والدتها في الحال، بينما ظلت داليدا راقدة بالمشفى في غيبوبة لمدة 3 أشهر.
وعند استيقاظها لم تر أمامها سوى وجوه غريبة عليها للأطباء والممرضات. أخذت تبحث بعينيها عن والدتها وعندما لم تجدها شعرت وقتها بخوف لم تشعر به من قبل، فقد كانت والدتها كهفها الآمن الذي تختبئ به من أي شيء يخيفها، فلم تفارقها أبدا منذ أن جاءت إلى هذه الدنيا.
وعندما سألت عنها لم يستطع الطبيب أن يخبرها بالحقيقة ويتسبب بصدمتها وهي بتلك الحالة الضعيفة، فاخبرها كاذبا بأنها ترقد بمشفى آخر بسبب أن المستشفى لم يكن بها أماكن أخرى شاغرة وأنها عندما تفيق سوف تحضر إليها.
ظلت داليدا أيام وأيام تنتظر قدوم والدتها، وعندما لم تأت أصرت أن تذهب هي إليها. رفض الأطباء متحججين بحالتها التي لم تكن مستقرة بعد. وبعد أن استقرت حالتها وعندما سألت عنها أخبرها الطبيب بأكثر طريقة لطيفة لديه بخبر وفاة والدتها.
انهارت وقتها داليدا داخل في حالة هستيرية من البكاء، وعندما هدئت بعد عدة أيام كانت بهذا الوقت بحاجة إلى خالها مرتضى الذي كان الشخص الوحيد المتبقي من عائلتها لكي يهدئها ويطمئنها بأنها ليست بمفردها، لكنها كانت بمفردها. بمفردها تماما، وعلمت من الأطباء أنه لم يأت لزيارتها ولو لمرة واحدة طوال فترة غيبوبتها تلك. ومنذ هذا اليوم وتلك النوبات لا تتركها.
تنهدت ببطء بينما ترجع بذاكرتها إلى ذلك اليوم الذي رأت به داغر لأول مرة. كانت داليدا قد تشاجرت مع خالها كالعادة، وعندما احتد الشجار بينهما أمرها كعادته أن تذهب إلى غرفتها وإلا تراه وجهها حتى اليوم التالي. كانت وقتها جالسة تراقب النجوم من فوق سطح الفيلا، لكن لوقت ما شعرت بالملل مما جعلها تدور بالتلسكوب بأنحاء الحي الفاخر الذي تسكن به. أخذت تضحك بينما تراقب إحدى الكلاب يطارد قط صغير، لكن القط وقف بالنهاية أمام الكلب مصدرا صوتا شرسا مما جعل الكلب يرتعب ويفر هاربا من أمامه.
أخذت تكمل بحثها عن شيء آخر قد يجذب انتباهها ويخفف عنها ما تشعر به من ملل وفتور.
وبالفعل وجدته، فقد جذب انتباهها شخص ما يمارس الرياضة في الحديقة الخلفية للقصر الذي يبعد عن فيلاتهم بعدة أمتار. تعجبت وقتها من هذا الذي يمارس رياضته بهذا الوقت المتأخر من الليل. قربت عدسة التلسكوب حتى تستطيع رؤيته جيدًا. لكنها صدرت شهقة قوية عندما رأته بوضوح. شعرت وقتها بقلبها ينبض داخل صدرها بجنون بطريقة غريبة. لأول مرة، أخذت تتفحص بانبهار نصف جسده العلوي العاري الذي كان مغطى بالعرق نتيجة الرياضة القاسية التي كان
يمارسها، بينما تتأمل بعينين تلتمع بالشغف ملامحه الرجولية. فقد كان وسيماً للغاية، ذو جسد طويل رياضي صلب رائع، بينما شعره القصير فحمي اللون الذي كان ينحدر منه عدة خصلات مبتلة فوق جبينه. ظلت تراقبه بأنفاس محبوسة، لم تتحرك من مكانها قيد خطوة واحدة، متجاهلة الألم الذي ينبض بقدميها من طول المدة التي وقفت عليها، حتى انتهى ودخل إلى القصر وهو يجفف عرقه بمنشفة حول عنقه.
بعد هذا اليوم، ظلت داليدا طوال السبعة أشهر التالية تضبط منبهها على الثالثة صباحًا، حتى تستيقظ وتستطيع مراقبته أثناء ممارسته رياضته اليومية. وخلال هذه الأشهر، وقعت داليدا في حبه بجنون. حاولت الوصول إلى أي معلومات تخصه، لكن للأسف لم تستطع نتيجة الحراسة المشددة التي تتبعها بكل مكان. ظلت تحاول كثيرًا الوصول إلى معلومة عنه، لكن لم تستطع الوصول إلى شيء سوى الاسم المكتوب فوق لافتة صغيرة فوق القصر الخاص به، فقد كان مكتوبًا
عليه بخط فاخر "قصر الدويري". يأست من الوصول إلى اسمه أو أي معلومة تخصه، حتى جاء اليوم الذي جاءها اتصال من خالها مرتضى، أمرها بارتداء ملابسها وأن تأتي إلى شركة العائلة. في بادئ الأمر، تعجبت كثيرًا من طلبه هذا، خاصة وأنها منذ تخرجها وهي تطلب منه العمل معه في الشركة، لكنه كان يرفض، غير سامحًا لها حتى بزيارته بها.
وبالفعل ذهبت إلى الشركة، لكن فور دخولها إلى المكتب الخاص بخالها، تسمرت قدماها، شاعرة بقلبها يكاد يقفز من مكانه عند رؤيتها للشخص الجالس مع خالها، فقد كان جارها الذي عشقته حد الجنون دون حتى أن تعرف اسمه. شعرت وقتها بالارتباك والتخبط، لكن أسرع خالها بتعريفهم على بعضهم البعض، وها هي أخيرًا
قد حصلت على اسمه: داغر الدويري. قد علمت من كلامهم أنه شريك شقيقها بإحدى المشاريع التجارية. ظلت طوال الوقت جالسة بصمت تتطلع نحوه بعينين ملتمعتين بالشغف، منبهرة بوسامته الفائقة، فالتلسكوب لم يوضح وسامته الفائقة تلك. وزاد حبها عند سماعها صوته العميق الرجولي، فقد كان يبدو ذا شخصية قوية. تحدث معها قليلاً، سألها عن مجال دراستها، وأجابته هي بصوت منخفض مرتعش. وبرغم أنهم لم يتحدثوا كثيرًا، إلا أنها بهذا اليوم شعرت بسعادة لم تشعر بمثلها من قبل.
وبعد انصرافه، ظل خالها جالسًا يتطلع إليها بهدوء. وعندما سألته عن سبب طلبه إياها لكي تحضر إلى مكتبه، أجابها بأنه كان يرغب أن يذهب معها إلى الغداء بالخارج وقضاء اليوم سويًا. مما جعلها تندهش أكثر وأكثر، فهو لم يخرج معها من قبل إلى أي مكان. وبعد هذا اليوم بأسبوع واحد، جاء خالها وأخبرها بأن داغر الدويري طلب منه يدها للزواج. وقتها ظلت داليدا صامتة، شاعرة بكامل المشاعر التي تكنها له تعصف داخلها، لكن تغلب قلقها وخوفها على
تلك المشاعر. وعندما سألت خالها كيف هذا وهو لم يراها سوى مرة واحدة، أجابها بأنه كان يبحث عن عروس مناسب، وعندما رآها أعجب بها على الفور. ثم بدأ بإقناعها من وجهة نظره هو بأنها سوف تصبح زوجة أكبر ملياردير بالبلد. لكن بداخلها لم يكن المال ما تهتم به، فقد كانت تهتم به هو فقط، فهي تحبه، لذا وافقت، آملة بأن إعجابه بها قد يتحول إلى حب بعد تعرفه عليها جيدًا.
وبالفعل تمت خطبتهم على الفور، وتم تحديد الزواج بعد شهر واحد من إعلانهم خطوبتهم، لكن أثناء هذه الخطوبة القصيرة لم يلتقوا سويًا إلا مرتين فقط، متحججًا بانشغاله بعمله. لكن حتى أثناء مقابلتهم تلك، كان دائمًا صامتًا، مقتضب الوجه. وعندما حاولت التحدث مع خالها مرتضى عن ذلك، قال بأن هذه طبيعته، وأنه بعد الزواج وبعد تعرفهم على بعضهم البعض سوف يتغير. كانت تشعر بالخوف والتردد من هذه الزيجة رغم حبها له، لكن تغلب حبها على خوفها هذا، مقنعة نفسها بأن كل هذا سوف يتغير بعد زواجهم كما قال شقيقها.
ثم سافر داغر إلى أمريكا في رحلة عمل، ولم يعد إلا قبل موعد زفافهم بيوم واحد فقط. وأقيم حفل زفافهم في أفخم القاعات، حضره أكبر شخصيات البلد. كان حفلًا أسطوريًا تحدثت عنه جميع الصحف. وكان داغر طوال الحفل يبدو سعيدًا، لم تفارق الابتسامة وجهه، معاملًا إياها كما لو كانت ملكة، مما جعل قلبها يتراقص فرحًا. لكن جاءت أكبر صدمة لها بعد انتهاء حفل الزفاف ودخولهم إلى الجناح الخاص بهم في قصره. فقد اختفت ابتسامته تلك، تاركًا إياها تقف بمنتصف الغرفة بفستان زفافها، مختفيًا بصمت إلى داخل الحمام الملحق بالجناح.
وقفت وقتها شاعرة بالخوف والارتباك، لا تعلم ما الذي يجب عليها فعله. لكنها أخيرًا تحركت ببطء وذهبت إلى خزانة الملابس، ساحبة إحدى منامتها المحتشمة، فلم يكن لديها الجرأة لارتداء إحدى قمصان النوم التي ابتاعتها من أجل زواجها. وعندما انتهت من ارتداء ملابسها، خرج داغر من الحمام عاريًا، لا يرتدي سوى شورت أسود قصير. احمر وجهها بشدة عند رؤيته لصدره العضلي العاري. ظلت واقفة مكانها تتطلع نحوه بخجل، شاعرة بالخوف مما سيحدث بينهم.
لكنها شعرت بدلو من الماء البارد ينسكب فوق رأسها عندما رأته يمر بجانبها متجاهلًا إياها تمامًا، كما لو أنها ليست موجودة بالغرفة، واتجه نحو الفراش ليستلقي فوقه، مولّيًا ظهره لها. وقتها ظلت تتطلع إليه بصدمة، لا تدري ما الذي يجب عليها قوله أو فعله، فقد رفضها ورفض إتمام زواجهم بكل برود.
وكان هذا هو الحال بينهم في الأيام التالية، ففي كل ليلة يولي ظهره لها، معلنًا صراحة عدم رغبته بها أو بإتمام زواجهم، فلم يقم بلمس شعرة واحدة منها حتى الآن. كل ليلة تعتقد بأن هذه الليلة هي التي سيكمل بها زواجهم ويجعلها حقًا ملكة، لكن تنتهي الليلة بخيبة أملها، مديرًا ظهره لها، تاركًا إياها غارقة في حزنها وبؤسها، تبكي طوال الليل، كاتمة شهقات بكائها بوسادتها حتى لا تصل إلى مسمعه، حتى تسقط نائمة من كثر التعب. أما باقي اليوم، فيستيقظ مع أوائل خيوط الصباح، يذهب إلى عمله، ولا يعود منه إلا بعد منتصف الليل. وعندما يعود، يتعامل معها كما لو كانت هواء، كما لو كانت غير موجودة بالغرفة، لا يوجه إليها الحديث إلا عند الضرورة القصوى.
جلست داليدا تتأمل باب الحمام الذي اختفى خلفه، وعيناه تلتمع بالدموع. لكنها سرعان ما استلقت فوق الفراش، جاذبة الغطاء فوق جسدها حتى عنقها عندما شعرت به يخرج من الحمام. أغلقت عينيها بقوة، مصطنعة النوم، لكن تشدد جسدها بالتوتر وتثاقلت انفاسها عندما شعرت به يقف بجانبها بصمت عدة لحظات طوال، قبل أن يتحرك بصمت مرة أخرى نحو جانبه من الفراش، مستلقيًا فوقه، مغلقًا الضوء ليعم الغرفة ظلام يشبه الظلام الذي بداخلها. في الصباح...
تلملمت داليدا في نومها، شاعرة بدفء غريب يجتاحها وثقل غريب حول جسدها. فتحت عينيها ببطء، محاولة استيعاب ما يحدث، لكن انتفض جسدها بمفاجأة عندما اكتشفت أنها مستلقية بين ذراعي داغر، الذي كان يحيط خصرها بذراعه، ضامًا إياها إليه وهو مستغرقًا بالنوم. انحبست أنفاسها بصدرها، شاعرة بالحرارة تجتاح جسدها بسبب قربها الشديد من جسده الصلب الملتصق بها. لا تعلم كيف انتهى بهم الأمر حتى تصبح مستلقية بين ذراعيه بهذا الشكل. ارتسمت ابتسامة
بطيئة فوق وجهها، شاعرة بالسعادة، فهذه المرة الأولى التي يضمها إليه، متناسية غضبها منه بالليلة السابقة. أخذت تتأمل بعينين تلتمع بالشغف ملامح وجهه الوسيم. لم تستطع مقاومة أن تنحني وتطبع بشفتيها قبلة خفيفة فوق خده، ثم ابتعدت عنه ببطء، والابتسامة التي فوق شفتيها تتسع بالفرحة. مرت أصابعها بخفة بشعره الأسود الفحمي، بينما تتنفس أنفاسه الدافئة بشغف، شاعرة بقلبها يكاد يقفز من داخل صدرها من شدة دقاته المرتفعة. فهي لا تحبه فقط،
لا بل تعشقه حد الجنون. تنهدت بسعادة، مغمضة عينيها، مستمتعة بملمس شعره الحريري أسفل يدها.
لكنها انتفضت، فاتحة عينيها بذعر عندما شعرت به يتلملم في نومه. شعرت بتجمد أطرافها عندما رأته يفتح عينيه ويتطلع إليها عدة لحظات بصمت، كما لو أنه لا يزال لا يستوعب ما يحدث من حوله. لكن سرعان ما ذبلت ابتسامتها التي كانت تتطلع إليه بها عندما رأت الغضب الذي اندلع بعينيه. قبض بقوة مؤلمة على يدها التي كانت لازالت بشعره، معتصرًا إياها، مما جعلها تطلق صرخة منخفضة. نفض يدها، مبعدًا إياها عنه بحركة قاسية، كما لو كانت شيئًا قذرًا
يرفض لمسه. قبل أن ينتفض ناهضًا بغضب من الفراش، مبتعدًا عنها كما لو أنها تحمل وباء ما. ابتلعت الغصة التي تشكلت بحلقها، مخفضة رأسها، بينما تضغط أسنانها بشفتيها بطريقة دامية في محاولة منها للسيطرة على الدموع الحارقة التي تراكمت بعينيها، شاعرة بألم حاد يكاد يمزق قلبها بسبب رفضه لها وابتعاده عنها بهذه الطريقة القاسية. راقبته بينما يتجه نحو الحمام بصمت، مغلقًا خلفه بابه بقوة اهتزت لها أرجاء المكان. دفنت وجهها بوسادتها،
مطلقة العنان لدموعها، بينما الألم الذي ينبض بقلبها لم تعد تستطع تحمله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!