بعد مرور سبع سنوات.... وقفت داليدا وهي تكتف ذراعيها أسفل صدرها، تتطلع بغضب وهي تحاول التقاط أنفاسها اللاهثة. كان جسدها متعرقًا من أثر الجهد الذي كانت
تبذله مع أطفالها الثلاثة: يامن، الذي أصبح يبلغ من العمر 7 سنوات، ومازن ذو الـ 6 سنوات، ومالك ذو الـ 4 سنوات. كانوا يقفون أمامها يتطلعون إليها بأوجه محتقنة غاضبة، مما جعلها تكاد تبتسم. فقد كانوا يذكرونها بداغر عندما يفعل شيئًا يثير غضبه. فبالإضافة إلى أنهم يشبهونه في الشكل، حيث كانوا يمتلكون ذات الشعر الأسود الحربري والأعين العسلية، إلا أنهم أخذوا منه أيضًا طباعه العنيدة المتحكمة. هتف يامن بحنق:
= يا مامي مينفعش اللي بتعمليه ده.... ليكمل وهو يتطلع إلى شقيقتيه التوأم ليانا ونايا، اللتان تبلغان من العمر 3 سنوات وتشبهان والدتهما بشعرهما الناري وعينيهما الرمادي المائل للزراق. لكنهما رغم ذلك لم تكونا توأماً متشابه، فقد كان لكل واحدة منهن شكل مميز خاص بها. = وليانا ونايا كمان معاكي .... قاطعته ليانا هاتفة بتعثرها المعتاد الطفولي، راسمة على وجهها الغضب مقلدة شقيقها: = وانت مالك... يا يامن... إيه حشرك.
لتسرع نايا قائلة بغضب وهي تساند شقيقتها: = أيوه... انت مالك.... هتف مازن بغضب، الذي كان يأخذ نفس موقف شقيقه الأكبر: = بقي كده يا ليانا.. انتي ونايا طيب والله ما هتلعبوا معانا تاني.... ثم بدأوا بالتشاجر، مما جعل داليدا تتجه نحو أطفالها الثلاثة، دافعة إياهم لخارج صالة الألعاب، هاتفة بصرامة وهي لازالت تقاوم نوبة الضحك المتصاعدة بداخلها: = اطلعوا انتوا التلاتة برا....
هتف مالك الصغير بغضب بينما يضرب الأرض بطفولية، وهو يمسك بيد يامن ومازن ويتجهان للخارج: = كده يا مامي طيب والله لما بابي يجي هنقوله.... على اللي بتعملوه ده. هتفت نايا وليانا في ذات الوقت وهما يخرجان لسانهما بحركة طفولية: = قولوله..... لتكمل ليانا وهي تمسك بيد والدتها هاتفة بطريقة مغيظة وهي تتطلع نحو أشقائها بشماتة: = يلا يا نايا.. يلا يا مامي علشان نكمل....
لم تستطع داليدا السيطرة أكثر من ذلك على نفسها، لتنفجر ضاحكة، مما جعل هؤلاء الشياطين الخمس يتطلعون إليها باستغراب، كما لو جنت. فقد كانوا في خصام شجار من شجاراتهم التي لا تنتهي، فلما تضحك بهذا الشكل؟ أخذ يامن يتطلع إليهم بغضب قبل أن يزفر بحنق ويتجه للخارج مع شقيقيه. بعد بعض الوقت....
دلف داغر إلى القصر بعد يوم عمل طويل مرهق. لكن ذهب إرهاقه وتعبه هذا فور أن وقعت عيناه على أطفاله الثلاثة الجالسين على الأريكة بجانب بعضهم البعض، يكتفون أذرعهم فوق صدورهم ووجههم يرتسم عليه الغضب والحنق. اتجه نحوهم على الفور قائلاً بقلق: = في إيه مالكوا قاعدين زعلانين كده ليه.
تغيرت تعابير وجوههم فور رؤيتهم له، حيث أشرقت وجوههم بالسعادة والفرح. اندفعوا نحوه على الفور يحتضنونه بقوة، مستقبلين إياه بحماس وسعادة كعادتهم عندما يعود من العمل. فبرغم حبهم لوالدتهم وتعلقهم الشديد بها، إلا أنهم كانوا أكثر تعلقاً بوالدهم، متخذين إياه مثلاً أعلى لهم، حيث كانوا يقلدونه في كل شيء تقريبًا. جلس داغر على عقبيه محتضناً الثلاثة بين ذراعيه، يضمهم إليه بحنان قائلاً: = إيه بقي اللي مزعل وحوش الدويري؟
أجابه مالك الصغير الذي عقد ذراعيه حول عنق والده يتشبث به بقوة: = مامي يا بابي.... طردتنا من صالة الألعاب.... مرر داغر يده فوق شعر صغيره قائلاً بهدوء: = أكيد جننتوها بعمايلكوا زي كل مرة.... أجابه يامن وهو يضع يده فوق وجه والده مديراً إياه نحوه حتى يجذب اهتمامه له: = ابداً يا بابي والله بس ينفع مامي تشغل أغاني وتاخد ليانا ونايا وتعلمهم الرقص. ليكمل بتذمر ووجه مقتضب: = ده يرضيك .... غمغم داغر بحدة وهو يتطلع نحوهم بصدمة:
= يعني إيه بتعلمهم الرقص...... ليكمل بصرامة وحدة: = هما فين...... أجابه مالك سريعاً وهو يشير إلى آخر الردهة: = في صالة الألعاب.... تركهم داغر واتجه نحو تلك الصالة بوجه متصلب يرتسم عليه علامات الغضب. بينما أخذ الصغار الثلاثة يتطلعون إلى بعضهم البعض بنظرات تمتلئ بالانتصار والفرح، قبل أن يركضوا خلف والدهم سريعاً، محاولين اللحاق به حتى لا يفوتوا المشهد المنتظر.
اقترب داغر من صالة الألعاب الرياضية التي كان ينبعث منها أصوات أغاني مرتفعة للغاية. فور أن دلف إليها، وجد داليدا توليه ظهره، بينما ترقص مرتدية فستانًا أحمر قصير يشابه إلى حد كبير الفساتين التي ترتديها كل من طفلتيه نايا وليانا، التي كانت كل واحدة منهن تحاول تقليد حركات والدتهم البارعة في الرقص.
بينما كان الأطفال الثلاثة يقفون بباب الصالة يتابعون بأعين تلتمع بالحماس، والدهم الذي تقدم نحو هؤلاء المندمجين بالرقص غير مدركين لوجوده. همس مالك في أذن مازن بصوت منخفض يملأه فرح طفولي: = بابي هيجبلنا حقنا. تقدم داغر مقترباً منهم بهدوء، ثم فجأة ودون سابق إنذار انحنى حاملاً طفلتيه، كل واحدة منهم على ذراع من ذراعيه، مما جعلهم يصرخون بمفاجأة وصدمة.
بينما توقفت داليدا عن الرقص فور سماعها صرختهم تلك، لتستدير إلى الخلف وتجد داغر واقفاً، يحمل كلا من ليانا ونايا على ذراعيه. أشرق وجهها على الفور بابتسامة واسعة، بينما عينيها تلتمع بالشغف وهي تتأمله.
اقترب منها بوجه جامد، مما جعلها تستغرب حالته تلك. همت أن تسأله مابه، لكنها سرعان ما انفجرت ضاحكة عندما بدأ بالرقص على نغمات الموسيقى وهو لا يزال يحمل طفلتيه، مقبلاً كل منهما على خدها وابتسامة مشرقة على وجهه، ملاعباً إياهم. لتبدأ داليدا بالرقص معهم بحماس وهي تغني بصوت مرتفع مرددة كلمات الأغنية.
بينما كان يقف الأطفال الثلاثة بفم فاغر من الصدمة مما فعله والدهم، فقد كانوا يعتقدون بأنه سيقوم بتعنيفهم عما فعلوه، لكنه ولصدمتهم شاركهم بالرقص. التفت داغر نحو الباب وهو لا يزال مبتسماً عندما انتبه لهؤلاء الواقفين بباب الصالة بوجه متجهم بغضب طفولي. هتف مشيراً إليهم بالتقدم إلى الداخل والانضمام إليهم.
لكنهم هزوا رؤوسهم بالرفض والغضب لا يزال مرتسماً على وجوههم. مما جعله يخفض طفلتيه على الأرض بجانب والدتهم، من ثم اتجه إليهم يجلس على عقبيه أمامهم قائلاً بهدوء: = كانوا مستنين إني أعمل معاهم إيه؟ أزعق لهم... ولا أضربهم؟ أجابه يامن سريعاً وقد شحب وجهه من هذه الفكرة، بينما تعلقت عيناه بحب وخوف في ذات الوقت على والدته الواقفة تتابع ما يحدث بصمت: = لا يا بابي طبعاً....
ليهمهم كلاً من مالك ومازن بالرفض هم الآخرون. مرر داغر يده على رأس كل واحد منهم بحنان، قبل أن يحاول شرح الأمر لهم بهدوء حتى يستطيع استيعابه عقلهم الذي لم ينضج بعد. = ماما معملتش حاجة غلط، ولا ليانا ونايا. هما بيرقصوا مع بعض وفرحانين. ومادام هما في البيت فبراحتهم، مينفعش تقيد حريتهم. ليكمل بحزم وهدوء في ذات الوقت: = وماما مش صغيرة عشان تيجوا تشتكولي منها. ماما عارفة كويس هي بتعمل إيه وعمرها ما هتعمل حاجة غلط. مش كده.
احمر وجه أطفاله بحمرة الخجل بسبب فعلتهم تلك. همس يامن بصوت منخفض وهو يرفع عينين دامعة إلى والدته ثم أخفضها سريعاً، ينظر إلى الأرض وهو يشعر بالضيق والخجل مما فعلوه: = عندك حق يا بابي.... ثم التفت إلى والدته قائلاً بهمس: = إحنا آسفين يا مامي....
ركض مالك الصغير نحو والدته يحتضنها، بينما تبعه شقيقيه. جلست داليدا على عقبيها أمامهم تحتضن ثلاثتهم بحنان وتسامح، فقد كانت تعلم أن أطفاله لا يزالوا صغاراً ومن الوارد أن يخطئوا، لكن يقع على عاتقها هي وداغر إصلاح أخطائهم تلك وجعلهم يفهمون الأمر بشكل صحيح حتى يتعلموا من أخطائهم تلك.
أخذوا يقبلونها بأنحاء وجهها وهما يعتذرون منها، لكنها بدأت تضحك بصخب عندما بدأ مازن يدغدغها ببطنها. انضمت إليهم كلاً من نايا وليانا يحتضنونها، لكن بدأوا هم الآخرون بالضحك عندما أخذوا أشقائهم بدغدغتهم. وقف داغر يتأملهم وعينيه تلتمع بالحب والسعادة، قبل أن يتجه إليهم وهو يهتف بمرح: = يعني أنا أصالَحكوا وفي الآخر تنسوني....
اندفع نحوه أطفاله الخمس يحتضنونه هو الآخر. رفع عينيه لتلتقي بأعين داليدا التي كانت تتطلع إليهم بأعين بارقة بالحب والحنان، مما جعله يشعر في هذه اللحظة بأنه قد ملك العالم بأكمله. تركه الأطفال وأخذوا يرقصون سوياً، مما جعله ينهض ويتجه نحو داليدا التي جذبها بين ذراعيه يحتضنها، مقبلاً جانب عنقها وهو يهمس بأذنها بصوت منخفض حتى لا يصل إلى سمع أطفالهم: = إيه اللي انتي لابساه....
ليكمل ويديه تمر ببطء وشغف على جانبي فستانها القصير الضيق، مستغلاً انشغال أطفاله بالرقص: = شكلك ناوية تجننيني. أحاطت داليدا عنقه بذراعيها قائلة بدلال يتخلله المرح: = وانت لسه هتجنن؟ ما أنا جننتك واللي كان كان.... ضحك داغر بينما يزيد من احتضانه لها، جاذباً إياها فوق جسده، لكنها تراجعت للخلف هامسة بينما تشير إلى أطفالهم: = داغر.. اعقل.. الأولاد.. غمغم داغر بعينين تتلاعب بها المرح: = اعقل ولا أقلع....
أطلقت داليدا ضحكة مرحة فور سماعها يردد كلماتها له منذ عدة سنوات، والتي كانت قبل ولادة يامن مباشرة: = انت لسه فاكر... مرر يده على جانب عنقها بحنان: = ولا عمري هنسى.... أطلقت تنهيدة منخفضة وهي تضع رأسها على كتفه، محيطة خصره بذراعيها تضمه إليها، قبل أن يتجه نحوهم أطفالهم ويجذبونهم من أذرعهم حتى يرقصوا معهم. *** في وقت لاحق....
كانت داليدا مستلقية بالفراش بين ذراعي داغر بعد انتهائهم من إحدى جولات عشقهم، بينما كان داغر يقبل عنقها بحنان وشغف. وضعت يدها فوق رأسه المدفون في عنقها هامسة بتردد، وهي تشعر بالخوف مما هي تنوي إخباره به: = حبيبي.. كنت عايز أقولك حاجة همهم داغر بصوت منخفض وهو لا يزال يقبل عنقها بشغف، مما جعلها تكمل بصوت مرتجف: أنا... أنا روحت للدكتور النهاردة. رفع رأسه عن عنقها فور سماعه كلماتها تلك، والتي جذبت كامل انتباهه.
غمغم وهو يتطلع إليها بقلق: ليه؟ مالك؟ تعبانة أو حاسة بحاجة؟ هزت رأسها بالنفي قائلة بهدوء يعاكس التوتر الذي يعصف بداخلها: لا... متقلقيش، ده الدكتور كريم منتصر، بتاع النسا والتوليد. تصلب وجه داغر فور سماعه هذا، وقد تغيرت النظرة القلقة التي بعينيه إلى نظرة حادة: روحتيله ليه؟ أجابته داليدا بتلعثم وقد أربكتها نظراته الحادة تلك: يعني... علشان أشوف لو ينفع أقدر أحمل تاني وكده. قاطعها داغر بغضب: تحملي تاني إيه؟ قولي خامس.
ليكمل بحدة وعيناه تتقافز بها نيران الغضب: أنا وافقتك على اللي عايزاه، والحمد لله ربنا رزقنا بخمس أولاد ملوا علينا حياتنا، لكن أكتر من كده يا داليدا لا. قاطعته داليدا وقد احمر وجهها من شدة الحنق والغضب: إحنا اتفقنا مادام الدكتور شايف إن صحتي تستحمل أحمل، يبقى أحمل، إيه مشكلتك بقى؟ أنا مش فاهمة. أجابها داغر بنفاذ صبر وقد بدأ يفقد أعصابه معها:
مشكلتي إن مش هفضل أخليكي تفضلي تحملي وتولدي لحد ما صحتك تتبهدل، علشان وقتها أبدأ أقرر إن خلاص كفاية. ليكمل بصرامة وهو ينتفض جالسًا مبتعدًا عنها بحدة: ده غير إننا اتفقنا إن خلاص على كده، لكن إنتي قررتي تتصرفي من دماغك وتروحي كمان للدكتور، وطبعًا شلتي وسيلة منع الحمل، مش كده؟ أخذت داليدا تتطلع إليه بعينين متسعتين صامتة، وقد احمر وجهها بشدة، مما جعله يسب غاضبًا وهو ينتفض ناهضًا من فوق الفراش.
لكن أسرعت داليدا خلفه فور إدراكها أنه قد أساء فهم صمتها. وقفت خلفه تحتضن جسده إلى جسدها، مسندة وجهها إلى ظهره الصلب العضلي، بينما يداها موضوعة على صدره، قائلة بلهفة: لا طبعًا، معملتش كده، مقدرش آخد قرار زي ده لوحدي، من غيرك. لتكمل وهي تقبل ظهره بحنان: أنا قولت بس أكشف وأشوف الوضع عامل إزاي، وبعدها أتكلم معاك وأقنعك. استدار إليها داغر ليصبح مواجهًا إياها، قائلاً بحزم: لأ يا داليدا، فاهمة يعني إيه لأ؟
لما أبقى مستغني عنك، هبقى أخليكي وقتها تحملي تاني. هتفت داليدا بحدة وهي تضع يديها حول خصرها: قصدك إيه يا سي داغر؟ يعني أنت مستغني عني؟ لتكمل بصوت مكتوم باكي والقهر ينبثق منه: عندك حق، ما خلاص هتحبني ليه؟ أكيد زهقت مني و... جذبها داغر بين ذراعيه، ضاغطًا شفتيه فوق شفتيها، مبتلعًا باقي جملتها تلك. كان يقبلها في بادئ الأمر بحدة غاضبًا من كلماتها الحمقاء تلك، لكن سرعان ما تحولت قبلتهما إلى عشق وشغف.
أجبر داغر نفسه بصعوبة أن يبتعد عنها، مسندًا جبهته فوق جبهتها وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة، بينما تسيطر عليه رغبته بها التي لم تقل طوال سنوات زواجهم، بل على العكس كانت تزداد يومًا بعد يوم، حتى يكاد يجزم بأنه أصبح مهووسًا بها. مرر يديه على جانبي وجهها، مبعدًا شعرها إلى خلف ظهرها، وهو يهمس بالقرب من شفتيها: أنا بقول، لو أنا مستغني عنك، هخليكي تحملي. وأنا رافض أصلًا إنك تحملي، يبقى أنا... إيه يا داليدا؟
رفعت عينيها تتطلع إليه بصمت، وقد احمر وجهها فور إدراكها أنها أساءت فهم كلماته. أكمل عندما ظلت صامتة: يبقى أنا مش مستغني عنك، ولا عمري هستغني. إنتي روحي، والنور اللي منور حياتي ودنيتي يا داليدا، ولآخر نفس في حياتي هيفضل ده شعوري ناحيتك، وعمره ما هيتغير، حتى لو عدى على جوازنا 100 سنة مش 8 سنين بس. ليكمل بخبث وهو يتصنع الحزن: ولا يمكن إنتي اللي زهقتي بقي علشان كده بتقولي كده؟
شهقت داليدا بصدمة قائلة بلهفة وهي تضع يدها على خده، متحسسة جلده الدافئ بحنان: لا طبعًا. لتكمل وهي تمسك بيده، واضعة إياها فوق صدرها، موضع قلبها: إنت ده، ولو أنا مستغنية عن ده، يبقى وقتها أنا مستغنية عنك. لتردف هامسة بصوت ممتلئ بالمشاعر وعيناها تلمع بالدموع:
ده أنت العوض يا داغر، العوض اللي ربنا كرمني به علشان ينسيني كل حاجة وحشة شفتها في حياتي. أنا لو بفكر أحمل تاني، فده علشان أملي البيت علينا، ومتحسش إنك لوحدك في الدنيا. قاطعها داغر برفق وهو يقبل جبينها بحنان: وأنا مش لوحدي، عندي إنتي وأولادنا، إنتوا عندي بالدنيا وما فيها. مرر إصبعه برفق على فوق موضع قلبها، هامسًا بصوت مختنق بالمشاعر:
من غيرك كل حياتي تتهد، مقدرش أكمل من غيرك. علشان كده مينفعش أشجعك إنك تدمري في صحتك. إنتي حملتي 4 مرات، منهم آخر مرة ربنا رزقنا بتوأم، يبقى كفاية يا حبيبتي على كده، علشان نقدر نهتم بيهم ونعرف نربيهم صح. أومأت داليدا مبتسمة وهي تهمس بالموافقة: صح يا حبيبي، عندك حق. أزال داغر دموعها العالقة بوجهها برفق بأصابعه، قائلاً بمرح: شوفتي خلتيني أنسى إزاي المفاجأة اللي محضرهالك؟
اقتربت منه أكثر، حيث أصبح جسدها ملتصقًا بدفء جسده، مغمغمة وعيناها تلمع بالحماس: مفاجأة إيه؟ قرب شفتيه من أذنها، هامسًا بصوت منخفض كما لو كان يخبرها سراً ما، بينما عيناه تلمع بالمرح: سمعت إن روسيا غرقانة في التلج، علشان كده بكرة، هنطلع إحنا والولاد على هناك نقضي أسبوعين في الكوخ بتاعنا. تراجعت داليدا إلى الخلف بصدمة حتى تستطيع النظر إلى وجهه جيدًا، هامسة بارتباك: بتتكلم جد؟ أومأ لها برأسه بصمت وهو يبتسم.
انقشع ذهولها هذا وبدأت بالقفز في مكانها وهي تصرخ بفرح، محيطة عنقه بذراعيها تحتضنه بقوة. أحاط داغر خصرها بذراعيه محتضناً إياها هو الآخر، مقبلاً أعلى رأسها وهو يشعر بقلبه يكاد يقفز من داخل صدره لرؤيته لسعادتها تلك التي لا تقدر بالنسبة إليه بجميع أموال العالم. حملها بين ذراعيه واتجه نحو الفراش وهو يغمغم بصوت أجش بالقرب من أذنها: = يلا علشان ننام.. ورانا يوم طويل بكرة..
وضعها بلطف فوق الفراش، لكن سرعان ما اختفت خططه للنوم فور أن شاهد الشرشف الذي يحيط بجسدها ينزلق قليلاً. رفع عينيه المشتعلة بنيران الرغبة إليها قائلاً وهو ينحني عليها: = بس قبل ما ننام في حاجة عايزة أقولك عليها... ضحكت داليدا فور إدراكها ما يرمي إليه. همت بالتحدث لكنه لم يعطها الفرصة، حيث انحنى مقبلاً إياها على شفتيها بحزم يتخلله الشغف، ليغرقا بعدها في بحور شغفهما. بعد مرور يومين... في روسيا بالكوخ الخاص بهم...
كان داغر جالساً على الأريكة الكبيرة التي تحتل نصف غرفة الاستقبال، يضم بين ذراعيه داليدا. وعلى ساقيه يجلس كلا من نايا ومازن، اللذين قد تشاجرا على من يجلس فوق ساق والدهم، ليفض داغر الاشتباك بينهم بإجلاس الاثنين على ساقيه. بينما كانت ليانا ومالك يجلسون فوق ساق والدتهم، وبين جسد داغر وداليدا يجلس يامن بينهما مسنداً رأسه فوق صدر والدته. كانوا جالسين يستمتعون بالجو الدافئ الذي يحيط بهم وهم يشاهدون الكرتون.
فهذا كان الشيء الوحيد الذي كان يستطيعون مشاهدته وفهمه قليلاً، فقد كان باقي القنوات تعرض أشياء باللغة الروسية التي كانوا لا يفهمون منها شيئاً. جذبت داليدا الشرشف الثقيل تضعه فوقهم محاولة بث الدفء بهم قدر الإمكان. انحنت للأمام حتى تتأكد من أن الشرشف يغطي جانب ظهر داغر، لكنه فاجأها بأنه أمسك بيدها تلك رافعاً إياها إلى شفتيه مقبلاً إياها بحنان.
ابتسمت له داليدا مسندة رأسها على كتفه، لكن همهمت معترضة نايا الجالسة فوق ساق والدها، دافعة رأس والدتها بعيداً عن كتف والدها، بينما تدفن رأسها في عنقه. مما جعلهم ينفجرون جميعاً بالضحك، فقد كانوا يعلمون مدى تعلق نايا بوالدها وغيرتها عليه. عاندتها داليدا ووضعت رأسها فوق كتف داغر، مما جعلها ترمق والدتها بنظرة حادة غاضبة. همس داغر بأذنها برفق: = ماما راسها واجعها.. فسيبها علشان متوجعهاش أكتر..
أومأت نايا برأسها بالموافقة، بينما تنحني مقبلة رأس والدتها بحنان، مما جعل داليدا تجذبها من فوق ساق والدها وتحتضنها بقوة. لينتهي الأمر بأن انتقلت ليانا جالسة فوق ساق والدها، بينما ظلت نايا بحضن والدتها. لم تمر دقائق حتى انتفض كلا من يامن ومازن ومالك يهتفون بفرح، بينما يشيرون إلى الجدار الزجاجي الذي يظهر الخارج: = الحق يا بابي.. تلج.. تلج..
التفت كلا من داليدا وداغر يتطلعون إلى ما يشيرون إليه، ليجدوا الثلج يتساقط بغزارة. اتجه جميع الأطفال نحو النافذة يشاهدون بحماس وفرح الثلج المتساقط، مما جعل داغر يهتف بحماس: = طيب يلا اجهزوا علشان نطلع نلعب في التلج.. اندفع الأطفال نحوه هاتفين بفرح: = بجد يا بابي.. أومأ لهم مبتسماً قائلاً: = أيوه، ويلا اطلعوا والبسوا أتقل جواكت عندكوا..
اندفع الأولاد الثلاثة إلى غرفتهم، بينما حملت داليدا نايا وحمل داغر ليانا، واتجهوا بهم إلى الأعلى لمساعدتهم في ارتداء ملابسهم. في وقت لاحق.. كان الجميع يلهون بالثلج الذي كان يغطي أرضية الحديقة بأكملها، يقذفون بعضهم البعض بكرات الثلج، دائرة حرب بينهم وصراخات ضحكاتهم المرحة تملئ أرجاء المكان. اتجه داغر نحو داليدا فور سماعه صوت ضحكتها التي جعلت قلبه يتضخم داخل صدره، يجذبها بين ذراعيه محتضناً إياها بصمت.
لتسرع هي الأخرى بإحاطة جسده بذراعيها، تضمه إليها، دافنة وجهها في عنقه تستنشق بشغف رائحته التي تعشقها. همس في أذنها بصوت منخفض أجش من أثر العاطفة المشتعلة بداخله: = ما تيجي نطلع أوضتنا شوية.. ونسيبهم يلعبوا في التلج براحتهم.. رفعت رأسها تتطلع إليه ضاحكة: = لا طبعاً.. مينفعش.. زفر داغر قائلاً بإحباط مصطنع، فهو يعلم جيداً بأنهم لا يمكنهم
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!