الفصل 39 | من 51 فصل

رواية قلبه لا يبالي الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم هدير نور

المشاهدات
35
كلمة
1,770
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 76%
حجم الخط: 18

كان زكي جالساً يتطلع بقلق إلى رب عمله الذي كان جالساً محني الرأس ينظر أمامه بأعين محتقنة بشرود. فمنذ أن وصلوا إلى المشفى، أي منذ أكثر من ساعتين، وهو على حالته تلك. لأول مرة منذ أن عمل لديه يراه بهذه الحالة من الضعف والضياع، فقد كان دائماً ذا شخصية قوية لا تتأثر بشيء، لكنه الآن يبدو ضائعاً، عاجزاً بطريقة لم يعهدها به من قبل. اقترب منه زكي بتردد، جالساً بجانبه واضعاً يده فوق كتفه، يضغط عليها بقوة.

=متقلقش يا باشا، إن شاء الله هتبقى كويسة. لم يجبه داغر، حيث ظل محني الرأس بصمت، كما لو كان قد غرق في عالمه المظلم. لكن فور أن سمع باب الغرفة التي أدخلت إليها داليدا عند وصولهم إلى المشفى تُفتح، انتفض واقفاً، برغم الارتعاشة التي في قدميه وقلبه الذي يدوي في داخله من الخوف. إلا أنه اتجه سريعاً نحو الطبيب قائلاً بصوت =داليدا... عاملة إيه؟ أجابه الطبيب الشاب بصوت يملأه الحزن:

=مش عارف أقولك إيه يا داغر بيه، بس للأسف داليدا هانم حصلها ارتخاء شديد في الأعصاب، وده هيتسبب في عجزها في تحريك إيديها ورجليها. شحب وجه داغر، وقد انسحبت أنفاسه من داخل صدره، كما لو أن المكان يطبق جدرانه من حوله. فور سماعه هذا، همس بصوت مختنق مرتجف: =يعني إيه... داليدا اتشلت؟! أسرع الطبيب قائلاً: =شوف يا داغر بيه، مفيش حاجة هقدر أحددها إلا لما نتيجة التحاليل والأشعة تظهر، لأن دول اللي هيحددوا حالتها بالضبط.

ليكمل بهدوء وهو يتطلع إلى الورق الذي بين يده: =ومتقلقش، الحمد لله لسانها متأثرش. حالة السكوت اللي هي فيها دي من أثر الخوف، ومن الواضح إنها تعرضت لصدمة كبيرة لما حاولت تتحرك ومعرفتش، عشان كده لازم تتعرض على طبيب نفسي، بس أنا بفضل إنك أنت اللي تتكلم معاها وتخفف عنها وتطمنها. ليكمل مغمغماً وهو يغادر: =أول ما نتيجة التحاليل تظهر هبلغ حضرتك. عن إذنك.

ترنح داغر في مكانه، لينهار على الأرض جالساً بين المقاعد، يدفن رأسه المحني بين ساقيه. ولأول مرة بحياته، انفجر باكياً بكاءً مريراً صامتاً اهتز له كامل جسده، شاعراً بألم يكاد يمزق قلبه، وهو لا يصدق أن داليدا قد أصبحت عاجزة. لا يمكنه تصور مدى الخوف والرعب الذي واجهته بمفردها عندما حاولت التحرك ولم تستطع. أين كان هو وقتها؟ كان يحضر حفلته اللعينة وهو غاضب منها ويتوعدها.

أخذ يضرب رأسه بقبضته بقسوة، وهو يشعر برغبة حارقة بالصراخ بأعلى صوت لديه ويحطم كل ما تقع يده عليه، فروحه كانت تتلوي على جمر الحزن والألم والغضب من نفسه. لا يمكنه رؤيتها تتألم، فالموت أرحم له من رؤيتها هكذا. لكن لا، زوجته تحتاجه، فسوف يكون قوياً من أجلها، من أجلها هي فقط.

نهض ببطء على قدميه المهتزة، متجهاً نحو غرفة داليدا. لكن أسرع نحوه زكي، الذي كان يراقبه بحزن وعجز منذ قليل، ممسكاً بذراعه يمنعه من الدخول إلى غرفتها قائلاً بتردد وهو يفحص مظهره المبعثر وعينيه المحتقنة: =داغر بيه، مينفعش تخليها تشوفك بمنظرك ده.

توقف داغر في مكانه صامتاً قليلاً، قبل أن يومأ برأسه ببطء. فمعه حق، لا يجب أن تراه داليدا بحالته تلك حتى لا يؤثر عليها سالباً، فيجب أن يظهر أمامها قوياً. اتجه على الفور نحو الحمام الخاص بالمشفى، واقفاً به عدة دقائق جامداً، محاولاً تنظيم أنفاسه وتهدئة نفسه. ثم قام بغسل وجهه بالماء البارد، قبل أن يخرج ويتوجه نحو غرفة داليدا، بعد أن شعر أنه أفضل حالاً.

دلف إلى الغرفة بخطوات بطيئة مرتجفة، وقبضة حادة تعتصر قلبه. خائفاً من مواجهتها، فلا يعلم ما الذي يجب عليه قوله لها ومواستها به، فقلبه ممزق. تجمد بمكانه فور أن وقعت عيناه على جسدها المستلقي فوق فراش المشفى، تنظر أمامها بعينين جامدتين، شارده، كما لو كانت في عالم آخر غير عالمهم هذا.

اقترب منها بخطوات متهالكة، شاعراً بألم يمزق روحه وهو يراها في حالتها تلك. جلس مقابلاً لها على الفراش، هامساً باسمها بصوت منخفض، وهو يغصب شفتيه على رسم ابتسامة لطيفة. أخذت ترفرف بعينيها عدة لحظات، قبل أن تنصب عليه، كما لو أنها تحاول استيعاب وجوده معها. اهتز جسد داغر بصدمة فور رؤيته لها تنفجر فجأة باكية بدموع غزيرة أغرقت وجنتيها. اقترب منها على الفور هاتفاً بصوت معذب: =أنا معاكي... معاكي يا حبيبتي.

احتضن رأسها إلى صدره، مربتاً بحنان على شعرها بصمت، تاركاً إياها تبكي، مانحاً إياها الفرصة لكي تخرج ما بها من ألم وخوف. انحنى مقبلاً جبينها بحنان، مستنشقاً رائحتها بعمق، محاولاً تهدئة ارتجافة قلبه، وهو لا يزال يربت على شعرها مهدهداً إياها بحنان.

لكن عندما ازداد انتحابها وارتجافة جسدها بين ذراعيه، أسرع بغلق عينيه بقوة، محاولاً التحكم بتلك الدموع التي احتقنت بها عينيه، حتى لا يجعلها تراه وهو بحالته الضعيفة تلك، حتى لا يزيد من حزنها. ظل يهدهدها بحنان بين ذراعيه، كما لو كانت طفلة صغيرة. وعندما شعر باهتزازات جسدها تهدأ، أخذ يتحدث معها بصوت منخفض، محاولاً بث الاطمئنان بها حتى تنفك عقدة لسانها. =أنا معاكي يا حبيبتي... ومفيش حاجة هتقدر تأذيكي.

ليكمل بصوت جعله واثقاً قدر الإمكان حتى يبث الاطمئنان بها: =وإنتي هتخفي... وهتبقي كويسة، والله هتخفي. رأها تخفض عينيها تتطلع بعذاب وحسرة إلى يديها المرتخية بجانبها على الفراش وقدميها المغطاة بالشرشف. ليفهم ما تحاول قوله، همس في أذنها بصوت واثق وهو يزيد من احتضانه لها: =والله هتبقي كويسة. انحنى عليها ينظر إليها بثبات بعينيه المحتقنة كالدماء، وهو يكمل بصوت أجش صارم، كما لو كان يقطع لها عهداً:

=هتقومي وهتتحركي، ولو كلفني ده كل جنيه أملكه. وضع شفتيه فوق جفن عينيها يقبلها بحنان، وهو يردف بصوت ممزق بالألم: =إنتي أهم وأغلى حاجة في حياتي يا داليدا... علشان خاطري، لو بتحبيني بجد مش هتستسلمي وهتبقي قوية. شعر بقلبه يرتجف داخل صدره بقوة، عندما دفنت وجهها المبلل بالدموع بعنقه تبكي بصمت، ليكمل بصوت مختنق: =علشان خاطري يا داليدا حـ...

توقف عن تكملة جملته عندما سمعها تهمس بصوت ضعيف اسمه. رفع وجهها عن عنقه، وهو لا يصدق أنها تحدثت ونطقت اسمه بالفعل. أخذ يتطلع إليها بأمل، لكنها كانت تبكي بصمت ولم تتحرك شفتيها. ليشعر باليأس يسيطر عليه من جديد عندما علم أنه كان يتخيل ذلك. هم أن يتحدث إليها محاولاً ألا يظهر إحباطه هذا، عندما فاجأته وتحدثت بصوت منخفض مرتجف: =أنا خايفة... خايفة أوي. همست بصوت متقطع من بين شهقات بكائها الممزقة التي بدأت تندلع من حنجرتها:

=علشان... خاطري متسبنيش. أنا حاسة إني لوحدي... أنا ماليش غيرك. ضمها داغر إلى صدره، ممطراً رأسها بقبلات متفرقة، وهو لم يعد يستطع حبس دموعه أكثر من ذلك، بينما يحمد الله. ظل دافناً وجهه بشعرها، مشدداً من احتضانه لها، محاولاً تماسك نفسه والسيطرة على ذلك الألم الذي يعصف بقلبه. استنشق رائحتها بعمق، قبل أن يمسح وجهه سريعاً بيده الهتزة، الدموع العالقة به، محيطاً وجهها بيديه: =أنا معاكي...

وهفضل معاكي لآخر لحظة في عمري. في كل خطوة وفي كل لحظة في اللي جاي، أنا معاكي في ضهرك... وعمرك ما هتبقي لوحدك. حاولت رفع يدها لكي تضعها على خدها كما هي معتادة، متناسية حالتها. وعندما رفضت يدها، أطاعتها. انفجرت باكية بألم وحسرة مرة أخرى. زاد داغر من احتضانه لها، هامساً لها بكلمات مهدئة في أذنها عن مدى حبه وعشقه لها. ظلت مستكينة فوق صدره حتى غرقت بالنوم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...