بعد مرور ساعة... كان داغر لا يزال يحتضن بين ذراعيه داليدا النائمة، ويده تمر بحنان فوق ذراعها، بينما عقله شارداً يحاول إيجاد حل لحالتها تلك. فقد قرر البحث عن أفضل طبيب متخصص في مرضها، كما أنه سيجعله يحضر إلى مصر لمعالجتها، فهو لن يجازف ويجعلها تسافر للخارج بحالتها تلك. فسوف يكرس كل ما يملكه لعلاجها، حتى لو اضطر إلى إنفاق كل ما يملكه.
اندلع طرق خفيف على باب الغرفة، قبل أن يفتح ليجد زكي يقف بمدخل الغرفة، متنحنحاً بحرج، بينما عيناه منخفضة مسلطة بالأرض. هامساً بصوت منخفض حتى لا يزعج داليدا النائمة: = داغر باشا، دكتور هشام مستني حضرتك برا، نتيجة التحاليل ظهرت... ثم انصرف على الفور دون أن ينتظر إجابة داغر عليه، تاركاً الغرفة مانحاً إياهم الخصوصية.
نهض داغر ببطء من جانب داليدا، محاولاً عدم إيقاظها، بينما يصارع الخوف الذي ينبض بداخله. لكنه قبل أن يتركها ويذهب، قبل جبينها بحنان، جاذباً الغطاء فوق جسدها، ثم خرج غالقاً الباب خلفه بهدوء. فور خروجه للممر، وجد الطبيب واقفاً بالخارج يتطلع إلى عدة أوراق بيده. غمغم داغر بلهفة وهو يقترب منه: = هااا، خير يا دكتور، طمني... أجابه الطبيب بهدوء، بينما يرفع نظره عن الورق:
= أول حاجة حابب أقولهالك إن الأشعة والتحاليل أظهرت إن الحمد لله الوضع مش بالسوء اللي كنت متخيله... ثم توقف متردداً قبل أن يردف: = و بينت حاجة كمان مكنتش متخيلها... التحاليل أظهرت إن فيه مادة كيميائية غريبة في جسم داليدا هانم، هي اللي اتسببت في حالتها دي... غمغم داغر وهو يعقد حاجبيه بعدم فهم: = مادة كيميائية إيه بالظبط؟ أجابه الطبيب، بينما ينقل نظره من داغر إلى زكي بتردد:
= يعني فيه حد كان بيديها حبوب اتسببت في حالتها دي... والحبوب دي استحالة تكون هي تعرف عنها حاجة، لأن الحبوب اللي من النوع ده مخصصة لكده أصلاً ومحرمة دولياً ومش موجود منها في مصر. لم يشعر داغر بنفسه إلا وهو يندفع نحو الطبيب، يقبض على عنقه هاتفاً بشراسة وقد أعماه الغضب فور سماعه كلماته تلك: = انت بتقول إيه؟ انت اتجننت؟ حبوب إيه اللي تعمل في مراتي كده؟ حاول زكي جذبه بعيداً عن الطبيب، الذي شحب وجهه بخوف
وهو يهتف بينما يسعل بحدة: = دي الحقيقة يا داغر بيه، مرات حضرتك حد كان قاصد يأذيها ويوصلها للحالة دي... همس داغر بصوت متحشرج منصدم، بينما يترك ياقة قميص الطبيب ببطء: = شهيرة... أكمل الطبيب، بينما يعدل من قميصه:
= الحمد لله إن حالتها مش بالصعوبة اللي كنت متخيلها، من الواضح إنها مخدتش الحبوب دي بانتظام، علشان كده معملتش الأثر اللي مصنوعة علشانه، واللي هو حدوث شلل في جميع أنحاء الجسم، يعني الضحية متقدرش تحرك عضلة واحدة في جسمها، تبقى مجرد جثة حية بتتنفس وبس... ليكمل سريعاً عندما رأى وجه داغر الذي شحب بفزع: = لكن الحمد لله قدرنا نكتشف الموضوع قبل ما يتطور وتستمر في أخد الحبوب دي لوقت طويل، وقتها فعلاً مكنش هنقدر ننقذها...
هي طبعاً هتاخد وقت عقبال ما ترجع لطبيعتها تاني، وطبعاً لازم نطرد المادة دي من جسمها، وده هيقلل كتير من الأضرار... أومأ داغر برأسه، بينما يشعر ببعض الراحة، لكنه شعر بالقلق والتوتر ينتابه مرة أخرى عندما رأى الطبيب ينظر إليه بتردد، كما لو كان يريد إخباره بشيء لكنه خائفاً. = فيه إيه؟ تاني؟ تنحنح الطبيب، فاركاً خلف عنقه، قبل أن يجيبه بصوت هادئ يعاكس معالم الخوف المرتسمة على وجهه: = التحاليل الدم أظهرت برضو إن...
إن داليدا هانم حامل في نهاية الشهر الأول... ظل داغر يتطلع إليه بأعين متسعة بالصدمة، وعقله غير قادر على استيعاب ما قاله. لكنه أفاق عندما ربت زكي على كتفه هاتفاً بفرح: = مبروك، مبروك يا داغر باشا... أشرق وجه داغر بابتسامة واسعة، وقد بدأ يستوعب الأمر. فداليدا حامل بطفلهم الذي كان يتمناه منذ بداية زواجهم. لكن ذبلت ابتسامته تلك عندما استمع إلى كلمات الطبيب التالية:
= للأسف يا داغر باشا، ممكن يكون الجنين اتأثر بالحبوب دي هو كمان، وممكن يكون حصل له تشوهات... علشان كده أول ما داليدا هانم تصحى، الطبيب المتخصص هيكشف عليها، بس مش هنقدر نطمن إلا لما تبقى في الشهر الثالث، علشان نقدر نعمل سونار ثلاثي الأبعاد، هيكون وقتها الجنين أجزاءه بدأت تتكون ونقدر نكتشف لو فيه أي خلل... لكن التأكيد هيبقي من خلال السونار الرباعي، وده مش هنقدر نعمله إلا في أول الشهر الخامس بإذن الله...
بس داليدا هانم أهم حاجة تـ... قاطعه داغر الذي هتف بحدة، بينما يحاول ابتلاع الغصة التي تشكلت بحلقه، بينما يشعر بعالمه بأكمله ينهار من حوله. فلم يعد يعلم لماذا يحدث معهم كل ذلك. فمن هذا بسبب تلك الشيطانه شهيرة؟ توعد بداخلها لها بأنه سيذيقها الألم الذي جعلتهم يشعرون به أضعاف مضاعفة، سيجعلها تتمنى الموت مما سيفعله بها. = داليدا مش هتعرف إنها حامل إلا لما تبدأ تخرج من حالة الاكتئاب اللي هي فيها...
لو عرفت دلوقتي هتتعب أكتر، أنا عارفها. أومأ الطبيب قائلاً: = عندك حق... عمتاً، أول ما هتصحى دكتور النسا هيكشف عليها ونطمن على وضع الجنين، وهنقولها إننا بنطمن على باقي الأعصاب في جسمها مش أكتر... أومأ له داغر بصمت، وهو يشعر بالخوف والقلق لما هو آت. فالأمر بدأ يتعقد ويصبح أصعب مما كان يتخيل، فالأمر أصبح لا يمس زوجته فقط، بل يمس أيضاً طفلهم الذي لم يولد بعد.
انصرف الطبيب، بينما ظل داغر تائهاً بأفكاره، محاولاً فهم كيف استطاعت جعل داليدا تتناول تلك الحبوب اللعينة. فشهيرة لن تستطيع الوصول إلى طعام داليدا يومياً، خاصة بعد أن طردها من المنزل. إذا أحدى الخدم هو من يساعدها في فعل ذلك. التفت إلى زكي الذي كان يقف بجانبه: = عايز 10 من الحرس يقفوا على باب أوضة داليدا، محدش يدخل لحد ما أرجع، حتى لو الدكتور نفسه، فاهم؟ أومأ زكي برأسه قائلاً بطاعة: = فاهم، بس ليه كل ده يا باشا؟
أجابه داغر بوجه مقتضب، بينما يتحرك من مكانه: = هتعرف دلوقتي... تعالي معايا... تبعه زكي بالفعل، وهو لا يعلم إلى أين هم ذاهبون أو فيما يفكر أو ما يخطط.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!