الفصل 1 | من 48 فصل

رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الأول 1 - بقلم روز امين

المشاهدات
40
كلمة
8,797
وقت القراءة
44 د
التقدم في الرواية 2%
حجم الخط: 18

تدور أحداث روايتنا داخل محافظة سوهاج عريقة الأصل والأصول، وبالتحديد داخل نجع النعماني والذي سُمي خصيصاً بهذا الاسم تيمنًا وانتسابًا لتلك العائلة العريقة، عائلة النعماني.

البطلة: صفا زيدان عتمان النعماني، طبيبة بشرية، تبلغ الآن من العمر الخامسة والعشرون، وحيدة والديها وغاليتهم، فاتنة الجمال ذات طلة وجه ملائكي وبشرة بيضاء اللون، تمتلك عينان ساحرتان واسعتان باللون الزمردي يكسوهما رموش سوداء كثيفة مما أعطى لهما سحرًا ورونقًا يفوق ألف تعويذة على ناظريهما.

تمتلك جسدًا متناسقًا أنثويًا من الدرجة الأولى تخفيه تحت ملابسها الفضفاضة كما أمر الشرع والدين، ترتدي حجابًا ما زادها إلا نورًا على نور وجهها المضيء بنور ربه. والدها: زيدان عتمان النعماني، رجل حكيم حنون ولديه من الأموال التي جمعها من تجارة الحبوب والأعلاف والخضروات بعيدًا عن تجارة وأملاك والده الطائلة ما يجعل الجميع يطمع به حتى أقرب الأقربين.

والدتها: ورد الرجايبي، عشقت زيدان وعشقها وتزوجا رغم اعتراض الجميع ولأسباب سنتعرف عليها لاحقًا، قوية حكيمة وبذات الوقت تمتلك قلبًا يفيض حنانًا تغمر به محبيها.

البطل: قاسم قدري عتمان النعماني، ابن عم البطلة، شاب في أوائل الثلاثينات فارع الطول ذو جسد رياضي قوي البنيان، حيث يهتم به كثيرًا ويبذل جهدًا في التدريبات، يمتلك عينان سوداوان وشعرًا ناعمًا فحمي اللون، ذو شخصية صارمة وجادة، يعمل محامي ولديه مكتب للمحاماة بالقاهرة افتتحه بأموال جده عتمان.

إيناس رفعت عبدالدايم، تعمل محامية لدى مكتب قاسم وتصغره بثلاث أعوام، حيث التحقت بالدفعة الأولى بكلية الحقوق جامعة القاهرة وكان قاسم حينذاك بالدفعة الرابعة وتعارفا كليهما على الآخر من خلال شقيقها عدنان، صديق قاسم المقرب. فتاة قوية، ذكية، متطلعة وحالمة إلى مستقبل أفضل وحياة مرفهة تحلم بأن تحققها على يد قاسم.

الجَد: عتمان النعماني، كبير عائلة النعمانية وكبير أعيان مدينة سوهاج عريقة الأصل، رجل حكيم ذو خبرة حياتية ولديه من الأولاد الرجال ثلاث، أكبرهم قدري والد البطل، يليه منتصر، يليه زيدان والد صفا، ولديه من الإناث اثنتين، علية وصباح. الجَده: رسمية النعماني، ابنة عم زوجها، امرأة قاسية القلب على الجميع إلا من صفا وقاسم. والد البطل: قدري النعماني، رجل حقود بكل ما تحمله الكلمة من معنى، سيئ طامع حتى بأقرب الأقربين إليه.

فارس: السن ثماني وعشرون عامًا، تخرج من كلية العلوم ويعمل أيضًا مع والده داخل أراضي وتجارة الجد. ليلى: تكبر صفا بعام وتبلغ من العمر ستة وعشرون عامًا، تخرجت من كلية التجارة وتعشق يزن ابن عمها منتصر الساكن معها بنفس المنزل ولأجل هذا ترفض أي زيجة تعرض عليها على أمل الفوز بقلبه.

والدة البطل: فايقة النعماني، ابنة العائلة وابنة شقيق رسمية، امرأة جميلة الشكل سيئة الطباع، متسلطة تغار من ورد وتكن لها عداوة قديمة لأسباب سنتعرف عليها لاحقًا. حسن: الابن الثاني والذي أتم عامه الخامس والعشرون، تخرج من كلية التربية ويعمل أيضًا بأراضي جده عتمان.

الإبنة الثالثة: مريم، فتاة جميلة رقيقة، حنون تصغر صفا بعام حيث تبلغ من العمر الرابعة والعشرون، لكنها تغار بشدة من صفا وتحقد عليها لحب واهتمام جديها لها، تخرجت من معهد خدمة اجتماعية وتعشق قاسم بكل تفاصيله. قبل أكثر من ثمانية عشر عامًا من أحداث روايتنا، داخل مدينة سوهاج عريقة الأصل والأصول، وبالتحديد داخل نجع النعماني والذي سُمي بهذا الاسم تيمنًا باسم هذه العائلة العريقة.

عصرًا، في بهو منزله والذي يشبه القصور لشموخه وبنيانه العالي وأثاثه العريق كحال عائلتهم، يجلس الحاج عتمان النعماني كبير عائلته وكبير النجع بأكمله وعين أعيان المدينة، تجاوره زوجته الحاجة رسمية ابنة عمه وابنة عائلة النعماني وبصحبتهم ولديهما قدري الكبير وزوجته فايقة تلك الجميلة المتعالية، ابنة شقيق رسمية وابنة عائلة النعماني أيضًا.

وعلى الجانب الآخر ولدهما الثاني منتصر وزوجته هادئة الطباع نجاة وهي أيضًا ابنة العائلة، حيث أن عائلة النعماني لا يتزوجون ولا يزوجون الغرباء. صاحت رسمية بنبرة حادة وهي تنادي على إحدى عاملات المنزل بنبرة جامدة: حُسن، انتِ يا مخبولة. أتت العاملة ذات السادسة عشر عامًا مهرولة وهي تردف قائلة بنبرة مرتعبه: نعمين يا ست الحَاچة. أردفت رسمية قائلة بنبرة شبه أمرة: إعملي لنا شاي وهاتي معاه صحنين كحك وصحن رواني.

أجابتها العاملة بطاعة واحترام قبل انصرافها الفوري: حاضر يا ست الحَاچه. تحدث الحاج عتمان موجهًا حديثه إلى قدري: أخبار محصول القمح إيه السنة دي يا قدري؟ أجابه قدري بتفاخر وهو يرجع ظهره مستندًا به على خلف المقعد: المحصول زين جوي يا أبوي، الزرعة طرحها مليح جوي السنة دي.

انتبه الجميع ووجهوا أبصارهم فوق الدرج ينظرون على ذلك الذي يهبط بخطوات واثقة وهو يرتدي جلبابه الصعيدي واضعًا حول عنقه شالًا رجاليًا زاده وقارًا وجاذبية، ويضع فوق كتفيه عباءة سوداء فخمة ومميزة ككل أشيائه. تحرك إلى الأسفل وخطي بخطوات رزينة حتى وصل لموضع جلوس أبيه وقبل جبهته باحترام متحدثًا: كيفك يا أبوي؟ ابتسم وجه الحاج عتمان لمجرد رؤيته لوجه صغيره البالغ من العمر الثاني والعشرين، وتحدث بابتسامة صافية لا يظهرها

إلا لذاك زيدان وفقط: زين وبخير طول ما أنت وأخواتك بخير يا ولدي. ابتسم لأبيه ثم حول بصره إلى والدته وتحدث وهو يقبل مقدمة رأسها باحترام تحت استشاطة قدري من أفعال ذاك الصبي الذي يستحوذ بها على قلب والديه: كيفك يا ست الكل؟ بخير يا سبعي طول ما أنت بخير. جملة قالتها رسمية بتفاخر لعشق ذاك الفتى القريب من روحها. نظر له والده وتساءل باهتمام: على وين العزم إن شاء الله يا زيدان؟

أجاب والده وهو يلتقط قطعة رواني من الحامل التي تحملها تلك الحُسن بين يديها لتضعه بعد ذلك فوق المنضدة وتغادر على الفور إلى الداخل خشية غضب سيدتها: رايح أحضر فرح عامر واد عبدالرحيم الزيني يا حاچ! وتحدث مناديًا إلى العاملة نجية بنبرة هادئة رحيمة كقلبه: يا نجية. أتت العاملة فتحدث إليها بوجهه البشوش: اطلعي جولي لمرعي يخرّج لي الحصان من الإسطبل ويجهزه على ما أشرب الشاي. أجابته العاملة بنعم وانصرفت للخارج.

نظر له قدري بضيق وتحدث بتكبر مستنكرًا أفعال شقيقه: وطلع مين في البلد عبدالرحيم الزيني ده عشان تروح لحد داره وتعمل له جِيمة وكمان تحضر فرح ولده؟ ضيق زيدان عيناه مستغربًا تكبر شقيقه وأجابه بنبرة مستنكرة: أني رايح فرح صاحبي يا قدري. وأكمل مفسرًا بتعقل: صح عبدالرحيم الزيني مهواش من الأعيان وكبرات البلد، بس يكفي إنه راجل محترم وبيتقي الله في حياته وبياكل لقمته بعرق جبينه هو وولاده. ابتسم له أباه وتحدث

بإعجاب لحديث ولده العاقل: ربنا يبارك فيك يا ولدي، هو ده الحديث الزين، طالما الراجل محترم يبقى فجرة ميعيبوش. واصلت. تأفف قدري ثم تحدثت فايقة ذات العشرين عامًا بكبرياء وهي تنظر إلى زيدان بقلب مشتعل نارًا وحقدًا: كلام إيه اللي بتجوله ده يا عمي، ده بردك زيدان ابن الحاج عتمان النعماني على سن ورُمح، ولازم يصاحب ناس من مجامع ومجام عيلته الكبيرة. وأكملت وهي تنظر إلى زوجها قدري لتثبت للجميع أن زيدان على خطأ:

يبص لقدري ويتعلم منه كيف بيختار أصحابه من كبرات النجع وأصحاب المجام العالية. أرجع قدري ظهره للخلف ورفع رأسه شامخًا بعد حديث زوجته المفخم له. ثم أكدت رسمية على حديث ابنة شقيقها قائلة بتفاخر وكبرياء: عندك حق يا فايقة، العين بردك متعلاش على الحاجب وكل واحد ومجامه. تحدث منتصر بنبرة مستنكرة:

كلام إيه بس اللي بتجوليه ده يا أما، معدش فيه حد بيفكر إكده دلوقتي، وبعدين ربنا خلقنا كلنا سواسية، ليه بجا إحنا هنفرز الناس على حسب مالهم وحسبهم ونسبهم. وقف زيدان وتحدث وهو يهندم من ثيابه غير عابئ بحديثهم العقيم بالنسبة لعقليته المستنيرة: أسيبكم بجا تتحدثوا في المجام العالية والحسب وأمشي عشان متأخرش على الفرح. تحدثت رسمية وهي تنظر لهيئة نجلها المشرفة بتفاخر: ربنا يحميك من العين يا ولدي، وعقبال ما نفرحوا بجوازك.

ابتسم لها بوجه بشوش وأردف قائلًا: إن شاء الله يا غالية. ثم تحرك إلى الخارج تحت استشاطة فايقة ونظراتها الثاقبة الناقمة عليه. بعد قليل. دلف لداخل الحفل يمتطي فرسه العربي الأصل، منتصب الظهر رافعًا رأسه بشموخ، كفارس خرج للتو من داخل إحدى الأساطير العريقة. كانت نظرات الجميع مسلطة عليه بإعجاب شديد، رجال النجع ينظرون إليه بتمني لمكانته عظيمة الشأن وماله وحسبه ونسبه، وكل شخص يتمنى عظمة شأنه لحاله.

أما فتيات النجع ينظرن إليه بأعين مسحورات من طلعته البهية الرجولية، وكل واحدة منهن تتمناه كرجلها وفارس أحلامها الوردية. نزل من فوق ظهر فرسه بفروسية وظهر مفرود وتحرك بين الجميع بابتسامته الخلابة الذي بات يوزعها على الحضور، مرتدياً جلبابه الصعيدي واضعًا فوق رأسه عمامته البيضاء التي زادته وسامة فوق وسامته وجعلت منه جذابًا للغاية. وبدأ بإلقاء التحية على كل من يقابله حتى وصل وجلس بجانب أصدقاء له.

في الناحية الأخرى من جلسة النساء، كانت تجلس تلك الورد غير عابئة بما يحدث من حولها بجانب والدتها، تحركت وصعدت لتهنئة ابنة خالها تلك العروس الجميلة، احتضنتها بحفاوة وهنأتها وتمنت لها دوام السعادة. تحرك زيدان أيضًا من جلسته حيث وجه بوصلته إلى مجلس العروسين حتى يهنئ العريس أعز أصدقائه والذي يدعى عامر، وبالصدفة تحركت ورد كي تهبط. بنفس توقيت هبوطها كان يصعد متجهًا حيث صديقه ليهنئه وعروسه.

وبلحظة التوت كعب حذائها المرتفع، كادت أن تسقط أرضًا بفضل انفصال الكعب عن النعل لولا ساعديه القويتين اللتان التحقت بها وأسندت يدها ومنعتها من الانزلاق المحقق. وهنا يا سادة قد توقف الزمان، حيث لا عاد يكترث الهائمان بحضور من في المكان، ولا لأي شخص كان أن كانوا. التقات العين بالعين، وذابت بالنظرات التي طالت وكأنهما عاشقان التقيا بعد فراق دام منذ الزمان.

حدثتها عيناه: لَمَّا كُلُّ هَذَا الْغِيَابُ فَاتِنَتِي، أَلَمْ تَدْرِي أَنَّنِي انْتَظَرْتُكِ مُنْذُ الْكَثِيرِ؟ وابتسم وحدث مقلتيها الجميلتين: وَلَكِنَّ، لَا عَلَيْكِ أَمِيرَتِي، فَلَقَدٍّ أَنْسَتْنِي تِلْكَ النَّظَرَةُ أَلَمَّ الْبُعَادِ وَمِرَارَةِ الِانْتِظَارِ! ابتسمت برقة لحديث عيناه الجريئة الذي اقتحم قلبها واستوطنه دون استئذان،

وحدثته عيناها: آَخْبِرُكِ بِسِرٍّ أَيُّهَا الْأَسْمَرُ الْوَسِيمُ، لَمْ يَحْدُثْ لِي وَاخْتُطِفْتُ هَكَذَا مِنْ ذِي قَبْلُ، تَحُومُ حَوْلَكَ هَالَةٌ عَجِيبَةٌ تَجْذِبُنِي، فَتَأْسِرُنِي، وَهَا أَنَا الْآنَ أَعْتَرِفُ أَمَامَكَ وَأُقِرُّ، أَنَّ لِعَيْنَاكَ سِحْرًا أَثِيرٍ! في تلك اللحظة أتى ابن عمها إليها سريعًا ليقطع وصلة الفؤاد ذات، قائلًا وهو يزيح عن لمستها يد ذاك القوي المسحور بطلتها ويسحبها بعنف وغيره قائلًا

بنبرة حادة: متشكرين يا زيدان على وجفتك دي. تحدث زيدان بصوت رجولي جهوري: مفيش حاجة تستاهل الشكر يا كامل، أني معملتش إلا الواجب. هز كامل رأسه بإيماء لذاك الوسيم ثم نظر لتلك الخجولة وتساءل باطمئنان: إنتِ زينة يا ورد؟ تحمحمت وتحدثت حرجًا وما زالت عيناها معلقتان بصاحب ذات الرموش الكحيلة وكأن بهما شيء خفي يجذب عيناها ويجبرها على النظر داخل عيناه: الحمد لله يا كامل، أني زينة.

انفرجت أساريره حين علم اسمها، ورد، ياله من اسم معبر لذات الرائحة العطرة والوجه المنير، وما أسعده أكثر معرفته لأصلها وفصلها وعائلتها. تحركت هي بطريقة مضحكة حيث انخلع كعب نعلها وباتت تتعرج بحركتها، وأخيرًا وصلت وجلست بجانب النساء ولكن لازالت عيناها معلقة بعين ذاك الأسمر القوي البنيان ذو العينان الكحيلة ذات اللون البني كثيفة الرموش. حدثتها ابنة خالتها بنبرة مفخمة وهي تبتسم:

طول عمر حظك نار يا بت خالتي، حتى يوم ما تتكعبي وتُجعِي، تُجعِي في حضن زيدان النعماني اللي بنات الكفر كلهن بيموتن على طلة واحدة من عيونهن. نظرت لها بقلب يدق بوتيرة عالية عند معرفتها شخصيته، فكم من المرات التي استمعت بها لروايات وحكايات عن زيدان النعماني، ورجولته وعيناه التي أذاب بها معظم صبايا النجع بالعشق الممنوع، ولكنها الآن وأخيرًا التقت وجهًا لوجه ورأت ذاك الفتى الذي يتحدث عنه الجميع. تحدثت خجلًا

في محاولة منها للتماسك: والله أنتِ رايحة يا ماجدة، بجا أني رجلي كانت هتتخلع وأنتِ كل اللي شاغل بالك وفارج وياكي مسكة زيدان النعماني ليدي؟ أجابتها نورا بإستهجان: وه يا ورد، وهي مسكة يد زيدان النعماني ليدك دي حاجة جليلة إياك؟ أشاحت عنها ببصرها حين استمعت لتوبيخ والدتها لها وهي تردف بهمس قائلة بنبرة حادة:

معرفتش تمسكي حالك وأنتِ نازلة يا مقصوفة الرقبة، يجولوا إيه عليا حريم النجع، بتك معرفتش تسند حالها ووجعت على يد ابن النعماني؟ تأففت بجلستها من حديث والدتها الحاد وألتزمت الصمت حتى انتهى الزفاف دون أن يرى كل منهما أية مراسم وذلك لانشغالهما بإستراق النظر كليهما للآخر. بعد مرور ثلاثة أسابيع.

كانت ترتدي ثيابها الدراسية وتتحرك على استحياء في الطريق العام للبلدة، عائدة من مدرستها الثانوية الفنية والتي تتواجد خارج النجع. نظرت إلى ذاك الذي يقف مراقبًا لها ككل يوم منذ أن رآها صدفة من ذي قبل. ☆ويا حلوها من صُدفه☆ نظرت له مبتسمة حين تذكرت ما حدث منذ الثلاثة أسابيع. أما هو فشعر باهتزاز بكامل بدنه حين رآها تظهر أمامه كشمس ساطعة أنارت له دربه الغائم. تحرك خلفها بهدوء وحين أدرك خلو الطريق من المارة اقترب

منها وتحدث بنبرة حنون: كيفك يا ورد؟ انتفض جسدها بالكامل رعبًا وتحدثت خجلًا بنبرة متلبكة: ميصحش اللي بتعمله ده يا ابن الحلال، لو حد شافك وياي دلوقتي يجول عليا إيه؟ أجابها بصوت جهوري غاضب: قطع لسان اللي يجيب سيرة زينة الصبايا بكلمة عفشة. وأكمل بوجه مبتسم وكأنه تبدل بآخر: أني هسألك سؤال وأخد الجواب وأبعد طوالي عشان سمعتك بقت تهمني أكتر ما تهمك. نظرت إليه مضيقة العينان وتساءلت متعجبة: سؤال إيه ده؟ نظر لها وابتسم

وحدثها برجولة وصراحة: رايدك تكوني حلالي يا ورد، وعاوز أعرف رأيك لجل مشيع لأبوكي وأطلب منه يد الجمر. ارتاعب جسدها وشعرت بقلبها سيتوقف عن النبض لشدة سعادته وعدم تصديقه لما قيل من ذاك زيدان التي عشقت عيناه منذ أن رأته للوهلة الأولى. نظر لها بضحكة عيناه الكحيلة وتساءل بتلائم: جولتي إيه يا جمر ليلي؟ علقت عيناها بعينيه مستغربة كلمات الغزل الذي ينثرها على مسامعها منذ أن التقاها، فنظر لها مؤكدًا وأردف قائلًا بتأكيد:

آه يا ورد، جمر ليلي وشمس حياتي اللي نورت من بعد ليل غامق عاتم. تساءلت بعيون عاشقة غير مصدقة: إمتى وكيف يا زيدان؟ اشتعلت نار صدره عشقًا واتسعت عيناه الكحيلة غير مستوعبة ما نطقته تلك الساحرة الصغيرة بلسانها وأشعلت به كيانه، وتساءل حاله، أحقًا تعرفين اسمي ونطقتي به غاليتي، يا لسعادتي وهناء قلبي العاشق. أجابها بعيون هائمة: زيدان النعماني زاد فخر وشرف بنطق اسمه على لسانك الطاهر يا زينة الصبايا. ثم أجابها ردًا على سؤالها:

أما إمتى وكيف عشقتك كده، فاحب أقول لك إني قلبي مولود بعشقك. وأردف قائلًا بتفسير: تعرفي يا ورد، أني شفتك قبل الزمان بزمان. ضيقت عيناها مستفسرة بابتسامة حانية: كيف يعني؟ ابتسم لها برجولة وأردف مفسرًا: من أول عرفت يعني إيه عشق وأني رسمت صورة حبيبتي اللي اتمنيتها في خيالي، كيف شكلها؟ كيف ضحكتها وكيف راح تكون عيونها وهي بتبص لي؟ كيف صوتها العاشق وهي بتتغنى بحروف اسمي؟

ولحظة عيني ما جت في عينك لما كنتِ هتقعي ومسكت إيدك، زي ما أكون كنت بحلم وفوجت على أحلى حقيقة. وأكمل بعيون عاشقة: لقيتك يا غالية كيف ما رسمك خيالي بالضبط، لقيتك ودنيتي أصبح ليها طعم ولون، جولت لحالي يا ويلك يا ابن النعماني من نار عشق أم عيون كحيلة لو مكانتش مقسومة لك. ابتسمت فرحًا وتحدثت: كلامك كأنه شعر يا واد النعماني. أجابها برجولة:

كلامي كان عادي لحد الأسبوع اللي قبل اللي فات، لحد ما شفت عيونك الكحيلة يا زينة الصبايا. وأكمل مداعبًا إياها بعيون عاشقة: عيونك تنطق الحجر يا بت الرجايبة. نظرت له بعيون مسحورة من سحر كلماته التي سحبتها من عالمها وأدخلتها لعالم ولأول مرة تخطو به، عالم العشق والغرام. ابتسمت له بجاذبية أذابت قلبه أكثر مما هو عليه، وبلحظة ارتبكت وكأنها وعيت على حالها وتحدثت بنبرة مرتبكة:

أني ماشية، ومتحاولش تكلمني تاني يا ابن الحلال، أبويا لو عرف إني وقفت واتحددت وياك هيكون فيها قطع رقبتي. تحدث بحماية بنبرة صارمة وصوت رجولي حاد: محدش يقدر يمسك طول ما زيدان النعماني موجود على وش الأرض. نظرت إليه وابتسامة سعيدة كسيت وجهها وأكمل هو بتفاخر: ولا حتى أبوك ذات نفسه يقدر يجرب لروح جلب زيدان. اشتعل جسدها بالكامل من جمال كلماته التي تنطق عشقًا. شعر بالتفاخر بحاله حين رأى سعادتها وتساءل بنبرة حنون:

مسمعتش رأيك في طلبي يا زينة البنات؟ تساءلت بلؤم وتخابث: اللي هو إيه طلبك ده؟ ما جلت رايدك يبت الناس، رايدك تنوري لي عتمة ليلي في الحلال. كلمات قالها زيدان بعيون مسحورة بجمال عيناها. احتضنت حقيبة كتبها وقربتها من صدرها بشدة وابتسمت خجلًا وأردفت قائلة بنبرة حنون دلالة على موافقتها: اللي يشوفه أبويا في مصلحتي أني موافقة عليه.

وألقت نظرة عاشقة من عيناها المهلكة عليه ثم أسرعت بمشيتها وتركته خلفها يغلي كالبركان من جمال صوتها الحنون ونظرتها العاشقة. وضع يده فوق صدره وتحسسه بدلال وأخذ نفسًا عميقًا وهو ينظر على أثرها وأردف قائلًا بهيام: يا بوووووي. ظل ينظر عليها حتى اختفى أثرها عن ناظريه ثم تحرك متجهًا إلى وجهته بقلب يتراقص فرحًا. في اليوم التالي. داخل منزل الحاج عتمان النعماني.

كان يجلس الحاج عتمان النعماني وتجاوره الجلوس الحاجة رسمية وابناؤه، قدري وزوجته فايقة، ومنتصر وزوجته نجاة. تحدثت رسمية بنبرة حادة وهي ترمق ولدها صغير السن كبير العقل والتفكير بنظرة غاضبة: بتجول إيه إنتَ يا زيدان، اتجننت إياك يا ولدي؟ اصبري يا حاجة لما نفهموا منه الموضوع، جملة تفوه بها الحاج عتمان ليهدئ بها من روع زوجته الثائرة. هتفت رسمية بنبرة غاضبة: نفهموا إيه يا حاچ، ابنك بيجول لك رايد يتزوج من بنات الرجايبة.

ثم وجهت بصرها إلى زيدان وتساءلت بنبرة صارمة: كانوا قصروا في إيه بنات النعمانية لما تروح تجيب لي واحدة غريبة تسكن وياي في داري؟ نظر لها زيدان باستغراب وتحدث بنبرة استهجانية: غريبة كيف وهي هتبقى مرتي يا أماي؟ وأختي بدور اللي مكتوبة على اسمك من يوم ما اتولدت يا واد عمي، مفكرتش فيها؟ تلك الجملة تفوهت بها فايقة التي اشتعلت نارها أكثر مما هي عليه من ناحية ذاك زيدان والذي أصبح ألد أعدائها منذ القريب. أجابها زيدان

بنبرة قوية وصوت جهوري: وأني موعدتش أختك بالزواج ولا عمري لمحت لأبوي ولا حتى لعمي إني رايدها يا فايقة. تحدثت فايقة بحدة بالغة وغيره واضحة مقللة من شأنه كي تحرق روحه: ومتى الصغار كان لهم رأي بعد اتفاق الرجال يا واد عمي؟ ولأني مش صغيرة وليا رأي بجول لك إني اخترت ورد وهتزوجها. جملة قالها زيدان بنبرة جامدة صامدة متحديًا إياها.

كان قدري ينظر إلى غضب زوجته المبالغ به بقلب مشتعل بنار الغيرة ولكنه فضل الصمت كعادته المخزية الخبيثة. وأني ماوافجاش يا زيدان. جملة تفوهت بها الحاجة رسمية بنبرة صارمة. قاطعهم عتمان بصوت غاضب وهو ينظر إلى رسمية وفايقة: والله عال يا ولاد، حريم الدار بقى ليهم رأي وصوتهم بقى يعلى على أصوات الرجال. انتفضت فايقة رعبًا وتحدثت سريعًا بنبرة هادئة كي تمتص غضب والد زوجها: حجك على راسي يا عمي، ورب الكعبة مقصدتش أضايقك.

وأكملت وهي ترسم على وجهها الحزن المصطنع كي تستدعي تعاطف الحضور معها: أني بس صعبان علي كسرة قلب أختي بدور اللي هتتفجر لما تعرف إن واد عمها فضل عليها واحدة لا من توبنا ولا من دمنا ولا حتى تخصنا. تحدثت عتمان ناهراً إياها بنبرة حادة: خلصنا يا فايقة. ثم نظر إلى ولده وتحدث بنبرة حادة: وانتَ يا زيدان، اعجل يا ولدي وراجع حالك، عيلة الرجايبة مفيش بيناتنا وبينهم ولا نسب ولا ود، ده غير إن بت عمك أولى بك ومتعشمة فيك.

انفرجت أسارير فايقة ورسمية التي تفوهت بنبرة مساندة: عين العجل كلامك يا حاچ. حين تحدث زيدان إلى والده معترضًا باحترام: بس أني رايد بت حافظ الرجايبة يا حاچ ومريدش واحدة غيرها. وأكمل بتفاخر وعشق لم يستطع إخفاءه عن عيون الجميع: رايدها تكون مرتي في الحلال، ولو مش هي مش هيبقى فيه حد غيرها. يعني إيه الكلام ده يا زيدان؟ جملة تفوه بها قدري شقيقه الأكبر. تحدث إليه زيدان بنبرة قوية:

يعني لو متزوجتش بت حافظ الرجايبي يبقى يحرم علي صنف الحريم كله يا قدري. أجابه قدري بنبرة خبيثة كي يشعل والده من ناحيته أكثر: عيب عليك الكلام ده يا زيدان، طب حتى احترم كلمة أبوك اللي أداها لعمك زمان. تحدث عتمان بنبرة صارمة ناهيًا الجدال الدائر: سيبوني لحالي مع زيدان. نظر له قدري وتحدث بنبرة خبيثة: خليني وياكم يا حاچ لجل ما أهدي بيناتكم. هتف عتمان ناهراً إياه بنبرة صارمة:

جولت سيبوني مع ولدي لحالنا، مهتسمعش الكلام ليه يا قدري؟ أجابه قدري بطاعة مصطنعة: حقك علي راسي يا حاچ، أني كان غرضي خير. مَـهـم. الجميع بالوقوف وتحركوا باتجاه الخارج وتركوا زيدان بصحبة عتمان الذي وجه حديثه إليه متسائلًا بهدوء: أدينا بجا بـنـا لـوحـديـنـا يـا زيـدان، ودلوقتي جولي بصراحة، حكايتك إيه مع بت الرجايبة دي؟ نظر له زيدان ثم أنزل عنه بصره وصمت، فأردف عتمان قائلًا بنبرة حنون مشجعًا إياه على التحدث:

صارحني واتكلم وياي راجل لراجل يا زيدان. رفع زيدان رأسه وتشجع من حديث والده وأردف قائلًا بنبرة حنون: ولدك عشجان يا أبوي وده لا بيدي ولا بكيفي، ولولا إكده كلمتك كانت هتبقى سيف على رقبتي وأنَفذها من غير أي نجاش. أطال عتمان النظر داخل عيون ولده ثم تساءل باهتمام: اسمها إيه البت دي؟ نظر سريعًا إلى والده ونطق بنبرة هائمة تدل على عشقه الذي تخطى عنان السماء: ورد يا أبوي. مليحة يعني البت دي وتستاهل عشق زيدان النعماني؟

جملة تساءل بها عتمان ولده وهو يغازله بابتسامة حانية. أجابه زيدان بعيون عاشقة لم يستطع السيطرة على كبحها: مليحة جوي يا بوي، زينة صبايا النجع كلهن. ابتسم عتمان وهز رأسه بتفهم وتحدث بنبرة هادئة: مبروك يا زيدان، النهارده هشيع لأبوها وأطلب يدها لزينة رجال النجع كله، زيدان عتمان النعماني. نظر إليه والده بعيون غير مستوعبة لما تفوه به للتو وتساءل مستفسرًا: صح الحديث ده يا أبوي؟ ابتسم عتمان بخفة وأجابه لائماً:

من متى عتمان النعماني بيجول أي كلام يا واد. تحدث سريعًا بأسف: العفو يا أبوي، أنا بس من كتر فرحتي مش مصدق حالي واللي سمعته منك. ثم وقف سريعًا متجهًا إلى والده وأمسك كف يده وقبلها باحترام وقبل رأسه بلهفة وأردف قائلًا: ربنا يديمك فوق راسي يا أبوي. ربت عتمان على كتف ولده بحنان وتحدث عاليًا مناديًا لأهل المنزل، أتى إليه الجميع مهرولين. فتحدث إليهم عتمان بطريقة حاسمة:

باركوا لزيدان علشان هشيع لعيلة الرجايبة اليوم لجل ما نطلبوا يد بتهم. نزلت تلك الكلمات على فايقة أشعلت قلبها نارًا، واستشاط داخل رسمية التي ردت بنبرة اعتراضية غاضبة: كلام إيه اللي بتجوله ده يا حاچ؟ وقف عتمان ودق بعصاه الأرض في حركة تحذيرية عن غضبته القادمة وأردف قائلًا بحدة: اللي سمعتيه يا حاجة، ولحد إهنا وخلص الكلام! وأكمل مناديًا على ولده بنبرة أمرة: قدري. رد قدري سريعًا خشية غضبة والده: نعمين يا حاچ.

فأكمل عتمان بنبرة صارمة: تاخد وياك زيدان وتروح لدار حافظ الرجايبة، وتجوله أبوي طالب يد بتك لزيدان أخوي، وتجوله يحدد لنا يوم علشان نروحوا نجروا فيه الفاتحة ونتفقوا على كل حاجة. اقترب منتصر من زيدان واحتضنه بسعادة وأردف قائلًا بنبرة حنون: ألف مبروك يا زيدان، ربنا يتمم لك على خير يا أخوي. أجابه بفرحة عارمة: الله يبارك فيك يا منتصر، عقبال ما تجوز يزن.

ثم حول بصره إلى والدته ينتظر منها مباركة خطوته تلك، رمقته بنظرة غاضبة وتحركت للخارج كالإعصار، تلتها فايقة. حين نظرت نجاة إلى زيدان بابتسامة صادقة وتحدثت بأخوة: ألف مبروك يا واد عمي، ربنا يتمم لك بخير ويجعلها من حدك ونصيبك. ابتسم لها بوجه بشوش وأجابها: تشكري يا أم يزن. عقبال يزن. دَلفت فايقة إلى حجرة عمتها وجدتها تتحرك داخل الغرفة وتفرك كفيها ببعضهما والغضب يسيطر على تقاسيم ملامحها القاسية.

تحركت فايقة إلى وقوف رسمية وأردفت قائلة بنبرة حزينة كي تستدعي غضبها واعتراضها أكثر: عاجبك اللي عمله عمي عتمان ده يا عمتي، يا جهرت جلبك يا بدور يا خيتي، كيف هتستقبل الخبر الشؤم ده؟ كيف راح أقول لها إن واد عمك فضل عليكِ بت الرجايبة وخلّى سيرتك لبانة على لسان اللي يسوى واللي ما يسواش في النجع. رمقتها رسمية بنظرة حارقة وتحدثت بنبرة ساخطة: إجفلي خاشمك وجفلي على حديثك الماسخ ده يا بت ثنية، أني منجصاش عويلك ده.

تظاهرت بالدموع وأردفت قائلة بنبرة خبيثة: حتى إنتِ كمان يا عمه هتيجي علي وتوبخيني زي عمي الحاج عتمان. وتحدثت إليها وهي تلتقط كف يدها وتميل عليه: أحب على يدك تكلمي عمي عتمان وتخليه يتراجع عن قراره ده. أجابتها رسمية بنبرة ساخطة وهي تجذب يدها من بين راحتيها بعنف: بت الملاعين كأنها أكلت عجل الواد وخلته عشقها، وطالما عتمان شاف عشق زيدان في عينه يبقى مهيتراجعش عن قراره أصلًا.

أجابتها بنبرة مشتعلة وغيره تنهش بصدرها بدون رحمة، وعيون متسعة تخرج نارًا لو أُتيح لها الخروج لدمّرت المنزل بأكمله: ومين فينا كان اتزوج اللي عشق قلبه وارتاحت روحه لجل ما يرتاح هو. وكادت أن تكمل لولا استماعها لبعض الطرقات فوق الباب، أوقفتها رسمية بإشارة من يدها وتحدثت إلى الطارق بنبرة صوت حادة: ادخل يلي بتخبط. فتح زيدان الباب وطل منه بطوله الفارع ووجهه البشوش وأردف قائلًا بنبرة حذرة: عايز أتحدث وياكِ شوي يا أمي.

رمقته فايقة بنظرة غاضبة، وتحدثت رسمية بنبرة حادة ساخرة: هو لسه فيه حديث عشان يتقال يا واد بطني؟ خطي زيدان بساقيه للداخل ثم وجه حديثه بهدوء إلى تلك المستشاطة: سيبنا لحالنا شوي يا فايقة، عايز أتحدث مع أمي لوحدي. رمقته فايقة بنظرة حارقة ثم تحركت من جانبه كالإعصار إلى الخارج وصفقت خلفها الباب بحدة بالغة. تحرك زيدان إلى والدته وأمال بطوله الفارع على رأسها وقبلها تحت نفورها متحدثًا بهدوء:

مهتباركيش لزيدان ولا إيه يا حاجة رسمية؟ أجابته بهتاف حاد: أباركلك على إيه يا زيدان؟ على خيبة أملي الكبيرة فيك، ولا على كسرتك لكلمتي اللي إدتها لأخوي؟ تنهد الصعداء حتى يهدئ من روعه كي يتمالك من حاله حتى لا يحزن والدته ثم تحدث بهدوء متلاشيًا حديثها وغضبها: طب مش هتسأليني إشمعنا اخترت ورد دونًا عن بنات النجع كلهن؟ نظرت إليه بضيق وتحدثت بنبرة ساخرة: أظن ما هتقول لي عشق وحديث ماسخ ملوش عازة عندي.

ينظر لها بحزن وأردف متسائلًا: ليه هتبصي للعشق كده يا أماي؟ أجابته بقوة وصرامة: عشان فيه حاجات كتير أهم من المسخرة اللي شاغل لي بيها حالك دي، فيه العيلة والنسب اللي لازم تفكر فيهم زين. وأكملت برجاء وهي تحثه على التراجع: راجع نفسك يا ولدي وأنسى بت حافظ وشيلها من راسك، اطلع قول لأبوك إنك راجعت حالك واخترت بت خالتك. تنهد الصعداء وأجابها بهدوء: معادش ينفع يا أماي، لما القلب بيأمر ما على العجل إلا الانقياد.

يبقى تنسي إن ليك أم وإني أرجع أعاملك زي الأول تاني. كانت تلك كلمات قاسية قالتها رسمية بقوة وصرامة. هتف باعتراض ونبرة ضعيفة يستجدي بها تعاطفها: متعمليش فيا كده يا أمي. ردت بقوة ناهية الحديث: دماغي وجعاني وعايزة أنام. وأكملت بنبرة تهكمية وهي تشمله ساخرة: روح جهز حالك يا عريس. تحركت باتجاه باب الحجرة وفتحتها على مصرعيها، ثم أشارت بيدها إلى الخارج في دعوة صريحة منها لخروجه الفوري.

تحرك بقلب حزين ووقف مقابلًا إياها، ثم نظر لعيناها بتألم وهو يتوسلها بأن ترحم ضعف قلبه العاشق. سحبت هي عيناها كي لا تضعف أمام عيناه المتوسلة، خرج وصفقت خلفه الباب بحدة كادت أن تخلعه مما أحزن قلب ذاك الفتى. صعد قدري إلى جناحه الخاص به وزوجته كي يرتدي ملابس مناسبة لذهابه بصحبة زيدان إلى منزل حافظ الرجايبي كما أمره والده. وجد فايقة تقف مترقبة دخوله وكأنها تنتظره، تحرك للداخل يخلع عنه جلبابه متحدثًا بنبرة سريعة:

طلعي لي غيار على ما أدخل أستحم يا فايقة. تحركت إليه وتساءلت بنبرة غاضبة: إنتَ بردك هتسمع كلام أبوك وتروح لبيت حافظ تطلب يد بتة لزيدان؟ أجابها بنبرة ساخرة: لا طبعًا، هسمع كلامك وأعصي كلام أبوي عشان يطبخها فوق دماغي ويحرمني من ماله وعزه أنا وعيالي. وأكمل بنبرة ساخطة: جهزي لي الغيار وأخزي الشيطان يا بت عمي، وأكمل بنبرة صوت يغلفها الشر: ويا عالم، مش يمكن دي تكون نقطة البداية في خراب علاقة أبويا بزيدان؟

أردفت قائلة بنبرة محبطة: ده عشم إبليس في الجنة يا قدري، زيدان واكل عجل عمي بكلامه المعسول وعلامه ودماغه الفهمانة، وأكيد عمي مهيتراجعش عن الوحيد المتعلم فيكم لجل عيونك إنتَ ومنتصر وإنتوا حتى مهتعرفوش تفكوا الخط. أجابها بنبرة مشتعلة غائرة: وهو بالعلام إياك يا بت ثنية؟ وأكمل بشر: بكرة أفرجك جوزك اللي مش متعلم دي هيوصل لفين وهيعمل إيه.

لوت فاهها بسخرية وتحركت إلى خزانة الملابس لتخرج له ثيابًا مناسبة لتلك المناسبة المشؤومة بالنسبة لها. بعد أربعة أشهر من ذلك اليوم. عصرًا داخل حجرة رسمية، دلفت إليها ابنتيها صباح وعلية، وجداها تجلس فوق فراشها بوجه غاضب محتقن، تجاورها تلك المشتعلة بنار الغيرة. اقتربت صباح وجلست بترقب بجوار والدتها وتحدثت بنبرة حذرة: زيدان بيلبس خلجاته في شقته فوق وزمنه نازل لجل ما يروح يجيب عروسته يا أمي، مهتجوميش تستقبليه وتزغرطيله؟

شاحت ببصرها بعيدًا عنها وتحدثت بنبرة جافة: أني ما جيماش من مطرحي هنا غير لما العروسة تيجي وأستقبلها. وأكملت بحدة مفسرة: وده لجل شكلنا قدام حريم النجع، لا أكتر ولا أقل. أردفت علية بنبرة هادئة في محاولة منها لاستدعاء مشاعر الأمومة لدى والدتها ذات القلب القاسي: وهيهون عليكي تعملي كده في زيدان بردك يا أمي؟ قاطعتها تلك المشتعلة هاتفة بنبرة غاضبة كي لا تدع الفرصة لحنين قلب رسمية إلى زيدان:

وإشمعنا هي هانت عليا ورضي عليها المذلة قدام أبويا؟ رمقتها علية بنظرة محذرة وأكملت غير عابئة بحديث تلك الحقودة: ده أنتِ عارفة إن زيدان روحه فيكي يا أمي، وعارفة كمان إن فرحته مهتكملش غير لما تاخديه في حضنك وتطبطبي عليه. كفاية عليه حضن بت الرجايبة اللي فضلها عليا وكسر كلمتي لجل خاطر عيونها. كانت تلك جملة حادة نطقت بها رسمية بملامح وجه مكفهرة. تحدثت إليها صباح بنبرة لائمة: عاملة في نفسك وفي زيدان كده ليه يا أمي؟ وأكملت:

كل ده عشان اختار الحرمة اللي هتنام في حضنه؟ صاحت بها فايقة بنبرة غاضبة وعيون تطلق شزرًا: وهو عشان يريح قلبه يكسر كلمة أمه وهيبتها جدام أخوها ومرته. وتولعاش أكتر ما هي مولعة يا فايقة. جملة تفوهت بها صباح بنبرة حادة. فأجابتها بنبرة حادة: أني مهولعهاش يا صباح، هي مولعة لوحديها يا بت عمتي، ولو إنتِ شايفة إن اللي حصل ده هين، يبقى العيب فيكي. ده كفاية إن أمي وعمتي لأول مرة بيقاطعوا بعض وكُل ده بسبب بت الرجايبة.

أردفت صباح بنبرة حادة: كل الغل اللي جواكي ده لازمته إيه يا فايقة؟ وأكملت مفسرة: بدور واتجوزت من شهر من ابن عمها وأبوي بذات نفسه كان وكيلها، وخالي وسامح زيدان وعذره، وبدور بذات نفسها عايشة مرتاحة مع واد عمها ولا على بالها الموضوع من الأساس. إنتِ بجا إيه اللي حارج جلبك جوي كده؟ وأكملت بنبرة لائمة: ده بدل ما تهدي عمتك من ناحية ولدها بتشعليها زيادة وتجوميها عليه أكتر؟

خافي ربنا يا فايقة ده أنتِ عندك ولاد وبكرة هيترد لك فيهم. رفعت قامتها للأعلى وتحدثت بكبرياء: أني ولادي هيبقوا رجالة كيف أبوهم يا صباح، مهيعملوش كيف أخوكِ ويفضلوا عشق الحريم والمسخرة على مصلحة العيلة. نظرت صباح لها بغضب ثم تحدثت إلى والدتها وصمتها الرهيب: يلا يا أمي جبل ما زيدان يدلي من شقته. صاحت رسمية بنبرة حادة وملامح وجه قاسية: خلصتوا لُتكم وعَجنكم الماسخ. وأكملت بنبرة جافة وهي تشير بكف يدها باتجاه باب الغرفة:

يلا كلياتكم على برة ولما تيجي العروسة أبجوا أدوني خبر لجل ما أطلع أستقبلها كيف الأصول. نظرت صباح إلى شقيقتها بإحباط وتحركتا للخارج ليستقبلا شقيقهما بخيبة أمل. بعد ساعتان. كانت سرايا النعماني تؤج بنساء العائلتين وهن يلتفن حول العروس الجميلة، أما فايقة التي كانت ترمقها بنظرات يتخللها الحقد والغل والغيرة. دلف هو للداخل بطلعته الرجولية وهيئته الخاطفة للأنفاس وتحرك بقلب لاهث باتجاه عروسه المبغاه.

اقتربت منه والدته مرغمة وأفسحت له الطريق حتى أوصلته لتلك الورد وما أن رآها حتى وقف أمامها متسمرًا مسحورًا بجمالها. استفاق على حاله حين استمع لصوت والدته وهي تنادي باسمه بنبرة صارمة وكأنها تنبهه وتدعوه للاستفاقة. حملها برجولة بين ساعديه ولفت هي ذراعيها حول عنقه برقة متشبتة بعنقه بنظرات خجلة، وصعد هو بها الدرج بظهر مفرود أمام عيون الجميع ومنه إلى الممر المؤدي إلى جناحه الخاص بزواجه. كانت شقيقته صباح بانتظاره

وتحدثت إليه بعيون سعيدة: ألف مبروك يا أخوي. ثم تحدثت إلى ورد بابتسامة حنون: ألف مبروك يا عروسة. أومأت لها ورد وأنزلت بصرها عنها خجلًا حين تحدث زيدان بنبرة رجولية: عقبال أولادك يا صباح. وفتحت صباح له باب الجناح على مصرعيه حتى دلف إليه حاملاً عروسه ثم أغلقت الباب سريعًا وأطلقت الزغاريد واتجهت للأسفل.

وقف بمنتصف البهو ونظر إليها بأنفاس متقطعة من شدة جمال تلك الفاتنة، نظر لداخل عينيها وتحدث لتلك المتعلقة برقبته وهي تنظر له خجلًا. فتحدث زيدان بنبرة حنون ليزيل عنها خجلها: نورتي حياة زيدان يا روح جلب زيدان، مبروك يا ورد. ابتسمت خجلًا وأردفت قائلة وهي تنظر للأسفل: الله يبارك فيك يا زيدان.

اشتعل داخله عندما استمع لاسمه من بين شفتيها المهلكة ولكنهمالك حاله لأبعد الحدود، ثم تحرك بها داخل غرفتهما الخاصة ووضعها بحنان فوق التخت المخصص لهما، واقترب منها وجلس بجانبها ثم مال عليها وأسند رأسها بيده وبدون مقدمات مال على شفتيها ينهل منهما ويشرب من شهد عسلهما المميز. وبعد مدة ابتعد عنها لاهثًا يأخذ أنفاسه بعمق وينظر إليها بعيون عاشقة، أما ورد التي كان جسدها ينتفض رعبًا وخجلًا منه.

نظر إليها وأمسك كتفيها برعاية وتحدث مطمئنًا إياها: ليه الخوف وإنتِ بين أحضان حبيبك يا ورد؟ ابتلعت لُعابها وتحدثت خجلًا: اعذرني يا زيدان، غصب عني والله. أجابها بعيون عاشقة: عاذرك يا جلب زيدان من جوه، بس أني عايزك تسيبي لي نفسك وتنسي خوفك وأني هنسيكي في حضني الدنيا كلها. هزت رأسها بإيماءة خجلة واحتضنها هو ليطمئن روحها ثم تحسس سحاب ثوب زفافها وسحبه للأسفل مزيلاً عنها ثوبها بهدوء.

وبعد مدة طويلة كانت تتمدد بجانبه واضعة رأسها فوق صدره العاري وهو يتحدث بنبرة حنون وأنفاس لاهثة: ألف مبروك يا ورد، مبروك يا زينة الصبايا. ابتسمت خجلًا وأردفت قائلة بنبرة عاشقة: الله يبارك فيك يا زيدان. وضع يده تحت ذقنها ورفعها ليقابل ساحرتيها الجميلتين وأردف متسائلًا بدلال: لساتك خايفة من زيدان؟ هزت رأسها بنفي وابتسامة خجولة كسيت ملامحها، ثم دفنت وجهها داخل صدره العريض مرة أخرى. وأردف هو قائلًا بنبرة حنون:

أوعي تخافي من أي حاجة طول ما حبيبك جارك يا ورد، عاوزك دائمًا كده تدفني حالك جواي وفيا، وأي حد يضايقك أو يزعلك تاجي وتحكي لي طوالي، فاهمة يا ورد؟ هزت رأسها بطاعة وصمت وما زالت مختبئة داخل أحضانه بخجل، فرفع لها وجهها وتحدث بنبرة ملامة مصطنعة: وبعدين وياكي يا جلب، هتفضلي حرماني من متعة النظر لعينيكي كتير كده؟

ابتسمت ورفعت وجهها وألقت عيناها بعينيه وبدأ حديث العيون يشرح ما بداخلهما وتلاوته، مال على شفتيها وقبلها بشغف وجنون، أما هي فكانت عديمة الخبرة وهذا ما زاده بها جنونًا ورغبة أكثر وأكثر. بات يزيدها من جنون عشقه المميز طيلة الليل حتى وقعا كليهما صريع النوم والتعب داخل أحضان الآخر. تُرى ما الذي يحمله الغد لزيدان وورد؟ يتبع..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...