الفصل 14 | من 48 فصل

رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الرابع عشر 14 - بقلم روز امين

المشاهدات
31
كلمة
7,237
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 29%
حجم الخط: 18

دلفت مريم إلى الحفل وتحركت إلى المنضدة التي تلتف حولها والدتها وجدتها وليلي. وما أن شاهدتها طفلتها الباكية حتى أشارت إليها، فالتقطتها على الفور وهي تُقبلها بلهفة وتمسح على ظهرها بلمسات حنون كي تُهدأها. تحدثت إليها حياة بنبرة لائمة: "أية يا بنتي التأخير ده كله؟ بنتك مبطلتش عياط وعمالة تسأل عليكِ." تنفست عالياً ثم زفرت بضيق وتحدثت: "اسكتي يا أمّا على اللي حصل لي." وبدأت بقص ما حدث عليها.

فتحدثت الجدة بحنان: "فداكي مية دبلة يا بتي، ولا يهمك من بكرة هخلي فارس يجيب لك أحسن منها." ابتسمت بأسى حين تذكرت ذاك الفارس الذي لم يكترث لها من الأساس، حتى أنه وصل به الأمر أنه لم ينتبه لجاذبية ثوبها أو لون حجابها الرقيق. شكرت جدتها وتنهدت بأسى. ثم تحدثت إلى والدتها باستفهام: "هي صفا مخرجتش لحد دلوقتي ليه يا أمّا؟ تحدثت

ليلي بنبرة ساخرة متهمة: "تخرج كيف بنت ورد جبل ما الحاشية كلها تكتمل وتنتظر ظهور السلطانة على نار، وأول ما تدخل الكل يجف ويجدم لها فروض الولاء والطاعة." انفلتت ضحكة عالية من مريم لم تستطع الإمساك بها، في حين رمقتها رسمية بنظرة مرعبة أخرستها وجعلتها تبتلع باقي ضحكتها وتكظمها. ثم حولت بصرها إلى ليلي وتحدثت بنبرة حادة لائمة: "لحد متى هيفضل غلك ياكل في قلبك من ناحية بنت عمك يا بت قدري؟

وأكملت بأسى وحديث ذي مغزى: "ولا يكونش ده وراثة هو كمان." واسترسلت حديثها بنبرة معاتبة: "مش كفاياكي عاد لحد كده، البت بجت مرات أخوكي ولساتك الحقد مالي قلبك من ناحيتها ليه؟ نظرت إلى جدتها بحدة وتحدثت بنبرة ساخطة: "القبول والمحبة بييجوا من عند ربنا يا جدة." وأكملت بتهكم: "ولا تكونش هتجبرونا نحبها غصبن عنينا كمان؟ أجابتها الجدة باقتضاب: "لا يا أم لسان متبري منكِ، بس على الأقل عامليها زين ومتبينيش كرهك وحقدك بالأوي كده."

واسترسلت حديثها بنبرة يكسوها بعض الندم: "بس خديها نصيحة من جدتك العجوزة يا بت ولدي، الحقد ما بيدمرش غير صاحبه، والجسوة بتموت القلوب، ويا ويلك لو القلب مات." انتفضت من جلستها في إعلان منها عن رفض حديث جدتها، ووقفت غاضبة وتحدثت بنبرة ساخطة لكل ما حولها: "أنا فيتالكم المطرح بحاله، هروح أقعد جار أمي زمناتها محتاجة لجوارها بعد ما الكل سابها لحالها في ليلة فرح ولدها البكري."

وتحركت تحت نظرات رسمية ونجاة اليائسة من أفعال تلك الليلي التي ورثت حقدها على صفا وورد من والدتها. وجهت نجاة حديثها إلى والدة زوجها لتهدئ من روعها بعدما استشفت حزنها الظاهر بعينيها: "هدي حالك يا مرت عمي، دي بت مطيورة ومعرفاش حالها بتجول إيه، بكرة تعجل وربنا يهديها وتعرف إنها دنيا متفاته وممستهلاش الكره دي كله." أما بالأعلى داخل الغرفة المتواجدة بها صفا. انتهت لينا من وضع اللمسات الأخيرة

لصفا وتحدثت بابتسامة: "يا دخيلو شو هالعروس اللي متل القمر، اسم الله عليكي بتجنني وبتاخدي العقل، وهلأ وقفي واتطلعي على حالك بالمراية." كانت ترتدي ثوباً يشبه أثواب الأميرات في رقته ورُقيه، مرتدية حجاباً أنيقاً زادها فوق حسنها حسناً. وضعت لها لينا بعض مساحيق التجميل الهادئة وتفننت لتجعل من ملامحها الرقيقة لوحة فنية بديعة الصنع، مما جعلها كملاك بريء لا تمل العين من رؤياه.

ابتسمت لها بوهن واعتدلت ثم وقفت بالفعل وتطلعت إلى انعكاس صورتها بالمرآة، وبلحظة شعرت بمرارة داخل حلقها لم تشعر بمثيلها طيلة الخمسة وعشرين عاماً المنصرمة، وذلك بعدما رأت شدة جاذبيتها وجمالها الفتان التي شاهدته في انعكاس مرآتها. تمنت لو أن لها الحق في الانهيار والتعبير عن ما تشعر به من مرارة، أرادت أن تصرخ ألماً بأعلى صوتها لتعلن للجميع عن مدى عمق جرحها النازف. ضغطت على حالها بأقصى ما عندها لتبقى ثابتة لأجل أحبتها.

نظرت لإنعكاسها وبدأت بحديث النفس المؤلم: "ماذا فعلت بدنيالي لحتى أجني حصادي بكل ذاك الوجع؟ أيُعقل أن تكون تلك هي ليلتي التي بت أحلم بها منذ نعومة أظافري؟ لما إلهي؟ وما الحكمة من وراء ما يجري معي؟ ما الذنب الذي اقترفته يدي لتذبح روحي وتندثر فرحتي أمام عيني هكذا؟ ثم مالت برأسها قليلاً لليمين ومازالت ترى انعكاسها من خلال مرآتها. ومازال حديث النفس دائر.

"دائماً ما كنت أنتظر ليلتي تلك، ولطالما كنت أظنها حقاً ليلتي، ولطالما ظننت أن سعادتي بها ستتخطى عنان السماء، ولكني قد نسيت أن بعض الظن إثم كبير، وها أنا الآن أجني حصاد إثمي." "ولكن!!! ما هو إثمي يا تُرى؟ أنا حقاً لا أعلمه! هل هو إثم خفي غير معلوم؟ أم أنه إرث عائلتي!! فاقت من شرودها على دخول ورد إليها التي أتت لتخبرها بأن أباها ينتظرها بالأسفل ليصطحبها للخارج، وبناءً عليه فإنها وجب عليها النزول.

وما أن رأتها ورد حتى انتفض داخلها بشدة من فرط سعادتها بفضل ما رأت، وبدون سابق إنذار أطلقت الزغاريد الرنانة لتنزل على قلب تلك الصفا وتشعرها بقمة سعادتها رغم ما بقلبها من خيبات وألم. وقفت أمام ابنتها وتحدثت بعينان مبهورتان غير مصدقتان لما تراه أمامها: "الله أكبر يا دكتورة الله أكبر، حصوة في عين كل اللي شاف جمالك ولا صلى على سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم." ابتسمت لوالدتها بسعادة

حين رددن جميع الموجودات: "عليه أفضل الصلاة والسلام." ثم تحدثت بنبرة حنون متأثرة برغبتها التي تلح عليها في البكاء لكنها تحاربها وبكل قوتها كي لا تؤثر على ابنتها: "مبروك يا جلب أمك." أجابتها بحنان: "الله يبارك فيكِ يا أمّا، ربنا يخليكِ ليا إنتِ وأبوي." ثم التفتت ورد ببصرها إلى تلك لينا التي تتجنبها خشية غضبها وحديثها القاسي وتحدثت بنبرة ودودة وابتسامة واسعة بمثابة اعتذار: "تسلم يدك يا مدام لينا، وحجك علي."

ابتسمت لها لينا وصفى قلبها سريعاً وتحدثت بابتسامة لطيفة: "ولو مدام ما تحكي هيك هيدا واجبي وشغلي، ألف مبروك للعروس، الله يهنيها ويسعدها."

تحركت صفا واتجهت إلى الدرج لتتدلى، وجدت والدها ينتظرها أسفل الدرج. وقفت أمامه تنظر إليه بنظرات ممزوجة بالخجل والاحتياج معاً. اتسعت عيناه بذهول عندما شاهد صغيرته أمامها بثوب زفافها الذي جعل منها حورية هبطت لتوها من الجنان. وما كان منه إلا أنه سحبها وأدخلها لأحضان، وبات يشدد عليها وكأنه يريد أن يشق ضلوعه ويخبأها بداخله.

مشاعر متناقضة اقتحمت كيان زيدان، حب، خوف، سعادة، غيرة، رغبة في البكاء. كم من المشاعر المختلفة تمكنت منه. تماسك من حاله كي لا تخونه عيناه وتسمح لدموعه الحبيسة بالانساب. لم يقو على إخراج صوته المكتوم فأشار لها بيده كي تتشابك يده وتتحرك.

ابتسمت بخفة وأطاعته بعدما قرأت بعينيه كل ما كان يجب أن يقال. تحركت بجانبه متجهة للخارج وخلفهما ورد التي كانت تشاهد ذاك المشهد الصعب على أي أب وتبكي بصمت كي لا يشعرا عليها ويلحقاها بالبكاء. بالخارج تحدثت فايقة بضيق إلى ليلي: "هي السنيورة اتأخرت جوه ليه كده؟ وما أن أنهت جملتها حتى استمعا إلى صوت الموسيقى يصدح ليعلن عن ظهور العروس بصحبة زيدان وخلفهما ورد.

وقفن جميعهن احتراماً لتلك اللحظة وبدأن بالتصفيق الحاد وإطلاق الزغاريد تعبيراً عن فرحتهم بابنة عائلتهم ونجعهم. انبهرن جميعهن بجمال صفا الهائل وباتن يتهامزن فيما بينهن بإعجاب. أوصلها زيدان إلى المكان المزّين والمخصص لجلوسها. أحاط وجنتيها بكفيه بتملك ووضع قبلة فوق جبينها بقلب منفطر ثم انسحب سريعاً من أمامها ليغادر. وجد والدته تقف قبالته وتحدثت إليه بحنان وهي تمسك يده وتشدد عليها وكأنها

تؤازره لتقول له بعينيها: أنا معك، وأشعر بما ينتابك من آلام مميتة. قبل يدها ومقدمة رأسها وبعدها انهالت عليه المباركات من شقيقتيه وأقربائه من نساء العائلة. وتحرك سريعاً ليغادر فحقاً لم يعد لديه القدرة على احتمال الوضع أكثر. وما أن وصل لخارج حدود الاحتفال في طريقه إلى احتفال الرجال حتى أوقفه صوتها الهادر وهي تناديه بثبات: "زيدان." التفت للخلف ونظر لها مضيق العينين مستغرباً حين تحدثت هي بنبرة شامتة

ونظرة عين حادة كارهة: "مبروك لراحة جلب بنتك يا زيدان، بنتك الليلة هتنام وتخرج جوه حضن الراجل اللي ياما حلمت بيه وتمنته." وأكملت بنبرة ساخرة: "لجل بس تعرف إني أحسن وأرجل منك، مهانش علي أكسر جلب بنتك العاشقة كيف إنت كسرتني وذلتني زمان." وأكملت بنظرة حارقة: "لساتك فاكر يا زيدان ولا الزمن نساك جلب فايقة اللي حرقتيه ودست عليه بجسوتك وجبروتك؟ كان يستمع إليها بذهول وتيه. أيعقل أن تظل متذكرة الماضي إلى الآن؟

يا لك من امرأة مريضة. عاد بذاكرته للخلف.

منذ أكثر من ثلاثون عاماً مضت. كان ذاك الشاب الوسيم ذو الجسد الرجولي الذي بالكاد بلغ عامه الثامن عشر يفترش أرضاً بحديقة الفواكه الخاصة بوالده. رآها تأتي عليه من بعيد. تلك الفتاة الجميلة بضفائرها المجدولة الطويلة الظاهرة من تحت رابطة شعرها الصغيرة التي تعقدها من الخلف. ترتدي ثوباً واسعاً يهفهف من حولها وتتحرك إليه بدلال والعشق ينطق من داخل عينيها وهي تنظر لفارس أحلامها الوحيد. إنها فايقة، ابنة السابعة عشر من عمرها.

تحدثت إليه بنبرة ناعمة: "كيفك يا زيدان؟ شملها بنظرة مستغربة وتساءل متعجباً: "فايقة؟ إيه اللي جابك هني في وقت الضهرية والطريق مقطوع كده؟ نظرت إليه متلهفة وتساءلت: "خايف علي يا زيدان؟ "طبعاً يا فايقة، مش بنت خالي وخطيبة أخوي." كانت تلك جملة نطقها بطلقائية زيدان، ولكنها نزلت على قلب تلك العاشقة شطرته لنصفين. وتحدثت بنبرة حادة رافضة: "أنا مش خطيبة حد يا زيدان، وأنا جايه مخصوص هني لجل ما أتحدت وياك في الموضوع ده."

نظر لها بتتمعن منتظراً تكملة حديثها، فأكملت بتمرد: "أنا ما أريداش قدري يا زيدان، ما أحبهوش أنا ولا حتى بطيق أشم ريحه." ثم جلست بجواره وعدم حياء وضعت كف يدها فوق يده وتحدثت وهي تنظر داخل عينيه بهيام: "أنا أحبك أنتَ يا زيدان، أعشقك من ساسي لراسي يا ولد عمتي." نفض يدها سريعاً وانتفض من جلسته واقفاً كمن لدغته عقرب وتحدث بعيون غاضبة: "حديث إيه الفارغ اللي بتجوليه ده يا بت خالي، اتجننتي إياك؟

وقفت لتقابله وتحدثت بحدة وصوت عالٍ: "اتجننت عشان بجولك أعشقك." وأكملت بنفس نظرة العشق: "أيوه أعشقك وعاشجة التراب اللي رجلك بتخطي عليه يا حبيبي." أجابها بعيون تطلق شزراً: "كنك اتجننتي صح، اعجل يا فايقة، إنتِ خطيبة أخوي الكبير اللي هيدخل عليكي بعد شهر من دلوك."

أجابته برفض قاطع: "وأنا ما أريدهوش يا زيدان، ما بطيقش ريحه بجولك، أبوك خطبني لقدري إكمني الكبيرة واختار بدور ليك عشان لساتها صغيرة، أنا هقول لأبوي إني ما أريداش قدري، واكيد جوز عمتي هيخطب له أي واحدة من بنات العيلة، وبكده قدري ومنتصر هيتجوزوا الشهر الجاي كيف ما عمي عثمان قرر."

وأكملت بشغف ظهر بعينيها: "بعدها أنت تطلب من أبوك يكلم أبوي ويطلب يدي، وإن كنت شايل هم عمي عتمان وخايف لميوافقش عشان رفضي لقدري، أنا عاملة حسابي وهقول لـ عمتي رسمية إني وإنتَ عشجانين بعض وأخليها تجمعنا بجوازنا." كان يستمع إليها بذهول غير مصدق ما تسمعه أذناه ولا ما تراه عيناه وتحدث بعدم استيعاب: "أنا ما بصدقش حالي، معقول يطلع منك كل ده يا فايقة؟ ده إنتِ كمان مخططة لكل حاجة ومفايتكيش فوتة."

قاطعته وهتفت بلهفة: "ومستعدة أعمل أي حاجة لجل بس أوصل لك وأعيش في جنتك وجوه حضنك يا سيد الرجال." وتساءلت بلهفة: "ها، جولت إيه يا زيدان؟ أجابها بنبرة حادة: "جولت لا إله إلا الله محمد رسول الله، عودي يا بت الناس على بيتك وأنا إن كان علي هنسى كل التخاريف اللي جولتيها دي ومعقولش لحد واصل، ولازم تعرفي زين إن قدري أخوي سيد الرجال كلهُم ولو لفيتي الدنيا بحالها ما تلاقيش ضفرة."

"بس أنا أعشقك إنتَ وما أريداش حد غيرك يا زيدان." جملة قالتها باستعطاف. "وأنا مش شايفاكي جدامي من الأساس." جملة قالها بعيون غاضبة. وأكمل بنبرة صارمة: "ودلوقتي غوري من جدامي وروحي على بيتك جهزي حالك لدخلتك على قدري أخوي اللي صبايا النجاح كلهُم يتمنوه."

دمعت عيناها بتوسل وبسرعة البرق كانت ترمي داخل أحضانه وهي تلف ذراعيها حول عنقه في محاولة منها بالتشبث لتصعد إلى وجهه وذلك نتيجة طوله الفارع والذي يتخطاها بالكثير من السنتيمترات. لم يشعر بحاله إلا وهو يبعدها عنه ويزيحها بحدة ثم رفع يده ونزل بصفعة قوية فوق وجنتها كي تعود إلى وعيها، مما جعل رأسها تلتف للجهة الأخرى. تهاوت على أثرها حتى أنها وقعت أرضاً.

جحظت عيناها غير مصدقة لما جرى للتو. وضعت يدها تتلمس أصابع يده التي علمت بوجنتها. ثم رفعت وجهها ونظرت إليه بكره وحقد وتحدثت بنبرة يملؤها الغل: "خليك فاكر الجلم ده زين قوي يا زيدان، عشان هردُه لك الطاج عشرة، ورب الكعبة هردُه لك يا ولد عتمان النعماني."

وتحركت عائدة إلى منزلها وما أن دلفت حتى أخبرت والدتها أنها أصبحت جاهزة لزواجها من قدري. وبعد أقل من شهر تزوج قدري ومنتصر بنفس اليوم وبات زيدان يتجنب التعامل مع فايقة ويبتعد عنها وعن أي مكان يجمعهما قدر الإمكان لتجنب الشبهات.

أما هي فقد تحول عشقها الهائل لزيدان إلى منتهى الكره والحقد وأصبح كل همها في الحياة هو تدمير قلب زيدان بشتى الطرق، حتى أنها نقلت حقدها إلى قدري ونجحت بالفعل أن تجعل من قدري شخصاً حقوداً طامعاً يحقد على شقيقه ويكرهه بدون أسباب. لكن قدري شعر بأنها تكن لشقيقه شيئاً ما داخل صدرها، وذلك بعدما فضحتها عيناها التي ما زالت تشتاق رؤياه بتلهف رغم الكره الكبير. عودة للحاضر. نظر لها زيدان

وتساءل بعيون مستغربة: "يااااه يا فايقة على سواد جلبك وحقدك، لساتك فاكرة لدلوقتي؟ وضعت يدها على وجنتها وكأن ألم صفعتها ما زال مشتعلاً ولم ينتهِ إلى الآن وتحدثت بحقد: "عمري ما نسيت ولساتني عند وعدي ليك يا زيدان." وتساءلت بابتسامة شامتة: "فاكر وعدي ليك يا زيدان ولا نسيته كيف ما نسيت وجع جلب فايقة؟ ابتسم ساخراً وأردف قائلاً بنبرة متهكمة: "لما تتحدتي ويا زيدان النعماني تبجي تتكلمي على جدك يا فايقة." وأكمل ناصحاً

لها: "اعجل يا بت الناس واعملي حساب لعيالك اللي بجوا رجال يسدوا عين الشمس." قاطعها بنظرة مقلة من شأنها وتحرك دون استئذان، فتحدثت بصوت مسموع إليها وهي تتبع أثره بعيون سعيدة ونبرة شامتة: "إضحك يا زيدان، بس الشاطر هو اللي بيضحك في الآخر، وأنا اللي بضحك من كل قلبي وأنا شايفة بتتقطع من الوجع على جرة جلب بنتك الوحيدة وإنتَ واقف تتفرج عليها وهي بتموت بالبطيء قدام عينيك." وتحركت إلى الداخل من جديد.

بعد مرور مدة كبيرة من الوقت قضتها صفا جالسة فوق مقعدها المزّين والمخصص لها وكأنها ملكة تجلس على عرشها في يوم تتويجها. دلفت إليها قاسم بصحبة فارس وزيدان لكي يقدم لها شبكتها ويلبسها إياها أمام العلن كما هو العرف المتبع بنجع النعماني.

كان يتحرك بجانب عمه وشقيقه بهيئة خطفت أبصار جميع الموجودات، رافعاً قامته لأعلى بطوله الفارع وجسده الرياضي الممشوق، ناهيك عن شياكته وجاذبيته التي لا تقاوم، حيث كان يرتدي حلة سوداء برابطة عنق باللون القرمزي، ويعتلي كتفيه عباءة باللون البني قد أهداه عتمان إياها خصيصاً لذاك اليوم. كان يشبه أمير الأساطير حقاً بطلته تلك.

تحرك في طريق الوصول إليها مع إطلاق الزغاريد المهنئة من النساء اللواتي اصطفين على جوانب الصفين ينظرن عليه ويتطلعن على حسنه ورجولته.

كان يتحرك وينظر إلى مقعدها متلهفاً شغوفاً لرؤيتها وهي بثوب زفافها، لكن وجود والدتها وعماتها أمامها حجب عنهُ رؤيتها. وما أن اقترب حتى ابتعدت الواقفات ليفسحن له المجال. وأزيح الستار من أمام عينيه ليظهر له وجهها البهي وكأنه قمراً منيراً يشع ضياءً ويطغى بريقه بإشراق ليضيء المكان ويطفو عليه بسحر وجاذبية.

تسمر بوقفته حين نظر إليها، أسرته بجمالها الأخاذ وعينيها الساحرة خاطفة قلوب العشاق بهلئتها الأولى. شعر بشيء غريب يحدث داخله، هزة عنيفة اقتحمت قلبه فزلزلته. رعشة سرت بداخله بالكامل. رغبة ملحة تطالبه بسحبها لداخل أحضانه واشمام عبيرها. نظر برغبة لشفاهها المنتفخة بلونها القرمزي المميز والتي تشبه حبة الكرز الناضجة وتنتظر متذوقها. ومن غيره سيتذوقها ويغوص بها ليأكلها بتلذذ واستمتاع. ابتلع ريقه حين رفع ببصره وهو يدقق النظر داخل عينيها الزرقاوين الصافيتين كمياه البحر.

وما كان حالها ببعيد عنه، بل على العكس كانت تزيد عليه وتتخطاه بالعديد من المراحل. ☆ إنه العشق يا سادة ☆ نظرت لداخل عينيه وجدت بهما إعجاباً لا، ليس إعجاباً بل هو انبهار وسحر بكل ما تحمله الكلمة من معنى عميق. تمنت لو أن لها الحق في أن تنتفض من جلستها وتلقي بحالها داخل أحضانه والتي طالما حلمت بها وتمنت. أخرجهما مما هما عليه صوت صباح التي صدح بإطلاق الزغاريد المتتالية وهي تتحدث وتجذبه من يده

ليجلس بجانب عروسه الجميلة: "تعالي لبس عروستك الشبكة يا قاسم." استجمع حاله وتحمحم بشدة لينظف حنجرته ثم نظر إلى عينيها ومد يده إليها ليحتضن بها كفها الرقيق ويتلمسه بنعومة أذابت جسدها ثم أردف قائلاً بنبرة هادئة: "مبروك يا صفا." ابتلعت لعابها وأجابته بنعومة وهي تسحب بصرها عنه خجلاً: "الله يبارك فيكِ." تحدث زيدان وهو ينظر

إلى قاسم ليحثه على التسرع: "يلا يا قاسم لبسها شبكتها بسرعة لجل ما تطلع على شجتها عشان ترتاح، يومها كان طويل والجو بدأ يبرد." أكدت على حديثه عليه التي تحدثت بنبرة قلقة على ابنة غاليها: "أيوه يا ولدي الله يرضى عليك خلص وطلعها لشجتها حاكم الحريم كلهن بعينيهن اللي تندب فيها رصاصة."

أومأ لهما برأسه وجلس بجانبها حين أمسكت ورد علبة من بين أربعة علب مليئة بالذهب البندقي الخالص التي حظيت بها صفا كهدايا. بعضها كشبكتها من قاسم التي اختارتها هي بنفسها بصحبته مغصوباً، وبعضها هدية من جدتها رسمية والبعض من والدها زيدان. أمسك قاسم عقداً قصيراً وجهزه لوضعه حول عنقها حين استدارت هي بظهرها لتعطيه المجال واقترب هو منها كثيراً حتى أنه التصق بها فقشعر بدنها سريعاً وانتفضت فضحكت ورد وصباح عليها. أما هو فقرب شفتيه

من أذنها وهمس لتهدئتها: "إهدي يا صفا ومتخافيش." انتفض داخلها وثار عليها وكادت أن تفقد وعيها من مجرد همسه داخل أذنها، وكرر تلك العملية مراراً. ثم جاء دور خاتم الخطبة الذي يجب أن يتم نقله من اليد اليمنى إلى اليسرى حسب العرف السائر. ارتجفت يدها بمجرد لمسته، لكنه أخرجها من حدة صوته وهو يتحدث بتملل لكثرة ما تبقى من ذهب يجب عليه إلباسها إياه: "خلاص يا جماعة كفاية اللي لبسته لحد دلوقتي." وأكمل وهو يشير إلى

العلتين المتبقيتين بضجر: "ملوش لزوم الباقي ده كله، مهنعرضوش إحنا جدام الخلق." تحدثت إليه صباح باعتراض: "مهينفعش يا قاسم، لازم تلبس عروستك كل الدهب وإلا هيبقى فال شؤم، وبعدين لجل ما حريم النجاح يشوفوا دهب بنت زيدان النعماني زينة." هتف بنبرة صارمة معترضاً على تلك العادات البالية: "وأنا جولت كفاية لحد كده يعني كفاية يا عمة."

غضبت صفا وحزنت داخلها من تملله وفسرت اعتراضه على تلك العادات أنه مل من تواجده بجوارها ولم يطق الجلوس ولمسها أكثر. وما زاد الطين بلة ما تفوهت به عمتها عليه قائلة بنبرة ملامة خشية من مهاترات الحاضرات: "وه يا ولدي، اللي يشوفك يجول عليك مش طايج الجعدة جار عروستك،" وأكملت وهي تضحك غير مبالية بتلك المذبوحة: "ده الشاب من دول ما بيصدق يمسك يد عروسته ويجعد يتلكك لجل ميطول الجعدة جارها،"

وأكملت وهي تحثه: "يلا أومال يا عريس لبسها باقي الشبكة." زفر بضيق لعدم تقبله تلك المراسم والعادات العجيبة وأيضاً كان يخشى عليها من تحملها لثقل وزن الذهب بيديها وعنقها، فأمسك يدها وتحدثت بضيق موجهاً حديثه إلى عمته: "خلصينا يا عمة وناوليني الدهب اللي فاضل." استشاط داخلها واشتعلت النيران بقلبها من جراء تقليل شأنها أمام عمتيها والجميع وهذا ما وصلها من حديثه المهين. وما شعرت بحالها إلا وهي تسحب يدها من بين راحتيه بشدة

وعنف وهي تهتف بنبرة غاضبة: "بعد يدك، خلصنا خلاص ما أريداش ألبس حاجة تاني وكفيانا جلة قيمة ومسخرة لحد كده." قطب جبينه ورمقها بنظرة غاضبة وكاد أن يتحدث. أسكته صوت زيدان الذي كان يستدعي المصورة الفوتوغرافية التابعة لتنظيم الحفل، ولم يسعه الحظ لكي يرى حرب العيون ورمي القذائف الكلامية التي حدثت بين صفا وقاسم منذ القليل. وتحدث زيدان بابتسامة حانية: "يلا يا أولاد لجل ما تاخدوا لكم كام صورة مع بعض للذكرى."

رفعت قامتها للأعلى حين تحدثت تلك الفتاة القاهرية قائلة: "ممكن يا عريس تاخد عروستك وتتفضل معايا في الركن اللي مجهزينه علشان الفوتوسيشن." "أنا شايفة إنه ملوش لزوم للفوتوسيشن من الأساس." جملة تفوهت بها صفا بملامح وجه مقتضبة. تمالك من حاله لأبعد حد كي لا ينفجر بها لحدتها وطريقتها الساخرة لإدارة الحوار. وأيضاً إحتراماً لعمه وزوجته التي طالما عاملاه كابن لهما. رسم ابتسامة مزيفة فوق شفتيه وتحدث

بهدوء جاهد في إخراجة: "كيف يعني ملوش لزوم؟ " وأكمل بابتسامة سمجة ليستحضر غضبها، يبدو وكأنه أعجبه غضبها العارم الذي يجعل منها كقطة شرسة لذيذة تشعره بالتسلي والتلذذ: "دي الليلة ليلتك يا عروسة ولازم نخلعوكِ على الآخر." ابتلعت لعابها من هيئته التي وبرغم غضبها العارم منه إلا أنه ما زال فارس أحلامها. مال كيانها التي تتناسى حالها في حضرته ويذوب قلبها عشقاً من مجرد نظرة رضا داخل عينيه.

وقف هو مهندماً ملابسه وربط زر حلته ثم بكل وسامة وجاذبية بسط ذراعه باتجاهها وفرد كف يده ناظراً إليها في دعوة صريحة لإصطحابها. وما كان منها إلا أنها بسطت يدها واضعة كفها الرقيق بين راحتيه وهي ناظرة لعينيه كمسحورة بجسد متخدر منوم منساق معه. رفع يدها لأعلى ليحثها على النهوض فوقفت قبالته مسلوبة الإرادة وتحرك بها إلى حيث المكان المخصص لهما لجلسة التصوير.

تحركت بجانبه ووقفا حيث مكانهما المخصص. وضع ذراعه حول خصرها ونظر داخل عينيها وذلك حسب ما طلبته منه المصورة. غاص بعينيها وأردف قائلاً بعيون مسحورة: "يخربيت جمال عينيكي، كيف مشفتش لونهم اللي كيف موج البحر دي جبل كده." "ومين اللي ضحك عليك وفهمك إنك هتشوف من الأساس يا متر." جملة ساخرة تفوهت بها صفا لتحرق روحه وترد له بعضاً من إهانته لها. كظم غيظه من حديثها

وتوعد لها من بين أسنانه: "جولت لك جبل سابج لسانك سليط، ووعد مني قطعة هيكون على يدي يا بت زيدان." ابتسمت ساخرة من حديثه مما استشاط غضبه. تحدثت المصورة إليهما: "يا ريت نبدل الوضع يا عرسان وبلاش كلام لو سمحتم واهتموا بالنظرات أكتر." وقف خلفها وجذبها بعنف حتى التصق بجسدها مما جعلها تهتز منتفضة. قرب فمه من أذنها وهمس بوقاحة: "للدرجة دي هيهزك قربي منكِ وممتحملهاش." استشاط داخلها وتحدثت بنبرة حادة: "إنت قليل الأدب."

قهقه برجولة وهمس من جديد بأذنها: "قليل الأدب اللي على حج هوريهولك فوق في شجتنا يا عروسة، متستعجليش على رزقك كده." ثم لفها من جديد وأمسك كف يدها ليأخذا وضعاً آخر لاتخاذ صورة أخرى. ابتلعت لعابها وانتفض جسدها رعباً إثر تلميحاته الوقحة.

أما ذلك العاشق المذبوح المسمى بفارس الذي سُجن داخل حكاية غرامه الفائت. فاتخذ من الصمت والحزن مسكنه الجديد. نظر بعينان مستسلمتان وقلب يصرخ ألماً وروحاً تئن وجعاً. على من ملكت روحه واستحوذت على كيانه كاملاً. حين بادلته تلك المتيمة نظراته بأخرى صارخة متألمة. إنها "أشجان" ابنة خالته بدور التي لم ولن يجد لها البديل بحياته. حتى وبعد أن تزوج وأنجب طفلته الجميلة إلا أن دائماً "للقلب أحكام".

وما كان حالها أفضل منه فقد شعرت بانتفاضة داخل قلبها ورعشة سرت بجسدها بالكامل من مجرد نظراته. وبرغم أنها تزوجت رغماً عنها من ابن عمتها إلا أنها ما زالت تتنفسه عشقاً. تزوجت وحملت في جنينها الأول وأنجبته عن قريب. نظرت إليه وأمالت برأسها قليلاً وحدثته داخل نفسها: "أسعيد أنت لما وصلنا إليه بفضل ضعفك واستسلامك؟ لما تركتني يا فارس، لما لم تتمسك بي كما كنت دائماً توعدني، أولم تقل لي لم أتركك مهما حدث؟

ما الذي حدث يا رجل حتى تسحب عهدك لي؟ كان يصرخ ألماً من نظراتها الملامة التي جعلته يشعر بعجز مهين لرجولته.

فقط ليس هما من يتألمان وحدهما. كانت عيونها تراقب لقاء السحاب هذا بقلب يتمزق ألماً. إنها عيون مريم التي تتمزق من الجهتين. السبب الأول وهو زوجها الذي لم يوليها أي اهتمام منذ أن تزوجها وإلى الآن. وعشقه الهائل لابنة خالته الذي ما زال يستولي على قلبه بالكامل وذلك ما استشفته للتو من بين نظراته المتلهفة لها. وما بين اعتقادها أنها لو تزوجت قاسم كانت ستحيي حياة طيبة على الأقل أن قاسم لم توجد بحياته امرأة أخرى كفارس. وهذا ما تعتقده هي إلى الآن.

انتهت جلسة التصوير الخاصة بالعروسين وتحرك بها قاسم متجهاً إلى المنزل كي تصعد هي إلى مسكنها الجديد ويعود هو إلى الاحتفال الخاص بالرجال الذي سيطول ما يتجاوز الساعة. كانت تتحرك بجانبه متشابكة الأيدي معه وعلى الجانب الآخر تتمسك بيد أبيها الحنون ومن خلفهم جميع نساء العائلة اللواتي يزفنه بالأغاني التراثية المتوارثة لديهم. وما أن اقتربوا من بوابة المنزل حتى وقفت الجدة وتحدثت إلى نساء النجع والعائلة بوجه صارم

وهي تشير بيدها للأعلى: "بكفايكم لحد كده، شرفتونا ونورتونا وعقبال عنديكم كلكم، يلا كل واحدة على دارها لجل ما العرسان يرتاحوا." أومأت لها جميع الحاضرات وقاموا بإطلاق الزغاريد بحفاوة ثم انطلقن كلهن على دارها. وكاد قاسم أن يتحرك بجانب صفا إلى الداخل أوقفته

الجدة قائلة بنبرة حادة: "وإنتَ كمان يا قاسم بكفاك لحد هني، سيب صفا مع أمها تطلعها الشقة وتطمن عليها براحتها وإنتَ عاود مع عمك زيدان لفرح الرجال، زمان الضيوف بيسألوا عليكم." هز لها رأسه بموافقة ودلفت صفا بجانب ورد التي أمسكتها من يدها وعمتيها ونجاة وفايقة. أما الجدة فما زالت واقفة بجوار قاسم وزيدان وفارس الذي لازم شقيقه ولم يتركه وحيداً في ليلته. وكاد قاسم أن يتحرك أوقفه زيدان قائلاً: "إستنى يا قاسم، عايزك في كلمتين."

نظر لهم فارس واستأذن منهم وتحرك عائداً إلى الحفل. ووقفت رسمية تتابع ما سيقال. أمسك زيدان كتف قاسم وتحدث بعيون متوسلة: "أنا إنهاردة ما سلمتكش بنتي لا، أنا سلمتك روحي، حتة من قلبي، سلمتك أغلى حاجة في حياتي كلهُم، بنتي وبت عمري كله، جلب أبوها الزينة الغالية، خلي بالك عليها زين يا قاسم."

وأكمل بنبرة صادقة: "طول عمري وأنا بعتبرك كيف ابني اللي ما خلفتوش، وعارف إنك هتحبني كيف أبوك، بس لو حَج هتحب عمك زيدان صح وغالي عليك حط صفا جوه عينيك، من النهاردة إنتَ مش بس جوزها، لا، أنا عايزك تبقى أخوها وأبوها وخليلها وكل دنيتها." وأكمل بنبرة مختنقة بعبرة وقفت بحلقه وتحجرت بعينيه امتثالاً لأوامر كرامته: "صفا غلبانة وملهاش لا أخ ولا أخت يا قاسم، عوضها وكون لها السند لجل ما أموت وأنا مطمن عليها يا ولدي."

وهنا نزلت دموع رسمية الأبية التي لم تذرفها من قبل حتى على أغلى الغوالي. نزلت تأثراً بحديث صغيرها الغالي التي حتى وإن أظهرت جحودها وغضبها عليه إلا أنه ما زال غاليها وصغيرها المفضل والمقرب إلى قلبها. اقتربت منه وأمسكت كف يده وشددت عليها كدعم منها. سعد هو به وشعر براحة كبيرة عندما نظر لعينيه ورأى بهما نفس ذات نظرة الحب والحنان الذي افتقدهما لسنوات.

عاد بنظره مرة أخرى إلى قاسم الواقف متأثراً بتلك اللحظة وأكمل زيدان ومازال ممسكاً بكتف قاسم بكف يده مشدداً عليه واليد الأخرى تمسكها رسمية بدعم. زيدان مطالباً قاسم بوعد وقسم: "أوعدني إنك هتحافظ على بنت عمك وتصونها وتحطها جوه عينيك يا ولدي." انتفض داخل قاسم متأثراً بحديث عمه الصادق الذي وصله من بين نبراته الصادقة. خوف الأب على ابنته خشية من تقلبات الزمان. وما كان من قاسم إلا أنه أنزل كف عمه ومال عليه مقبلاً إياه

باحترام وتحدث بتودد ووعد: "أوعدك يا عمي، وعد عليا إني عمري ما هجرحها ولا ههينها وهكون لها بعد ربنا وبعدك الأخ والسند." وأكمل مبتسماً: "إطمن يا عمي." ابتسم له وأردفت رسمية قائلة لتطمئن ولدها: "متجلقش على بنتك يا زيدان، أبوك اختار لها قاسم مخصوص عشان عارف إنه راجل صح وهيعرف يصونها ويحطها في حبى عنيه."

_أما بالداخل فمنذ أن دلفت صفا للداخل وتحركت بجانب ورد وعمتها متجهة إلى الدرج حتى أوقفتها فايقة التي سدت الدرج بجسدها وهي تقف وتضع يدها متحدثة بكبرياء: "يلا يا مرت ولدي، ميلي وطاطي راسك وخطي من تحت يدي لجل ما أرضى عنيكي وتكوني تحت طوعي." جحظت أعين صباح التي تحدثت بحدة ناهية إياها: "كنك اتجننتي يا مرة، بجا عايزة الدكتورة صفا بجلالة قدرها تميل وتخطي من تحت دراعاتك؟ هتفت ليلي وهي تربّع ساعديها

وتضعهما أمام صدرها: "وهي عشان بجت دكتورة تتكبر على عوايدنا وسِلو بلدنا إياك؟ وتحدثت بنبرة حادة آمرة: "يلا خلصينا يا صفا وطاطي." تحدثت ورد وهي تلف ذراعها حول صغيرتها بحماية واحتواء وأردفت بنبرة غاضبة: "عادات ماتت من زمان واندفنت، جايه تحييها إنتِ وأمك دلوقت ليه يا ليلي؟ أجابتها فايقة وهي ترفع من قامتها عالياً

بتفاخر: "أنا واحدة بنت عيلة وماسكة في العادات والتجاليد زين يا ورد، وأنا بجا مصممة بنتك معتطلعش فوق غير لما تطاطي راسها وتعدي من تحت طوعي." تحدثت إليها نجاة بنبرة توسلية: "اعجل يا فايقة وفوتي الليلة على خير، أومال إني موقفتش لبنتك كده ليه." أجابتها بصرامة: "إنتِ حرة في تصرفاتك يا نجاة وأنا كمان حرة، وأنا بجا كبرت في نفوخي وبنت ورد مهتخطي برجولها لفوق غير لما تطاطي تحت يدي."

انتفض جسد فايقة من استماعها لصوت رسمية التي صدح من الباب وهي تتحدث بصياح عالٍ: "هي مين دي اللي هتعطي وتعدي من تحت يدك يا واكلة ناسك إنتِ، عتتشرطي على بنت ولدي وتتحكمي فيها في بيت أبوها، كنك ادبيتي في عجلك يا مرة." ارتعبت فايقة عندما نظرت إلى عمتها الغاضبة ويجاورها زيدان بعينيه التي تطلق شزراً وقاسم بنظراته الملامة لوالدته. وتحدثت بتلبك: "أنا ما طلبتش غير الأصول والعادات يا عمة، وماحدش يقدر يغلطني في طلبي ده." تحدث

إليها زيدان بنبرة حادة: "فايقة، بلاش نبتديها عند ومكايدة من أولها عشان إنتِ معتجدريش على غضبي لو لمستي شعرة واحدة من بنتي." تحدث قاسم إلى عمه لينهي الجدال الدائر: "بعد إذنك يا عمي، ارجع إنتَ الفرح عند ضيوفك وسيب لي أنا الموضوع ده وأنا هحله بهدوء." وأخيراً تحدثت صفا بنبرة غاضبة تنم عن مدى وصولها لقمة غضبها: "وأنا ما بستناش حد ييجي يحللي مشكلتي، أنا كفيلة وجد حالي." وبحديثها الحاد إليه استدعت غضب ذاك العصبي من جديد.

تلاشت نظراته المتوعدة لها ثم أحالت بصرها إلى فايقة وتحدثت بقوة وصلابة ورأس شامخ مرفوع: "بعدي يدك يا مرت عمي لجل ما أفوت، ولازم تعرفي إن اللي بتعمليه ده مفيش منه فايدة عشان لو السما انطبجت على الأرض أنا مهعاطيش." وأكملت بكرامة: "صفا زيدان ما بتعاطيش غير للي خلقها وبس، ولساته متخلقش اللي يخليني أطاطي راسي وأنحني له." "تسلم البطن اللي شالتك ويسلم اللي رباكي يا دكتورة." كانت تلك جملة تفوهت بها رسمية بتفاخر.

ثم تحدثت بنبرة حادة: "بعدي يا مرة وخلي ليلتك تعدي على خير ويايش." شعرت بنار تسري بجسدها بالكامل لتشعلها نار الهزيمة وخسارتها بجولتها الأولى أمام زيدان وابنته. تحركت جانباً وهي تنظر إلى صفا وورد وترمقهما بنظرات غاضبة تحت اشتعال قلب ليلي التي قهرت من انتصار صفا عليها. وأمرت الجدة زيدان وقاسم بالرحيل وبالفعل تحركا وانفض الاجتماع بعدما صعدت ورد وصباح وعلية بجوار صغيرتهم لكي يطمأنوا عليها ويطمئنوا روحها.

ظلت نجاة وفايقة وليلي والجدة التي تحدثت بحدة ناهية ابنة أخيها وهي تشير إليها بسبابتها بتهديد: "اسمعيني زين يا بت سنية وحطي الكلمتين بتوعي دول حلقة في ودانك لجل ما تيجي ضري اللي إنتِ مش جده." "وإياكِ تقولي لنفسك إني هستفرد ببنت زيدان وأذلها لجل ما أنتقم فيها للي عملته أمها زمان لما زيدان فات أختك بدور بسببها." وأكملت بتحدي

وهي ترمقها بنظرة حارقة: "ده إنتِ تبقي مخبلة وغلبانة قوي لو فكرتي إني هسيبك تمرمطي في بت ولدي وأنا واقفة أتفرج عليكِ، اعجل يا بت سنية واحسبيها بعجلك واشتري رضاي بدل ما أجلب عليكي الوش اللي عمرك ما شفتيه." "وساعتها هتتمني إن ربنا ما كانش خلقك لجل ما ترتاحي من عمايلي السودة فيكي." ورمقت

الجميع بالغضب وتحدثت بأمر: "ودلوقتي يلا فوتي منك ليها على المطبخ جهزوا الأكل اللي فاضل من الطباخين لجل ما تخلوا البنات يوزعوه على بيوت العيلة وعلى الأيتام والمساكين." وانسحبت لداخل غرفتها تحت اشتعال قلب فايقة التي شعرت ولأول مرة بتخلي عمتها عنها واصطفافها بالجانب المعادي لها. يتبع..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...