صباح اليوم التالي *** في مطبخ سرايا عثمان النعماني، تقف كل من فايقة ونجاة ومريم وليلى، يعدن طعام الإفطار لأهل المنزل بمساعدة العاملات. دخلت إليهن رسمية وتطلعت عليهن قائلة بتعجل: _إعملي لك هِمه شوي منك ليها، الرجال كلهم فاجو من النوم وجاعدين برة في المندرة مستنيين الفطور. تحدثت نجاة بنبرة طائعة كعادتها: _حاضر يا مرت عمي، جربنا نخلص أهو. وجهت رسمية حديثها إلى فايقة التي ترص الفطائر وتضعها في الصواني الخاصة
لتجهيزها للتقديم وتساءلت: _عملتي حساب العرسان وياكي في المشلتت يا فايقة؟ أجابتها فايقة بنبرة ساخرة: _الست ورد بعتت خدامتها لجل ما تخبرنا إنها عاملة للهانم بنتها الفطار والغدا والعشا السبوح كلياته. هتفت ليلى بنبرة ساخرة: _كأنها خايفة لنسمموها في الوقت. قالت كلماتها المتهكمة ثم قامت بإطلاق ضحكة ساخرة. رمقتها رسمية بنظرة حادة كالصقر ألجمتها وجعلت الدماء تهرب من وجهها، ثم نهرتها بقوة قائلة:
_إجفلي خاشمك اللي ما بيطلعش غير كل سو ده، وبدل ما إنتِ قاعدة تتمسخري على مرت أخوكِ، روحي شوفي جوزك متغير ليه بجاله مدة ومادد بوزه جدامه يا جي شبرين. ثم رمقت فايقة بنظرة نارية قائلة: _وإنتِ يا ست فايقة، بدل ما إنتِ شاغلة حالك وحاشرة منخيرك في حياة الخلق، علمي بنتك كيف تعامل جوزها وتخليه نازل خلقته بتضحك كيف خلق قاسم امبارح. ثم اتجهت ببصرها إلى نجاة وتحدثت متجاهلة فايقة:
_رصي فطرتين وجزازة حليب طازة وإبقي شيعيهم مع حسن للعرسان لما يفوجوا يا نجاة. هتفت مريم قائلة بنبرة صوت حماسية: _أنا هطلعهم بنفسي لجل ما أشوف صفا لتكون محتاجة لحاجة يا جدتي. ضحك سن رسمية وتحدثت باستحسان إلى ابنة نجلا الهادئ: _جدعة يا مريم، أصيلة كيف أمك يا بتي. انفرجت أسارير مريم باستحسان لمدح جدتها لها، وأيضًا نجاة التي سعد داخلها. في حين لوت فايقة وليلى فاههما باعتراض وتهكم. أما رسمية فعادت ملامح وجهها مكفهرة
من جديد وأكملت بنبرة حادة: _هموا يلا وطلعوا الفطور على السفرة. وتحركت إلى الخارج، في حين همست ليلى إلى مريم التي تجاورها الوقوف وتساءلت بطريقة تهكمية: _إنتِ إيه حكايتك إنتِ كمان يا ست مريم ويا المدعوجة بت ورد؟ وأكملت: _يوم الحنة تجفي إنتِ وهي تتسايروا لحالكم في المطبخ، وصباحية الفرح تاخدي بنتك وتروحي دار ورد لجل ما تساعديهم، مع إن كان من الواجب إنك تجفي ويا حماتك، مش ورد! تنهدت مريم بأسى وتحدثت بنبرة مهمومة وبرائة:
_اسكتي يا ليلى، ده أنا من وقت ما اتحدت ويا صفا يوم الحنة وأنا زعلانة من حالي جوي. ثم نظرت لتلك التي قوست فاها متعجبة وأسترسلت بنبرة خجلة حزينة: _ده إحنا طلعنا وحشين وجلوبنا جاسية جوي يا ليلى، ظلمنا صفا وعاجبناها على حب جدودنا ليها وهي ولا ليها أي ذنب في كده. نظرت لها ليلى بنظرات مقللة وتحدثت بطريقة تهكمية: _وإيه كمان يا نواعم! وأكملت بنبرة حقودة في محاولة منها لبث سمها كي تستحضر حقد مريم على صفا من جديد:
_جوام نسيتي إن بضحكتها خطفت مني الراجل اللي كنتِ تعشقيه وتموتي عليه! تلفتت مريم سريعًا حولها بعيون زائغة خشيةً من أن تكون أحدهن قريبة فتستمع إلى ذاك الحديث الخطير. حمدت الله عندما وجدت المطبخ خالي، حيث تحركن جميعهن للخارج مصطحبات الأطعمة. حينها هتفت بنبرة حادة صارمة: _عيب عليكي الحديث اللي بتجوليه دي يا ليلى، أنا دلوقتي على ذمة راجل والراجل ده يبقى أخوكي اللي المفروض تحافظي على هيبته وعرضه أكتر مني أنا شخصياً.
رمقتها بنظرة ساخطة وتحدثت باستخفاف: _وه، وأنا كنت عملت إيه لجل ما تسمعيني الموشح دي كلياته يا ست مريم، الحج عليا إني بفكرك بحقدها هي وأمها ومش عايزة تتغشي في ألاعيبها ووش البراءة اللي بتلبسيهولنا طول الوقت؟ تنهدت مريم بأسى لحقد ليلى الدائم على صفا وتأكدت أنها لن تتراجع عن عدم محبتها لها، فتحركت للخارج مصطحبة صحن مليء بالبيض لرصه على سفرة الطعام. ***
ذهبت رسمية إلى منزل زيدان كي تطمئن على صغيرها التي شعرت بغصته ومرارته، ومن غيرها تشعر بقلب صغيره. دلف إلى المنزل وجدت ورد تخرج من المطبخ تحمل بين يديها صنية كبيرة مرصوص فوقها صحون مليئة بالأطعمة المتنوعة، كانت تذهب بها إلى حجرة الطعام لترصها بعناية فوق سفرة الطعام. تحدثت رسمية ولأول مرة بنبرة حنون إلى ورد: _صباح الخير يا بتي. انتفض داخل ورد بسعادة حين رأتها أمامها وأردفت قائلة بترحاب عال:
_يصبّحك بالهنا يا مرت عمي، اتفضلي. تساءلت باهتمام: _وينه زيدان يا ورد، من يوم دُخلة صفا مشفتش وشه؟ صاحت ورد بصوتها إلى العاملة التي أتت مهرولة وناولتها ورد الصنية قائلة بنبرة رحيمة: _خدي الصحون وروحي رصيها على السفرة يا صابحة وهاتي باقي الوكل، وجهزي سفرة مليحة تليق بالحاجة رسمية لجل ما تفطري مع الحاج زيدان. تحركت العاملة إلى الداخل، ثم حولت ورد بصرها إلى والدة زوجها وتحدثت بأسى:
_والله يا مرت ما عارفة أقول لك إيه، زيدان من وقت ما سلم البت لقاسم وهو حزين وشردان وكأنه في ملكوت لوحده، حابس حاله في البيت وما خرجش من وقتها لحد دلوقتي. تحدثت رسمية متسائلة: _هو فين دلوقتي؟ أشارت لها ورد إلى باب الحجرة وتحركت أمامها وفتحت الباب وتحدثت لذاك الممدد فوق تخته ينظر إلى سقفها بشرود وذقن نابت: _مرت عمي جاية تفطري وياك يا زيدان.
انتفض من نومته وجلس معتدلاً يعدل من هيئته وتحدث منادياً على والدته التي تقف خلف الباب لتعطي له المجال ليعتدل كما الشرع والدين: _ادخلي يا حاجة. دلف وأنتفض هو واقفًا ومال على كف يدها وقبلها باحترام. وضعت كف يدها الحنون على رأسه تتحسس شعره بحنان ورعاية وتحدثت بنبرة متأثرة: _كيفك يا ضي عيني؟ أجابها بنبرة حانية: _بجيت زين لما شفتك يا أما. أرادت ورد أن تعطي لهما المجال لينفردا بحالهما كأم وولدها ويتحدثا بأريحية
فأردفت قائلة بانسحاب: _أنا هروح أجهز الفطور لجل ما تفطري ويا مرت عمي. خرجت وأوصدت خلفها الباب، حين جلست رسمية على طرف الفراش وجاورها زيدان وتساءلت هي باهتمام: _حابس حالك وعامل في نفسك كده ليه يا زيدان؟ أجابها بنبرة حزينة: _ما بقدرش أتجبل فكرة إن بنتي خلاص مبقتش معايا في داري يا أما، إحساس عفش جوي وأني بسلمها بإيدي لراجل تاني. ضحكت وأردفت قائلة بدعابة كي تخرجه مما هو عليه والتي تعذره عليه بالتأكيد:
_كنا بعناها إياك يا ولدي، البنت اتجوزت على سنة الله ورسوله وسلمتها بيدك لزينة الشباب، ولو خايف عليها من الزمن فطمن جلبك، قاسم راجل صح تربية جده عتمان. وقفت وأمسكت يده لتحثه على التحرك قائلة بنبرة عالية: _جوم يلا معايا نطلع نفطر سوا ويا مراتك وبعدها ادخل احلق دجنك دي واسبح لجل ما تروح لبتك اللي عمالة تسأل عليك وتبارك لها. وبالفعل خرج معها وجلسا بصحبة ورد يتناولون فطورهم. ***
تملل ذلك الغافي وفرد ذراعيه وهو يتمطى براحة، ثم فتح عينيه سريعًا حين تذكر وضعه الحالي، كي ينظر إليها ويشبع حاله من النظر إليها ككل أيامه السابقة. أصيب بإحباط حين وجد مكانها خاليًا وأنتفض ليبحث عنها كمن فقد أغلى جواهره. وجه بصره إلى المرحاض وجد الضوء مطفئًا مما يدل على عدم وجودها. ساقته قدماه إلى الخارج وهو يتلفت هُنا وهناك باحثًا بعينيه عنها، وأخيرًا تنهد براحة حين وجدها تقف أمام الموقد تصنع طعام الإفطار.
ما أجملها وما أبهاها، كانت ترتدي منامة هادئة ناعمة كقلبها وتفرد شعرها المصفف بعناية خلف ظهرها. أخذ نفسًا عميقًا حتى يستطيع السيطرة على مشاعره وانفعالاته التي ثارت عليه مؤخرًا. تحمحم كي لا يفزعها، التفت بجسدها ونظرت إليه بترقب بعينيها الساحرة التي أنعشت روحه وبثت الطمأنينة إلى قلبه. حين تحرك هو حتى اقترب منها وتحدث بنبرة صوت متحشرجة بفضل النوم: _صباح الخير. ردت عليه الصباح بنبرة هادئة فسألها:
_إيه اللي مصحيكي بدري كده؟ أجابته وهي تحرك الملعقة يمينًا ويسارًا داخل قدر الأرز بالحليب التي تعده: _أنا متعودة على الصحيان بدري، قلت أقوم أعمل طبجين رز بحليب نفطر بيهم. وقف بجانبها ثم أمال بجزعه مقتربًا برأسه نحو القدر وأشتم بانتشاء رائحة التي تطهوه وتحدث مغمض العينين باستمتاع: _يسلااااام على ريحة الفانيليا مع الحليب، حلوة جووووي. ثم تطلع عليها بعيون تتفحص كل إنش بوجهها وتحدث بنبرة حنون وهو يقترب منها: _تسلم يدك.
انتشى داخلها بسعادة من كلماته الحنون لكنها تلربكت من قربه وابتعدت قليلاً بتوتر وخجل ما زاده بها إلا نشوة وإثارة. استمعا إلى جرس الباب، تحمحمت هي وقالت: _هروح أشوف مين اللي على الباب. أوقفها صوته الجهوري وتحدث قائلاً بنبرة حادة: _وقفي عندك. توقفت واستدارت له فتحدث بنبرة غائرة وهو يشير إلى منامتها وشعرها المفرود على ظهرها: _بتفتحي الباب وإنتِ كده! تحدثت إليه نافية: _لا طبعًا، أنا كنت هدخل أوضة النوم ألبس الإسدال.
أجابها وهو يتحرك في طريقه إلى الباب: _أنا هفتح وإنتِ كملي اللي بتعمليه. فتح الباب ففوجئ بمريم التي تحمل بين يديها صينية وتحدثت باحترام: _صباح الخير يا قاسم. أجابها بنبرة هادئة وملامح وجه بشوش: _صباح النور يا مريمو. أشار لها بكف يده في دعوة منه للدخول: _ادخلي واقفه ليه. تحدثت وهي تدلف بساقيها: _عروستنا الجمر وينها؟ أشار لها إلى المطبخ ودلف هو إلى غرفة المعيشة كي يعطي لهما المجال للتحدث بأريحية.
وضعت مريم الحامل فوق رخامة المطبخ واحتضنت صفا التي سعدت كثيرًا واطمأنت بذلك العناق التي شعرت بحنان مريم من خلاله. تحدثت مريم بوجه بشوش: _كيفك يا صفا، ناقصك أي حاجة أعملها لك؟ أجابتها صفا بسعادة تكاد تنطلق من عينيها: _تسلميلي يا مريم، ربنا يخليكي لي. نظرت مريم على القدر الموضوع فوق الموقد وتساءلت: _إنتِ عاملة رز بحليب، ده أنا جايبالك حليب طازة جدتك بعتهولك معايا. أجابتها صفا بهدوء:
_تسلم يدك ويد جدتك، الحليب ده أمي شيعتهولي عشية مع صابحة. تحمحمت مريم ثم تساءلت باهتمام: _هو أنتِ صح بتشتغلي في المستشفى بعد إجازة شهر العسل ما تخلص يا صفا؟ أجابتها صفا بتأكيد: _أكيد هشتغل يا مريم، أومال أنا كنت بدرس الطب سبع سنين لجل ما أقعد بعدها في البيت؟ تنهدت مريم بأسى ثم تحدثت بعدما ظهر الحزن داخل مقلتيها: _يا بختك يا صفا، بتخرجي وبتشوفي خلق جديدة غير الخلق اللي هنشوفها كل يوم. وأكملت بنبرة حزينة:
_ده أنا من كتر الحابسة اللي أنا فيها بحس إن الحيطان بتطبق على قلبي تخنج روحي وتطلعها. نظرت صفا لحزن عينيها بتمعن ثم تحدثت بنبرة حماسية: _بجولك إيه يا مريم، ما تحبيش تشتغلي معايا في المستشفى؟ اتسعت عينا مريم وتحدثت بملامح وجه سعيدة متعجبة: _أنا، وأنا أشتغل إيه وياكي يا صفا، طب إنتِ دكتورة وهتعالجي العيانيين، ويزن أخويا ماسك المدير المالي للمستشفى، أنا بجا هعمل إيه في وسطكم! ابتسمت لها وتحدثت:
_إنتِ خريجة خدمة اجتماعية والمجال ده هنحتاجه في المستشفى، المهم إنك موافقة من حيث المبدأ. قوست مريم بين حاجبيها وتساءلت بوجه عابس: _وتفتكري جدك ولا فارس ولا حتى فايقة مرت عمك هيوافقوا على شغلي بالسهولة دي؟ ردت عليها مطمئنة إياها: _موضوع موافقة جدك دي سيبها عليا، وأظن إن من بعد موافقة جدك مفيش حد هيقدر يعترض.
طارت مريم من شدة سعادتها وما شعرت بحالها إلا وهي تلقي بحالها لداخل أحضان تلك الحنون وكأنها تحتاج لعناق من أحدهم ليشعرها بالأمان. شعرت صفا بالاحتياج الضروري لمريم لذاك الاحتضان، فحاوطتها بساعديها برعاية وشددت من احتضانها، مما جعل مريم تطلق تنهيدة براحة وبدأت تلوم حالها وتجلد ذاتها على تعاملها السيء غير اللائق بتلك رقيقة الحس والمشاعر. ***
بعد مرور ساعتين كانت ترتمي داخل حصنها المنيع والذي هي أكيدة من أنه لا يقارن ولن يوجد له شبيه. تشدد من احتضانها له، واضعة أنفها بصدره تنتشي رائحة جسده التي تفوق أعلى وأغلى العطور الفرنسية بالنسبة لها. وما كان حاله بأقل من غاليته، فكان يحاوطها بذراعيه مشددًا عليها داخل أحضانه الحانية ليُشبع حنينه إليها. كان يقف مقابلًا لهما وتجاوره رسمية وورد وصابحة التي وضعت الأشياء الكثيرة التي أحضرها زيدان لصغيرته، ثم تحركت للأسفل.
نظر يتأمل تلك العلاقة الصحية التي تتسم بالإنسانية والمحبة والاحترام. تحدثت لائمة من داخل أحضانه التي اشتاقتها بجنون: _يا جلبك يا أبوي، هانت عليك صفا تسيبها كل دي من غير ما تاخدها في حضنك كيف كل يوم وتطبطب عليها! ضحكت رسمية وتحدثت وهي تربت فوق كتف قاسم بفخر: _وهتعملي بيه إيه حضن زيدان في وجود حضن جوزك يا دكتورة. نزلت كلمة جدتها على قلبها أحرقته وتحدثت بقلب منكسر انهدمت أحلامه:
_حضن أبوي ملوش بديل ولا ليه زي، مافيش في الدنيا كلها حد ممكن يعوضني عن حضن وحنان أبوي. نزلت كلماتها على قلب ذاك الواقف زلزلته وألمته، حدث حاله لائمًا: ألهذه الدرجة لم أعد أعني لها، ألهذا الحد ألمتك أنانيتي صغيرتي، لا تحزني حبيبتي، سأعوض قلبك الصغير وسأنسيكي كل ما تسببت لك به من آلام، فقط اصبري! أما زيدان الذي أخرج عزيزة أبيها من داخل أحضانه ثم احتضن وجنتيها بين كفيه برعاية وأردف قائلاً بنبرة تشع حنانًا:
_كيفك يا روح جلب أبوكي، زينة؟ انفطر قلبها وكادت أن تصرخ لأبيها تشتكيه مرّ زمانها وما صنعت الأيام بها. تمالكت من حالها وتنفست عاليًا لضبط النفس ثم أجابته بنبرة صوت مختنقة محتقنة بالآلام: _بجيت زينة بشوفتك يا حبيبي. انتفض داخله ودقق النظر داخل عينيها راصدًا آلامها وتحدث إليها بنبرة قلقة: _مالك يا صفا، فيكي إيه يا نن عين أبوكي؟ وبلمح البصر رمق قاسم بنظرة حادة كالصقر وتحدث وهو ينظر إليه: _فيه حد عمل لك حاجة ولا زعلك؟
ارتبكت من حدة صوت أبيها وتحدثت سريعًا بتلبك: _لا يا أبوي محدش مزعلني. ثم نظرت لداخل عينيه وأردفت قائلة بنبرة حنون متأثرة: _أنا بس اللي اشتقتلك يا حبيبي. ابتلع قاسم لعابه متأثرًا ثم أردف قائلاً بنبرة دعابة كي يخرجه من حالته تلك: _صلي على النبي أومال يا عمي، إنتَ جاي تهدي النفوس بيني وبين مرتي ولا إيه؟
انتفض قلبها وانتش في استماعه للقب زوجته منه، كم كانت تعشق كل ما به وتتمناه. لقد وصلت في عشقه لأقصى درجاته وأصبحت متيمة بحلاوة عشقه المر، كاللعنة غرامه أصاب قلبها البريء بسهم مسمم بداء الهوى، فلا هي التي تنعمت بأحضانه وذابت، ولا هي التي تقوى على تركه والابتعاد. ضحكت ورد ورسمية وابتسم له زيدان الذي تحرك إلى الأريكة ساحبًا طفلته معه وجلس وأجلسها وسحبها بين أحضانه مردفًا بدعابة مماثلة:
_مش لازم أدبح لك الجطة من أولها كيف ما بيقولوا لجل ما تخشي. ضحك قاسم وتحدث بدعابة جديدة على شخصه استغربها الجميع: _طول عمري أسمع إن الجطة دي الراجل اللي بيدبحها لمرته لجل ما تخشاه وتسمع حديثه، لكن أول مرة أعرف إنها بتدبح من الحمى. تساءلت رسمية إلى قاسم بدعابة مماثلة: _وإنت بجا دبحت لصفا البسة يا قاسم؟ حول بصره لتلك التي تنظر عليه من بين أحضان والدها الحنون تختبئ داخلها وكأنها طفلة العاشرة، وتحدث بنبرة حنون مادحًا
إياها بفخر: _مش صفا زيدان اللي يدبح لها الجطة يا جدة، اللي كيف صفا في أخلاقها وأدبها تتشال على الراس وتتحط جوة نِن العين. اهتز داخلها من استماعها لشهادته في حقها حين انفجرت أسارير الجدة وشعرت كم كان عتمان محقًا حين قال لها أن قاسم متمرد شارد عن أصله ولن يعود إلا بقوة ناعمة، ولم يرى حوله أقوى من تلك الشرسة الناعمة التي استطاعت من خلال أيام قليلة أن تجعل منه شخصًا ولأول مرة يعبر عن مشاعره تجاه أحدهم.
أما زيدان الذي اطمأن قلبه على صغيرته ووجه حديثه الشاكر إلى قاسم قائلاً: _تعيش ويعيش أصلك يا ولدي. تحركت ورد وهي تمسك بيدها بعض علب الحلوى الكرتونية التي مازالت موضوعة فوق سفرة الطعام واردفت قائلة: _هدخل أعمل لكم حاجة تشربوها وأجيب لكم جاتوه. ***
في القاهرة، كانت تجلس فوق مقعد مكتبها الصغير المتواجد داخل غرفتها المتواضعة، واضعة نظارتها الطبية التي ترتديها لأجل العمل حفاظًا على نظرها، تعمل على جهاز الحاسوب الخاص بها كآلة عمل لا تتوقف أبدًا كي تلهي حالها عن حالة الغيرة والغضب التي تملكتها من عدم مهاتفة قاسم لها منذ ليلة الحنة. دخلت إليها والدتها دون استئذان وتساءلت بنبرة حادة استهجانية: _البيه لسه برضه متنيل قافل تليفونه وما كلمكيش؟
زفرت بضيق شديد من طريقة والدتها المستفزة التي جعلت الدماء تغلي بعروقها وتحتد أكثر وهي بالأساس تحاول جاهدة بأن تتغاضى وتتناسى. تحدثت بنبرة حادة: _حضرتك سألتيني السؤال ده بالليل وقولت لك لسه، وأكيد لو كلمني كنت هبلغك لأني عارفة ومتأكدة قد إيه الموضوع مهم بالنسبة لك. وأكملت بلهجة شديدة الحدة: _فياريت تبطلي سؤالك ده كل شوية لأنك بكده بتضغطي على أعصابي وأنا أصلاً متوترة وحقيقي مبقتش متحملة ضغط أكتر من كده.
نظرت لها كوثر بغضب من حدة أسلوبها. دلف عدنان سريعًا وهو يتلفت حوله وأغلق الباب خلفه وتساءل باستفهام: _فيه إيه يا جماعة صوتكم عالي كده ليه، بابا قاعد برة ولو سمع أو حس بقلقكم ده هيدخلنا في سين وجيم ومش هنخلص من تحقيقاته. وقفت وتحدثت له إيناس: _قاسم ما اتصلش بيك من وقت ما كلمك من يومين يا عدنان؟ تنهد بأسى لحال شقيقته وما أصبحت عليه وأجابها:
_ما اتصلش يا إيناس، هو اتصل وقتها من تليفون فارس أخوه واطمن على الشغل وملاني بعض الملاحظات وقفل على طول من غير حتى ما يديني فرصة لأي كلام. هتفت كوثر بنبرة مرعبة: _يا خوفي ليكون البيه أعجبته البنت وبيفكر يفسخ جوازته من أختك ويكتفي بجوازته من بنت عمه. وأكملت بشر وتوعد: _بس ده يبقى غلطان وغبي وما يعرفش كوثر ممكن تعمل إيه لو فكر بس يغدر بينا. أما تلك المشتعلة التي تساءلت والنار تنهش داخل صدرها:
_إنتَ شفت البنت يا عدنان، حلوة؟ وأكملت بنبرة جديدة عليها: _طب أنا الأجمل ولا هي؟ على الفور تذكر عدنان فائقة الجمال تلك والتي لم يرى لسحر عينيها مثيل، لكنه تراجع عن قول الحقيقة كي لا يشعل شقيقته أكثر وكي لا تغضب عليه وتُسقيه من المر والنكد ألوان. فتحدث بنبرة مرتبكة بعض الشيء: _ولا فيها ريحة الجمال أساسًا، أصلاً مفيش مقارنة بين جمالك وبينها، دي حاجة كده استغفر الله العظيم شبه الرجالة في شكلها وجسمه.
تنهدت حينها بارتياح واطمأن قلبها واستكان، ورفعت قامتها لأعلى بغرور، ثم جلست فوق مقعدها من جديد. *** بعد مرور خمسة أيام على زواج قاسم وصفا. ليلًا داخل حديقة منزل عتمان، كان شباب المنزل يجلسون سوياً يتسامرون، وذلك بعدما صعد فارس إلى شقيقه وطلب منه الحضور إلى الحديقة للجلوس مع أبناء عمومته. بعد مرور حوالي الساعة شعر بحاجته لرؤيتها التي أصبحت تبث الطمأنينة والراحة داخل نفسه. وقف ليستأذن منهم قائلاً بهدوء:
_تصبحوا على خير يا شباب. قوس حسن فمه بتعجب وتساءل: _على فين بدري كده يا قاسم؟ أجابه باختصار: _يدوب أقوم لجل ما أنام يا حسن. في حين تحدث فارس مداعبًا أخاه بغمزة من عينيه: _حجك يا باشا ما إنتَ لسه مستجد في الجواز والموضوع جاي على هواك، لكن لما تبقى لك سنتين زيينا كده هتجعد نفس قعدة البؤساء اللي إحنا قاعدينها دي بالتمام.
ضحك الجميع عدا يزن الذي كان يرمقه بنظرات حادة كنظرات الصقر، وخصوصًا أنه يعلم علم اليقين أنه لا يحمل داخل قلبه لصفا أي مشاعر بل ويكاد يجزم بأنه ما زال على علاقة بتلك الفتاة القاهرية التي كان يحدثها منذ القديم. وما جعله يتأكد بأن ظنونه في محلها الصحيح هو ما حدث ليلة الحنة وارتياب قاسم الذي أصابه عندما اقترب منه يزن أثناء ما كان يتحدث بالهاتف. وقف قاسم وتحدث قائلاً وهو يبادل ذاك يزن نظراته النارية:
_أنا مش زيكم ولا عمري هكون يا فارس. سلط يزن عينيه داخل عيني قاسم بغضب وأردف قائلاً بنبرة جامدة: _من جهة إنك مش زيينا فأنا متأكد من كده يا متر، بس مش عايزك تفرح قوي كده لأن دي مش حاجة بتميزك عنينا، دي ليها فاتورة وافرة قوي ولازم تندفع، والتمن هيبقى غالي، غالي قوي فوق ما خيالك يصور لك يا ولد عمي. ضيق عينيه مستغربًا حديث ذاك الغاضب وماذا يقصد به، وما هو الثمن الذي يتوجب عليه دفعه، أيوجد ثمن لم يدفع بعد؟
لقد قام بدفع الثمن وتسديد كامل الفاتورة مقدمًا من كرامته التي هدرت أمام تلك صفا وأمام حاله وانتهى الأمر، هكذا هو تصوره للموضوع. فأراد أن يحرق روحه فتحدث بإهانة وتقليل من شأن يزن: _التمن ده للناس الضعيفة اللي بتسمع الحديث وتطاطي راسها وتجول عُلم ويُنفذ وأمرًا مطاع يا صاحب الأمر. وأكمل بعناد ولهجة تهديدية رافعًا قامته لأعلى:
_لكن أنا لا يا باشمهندس، إنتَ لسه متعرفش الوش التاني والحقيقي لقاسم النعماني، ومن الأحسن إنك متعرفهوش. قهقه يزن عاليًا وأجابه بكل ثقة: _إنتَ اللي كنت قاعدتك في مصر نسّتك عوايدنا وخلتكش تركز في الناس اللي حواليك زين. وأكمل ساخرًا: _على العموم أنا عايزك تفتكر كلامك ده زين عشان هفكرك بيه قريب، قريب قوي يا متر.
استشاط ذاك الغاضب وكاد أن يتحدث لولا تدخل فارس الذي أراد أن يهدئ من الوضع بعدما رأى بعينيه أنه بات على وشك الانفجار. أردف فارس بمداعبة لتلطيف الأجواء: _زينة مناظرة التيوس الشرسة دي يا شباب، بس لو زادت أكتر من كده هتتجلب لمصارعة والليلة هتغفّلج على الكل كليله. وأكمل بنبرة تعقلية: _صلوا على النبي كده واهدوا، وإنتَ يا قاسم، يلا اطلع على فوق لعروستك. ثم اتجه ببصره إلى يزن وتحدث بدعابة ساخرة:
_وإنت يا يزن، تعالي لاعبني دور طاولة لجل ما أخسرك وأحزنك على شبابك قبل ما تطلع ل ليلى وتاخد منها جرعة النكد اليومية اللي ما بتعرفش تخمد من غيرها. قهقه الجميع على سخرية فارس من شقيقته ذات الطباع الحادة عدا قاسم الذي رمق يزن بنظرة حارقة ثم تحرك وصعد للأعلى دون إضافة المزيد. ***
دلف لداخل حجرة نومهما، وجدها تجلس القرفصاء فوق الفراش وتضع وسادة صغيرة فوق ساقيها ومن فوقها جهاز اللاب توب وتنظر لشاشته بتركيز واهتمام مبالغ به، وصل إلى أنها لم تشعر بوجوده حين دلف للداخل. تحدث متحمحمًا كي تنتبه لدخوله: _مساء الخير. ردت عليه وما زالت عيناها مثبتة فوق شاشة الجهاز حتى أنها لم تكلف حالها عناء النظر لوجهه وهي تحادثه.
استشاط داخله من تجاهلها له، لكنه فسرها على أنه رد للثأر لكرامتها وتصنع الكبرياء واللامبالاة، لغسل ماء وجهها أمامه بعد ما صار منه ليلة زفافهما التي مهما حاولت تجاوزها إلا أنها بين الحين والآخر تكشف ملامحها وتتجنب الحديث معه بدون أدنى سبب، وهذا ما كان يؤرقه دائمًا. تحرك إلى الخزانة وأخرج ثيابًا مريحة ودلف لداخل المرحاض.
أخذ حمامًا دافئًا وارتدى ثيابه وخرج من جديد ليجدها ما زالت على نفس وضعيتها، وقف أمام مرآته صفف شعره الأسود بعناية فائقة ونثر عطره الفواح فوق جسده. وبعد ذلك تحرك للفراش وتمدد بجسده بجوارها وأسند رأسه للخلف، وما زالت هي على وضعها، تحمحم للفت الانتباه ولكن، ما زالت تلك الساحرة تنظر لشاشتها بتمعن شديد دون أن تعطي لحضوره أدنى اهتمام مما أثار فضوله وثارت كرامته أيضًا.
على غير عادته رفع قامته لأعلى وبات يتلصص ليرى ما الذي يستحوذ على تركيزها، نظر لشاشة الجهاز حتى يرى ما الذي يشغل عقل تلك العنيدة لهذه الدرجة! نظر وليته لم يفعل، وجدها تتابع عملية جراحية لاستئصال المرارة، وجد الطبيب ممسكًا بالمشرط الخاص بالعمليات وقام بشق بطن المريض بكل هدوء ومهنية، وبدأت بعض قطرات الدماء البسيطة تسيل بهدوء والممرضة تقوم بتجفيفها بحرفية في مظهر تقشعر له الأبدان.
لم يستطع تمالك حاله واعتدل بجلسته وسريعًا انتفض وهو يهرول إلى المرحاض حتى يخرج ما بداخل أمعائه. نظرت إليه باستغراب لحالته وأوقفت بث الفيديو وتحركت إليه سريعًا، وقفت أمام الباب وهي تتساءل بنبرة قلق وعيون متلهفة حين وجدته يفرغ ما بمعدته ووجهه اكتسى باللون الأحمر الداكن وآثار التعب والقرفة تظهر فوق ملامحه: _إنت كويس؟ اغتسل جيدًا وأمسك بيده المنشفة وتحرك إليها وهو يجفف فمه ووجهه وأردف قائلاً باستياء واشمئزاز:
_هبقى كويس إزاي بعد الجرف اللي شفته ده، إنتِ اتجننتي يا صفا، إيه الجرف اللي بتتفرجي عليه ده؟ أجابته بنبرة متعجبة: _جرف، أولًا يا حضرت المحامي المحترم ده مسموش جرف. وأكملت بنبرة علمية: _دي عملية لاستئصال مرارة ملتهبة وعلى وشك الانفجار كمان. نظر لها باشمئزاز وأردف متسائلاً بتعجب: _وإنتِ إيه اللي جابرك في إنك تتفرجي على المذبحة دي؟ أجابته بنبرة ساخرة: _يمكن لأني جراحة مثلاً وده في إطار شغلي؟
نظر لها بذهول وأردف متسائلاً: _وإنتِ حجة بتشتغلي كده؟ أنا افتكرتك بكثيرك هتكشفي على عيل صغير ولا واحدة عندها مغص، لكن توصل بيكِ الجرأة إنك تشقي بطن الخلق بعدم رحمة كيف قاتلين الجتلة كده، ده اللي عمري ما كنت أتخيل إنك هتعمليه.
ضحكت بشدة وصلت حد القهقه وأرجعت رأسها للخلف من شدة ضحكاتها، نظر إليها بانبهار لطريقة ضحكتها المثيرة ووجهها الذي أنار بطريقة تسر الناظرين إليه. ابتلع لعابه بتوتر لما شعر به من أحاسيس ومشاعر جديدة عليه في حضرة تلك صفا. وتحدثت هي ناظرة إليه بتفسير: _بص يا قاسم، أنا تخصص جراحة عامة، لكن في نفس الوقت دارسة شعبة عامة، يعني بعالج كل ما تتخيله، عيل صغير وواحدة عندها مغص زي ما حضرتك تفضلت وقلت، بس ده ميمنعش إني جراحة.
وأكملت بتفاخر مصطنع وهي تشير على حالها بأصابع كف يدها الرقيق: _وجراحة شاطرة كمان بشهادة دكاترتي في الجامعة واللي اشرفوا على تدريبي بذات نفسهم، وعشان كده لازم أطور من نفسي وأبقى على دراية كاملة بكل ما هو جديد في عالم الجراحة. _بتحبي شغلك يا صفا؟ جملة تساءل بها قاسم باهتمام. أجابته مبتسمة بعيون فرحة:
_كلمة بحبه دي قليلة قوي على اللي بحسه تجاه شغلي، الطب ده رسالة سامية، فاهم يعني إيه تخفف عن حد ألم مميت ولا تشيل عنه أذى محتم كان هيؤدي لدمار جسمه؟ ولا لما تشيل الألم عن عيل صغير بيبكي ومحدش عارف ماله ولا فيه إيه؟ حقيقي الموضوع ممتع ويستاهل تعب المهنة. ابتسم لسعادتها وتحدث بنبرة مترجية: _طب ممكن تقفلي العملية دي وتتفرجي عليها بعدين، بجد مش قادر أشوف المنظر ده قدامي. أطلقت ضحكاتها المثيرة من جديد حين تذكرت حالته
وتحدثت بنبرة ساخرة أغاضته: _أنا اللي حقيقي مش قادرة أنسى شكلك وإنتَ مبرجل وباصص للعملية بذهول، وأكملت بتناسي وعدم تركيز في الحديث: آخر واحد كنت أتخيل إنه يخاف وإن عنده قلب زي البني آدمين وبيحس هو إنتَ يا قاسم! نزلت كلماتها عليه زلزلت كيانه وشعر بطعنة ولكن لأجلها لا لأجله، لأجل شعورها به. نظر لها بحزن عميق وتساءل داخله: أحقًا تريني هكذا صفا؟ رجلاً بلا قلب بلا مشاعر بلا حس؟ تنهد بتألم وأردف قائلاً
لها وهو ينظر لمقلتيها: _على فكرة يا صفا، أنا مش وحش قوي كده زي ما إنتِ شايفاني، يمكن جلوبنا منسجمتش مع بعضها وده طبعًا يرجع لظروفنا اللي اتحطينا فيها ونظام الجبر اللي اتجوزنا بيه. وأكمل مفسرًا لتصرفاته السابقة معها: _وأنا طول عمري مكرهتش في حياتي قد الحاجة اللي انجبر عليها وتتفرض علي.
نزلت جملته النارية عليها أدمت قلبها العاشق ومزقت ما تبقى منه، حولت بصرها للجهة الأخرى كي لا تخونها دموعها وترفع الراية البيضاء وتنهمر بحرارة أمامه. أمسكت جهاز اللاب توب وأغلقته، وضعته بجانبها فوق الكومود وتحدثت وهي تواليه ظهرها وتتمدد فوق الفراش وتتدثر حالها تحته في محاولة منها للهروب بأحزانها بعيدًا عنه ولحفظ ما تبقى من كرامتها التي هدرها جدها تحت ساقي ذلك القاسي: _اقفل النور لو سمحت، أنا عايزة أنام.
شعر بغصة مرة داخل حلقه لأجلها وشعر كم كان قاسيًا بوصفه لعلاقتهما، وأنه زاد عليها، ولكن كان لحديثه بقية، كان سيرضي به قلبها الرقيق ويعتذر منها ولكنها تسرعت بغضبها. تحدث هو باستحياء بنبرة خجلة مبررًا حديثه ومكملاً لما بدأ: _حجك عليا يا صفا، أنا مقصدتش الوصف اللي وصلك ولسه لكلامي بقية، أنا... قاطعته بحديثها الحاد الذي يطغى على نبرته الغضب:
_من فضلك يا متر، ما عايزاش أسمع مبررات إنتَ في غنى عنها، وأساسًا الموضوع كلياته لا يعنيني بشيء. وأكملت بنبرة باردة وكلمات مهينة ثائرة لكرامتها: _وصدقني أنا لا أجل عينك في نظرتي لعلاقتنا العقيمة عديمة الفايدة دي، وبالنسبة لي هي وضع مؤقت ليس إلا. استشاط غضبًا من كلماتها المهينة لشخصه ولا يعلم لما اشتعل داخله بوصفها لعلاقتهما بأنها عقيمة عديمة الفائدة ولكن تحامل على حاله وصمت كي لا يزيدها عليها.
وأغلق الضوء وتمدد بجوارها واضعًا يداه تحت رأسه ناظرًا إلى التي تواليه ظهرها دون اهتمام. *** داخل مسكن يزن وليلى. كان يجلس داخل بهو الشقة وبيده بعض الأوراق الهامة الخاصة بالمحجر ليستخلصها. تحركت إليه ليلى وهي ماسكة بيدها حاملة موضوع عليها كأسين من مشروب بارد قد صنعته داخل المطبخ كي يرطب عليهما في ذلك الطقس الساخن. جلست بجانبه وأمسكت بكأس المشروب وتحدثت بابتسامة حانية وعشق ظهر داخل عينيها وهي تبسط إليه يدها:
_العصير اللي بتحبه يا حبيبي. قطع عمله ثم نظر لها وأخذ كأس العصير وارتشف منه القليل وأرجع ظهره مستندًا به إلى الخلف ناظرًا أمامه ببرود. حزن داخلها وأردفت متسائلة بنبرة حزينة: _لسه زعلان مني يا يزن، أنا مجدرش على زعلك ده، روحي بتفارقني ومهترجعليش غير برضاك عليا يا حبيبي. _صح بتحبيني يا ليلى؟ سؤال متعجب طرحه يزن عليها باستهجان! أجابته بقوة وثبات:
_لسه بتسأل يا يزن، ده إنتَ النفس اللي أنا بعيش عليه، أنا عشجانة لروحك وجلبك يا واد عمي. ينظر لها باشمئزاز وتحدث بقوة: _كدابة يا ليلى، ما بصدقش ولا كلمة من اللي بتجوليه، تعرفي ليه؟ نظرت له بألم تترقب باقي حديثه فهتف هو باتهام: _اللي بيعشق كيف ما بتقولي جَلبه ميعرفش الكره يا ليلى، وإنتِ جلبك مليان سواد وحقد على بت عمك الغلبانة. وما أن استمعت لمبرراته حتى استشاط داخلها وتحدثت بنبرة حقودة وكأنها تحولت لأخرى:
_جولي كده، بجا جلبك على ولوية بوزك الأيام اللي فاتت دي كلياتها لجل بت ورد؟ اشتعلت نيرانه ورمقه بنظرة حادة أخرستها وتحدث بلهجة صارمة مهددًا إياها: _أول وآخر مرة أسمعك تجولي على بت عمك بت ورد، الله في سماه لو سمعتها منك تاني لكون قاطع لك لسانك ورامية للكلاب تاكله، ده لو رضوا ياكلوه من الأساس، سمعاني. ارتعب جسدها من صوته الجهوري وابتلعت سائل لعابها، وأومأت له بموافقة. لانت ملامحه قليلاً وعاود الارتشاف من كأس العصير.
حين حزن داخلها وتحدثت بملامح وجه حزينة ونبرة صوت منكسرة: _عمرك سألت حالك أنا ليه بكره صفا وأطيج العمى ولا أطيجهاش كده. التف إليها ناظرًا وأردف بضيق: _عشان جلبك أسود وأمك شربتك الجسوة والحقد من ناحية بت عمك، وبدل ما تحبيها وتاخديها في صفك وتطبطبي عليها عشانها وحيدة، سبتي حالك للشيطان يتملك منك ويكبر بغضك وحقدك على المسكينة. هزت رأسها بنفي وأردفت بنبرة مختنقة من أثر احتقان دموعها:
_لا يا يزن، أنا ما اتخلجتش بكره صفا لأ، كره صفا اتخلق وكبر واحدة واحدة جواتي وكل ده بسبب عمايل جدك وجدتك وحتى أبوك وأمك، كلياتهم كانوا بيفضلوها علي، كانوا بيحبوها وياخدوها جوه أحضانهم وأنا واقفة جار الحيط أتفرج عليهم كيف الغريبة، جدك عتمان عمره ما دخلني جوه حضنه. وأكملت بشرود وهي تهز رأسها بحزن: _معرفهوش إن حضن جدك دي!
كان يستمع إليها بهدوء بعدما حزن داخله لأجل صوتها الصارخ ودموعها المسجونة داخل مقلتيها وتريد من يطلق سراحها لتنطلق وتصرخ تعبيرًا عن مدى آلامها. تحدث إليها بنبرة حنون: _بس هما مكنوش بيعملوا كده كره فيكي يا ليلى، جدك وجدتك كانوا بيعوضوا غياب عمك زيدان عنيهم في حضنهم لصفا، هما اللي كانوا محتاجين الحضن دي يا ليلى مش صفا. وأكمل مبررًا:
_أما أبوي وأمي هما كمان كانوا حاسسين بحرمانها من لمة العيلة وما بيصدقوا اليوم اللي تيجي فيه هنا ويحاولوا يحاوطوها بحنانهم لجل ما يعوضوها. صاحت قائلة بنبرة حادة غاضبة حاقدة: _صفا مكانش ناقصها أحضان يا يزن؟ أنا اللي كنت محتاجاها، أنا اللي عمري ما دُقت لحضن أبوي طعم، حتى أمي عمرها ما خدتني جوه حضنها ولا اتحدتت وياي كيف الأمهات بيعملوا مع البنت. صرخت به وأذرفت دموعها الحبيسة حيث أنها لم تعد تستطيع الصمود أكثر:
_حتى إنتَ يا حبيبي يا اللي اخترتك من صغري لجل ما تبقى خليلي، فوتني وجلبك مال لها هي، مع إن عمرها شافتك ولا حست بيك كيف ما أنا حسيتك، ورغم كده عشقتها بكل ما فيك. وأكملت بشهقة خلعت قلبه معها وكسبت بها تعاطفه: _ولسه بتعشقها دلوقتي وبتدافع عنها وبتوبخني لجل خاطر عينيها. سحبها وأدخلها لداخل أحضانه وبات يربت فوق ظهرها بحنان وأردف قائلاً: _حديث إيه اللي بتجوليه ده يا ليلى، صفا بقت مرات أخويا يعني اتحرمت علي كيف أمي وأختي.
كيف أفضلها عليكي وإنتِ مرتي وهتُبقي أم ولادي. انتفضت من داخل أحضانه ونظرت إليه بترقب وأردفت متسائلة: _كان نفسي تجول حبيبتي، مش مرتي يا يزن. أجابها بثقة: _الحكاية دي في يدك لوحدك يا ليلى، إنتِ الوحيدة برجولتك وجلبك النضيف اللي بيحب اللي حواليه ومعيشيش جواه أي كره أو حقد لغيره، اللي هتخليني أشوفك حبيبتي اللي ما بقدرش أستغني عنها.
_اوعديني إنك تتغيري يا ليلى، ادي فرصة لجلبك يطهر من ذنوبه وخطاياه، حِبي اللي حواليكي يا ليلى، وجبلهم حبي حالك وطهري روحك. ساعتها هشوفك حبيبتي اللي بحبها واتمناها، وإيه اللي يمنع وقتها جولي. كانت تستمع إليه وقلبها يتمزق، صراع داخل روحها التائهة، تشتت يؤرجح عقلها، هي ليست بالشيطان، لكنها ترعرعت داخل أحضانه، تسمم عقلها بأفكاره، لطالما لم تجد من يأخذ بيدها لطريق الحق وينير دربها العاتم.
كانت تومئ له برأسها وتتساقط دموعها الغزيرة التي جعلته متأثرًا بعدما شعر بتشتتها. أمسك كف يدها قبلها وتحدث بنبرة حنون: _جربي من ربنا يا ليلى في القرب منه النجاة، في حضرته جلبك هيرتاح وبصيرتك هتنور وكل شي قدامك هيوضح ويبان كيف عين الشمس. وأكمل بنصح: _صلي يا ليلى، صلي بانتظام واقعدي بعد الصلاة كلمي ربنا واشكي له همك، جولي له على كل اللي تاعب روحك وواجع جلبك، هو اللي هيقدر يطيب جراحك ويريح جلبك.
بكت وبكت بمرارة وكلما زاد البكاء شعرت بالراحة وكأن دموعها تلك تنقيها من خطاياها التي لا حصر لها والتي فعلت معظمها بجهل منها وذلك لانشغال والديها عنها وعدم توعيتها للصح. شعر بالأسى تجاهها وأخذها داخل أحضانه وشدد منه وتمسكت هي بضمته كمن وجد ضالته وظلت تبكي بمرارة حتى استكانت بعدما أفرغت ما بداخلها، ولكن يظل السؤال، هل يمكن حقًا لمن تربت داخل أحضان الشيطان أن تسلك الطريق الصحيح وتهتدي؟
دعونا ننتظر هل سيتغلب الطبع السيء أم التطبع. *** مساء اليوم التالي. داخل حجرة قدري، يجلس كل من قدري وفايقة وفارس بناءً على طلب ذاك القاسم الجالس مقابلًا لهم بملامح وجه مبهمة. تحدث قدري متسائلاً بنبرة قلقة: _فيه إيه يا ولدي، جامِعنا بربطة المعلم ليه كده؟ تحدثت فايقة متسائلة: _فيه حاجة حصلت يا قاسم؟ أخذ نفسًا عميقًا ثم زفره بضيق وتحدث مهمومًا لما هو آت: _أنا مش هتجوز على بنتي عمي يا أبوي. وأكمل بقوة وإصرار:
_هروح ل إيناس وأحل وعدتي وياها وهجبل بكل اللي يطلبوه أهلها مني، بس مهغدرش ببنت عمي ولا هخون أمانة عمي زيدان اللي أمن عليها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!