الفصل 6 | من 48 فصل

رواية قلبي بنارها مغرم الفصل السادس 6 - بقلم روز امين

المشاهدات
28
كلمة
7,639
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 13%
حجم الخط: 18

كانت نظرات الجميع مُسلطة فوق ذاك القاسم لانتظار نطق كلماته الأخيرة في تحديد مستقبل تلك المسكينة. تنهد قاسم ونظر إلى صفا ووجه حديثه إليها بقوة بنبرة جادة: "أول ما يفتح موجع التنسيج جدمي فيه، وچهزي ورق التجديم وأني بنفسي اللي هجدم لك في الچامعة يا دكتوره."

أطلقت تنهيدة حارة بعد كتم أنفاسها الذي دام الكثير وهي تنتظر تحديد مستقبلها، وكأنها تقف خلف القضبان وتنتظر نطق الحكم عليها، وذلك بفضل تلك العادات العقيمة البالية التي عفا عنها الزمن. وبرغم ذلك ما زال إلى الآن من يلتزم بها ويطبقها في حياته بكل حذافيرها، وخصوصًا أصحاب النفوذ والمال خشيةً على خروج أموالهم الطائلة التي جمعوها على مدار سنوات نتيجة الشقاء والتعب. فلذلك يصعب الأمر عليهم أن يفرطوا بها ويسلموها لأشخاص غريبة بكل هذه السهولة.

هكذا هو تفكيرهم البالي. انتفضت فايقة بجلستها وتحدثت بنبرة صوت غاضبة: "حديت إيه اللي عتجوله ده يا قاسم؟ نظرت لها ورد وكادت أن تتحدث باعتراض لولا حديث عتمان الحازم الذي أخرص الجميع وأعلم كل شخص حدوده التي يجب ألا يتخطاها: "كأنك اتجننتي ونسيتي حالك يا مرة، عتعترضي كمان على حديث الرجالة إياك؟ ارتعب جسد فايقة وأخذ بالانتفاض من صوت عتمان الجهوري الغاضب، وابتلعت كل ما في جوفها من حديث جراء نظرته الثاقبة فوقها.

ثم أكمل بنبرة صارمة مخيفة: "طب إيه رأيك بقى إني كنت مجرد دخول صفا للطب، وسألت قاسم بس لجل أعرف رأيه، وحتى لو رفض كنت بردك هدخلها وهتبقى دكتورة غصبن عن الكل." ثم نظر إلى صفا وتحدث إليها بنبرة حنون: "فكرك كنت هتخلي عنيكي بعد ما رفعتي راسي وشرفتيني وغلبتي ولاد المحافظة كلها؟ ميتا كنت هتخلي عنيكي إني يا بت زيدان؟ اتسعت عيناها باستغراب لحديث جدها، وابتسمت

له بسعادة حين أكمل هو: "مش بس كده يا صفا، ده أني نويت بأمر الله أبني لك مستشفى هنا في النجف وأجهزها لك بكل اللي تحتاجيه من أجهزة، وهبدأ فيها من الأسبوع الجاي وإن شاء الله على ما تخلصي كليتك تكون جهزت." ثم حول بصره إلى قاسم وتحدث بثناء مستحسنًا قراره: "عمرك مخيبت ظني فيك يا قاسم." ابتسم لجده بجانب فمه ونظر مهمومًا إلى صفا وفرحتها العارمة، واحتقر حاله لأجل خداعه الغير نبيل لتلك البريئة.

واشتعل داخل فايقة وزادت نار حقدها على ورد وزيدان اللذان لم تسعهما الفرحة حين استمعا لحديث عتمان. أما صفا التي نظرت إلى جدها بإندهاش وجرت عليه وجثت فوق ركبتيها وهي تميل برأسها وتقبل كفي يداه بسعادة وتحدثت: "ربنا يديمك فوق راسي ويخليك ليا يا جدي." ربت على ظهرها بحنان وأردف قائلاً بملامة مصطنعة ودعابة جديدة عليه استغربها الجميع: "رايحة تشتكيني للشيخ حسان يا بت زيدان؟ خجلت وأنزلت بصرها أرضًا

وتحدثت بنبرة هادئة: "ينقطع لساني لو فكرت إني أشتكيك في يوم لحد يا جدي، أني بس كنت محبطة وروحت له وأني عشمي في وجه الله كبير إنك تسمع مني، وده لأني عارفة إن مقداره عندك كبير وبتجدره." ابتسم لها وأردف قائلاً وهو يربت على ظهرها بحنان قائلاً: "يا زين ما اخترتي يا دكتورة." وقفت مريم بعدما طفح بها الكيل، وتحدثت إلى جدها بجرأة لم تعهد عليها من قبل: "خلاص كده يا جدي، فرحت الست صفا واطمنت عليها زين؟

اخترتها لقاسم اللي أنت متأكد إنها موافجة عليه ومرَحبة، وكمان دخلتها الكلية اللي هي عاوزاها وهتبني لها مستشفى بحالها، كده يبقى كله تمام." وأكملت وهي تنظر إلى جدها وجدتها بنظرات ملامة: "ما هي أهم حاجة عندك أنت وجدتي راحة الأستاذة صفا ودلالها، وإن شاء الله يولعوا الباقي. ومش مهم عاد الباقي إذا كان اختيارك ليهم عاجبهم ولا حارِق قلوبهم، مين إحنا عشان نفكر في راحتنا ويشغلك رضانا؟! تحدثت

إليها منتصر بلهجة شديدة: "اخرصي يا بت، والله عيب، مين ميتى وإنتِ بتتكلمي قدام جدك بقلة الحيا دي؟ شدت حياة ابنتها من يدها وأجلستها بجوارها وتحدثت بنبرة مرتعِبة: "اجعدي يا مجنونة، كأنك ناوية على موتك النهاردة." وقف يزن هو الآخر وأردف قائلاً بنبرة معترضة: "يخرص ليه يا أبوي، عشان بتقول الحقيقة وبتطالب بحقها كبني آدمة؟ طب إيه رأيك إن أني كمان مش موافق على جوازي من ليلي."

نزلت كلماته تلك على قلب ليلي أحرقته، وبدون مقدمات نزلت دموعها بألم كاد يمزق صدرها الأسود. "كلام إيه اللي هتجوله ده يا باشمهندس؟ " جملة تفوه بها الجد مستغربًا حديث يزن. وقف فارس متشجعًا من موقف مريم ويزن وأردف قائلاً بشجاعة واعتراض: "أني كمان مش موافق على جوازي من مريم يا جدي، أني بحب بت خالتي ورايدها وجدتي عارفة كده زين." تحدث الجد بنبرة جدية محاولًا امتصاص غضب أحفاده وإرغامهم

على تقبل الواقع بصدر رحب: "بت عمك أولى بك يا ولدي، بكرة هتشكرني على اختياري وتجولي كان عندك حق يا جدي، وأدي أبوك وعمك قدري قدامك أكبر دليل على حديثي ده." أجابه يزن بندية: "وليه مذكرتش حكاية عمي زيدان، مهو اعترض ورفض جوازين العيلة وأهو قدامك أهو، بيحب مراته وبيعشقها ومبسوط مع عيلته وعايش أحسن عيشة، مش مجرد حياة روتينية زي اللي عايشينها أبوي وعمي!!

استشاطت فايقة من ذكر يزن لسعادة ورد وزيدان التي تجعل نارها تشتعل، فأرادت أن تحرق روحيهما وأجابته فايقة بنبرة ساخرة: "عيلته؟ هي فين عيلته دي يا يزن؟ طب ده حالة عمك زيدان وعِجَاب ربنا ليه لازم يكون درس ليكم وعبرة عشان تسمعوا كلام أهاليكم وتعرفوا إن اللي هيعارض أهله هيكون مصيره زي عمكم زيدان."

نزلت تلك الكلمات على قلب ورد أحرقته، أما زيدان الذي انتفض بجلسته وهب بها هادرًا: "وياتري إيه هو بقى عِجابي يا ست فايقة اللي حضرتك شيفاه ده؟ أجابته بنبرة خبيثة: "هو أني بس اللي شيفاه يا واد عمي، ده العيلة كلها بتتحدث وبتجول إن ربنا عاجبك وحرمك من خلفة الواد عشان عصيت أمك ومسمعتش كلامها وكسرت قلب خيتي الغلبانة بدور." نظرت لها رسمية بنظرات حارقة تحثها على الصمت، ولكن فايقة لم تهتم بتلك النظرات التحذيرية.

أجابها زيدان بفخر واعتزاز وهو ينظر لتلك الجالسة بحنان: "لو عِجاب ربنا كله بالشكل ده يبقى ياريت حياتي كلها تبقى عِجاب." وأكمل بعيون محبة وهو يتبادل النظر بين أبناء شقيقاه بفخر واعتزاز ونبرة صادقة: "وبعدين مين اللي جالك إن ربنا مرزقنيش بالواد، ده أني عندي بدل الراجل اللهم بارك أربعة." تحدث قدري بتشفي وحقد ظهر بنبرة صوته: "بس مش من ضهرك وصلبك يا واد أبوك." نزلت الجملة على قلب زيدان وورد أحرقته.

"قدري، احفظ لسانك اللي عم يقطر سم على أخوك إنت ومراتك ده، ما عزيزش أسمع صوتك إنت وهي لحد الجعدة دي ما تخلص." جملة شديدة اللهجة تفوه بها الحاج عتمان بنبرة غاضبة وعيون محذرة تطلق شزرًا. كاد قدري أن يتحدث فأخرسه حديث عتمان قائلاً: "جولت معايزش أسمع صوت حد فيكم، ويلا الجميع على مكانه." تحدث قاسم إلى جده قائلاً بهدوء: "بعد إذنك يا جدي أني عندي طلب." وقف الجميع عن الحركة ونظروا إلى قاسم بترقب لحديثه،

فأذن له جده فتحدث قاسم: "مفيش جواز هيتم غير لما صفا تخلص جامعتها، ما عزيزش أشغلها عن مستقبلها، كلية الطب تجيلها ومحتاجة مذاكرة كتير والجواز أكيد هيشغلها ويشتت تركيزها." هتف والده باعتراض فهو ينتظر ذاك الزواج بفارغ الصبر ويتمنى حدوثه البارحة قبل اليوم حتى يطمئن على استيلاء صغيرته ووضع يده على ثروة زيدان التي تضخمت مؤخرًا بشكل مبالغ فيه مما أثار جنونه.

قدري باعتراض: "إنتَ واعي للي بتقوله ده يا قاسم، على حد علمي إن الطب دي خمس سنين." قاطعه قاسم بنبرة باردة وتصحيح: "سبعة يا أبوي، الطب البشري اللي صفا ناوية تدخله دراسته سبع سنين." دبت فايقة بيدها فوق صدرها بذهول وتحدثت: "يا مصيبتي، إنتَ عاوز تموت عيالك في ضهرك يا واد قدري، ده أنت عندك خمسة وعشرين سنة وحط عليهم سبعة يبقى اتنين وتلاتين، هتخلف وتربي عيالك متى يا حزين؟

وبعد معارضة وجدال طال بين الجد والجده وقدري وفايقة مع قاسم، رُضخ الجميع لرأي قاسم بعد تصميمه وموافقة صفا على رأيه. وبعد مناوشات قرر الجد زواج مريم وليلي ويزن وفارس بعد خمس سنوات أي قبل زواج قاسم وصفا بعامين وذلك بعدما فشل بإقناع حفيده الأكبر بإتمام زواجه معهما.

وانفض الاجتماع بعدما حقق آمال البعض وجعلهم يحلقون في السماء من فرط سعادتهم، مثل صفا وليلي وقدري وفايقة. أما البقية فقد تحطمت أحلامهم أمام جبروت ذاك عتمان المستبد. بعد مرور مدة قصيرة من الوقت كان قدري يجتمع بقاسم وفارس داخل حجرته الخاصة وتجاوره تلك الغاضبة التي تحدثت بنبرة حادة ملامة إلى قاسم: "هو ده بردك اللي اتفقنا عليه يا قاسم؟

أني مجلتلكش متوافقش على دخول بت ورد للطب مهما حصل، كده تفرح ورد وتشمتها فيا يا ابن بطني." كان يستمع لها بعيون مستغربة بشدة من حالة الغضب المسيطرة عليها وتحدث بعناد: "وأني جلتلك قبل سابق تخرجيني من شغل الحريم بتاعك إنتِ ومرت عمي دي يا أمي، لاني عمري ما كنت هكسر خاطر صفا، وكفاية قوي إني سمعت كلامكم ووافقت جدي على جراراته اللي لا يقبلها عقل ولا منطق ولا حتى ترضي ربنا، لجل بس ما أرضيكم."

وأكمل ليهدئ من روع والدته: "وأظن حضرتك سمعتي بودانك كلام جدي لصفا وهو بيقول لها إنه كان مجرد موافقته، يعني موافقتي كانت بالنسبة له ليس إلا تحصيل حاصل." وأكمل فارس بهدوء: "كلام قاسم صح يا أمي وياريت بقى تريحي حالك وتبطلي حديث في الموضوع ده، وبعدين أني مش فاهم إنتِ ليه كارهة إن صفا تدخل الطب وتحقق حلمها بالشكل ده."

أجابته بنبرة حقودة: "ده لو كان حلمها هي يا خيبان، ده حلم العجوزة اللي اسميها ورد عشان تتنطط علينا وتتفشخر ببتها الدكتورة." صاح قدري هادرًا إياها بحده بعدما طفح الكيل من حديثها العقيم: "ما بكفياكي عاد يا فايقة، مهنخلصوش منه الموضوع ده ولا إيه؟ وأكمل بنبرة غاضبة من بين أسنانه: "أني اللي قاهر قلبي هو شرط ابنك المنيل اللي جاله لجده، جاله إيه متهتمموش الجوازة إلا لما السنيورة تخلص كليتها."

وأكمل بحده: "عنها ما خلصت ولا اتشنلت على دماغ اللي جابوها، تجبرني ليه أستنى على فرحتي بيك وبجوازك كل السنين دي؟ تنهد قاسم وظل يستمع لتوبيخ والديه بصمت تام وذلك لعدم قدرته البوح لهما بما يدور بعقله وأنه فقط يوهمهما بموافقته الواهية ولكن بينه وبين حاله ينتوي بألا يتمم تلك الزيجة التي لا تعني له شيء على الإطلاق. داخل شقة رفعت عبدالدايم والد إيناس. كانت تخبرهم بما قررت هي وقاسم،

فتحدث والدها بحده: "إنتِ اتجننتي يا إيناس، عاوزة تقعدي سبع سنين تستني المحروس لحد ما يتفك سجنه اللي بناه بنفسه مع بنت عمه، بقي بالذمة ده كلام ناس عاقلين؟ أجابته كوثر بنبرة طامعة: "ده هو ده العقل بعينه يا رفعت، إنتَ عارف نصيب قاسم من ثروة جده قد إيه؟ أردف الأب قائلاً بنبرة قلقة: "وإنتِ كنتِ ضمنتي إن جده هيوافق إنه يسيب حفيدته كده بسهولة بعد ما يركنها جنبه سبع سنين بحالهم؟ أجابته إيناس بنبرة جادة

في محاولة منها لإقناعه: "أولًا يا بابا قاسم هو اللي مستني جنبها مش هي، ثانيًا حجة قاسم هتبقى قوية وجده مش هيقدر يجبره يعيش مع واحدة هو شايفها أعلى منه." وأكملت بعدم ضمير: "ثالثًا بقى وده المهم، مش يمكن ربنا يكرمنا وجده يتوفى في السبع سنين دول وقاسم يورث ووقتها ميكونش محكوم من حد ويبقى حر نفسه ونتمم الجوازة من غير أي مشاكل." تحدثت والدتها بتمني: "يااااه يا إيناس لو ده يحصل، ده تبقى اتفتحت لنا طاقة القدر." تحدث

رفعت بنبرة قلقة ساخطة: "يا ناس افهموني، أنا قلقان على بنتي وده من أبسط حقوقي." أجابته كوثر بطمأنة: "متقلقش يا رفعت وطمن بالك، بنتك طول عمرها شاطرة وحساباتها متخرش المية أبدًا." وأكملت وهي تنظر إلى إيناس بتفاخر: "وبعدين الولد بيحبها ومبيقدرش يستغني عنها ليوم واحد، وأكيد هيعمل أي حاجة نطلبها منه عشان بس ينول الرضا." داخل غرفة يزن.

كان يجوب داخلها ذهابًا وإيابًا بغل ونار الغيرة تنهش صدره، فقد تسرب اليوم حلمه العالي من بين يديه وذلك بفضل تحكمات جده. دخلت والدته إليه وتحدثت بتهدئة: "وبعدهالك عاد يا يزن، أني مش جلتلك من زمان تشيل موضوع صفا ده من راسك، أني كنت خابرة إن جدك حاجزها لقاسم وكام مرة جدتك لمحت بالكلام جدامي لجل ما أوعيك لأنها عارفة إنك عاشقها." أردف قائلاً

بنبرة حادة واعتراض: "قاسم مبيحبهاش يا أمي، الله وكيلك ما بيحبها ولا رايدها، قاسم وافق بس لجل ما يرضي عمي قدري اللي كلنا خابرين زين إنه طمعان في ثروة عمي زيدان، بس صفا مفرقاش معاه من الأساس، محدش بيحبها ولا هيخاف عليها زيي." تحدثت إليه بدموع ونبرة حنون: "يا ولدي ارحم حالك وانسىها وريح بالك وريح قلبي معاك، صفا مش مقسومة لك ولا هي من نصيبك،

وأكملت كي تهدئ من غضبه: وليلي ست البنات كلها، هي بس محتاجة اللي يجرس على ودنها شوية وهتبقى زي الفل، ارضى بنصيبك يا وليدي، وأكملت بيقين كي تؤثر عليه: وإن شاء الله ربنا هيحليها في عينك ويزرع عشقها في قلبك وبكرة تجول أمي جالت." نظر إليها بتألم ظهر بعينيه وأردف قائلاً بوجع: "مش بيدي يا أمي، عشق صفا تملك من قلبي وعقلي، مش شايف غيرها قدامي."

"تنساها يا ولدي، كم من عاشق جاب له فات حبيبه ونسي وكمل حياته، الحياة مبتجفش على حد يا ضي عيني." نظر لوالدته بنظرات يملؤها الانكسار والرضوخ المخجل، فتحركت إليه بتألم لأجل حزنه وسحبته بين أحضانها وربتت على ظهره بحنان كي تخفف عنه حزنه الذي أصابه من ضياع فتاة أحلامه من بين يداه على يد جده المستبد. وخرجت من حجرته إلى حجرة مريم واستها مثلما واسى شقيقها ونصحتها بأن ترضى بما كتبه الله لها وسيعوضها الله بالتأكيد على صبرها.

أما تلك الصفا التي ذهبت مع والديها إلى منزلهم وسعادة الدنيا تحوم حولها وتستقر داخل قلبها البريء، وقفت بشرفتها تترقب خروج قاسم كي تكحل عيناها برؤيته البهية، ولكن للأسف خجلها ولم يخرج أبداً. وبرغم هذا لم تترك مكانها على أمل التلاقي. أما عند زيدان الذي تحدث إلى ورد مبتسمًا بسعادة: "أهو أني بعد موقف قاسم النهارده وموافقته على دخول صفا للكلية وكمان تأجيله للجواز لحد ما صفا تخلص، أقدر أموت وأني مطمئن عليها وعليكي." ارتعبت

أوصالها وشهقت برعب مردفة: "بعد الشر عليك يا سيد الرجالة، متقولش كده يا حبيبي، ربنا يطول لنا في عمرك ويبارك فيك وتجوزها وتجوز عيالها كمان." نظر لها بعيون عاشقة وتساءل بعيون هائمة: "خايفة عليا يا ورد؟ أجابته بهيام: "لو مخفتش عليك يفضل لي مين أخاف عليه يا نبض قلبي." ثم تنهدت بأس قائلة بنبرة

تحمل الكثير من الهموم: "بس أني معرفش إني ليه قلقانة كده يا زيدان، قلبي مش مطمن لجوازة صفا من قاسم، دايما جوايا إحساس بحاول أكذبه إن الجوازة دي هتكون سبب الحزن لبتي مش سبب سعادها وهناها زي ما كلياتكم فاكرين." أردف زيدان قائلاً بنبرة استيائية: "أباااااي عليكِ وعلي نكدك اللي بتعشجيه زي عينيكِ، ده بردك كلام تجوليه في يوم زي ده؟

نظرت إليه وبدون سابق إنذار نزلت دموعها دون استئذان، اشتعل صدره نارًا عندما رأى دموعها التي تنزل على قلبه العاشق تكويه وتؤلمه. انتفض من جلسته وتحرك لمقعدها وجذبها من يدها لتقف قبالته وأدخلها سريعًا لداخل أحضانه وتحدث وهو يمسح بيداه فوق ظهرها بحنان ويهدئها: "مالك بس يا ورد، فيكي إيه يا بت قلبي، ليه البكا عاد في يوم زي ده؟

وأكمل مفسرًا: "المفروض تبقي أسعد واحدة النهارده، بتك وهتدخل الكلية اللي طول عمرها بتحلم بيها وجدها هيبني لها مستشفى بحالها، واتحجزت للراجل اللي بتتمناه وبتعشقه، بالذمة فيه أكتر من كده فرحة." خرجت من بين أحضانه تنظر لعينيه بتألم ظاهر للكفيف، وحاوطت وجهه بكفيها برعاية وأردفت قائلة بنبرة حنون مستسلمة: "اتجوز يا زيدان، اتجوز لجل ما تجيب الواد وصدقني إني مهزعلش منك." اتسعت عيناه بذهول وأردف قائلاً

بنبرة متعجبة: "صح مهتزعليش لو خدت واحدة غيرك جوة حضني؟ وأكمل باتهام وتعجب ونظرة حزن عميقة ظهرت بعينيه: "للدرجة دي بتعاني يا ورد؟! هزت رأسها سريعًا تنفي عنها اتهامه الباطل وأردفت قائلة بنبرة مستسلمة: "للدرجة دي شارياك يا جلب ورد من جوة، للدرجة دي عشقك وعاشجة رضاك ومصلحتك، لدرجة إني بعتحمل وجع قلبي وناري وغرتي وأني بتخيلك نايم في حضن غيري لجل بس ما تجيب الواد اللي نفسك فيه ومحدش يعايرك تاني ولا يجرحك بكلمة عفشة."

أجابها بنبرة حادة مستفهمة: "ومين كان جالك إني نفسي في الواد؟ ولو صح نفسي فيه هقعد لحد دلوقتي من غيره ليه؟ زفر بضيق ليخرج ما أصابه من غضب جراء حديثها، ثم أحاط وجهها بكفيه ونظر بحنو داخل عينيها وأكمل حديثه بنبرة حنون: "يا ورد أني اكتفيت بحبك إنتِ وصفا عن الدنيا كلها، ليه مجدرش تفهمي إن عشقك غناني وكفاني ومعاوزش غيرك في حياتي!! أمسكت بتلابيب جلبابه بشدة

وتملكت وتساءلت بجدية وحدة: "لسه بتشوفني حلوة يا زيدان، لسه أنا زينة الصبايا في عينيك الكحيلة يا واد النعماني؟ ابتسم بهدوء وتحدث بنبرة هائمة: "وهتفضلي زينة الصبايا في عيوني لأخر يوم في عمري، حتى لو كان عندك 100 سنة وشعرك شاب وملامحك جعدت وكرمشت، بردك هشوفك زينة صبايا الكون بحاله." ودقق داخل عينيها وتحدث بهيام قائلاً: "عارفة ليه يا ورد؟ نظرت له بتمعن وحنان منتظرة

تكملة ترياقه لها فأكمل هو: "عشان أني حبيت روحك يا ورد، روحي عشقت روحك قبل الزمان بزمان، شفتك بأحلامي قبل ما أشوفك قدامي يا غالية، أني عشجان لروحك مش جسدك، وده يفرق كتير قوي يا ورد." ابتسمت بسعادة بالغة وتحدثت بتملك وهي تشدد من مسكتها لتلابيب جلبابه: "ربنا يخليك ليا يا زيدان، تنك كده اعشق فيا على طول، مع عزيزش عشقك يجل أبداً لجل ما أموت من غرتي يا سيد الرجال." ابتسم لها وأردف قائلاً بمداعبة

ليخرجها من تلك الحالة: "يدك يا بت، هتخنقيني بمسكة يدك القوية دي، إيه، للدرجة دي بتموتي على زيدان وبتعشقيه يا بت الرجايبة؟ ابتسمت وأجابته بشقاوة وهي تشدد من مسكتها لتلابيبه: "وأكثر يا ابن النعماني، وأكثر من الدرجة دي بكتير، ولو في يوم فكرت بس تبص لمرة غيري هقتلك بيدي دي وأقتل حالي وياك." قهقه عاليًا برجولة ثم مال بجذعه وحملها بساعديه القويتين واتجه بها إلى تختها ليضعها عليه بقوة وشراسة متحدثًا بغمزة من عينيه مداعبًا

إياها: "على العموم كله هيبان دلوقتي، وعشقك القوي اللي بتتحدثي عليه لزيدان هيظهر ويبان." ابتسمت له خجلًا وغاصا داخل عالمهما الخاص بهما. بعد يومين. في القاهرة، وبالتحديد داخل منزل رفعت عبدالدايم.

تتوسط إيناس جلسة والديها فوق الأريكة، وبالمقعد المقابل يجلس قاسم مرتدياً حِلته الكاملة التي جعلت منه وسيمًا للغاية، ويجاوره عدنان الذي تحدث مستفسرًا: "بس إنتَ مش شايف إن سبع سنين كتير أوي يا صاحبي، إنتم كده بتضيعوا أحلى سنين عمركم في الانتظار." أجابته إيناس بنبرة معترضة: "مش كتير ولا حاجة يا عدنان، السنين بتمر في لمح البصر." ثم وجهت بصرها إلى قاسم وتحدثت بنعومة دون

خجل من والدها أو شقيقها: "وبالنسبة لأجمل سنين عمرنا، فهي لسه جايه، مش كده ولا إيه يا قاسم؟ نظر لها بتعجب جراء جرأتها والتي لم تعجبه إطلاقًا، فهو شأنه شأن أي رجل شرقي، يفضل دائمًا المرأة الخجول ويثيره ضعفها. ولكن مع إيناس اختلف الأمر، فقد عشقها وانطلق سهم عشقها التي صوبته عمدًا نحوه ببراعة فائقة واخترق قلبه عديم الخبرة الذي لم يعِ ويفهم بعد، وانتهى الأمر، أو هكذا هو تخيل وتوهم! وجه رفعت حديثه

إلى قاسم بنبرة توجسية: "متأخذنيش يا ابني في اللي هقوله، بس أنا أب ومن حقي أطمن على بنتي وإنتَ لازم تعذرني في ده." وأكمل بتساؤل: "أنا إيه اللي يضمن لي إن بعد ما تقعد بنتي جنبك سبع سنين، جدك يوافق إنك تتمم جوازك منها؟ أردف قاسم قائلاً باحترام: "أنا طبعًا عازرك في تفكيرك ده يا عمي لإنك متعرفش رجالة النعمانية كويس، أنا كلمتي عقد وسيف على رقبتي، وطالما وعدت يبقى مش هيمنعني من التنفيذ إلا الموت." ابتسمت كوثر في داخل

نفسها وتحدثت بنبرة صادقة: "طولة العمر ليك يا حبيبي، ربنا يبارك في عمرك وتتجوزوا وتتهنوا، بس أنا عاوزة أطلب منك طلب." "تفضلي حضرتك." جملة تفوه بها قاسم. تحدثت كوثر كعادتها معه بنبرة ناعمة ساحبة إياه لداخل عالمها الناعم: "الأمر لله وحده يا حبيبي، طبعًا زي ما إنتَ شايف إيناس بنتي ماشاء الله زي القمر، وأكملت بتفاخر وغرور وهي ترفع رأسها عاليًا

بشموخ: جسم ورسم وجمال ودلال، وخطابها مش قادرة أقولك قد إيه، وأكملت مهولة من حديثها كثيرًا: لدرجة إن مفيش يوم بيعدي غير لما بيتقدم لها فيه عريس." ابتسم بجانب فمه ساخرًا لعلمه بكذب تلك الشمطاء، وأكملت كوثر حديثها: "وطول ما هي مفيش في إيدها دبلة خطوبة هيفضل يتقدم لها عرسان." الآن علم المغزى الحقيقي جراء حديثها المبالغ.

تحدث إليها بنبرة عقلانية: "أنا فاهم قلق حضرتك ومقدره جدًا، بس لازم حضرتك تقدري ظروفي أنا كمان، أنا عمري ما هقدر حاليًا أفاتح أهلي في خطوبة وأظن إن أنا شرحت لكم ظروفي قبل كده." هتف عدنان بحماس وذكاء: "طب أنا عندي حل للموضوع ده." نظر له الجميع وهم يترقبون باقي حديثه

فأكمل هو بابتسامة منتصر: "أنا شايف إن قاسم يشتري لإيناس شبكتها ويلبسها لها على الضيق ما بينا ونعزم قرايبنا القريبين جدًا مننا، وبكده نكون عرفنا الناس إن إيناس اتخطبت وفي نفس الوقت معملناش مشاكل لقاسم مع أهله هو في غنى عنها." ابتسمت إيناس وتحدثت بسعادة وهي تنظر لشقيقها بتباهي: "برافو عليك يا عدنان، فكرة حلوة جدًا." وافقتهم كوثر الرأي وتحدثت إلى قاسم: "أهو صاحبك حلها لك أهو يا قاسم." أجابها قاسم بمداعبة وهو

ينظر إلى عدنان بوجه بشوش: "عدنان ده حبيبي، نردها له في مشكلة في جوازته إن شاء الله." ضحك الجميع عدا ذاك الرفعت الذي لم يعجبه الأمر من الأساس، ويشعر بريبة منه ولكن بما يفيد اعتراضه أمام جبروت كوثر وأبنائها وضعف شخصيته هو. بعد يومان.

أصطحب زيدان صفا وورد وذهب بهما إلى القاهرة كي يجلب لصفا ثيابًا خاصة للجامعة من بعض دور الأزياء الشهيرة بالقاهرة، ويمكثون يومان بشقته الخاصة المتواجدة بإحدى الأحياء الراقية والتي جلبها زيدان خصيصًا كي يصطحب غاليتيه بها لغرض التنزه من الحين للآخر. أبلغ زيدان قاسم أنه وعائلته بالقاهرة فقام قاسم بعزيمتهم واصطحابهم لأحد المطاعم العائمة المتواجدة داخل النيل لتناول الطعام في أجواء مبهرجة.

كانت تتحرك بجانبه بسعادة داخل المطعم ويسبقها والديها، وصلوا إلى المنضدة التي احتجزها لهم قاسم، جلس الجميع حول المنضدة وجاء النادل بعد قليل وقد أعطا لهم قائمة الطعام واختاروا ما أعجبهم بها وانصرف النادل. وتحدث زيدان ناظرًا إلى قاسم: "عرفت إن تنسيق الجامعات فتح النهارده يا قاسم؟ نظر له وأردف قائلاً بنفي: "لا يا عمي، أول مرة أعرف منك." حول بصره إلى صفا وتساءل: "قدمتي يا صفا ولا محتاجة مساعدتي؟

أجابته بهدوء: "حاولت أول ما قمت من النوم بس السيستم كان مسقط من كتر الضغط عليه وموقع التجديم مفتحش معايا، إن شاء الله أول ما أروح البيت هحاول أقدم ويارب السيستم يكون اتظبط." أردفت ورد قائلة بنبرة مثقلة بالهموم: "أني معرفش بتعملي إيه في المدينة الجامعية وبتخدمي حالك كيف، ده أنتِ عمرك ما غسلتي طبق، كيف بتغسلي هدومك وتنظفي أوضتك لحالك؟ تحدثت

إليها زيدان لتطمئنها: "ومين جالك إني هسيبها تهين حالها، ده أني بعون الله هجهز لها أوضتها بأحدث الأجهزة وهجيب لها غسالة أوتوماتيك لجل ما ترتاح الزينة بت أبوها." ابتسمت لأبيها وتحدثت بنبرة حنون: "ربنا يبارك لي في عمرك يا حبيبي ويخليك لصفا." أما ذاك الجالس الذي نزل عليه حديثهم كالصاعقة الكهربائية وذلك لرعبه من فكرة تواجدها بالقاهرة واحتمالية علمها بخطبته من إيناس.

تحدث بنبرة مرتبكة: "وهي صفا إيه اللي هيجيبها جامعة القاهرة بس يا مرة عمي، ما عندها جامعة سوهاج، وأهي تبجى جارك وتنام كل ليلة جوة حضنك." ضيقت عينيها باستغراب وأردفت بنبرة معترضة: "جامعة سوهاج إيه بس اللي هروحها يا قاسم، إنتَ عاوزني أبقى جابة المجموع ده كله وأقدم في جامعة سوهاج؟ وبعدين مفيش وجه مقارنة بين جامعة القاهرة وجامعة سوهاج."

تحدثت ورد إلى قاسم: "أني كمان جلت لها نفس كلامك ده يا قاسم بس زي ما أنتَ واعي لدماغها الناشفة." ثم نظرت إلى زوجها مبتسمة وتحدثت بمداعبة: "راسها طالعة ناشفة كيف أبوها بالظبط." ابتسم زيدان لمداعبة معشوقته، وتحدث قاسم إلى صفا في محاولة خبيثة

منه لإقناعها بتغيير رأيها: "أني خايف عليكِ من هنا يا صفا، العيشة هنا ومعاملة البشر صعبة قوي مهتقدريش عليها، مهتعرفيش تتكيفي ويا زميلاتك في السكن وخصوصًا إن عمر ما سبق لكِ مخالطة الأغراب." وأكمل بكذب كي يرعب ورد على طفلتها ويجعلها تخضع لرأيه: "البنات هنا حلنجيات ولونيين وإنتِ بت ناس ومتربية، أخاف تطبعي بطبعهم ويغيروكي يا صفا، وإن كان على الدراسة فأحب أجُل لك إن مفيش أي اختلاف بيناتهم." بدا الهلع على ملامح ورد

التي تحدثت إلى قاسم مؤيدة: "عندك حق والله يا ولدي، ده أني بشوف بلاوي في التمثيليات عن بنات الجامعة هنا في مصر." ثم حولت بصرها إلى صغيرتها وتحدثت باعتراض: "خلاص يا صفا، إنتِ قدمي في جامعة سوهاج زي ما قاسم جالك، وأهو السواق هيوصلك كل يوم ويستناكي لحد ما تخلصي محاضراتك ويعاودك على البيت تاني." اعترضت على حديثهما بشدة ولكن استطاع ذاك الخبيث أن يقنعها إلى حد ما بعدما تحدث عن غيرته عليها وعدم اطمئنانه لمكوثها هنا بمفردها.

بعد مدة جاء النادل إليهم ووضع لهم الطعام وبدأ الجميع يتناولونه بشهية عالية عدا تلك الصفا التي بدأ العد التنازلي لمستوى أحلامها. بعد الانتهاء من الطعام بدأ قاسم بالحديث عن عمله موجهًا حديثه إلى عمه ثم انتقلوا إلى السياسة وكل هذا تحت تملل صفا وحزنها من عدم اهتمام قاسم بها ولا حتى تكليف حاله عناء النظر إلى وجهها. وقفت بهدوء وتحركت إلى سور الباخرة المتحركة، ثم وضعت يدها عليه لتتشبث به.

تطلعت إلى مياه النيل بمظهرها الخلاب وحركة الباخرة تداعبها وتدللها في مشهد خطف أنفاسها واستولى على بصرها. وبرغم وجود كل هذا الجمال من حولها إلا أن الحزن كسي ملامحها الجميلة وجعلها تبدو وكأنها امرأة تخطت الستين من عمرها وتمكنت من ملامحها الأحزان بفضل هموم الزمان.

تحرك إليها شاب يبدو عليه أنه في منتصف العقد الثالث من عمره ووقف بجانبها ولكن مع مراعاة احترامه لبعد المسافات، تطلع بإنبهار إلى جمالها وسحر عينيها وهالتها الغريبة التي استحوذت على بصره وجذبته لينساق إليها دون أدنى إدراك منه. وأقسم بداخلة أنه لم يرى بسحرها يومًا، وأكثر ما كان يميزها بعينيه هو صفاء روحها الذي طغى على ملامحها الخارجية مما جعل لها قبولًا في قلب وعقل من يراها من الوهلة الأولى.

كانت تنظر للأمام في اللاشيء سارحة بأحزانها لبعيد، حتى أنها لم تشعر بوجوده بجوارها ولا حتى لملامحها التي انكمشت مؤقتًا من شدة حزنها على بدء العد التنازلي لتنازلها ورضوخها أمام انكماش أحلامها وتقلصها رويدًا رويدًا. تحدث حتى يخرجها من صمتها وتيهتها وكي تنتبه لصوته لكي يحظى بطلة ذاك الملاك إليه... "مش لايق عليكِ الحزن يا صافيه."

انتبهت إليه وبسرعة البرق حولت بصرها إليه باستغراب ثم حولت بصرها سريعًا إلى والديها وقاسم ووجدتها منشغلين عنها بالحديث ولا يشعرون حتى بوجودها. فابتسم هو وأجابها بهدوء ونبرة صوت مريحة لمسامعها... "إهدي من فضلك ما فيش داعي للقلق، على فكرة أنا مش بعاكسك صدقيني، ولا حتى من طبعي إني أكلم حد معرفوش وأتطفل عليه." وأسترسل حديثه بإنبهار ظهر بعينيه...

"لكن معاكِ الوضع مختلف، أنا كنت قاعد في حالي وفجأة وأنا بستكشف المكان عيوني وقعت عليكِ وإنتِ واقفة، ما أعرفش ليه ملامحك خطفتني، شفت جواكِ صراع وتمرد على وضع مفروض بالنسبة لك وإنتِ مش قادرة تعترضي ولا تغيريه! وأسترسل حديثه العميق... "شفت روحك وهي بتحاول بكل قوتها تزيل خيوط العنكبوت اللي معششة ومتشابكة حواليكي ومقيدة حركة فكرك وإنطلاق روحك وعقلك."

نظرت إليه باستغراب فأكمل وهو يمد يده ويستعرض أمام ناظريها محرمة ورقية كانت بيده ويعطيها إياها، نظرت بما تحتويه وحينها لم تستطع الصبر على الصمت أكثر. اتسعت عيناها بذهول حين رأت وجهها منقوشًا عليها بالرصاص بمنتهى الدقة والحرفية، ولكن ما أثارها أكثر أنها رأت دموعًا تنزف من رسمتها وملامحها وكأنها تصرخ مستنجدة بأحد. نظرت لرسمته بانبهار وحدثت حالها...

"ما هذا يا إلهي، إنه إبداع بكل المقاييس، كيف له أن يطبع ملامحي بكل ذاك الإتقان وكأنه يعمل عليها منذ أيام وليست من بضعة دقائق فقط." ثم نظرت له وأخيرًا خرج صوتها المميز بعذوبته ورقته وأردفت قائلة بنبرة مبهرة: "حضرتك مبدع يا أستاذ، إزاي جدرت تطبع ملامحي بالإبداع ده كله في الدقايق الجليلة دي، اللي يشوف الرسمة يفتكر إنك شغال عليها من أيام، حقيقي برافو عليك." تمعن النظر بوجهها وأردف قائلاً بتفهم: "صعيدية؟

وأكمل بيقين وهو يميل رأسه قائلاً بتأكيد: "كده أنا عرفت سبب القيود اللي محاوطة روحك وخانقاكي، العادات البالية والتقاليد اللي عفا عليها الزمن ولم يعفو عنها البشر." ابتسمت له وأردفت قائلة بنبرة هادئة: "كلامك كيف الشعر بيدخل على القلوب بيمسها ويزلزل كيانها، وأكملت بمرارة ظهرت بنبرة صوتها الحزين: بس في نفس الوقت بيعريها قدام روحها وريها حقِيقَتها المرة."

كاد أن يجيبها لكن أجبره على الصمت هجوم ذاك الشرس الذي اقتحم هدوئه وسلامه النفسي بعنف شديد وهو يجذبها من ذراعها ويخبيها خلفه ويتحدث لذاك الغريب بلكنة قاهرية: "إنتَ إزاي يا حضرة تسمح لنفسك تقتحم وقفتها بالطريقة الرخيصة دي؟ "إهدي من فضلك يا أستاذ وخلينا نتكلم كأشخاص متحضرة." جملة قالها ذاك الغريب بنبرة هادئة متعمقة أحرقَت قلب قاسم وأشعرته بهمجيته المفرطة. ولكن استشاط داخله أكثر من برود وهدوء ذلك الدخيل المتداخل

وأجابه بنبرة تهكمية ساخرة: "نعم يا أخويا، نتكلم كأشخاص متحضرين، هو أنا أعرفك منين أصلاً عشان نتكلم؟ وأكمل باتهام بشع: "إنتَ مجرد واحد رخيص متحرش جاي تضحك على عقل عيلة صغيرة عديمة خبرة بكلمتين مستهلكين حافظهم من فيلم ساقط." نزلت كلماته المهينة لشخصها على قلبها أحزنته وقررت التدخل بعدما أهان ذاك المتحضر بتلك الطريقة المنحطة ووصمه بوصف لا يليق بعقله وفكره الراقي التي لمسته من خلال حديثها القليل معه.

تحركت من خلفه ووقفت بجانبه كتفًا بكتف وتحدثت بنبرة حادة لصوت غاضب: "أولاً يا أستاذ قاسم أني مش عيلة صغيرة ولا عديمة خبرة زي ما أنتَ وصفتني!! أني يمكن سني صغير لكن عقلي كبير وواعي وبقرأ كتب يمكن حتى معدتش على خيال سيادتك ولا سمعت حتى عنها." نظر لها بغضب تام فأكملت وهي تشير إلى ذاك الغريب باحترام: "ولا الأستاذ المحترم ده يستاهل الوصف البشع اللي سيادتك وصفته بيه، الأستاذ فنان محترم وشخص راقي يستحق كل التقدير."

وكادت أن تكمل لولا أصمتها بصوته الهادر وهو يحدثها بعيون تطلق شزرًا: "وأيه كمان يا صفا هانم، الله الله، ده أنتِ عاجبك بقى تلزيق البيه فيكِ والمسخرة اللي بتحصل دي." اتسعت عيناها بذهول أثر حديثه المهين، وتحرك زيدان وورد عندما لاحظا تصاعد الوضع وتصاعد وتيرة صوت قاسم وغضبه الذي ظهر فوق ملامحه. تحدث زيدان بنبرة حادة وهو يأخذ صغيرته ويسحبها لداخل أحضانه برعاية وحنان: "فيه إيه يا قاسم؟

وأكمل بنبرة صارمة: "ومال صوتك عالي على صفا كده؟ تحدث بنبرة حادة وجسد يظهر عليه علامات التشنج والغضب: "الهانم زعلانة مني وبتلومني عشان بوصف البيه اللي اقتحم وقفتها ومعملناش أي حساب، بالمتحرش." أما ذاك الغريب الذي وقف يتطلع لذاك المتجبر الباطش وهو يفرض سيطرته ويمارس سلطته وهيمنته على تلك المسكينة دون أن يعطيها حتى حق الرد. خرجت من داخل أحضان أبيها وتحدثت بدفاع وإنكار

وهي تشير إلى الغريب: "محصلش يا أبوي، الأستاذ فنان ولما لقاني واقفة لوحدي رسم صورتي على المنديل ده وجه بكل ذوق واحترام عشان يقدمه." لينظر ليدها الممدودة بالمحرمة وبدون أدنى تفكير جذبه من يدها بعنف وغيرة وألقاها داخل مياه النيل وتحدث بحدة أصمًا إياها: "مش بقول لك عيلة صغيرة وعديمة خبرة." ثم نظر لعيناها بحدة وتحدث باستهزاء: "دي طريقة جديدة لمعاكسة الساذجين أمثالك يا أستاذة."

وجه الغريب حديثه إلى زيدان بعدما رأى دموع وتشتت صفا الروحي وهي تنظر إلى المحرمة التي جذبتها الأمواج وبدأت بتمزيقها تمامًا مثل روحها المشتتة، الممزقة، التائهة. الغريب: "صدقني يا أفندم الأستاذ بيقول كلام محصلش، واللي الأنسة صفا بتقوله هي الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة، ونظر داخل عينيه وأكمل برجاء: ياريت حضرتك تخلي بالك من بنتك وتراعي روحها أكتر من كده! ثم انسحب بهدوء عائدًا إلى طاولته مع استغراب زيدان من حديثه الغريب!

حول بصره لابنته التي تزرف دموعها بقهر وهي تنظر لتلك المحرمة بعدما ذابت وتلاشت ملامح وجهها المرسوم بها. شعر بغصة تقتحم صدره وتحرك إليها واحتضنها وتحدث إليها بهدوء وبنبرة حنون: "تعالي نروح له وأخليه يرسمك من تاني، بس المرة دي على لوحة وأني هبروزها لك بماية الذهب وأعلقها عندي في الصالون." نظرت له بدموعها فأكمل وهو يجفف لها دموعها بأصابع يده الحنون: "ولا تزعلي حالك يا جلب أبويا."

هزت رأسها يمينًا ويسارًا مما جعل قطرات دموعها تتناثر هنا وهناك بشكل يقطع أنياط القلب. وتحدثت بصوت واهن حزين: "ضاعت حلاوة اللحظة يا أبوي، مبقاش ينفع خلاص." أما قاسم فكان يستمع إلى حديثها بقلب حزين لأجلها، فقد وعى لحاله للتو وشعر أنه حقًا قد أزادها على تلك الصغيرة فتحدث بنبرة جامدة: "متزعليش مني يا صفا، أني خايف عليكِ يا بت عمي."

حزنت عندما استمعت لنطقه لابنة عمه وقد تيقنت بتلك اللحظة أنها لم تكن له سوى "إبنة عمه وفقط". سحبتها والدتها بألم رآه زيدان وحزن لأجله ولصحة حديثها عن أن تلك العلاقة هي بداية حزن صغيرته البريئة. وتحدثت ورد بنبرة حزينة: "يلا بينا نقعد يا بتي."

تحركت بجانب والدتها وجلست بمقعدها ونظرت لتتطلع على ذاك الغريب، ولكن من العجيب أنها لم تجده، باتت تحرك عينيها هنا وهناك وتجوب بها المكان للبحث عنه ولكن دون فائدة، وكأنه كان سرابًا وانتهى. أكملت جلستها شاردة ناظرة لمياه النيل تحت نظرات ذاك المتجبر الباطش ولكن بقلب حزين متألم لألمها.

انتهت الرحلة النيلية ورست الباخرة وأخذ زيدان ورد وصفا داخل سيارته المستأجرة وذهب بهما بعد رفضه لحديث قاسم الذي عرض عليه أن يذهبوا بصحبته إلى أي مكان آخر حتى يلهو صفا ويهون عليها حزنها ويكون بمثابة اعتذار على ما بدر منه وأزعجها، ولكن رفض زيدان كل محاولاته حفاظًا لكرامة صغيرته. يُتبع..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...