الفصل 5 | من 48 فصل

رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الخامس 5 - بقلم روز امين

المشاهدات
49
كلمة
7,843
وقت القراءة
40 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

وما أن انتهى قاسم من سرد التفاصيل حتى نظر إليها يترقب ردة فعلها على ما قام بقصه على مسامعها منذ قليل. أما إيناس فظلت تستمع إليه بملامح وجه مبهمة، ثم تحدثت بتعقل ومنتهى هدوء: "طبعاً التصرف الوحيد اللي المفروض إني أعمله حالياً هو إني أقويك وأقول لك متوافقش على قرار جدك مهما حصل." واسترسلت حديثها بتعقل وهدوء استغربه قاسم: "لكن أنا عمري ما هعمل كده يا قاسم لسبب واحد." وأكملت بنظرات هائمة مصطنعة:

"لأني بجد بحبك وأهم حاجة عندي هي مصلحتك حتى لو كانت على حساب جرح مشاعري." أخذت نفسًا عميقًا وشبكت كفي يديها وقامت بوضعهما أمامها فوق المنضدة، ثم أردفت قائلة بنبرة جادة عملية: "خلينا نتريس ونتكلم بالعقل يا قاسم. أنا من خلال حكمي على شخصية جدك اللي كونته بناءً على كلامك اللي أنت حكيته لي عنه قبل كده، أقدر أؤكد لك إنه مينفعش حد يقف قدام قراراته ويعترض على كلامه." وأردفت بأسى:

"وللأسف، من الواضح كده إنه أصدر قراره بخصوصك وانتهى الأمر." وأكملت بنبرة تهديدية: "لازم تعرف يا قاسم إنك لو عارضت جدك أنت الوحيد اللي هتخسر." وأكملت بدهاء وحكمة: "جدك شخص ذكي وعنيد لأبعد الحدود، عشان كده لازم له تخطيط صح عشان تتقي شره وغضبه، وعشان كده لازم تلاعبه بذكاء وتحبك له قصة معقدة تقدر من خلالها تقنعه برفضك للجوازة دي وبكل بساطة." ورفعت سبابتها في الهواء وأكملت:

"وإلا مصيرك هيكون زي مصير عمك زيدان اللي أنت بنفسك حكيت لي عنه، وقلت لي عقابه كان قد إيه قاسي لمجرد بس إنه مسمعش كلامه واتجوز على مراته، وساعتها أنت كمان هتخسر كل حاجة زيه بالظبط." كان ينظر إليها بتيه مشتت العقل والكيان، صدقًا معها كل الحق. أكملت هي بذكاء لإرعابه والضغط على عزيمته:

"عمك زيدان الحظ كان حليفه، وتجارته اللي بدأها من تحت الصفر كبرت بسرعة البرق. لكن إحنا يا حبيبي مش مستعدين نجازف بمستقبلنا اللي عملناه ونخسر حقك وحق أولادنا اللي هييجوا بالسهولة دي." ضيق ببن عينيها وتساءل عن ما تقصد بحديثها ذاك: "أنا مش فاهم إنتِ تقصدي إيه بالظبط بكلامك ده يا إيناس؟ إنتِ عايزاني أتجوز صفا؟ فأجابته بذكاء وخُبث:

"عايزاك لما جدك يسألك عن موضوع دخول بنت عمك كلية الطب تقول له إنك موافق ومعندكش أي مانع. واتحجج بتأجيل الجواز لبعد البنت ما تخلص كليتها." وأكملت وهي تشيح بيدها بلامبالاة: "قول له إنك خايف على مصلحتها وخايف كمان من إنها متعرفش تركز في دراستها بسبب الجواز، وده طبعًا بسبب إن دراسة الطب صعبة جدًا ومحتاجة تركيز عالي، وإستحالة ده هيتحقق بعد الجواز." وأكملت بدهاء مُحكم:

"ووقت الجواز اللي هو بعد ما تكون خلصت جامعتها، هييجي يطلب منك إنك تحدد ميعاد الفرح عشان تتمم جوازك منها." وأبتسمت ساخرة وأردفت بغرور: "وساعتها بقا هترمي له القنبلة الكبيرة اللي هتزلزل عرشه وتخليه واقف قدامك وهو متكتف." وأكملت وهي ترفع قامتها لأعلى وتمثل التأثر:

"هتقف قدامه وتفاجئه وتقول له بكل تأثر وعيون حزينة، أنا حقيقي آسف يا جدي، كان نفسي أنفذ لك أوامرك، بس أنا لما راجعت نفسي كويس لقيت إني مش قابل على رجولتي ولا كرامتي إني أتجوز واحدة تعليمها وتصنيفها المجتمعي أعلى مني." وأكملت بتأكيد: "وأكيد وقتها هيقتنع بكلامك ويشوفه مظبوط جدًا، وبكده تكون خلصت نفسك من التدبيسة السودة دي وطلعت منها بدون أي خسائر." كان يستمع لها بذهول واشمئزاز، هز رأسه برفض تام وأجابها بإستنكار:

"أنا لا يمكن طبعًا أوافق على الكلام الفارغ ده. دي خطة دنيئة وأساسيتها بتعتمد على الغش والتلاعب، وأنا عمري ما كان ليا في الأساليب الرخيصة دي وإنتِ عارفه كده كويس." تفت بنبرة تعقلية: "مش أحسن ما يحرمك من ورثك ويسحب منك المكتب اللي عملهولك بفلوسه؟ وقتها يا متر مش هنعرف حتى نأجر شقة نتجوز فيها؟ وأردفت قائلة بنبرة صارمة:

"دي حرب من أجل البقاء يا قاسم والحرب خدعة، وجدك هو اللي ابتدى بحربه الباردة وبالتهديد بسحب كل امتيازاتك." أجابها رافضًا بقوة: "متحاوليش تقنعيني بحاجة ضد مبادئي وعمرها ما هتحصل. أنا لو عملت اللي بتقوليه ده هحتقر نفسي كل يوم ألف مرة." وأكمل بملامح وجه مشمئزة: "إزاي أغش بنت بريئة زي صفا وأدخلها في لعبة قذرة لمجرد إني أنول رضا جدي وأطلع من الموضوع بدون خسائر؟ وأردف متعجبًا بنبرة لائمة:

"للأسف يا إيناس، إنتِ فكرتي إزاي نتلاشى ونتجنب الخسارة المادية، لكن نسيتي تحسبي خسارتي المعنوية والأخلاقية." وأكمل بإشمئزاز من حاله: "أنا لو فعلاً عملت في بنت عمي كده مش هقدر أحترم نفسي وأبص لانعكاس شكلي تاني في المراية." ابتسمت بجانب فمها وأردفت قائلة بنبرة ساخرة: "إنتَ ليه محسسني إن بنت عمك دي هتحبك وتتعلق بيك وياحرام هتتصدم وتتوجع وتتقهر لما سيادتك تقرر تسيبها؟ واكملت بإستهجان:

"دي مجرد بنت صغيرة يا قاسم. يا ابني دي واحدة جايبة مجموع طب، يعني من الآخر كده موس مذاكرة." وأكملت بإستخفاف لمشاعر صفا: "بمعني أدق دحاحة ومعندهاش وقت للمشاعر أصلاً، ولسه كمان لما تدخل كلية الطب وتتسحل فيها، دي مش هيبقى عندها وقت تفتكر فيه حتى اسمك." وأكملت بدهاء لإقناعه: "ثم إنتَ ليه بتبص على الموضوع من ناحية إنك بتأذيها. بص له من الناحية الإيجابية، وهي إنك الشخص الوحيد اللي هتقدر تساعدها في تحقيق حلمها."

ضيق عيناه مستغربًا حديثها فأكملت هي مفسرة: "تقدر تقولي لو إنتَ رفضت موضوع جوازك منها هيكون مصيرها إيه؟ وأكملت بذكاء: "خلينا أنا أقول لك اللي هيحصل. ببساطة كده جدك هيجوزها لأخوك أو ابن عمك زي ما أنتَ بنفسك لسه قايل ده لبباك في مكالمتك معاه. يعني البنت حلمها هيضيع ويتدمر يا قاسم. وتحقيقه أصبح في إيدك أنت وبس." وأكملت بتأكيد لتنويم ضميره: "يعني زي ما أنت هتستفيد هي كمان هتستفيد وأكتر منك كمان."

ظلت تتحدث إليه وتبرر له شرعية مخططها الأناني الخالي من أي أخلاق، وبدأ هو باقتناعه بصحة حديثها رويدًا رويدًا. وبرغم عدم موافقته على تلك الخطة إلا أنه لم ير لها بديلاً كي يخرجه من تلك الحفرة التي وضعه بها عثمان بتحكماته وتسلطه وتجبّره. وهذا إذا أراد الخروج من عباءة جده وتحكماته. نفض رأسه من تلك الأفكار ثم تحدث بتساؤل جاد كي يجعلها تستفيق من غفوتها تلك:

"طب خليني فقدت عقلي واتزاني ووافقتك على خطتك المجنونة دي، تعرفي ده معناه إيه يا أستاذة؟ قطبت جبينها وانتظرت باقي حديثه فأكمل هو بنبرة معترضة: "معناه إننا مش هنتجوز غير لما صفا تخلص كليتها واللي هي سبع سنين. إنتِ متخيلة يعني إيه هنقعد من غير جواز سبع سنين؟ وأكمل لينبهها: "يا إيناس إنتِ عندك 23 سنة، يعني بعد سبع سنين هيكون عندك 30 سنة، إنتِ مدركة للجزيئة دي؟

تنهدت وتحدثت بهدوء وهي تفكر بأمواله وأموال جده الطائلة التي ستظفر بها مؤخرًا وتحيي بها حياة الأميرات بعد معاناتها التي عاشتها من قبل: "للأسف يا حبيبي، مفيش في إيدينا حل تاني، لازم نصبر ونتحمل عشان ننول رضا جدك علينا." نظر لها مطولاً متعجبًا لأمرها ثم هز رأسه بنفي وأردف قائلاً بنبرة قوية رافضة: "إنسي التخاريف اللي قولتيها دي كلها يا إيناس. أنا لا يمكن أعمل كده في عمي اللي طول عمره بيعاملني على إني ابنه اللي مخلفهوش."

وأكمل بقوة وإصرار ظهر بمقلتيه: "أنا هروح لـ جدي وهواجهه بكل قوتي ويعمل اللي عاوز يعمله." تفت بنبرة غاضبة مستوحشة: "وهتسيب له المكتب اللي ليك خمس سنين بتبني فيه يا قاسم؟ هتقف تتفرج على حلمك وشغلك وتعب السنين وجدك بيهده لك قدام عينك؟ "هنبدا مع بعض تاني من الصفر وهنبني روحنا بروحنا." جملة قالها قاسم ليطمئن روحها. صاحت به بغضب وكأنها تحولت إلى غول: "وأنا مش موافقة يا قاسم. أنا مش مستعدة أجوع وأبدأ من الصفر تاني."

أمسكت كف يده الموضوع فوق المنضدة واحتضنته برعاية وتحدثت وهي تتوسل لعينيه: "صدقني يا قاسم أنت مش قد الجوع والعوزة، مش هتقدر تستحمل. اسألني أنا." وأكملت بغشاوة دموع صادقة تكونت داخل مقلتيها: "مالك بالجوع والعوزة إنت يا ابن الذوات، إنت واحد مولود وفي بقه معلقة دهب. تعرف إيه إنت عن الجوع يا قاسم، عارف يعني إيه يبقى نفسك في الحاجة ومتطولهاش، نفسك في أكلة حلوة ومتقدرش تاكلها لأن ببساطة معكش تمنها." وأكملت

بدموع حقيقية وقلب يتمزق: "أنا تعبت كتير أوي في حياتي مع أهلي يا قاسم. دوقت العوز والحوجة والجوع، ومصدقت إني خلصت من الشعور ده ونسيته من وقت ما اشتغلت وكبرت معاك." وشددت على يده بقوة وأردفت بتوسل ودموع تقطع أنياط القلب: "أرجوك يا قاسم متخلنيش أعيش التجربة المرة وأدوق العذاب ده تاني، أرجوك." كان ينظر لها بقلب مفطور لأجلها، تعاطف معها لأبعد الحدود وأردف قائلاً وهو يحسها على التوقف عن نوبة البكاء المريرة التي دخلت بها:

"اهدي يا إيناس من فضلك وبطلي عياط." ثم نظر حوله يتطلع إلى الأشخاص المحيطين به داخل المطعم وهم يترقبون وينظرون بأعينهم إلى تلك المنهارة. ثم أردف متعاطفًا: "الناس بتبص علينا. من فضلك اهدي وأنا هعمل لك كل اللي إنتِ عايزاه." انتفض داخلها بسعادة وتساءلت بلهفة: "بجد يا قاسم، يعني هتكلم جدك وتقوله إنك موافق؟

كان يشعر بتمزق وحرب شرسة دائرة بداخله، حرب بين الضمير والبقاء. وللأسف انتصر داخلة حب الذات مثله مثل كثير من البشر إلا من رحم ربي. دقق النظر إليها بتشتت وهز رأسه بإيجاب متحدثًا بهدوء وتردد: "حاضر يا إيناس، حاضر." ضحك وجهها بسعادة وتحدثت بنبرة شاكرة وكأنها تحلق فوق السحاب من فرط سعادتها: "ربنا يخليك ليا يا حبيبي."

ابتسم لها ابتسامة خافتة تدل على عدم راحته ثم أكمل عشائهما بتشتت وعاد هو إلى سكنه الفخم بعد أن أوصلها لمسكنها. *** داخل منزل زيدان.

كانت تجلس بغرفتها تبكي بحرقة قلب، حزن عميق أصاب داخلها جراء أحلامها التي تسربت من بين يديها وتبخرت بين ليلة وضحاها. وخصوصًا بعدما استنجدت بوالدها وطلبت منه العون والوقوف بوجه جدها ومحاولة إقناعه، فأبلغها زيدان أن جدها ما زال يفكر في الأمر وبالتالي عليها ألا تقلق. ولن يبلغها بالتأكيد حديث أبيها عن انتوائه لخطبتها من قاسم. أما بحجرة زيدان، كانت تجاوره تختهما وهي تبكي وتنتحب وأردفت قائلة بمرارة:

"أني مجدارة أفهم لحد دلوقتي كيف طاوعك جلبك تكسر فرحة بنتك وتوافق أبوك على حديته ده." وأكملت بصياح وعدم تقبل للوضع: "كيف يعني مستقبل بنتي وتحديد مصيرها يتحط في يد قاسم؟ تنهد بألم متحدثًا إليها ليهدئ من روعها: "متسبقيش الأحداث وتجري البلا جبل وجوعه يا ورد. قاسم راجل صح ومحترم وعقله واعي وأكيد هيوافق إن صفا تقدم في كلية الطب." أجابته سريعًا بتيقن: "ده لو كان الجرار جراره ومن راسه يا زيدان." وأكملت بتساؤل حزين:

"فكرك يعني قدري وفايقة هيسيبوه يوافق بالساهلة دي ويخلوني أفرح ببنتي؟ أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه لتيقنه من صحة حديثها، ثم تحدث بقوة وتمرد ظهر بعينيه: "لو اللي بتقولي عليه دي هتوصل لتكون أنا اللي هقف في وش المدفع وهحمي بنتي بكل قوتي." وأكمل بنبرة حزينة: "حتى لو كانت دي هتبقى النهاية بيني وبين أبويا." نظر بعينيها وأخبرها مؤكدًا: "عايزك تتأكدي إن عمر مهخلي بنتي تتكسر وأبوها لساه عايش على وش الدنيا." ثم نظر أمامه وأكمل

بنبرة بها جبروت مدفون: "ما عاش ولا كان اللي يذلك ويكسر فرحتك يا بت زيدان." ثم التفت لتلك المنتحبة وسحبها وأدخلها لداخل أحضانه بحنان. وأردف قائلاً بهدوء: "اطمني واهدي يا حبيبتي وحاولي تنامي لك شوية لجل ترتاحي. عيونك دبلت من كتر البكا."

لم تنطق بحرف بل ظلت تبكي ويواسيها هو حتى غفت بين أحضانه ودثرها داخل الغطاء بإحكام وغفى بجانبها بعد تفكير دام لساعات، وذلك جراء حزنه الشديد على ما حدث لابنته وشعوره بالضعف المهين أمام صغيرته وهو يقف مكتوف الأيدي أمام ضياع مستقبلها وقبوله لأوامر والده بكل رضوخ وخنوع. ولكن كفا، لم يسمح لحاله بالرضوخ ولا بالاستسلام بعد. هو فقط سينتظر إجابة قاسم على جده، وإن لم تكن بالإجابة المنصفة والعادلة لصغيرته، قسماً سيحرق الأخضر واليابس لأجل عيناي تلك صفا.

*** بنفس التوقيت. دلفت مريم إلى مسكن عمها قدري بعدما استقبلتها فايقة، وتحركت مباشرة باتجاه غرفة ليلي المتواجدة داخل مسكن والدها، حيث أن كل رجل منهم يحتضن ابنته داخل مسكنه الخاص للتأكد من حمايتها. أما الشباب فلكل منهم غرفته المستقلة بالطابق الثالث عدا قاسم التي تتواجد غرفته والمسكن المخصص له بعد الزواج بالطابق الثاني.

دلفت مريم إلى غرفة ليلي وجدتها تجلس فوق تختها، ممسكة بقنينة طلاء الأظافر وتضع منه فوق أظافر قدميها وهي تتمايل وتتراقص بجسدها بتناغم وتماشي مع عزف الموسيقى التي تستمعها من جهاز سماع الموسيقى الموضوع بجانبها. جلست مريم بجوارها بوجه عابس وتحدثت بنبرة يكسوها الحزن: "رايحة جوي وعمالة ترقصي وكمان بتحطي مانيكير." ضحكت بتشفٍ وأجابتها بنبرة حقودة وهي ترفع حاجبها: "ومالُيش أرقص ليه؟

واللي كان نفسي فيه حصل، وبنت ورد شوكتها اتكسرت، ووجعت على جدور رقبتها واتذلت بعد ما كانت عايشة لنا في دور الدكتورة وشايفة حالها علينا هي وأمها من دلوقتي." تنهدت مريم بضيق وتحدثت بنبرة مهمومة: "أني خايفة جوي يا ليلي. مطمنانيش لحديت جدي اللي جاله النهارده." وأكملت بتساؤل قلق: "إشمعنى يعني اختار لها تدخل الكلية اللي اتخرج منها قاسم بالذات؟ ضحكت ليلي وأجابتها بنبرة ساخرة:

"معرفش صح ولا مقدرتش تنطقيها يا مريم. دي حاجة باينة كيف عين الشمس. جدي جرّ يجوّز صفا لقاسم." ارتعب داخل مريم واكفهرت ملامحها في حين تحدثت ليلي قائلة باطمئنان: "بس أني ما يعزاكيش تقلقي. بنت ورد ماهيش في دماغ أخوي قاسم من الأساس." ولا أنتِ كمان. وأطلقت ضحكة ساخرة استفزت بها مريم. أردفت مريم قائلة بتمني: "بس أني حاسة إن جدي غرضه من كده حاجة تانية." ضيق ليلي بين حاجبيها وتساءلت مستفسرة:

"وتطلع إيه الحاجة التانية دي يا أم العريف؟ أخذت نفسًا عميقًا وزفرته وأردفت قائلة بهدوء: "كلياتنا عارفين زين كيف جدي بيحب قاسم وبيعتبره كيف ولده مش بس حفيده الكبير. وجدي ما يرضاش حد مني أنا نعلّي على مجموع قاسم، ولجل كده بالخصوص هو ما رضاش إن صفا تبقى دكتورة وأعلى من حفيده البكري." وأكملت بارتياح واطمئنان لا تدري من أين مصدرهما:

"وزي ما كلنا عارفين العادات هنا زين. الحفيد الأكبر بيتجوز الحفيدة الأكبر سنًا. وأكملت بابتسامة هائمة ارتسمت على محياها وهي تشير على حالها بسعادة: واللي هي أنا يا ليلي، مش صفا كيف ما قلتي." نظرت لها ليلي وفي لحظة دب الرعب داخل صدرها، انتفض قلبها واكفهرت ملامح وجهها بعبوس وتحدثت بنبرة مرعبة: "دي تبقى وجعة مربربة لو جدي طلع بيفكر كده صح." ابتسمت مريم وأردفت قائلة بنبرة ساخرة:

"وقتها الاحتمال الأكبر إن صفا هتكون من نصيب يزن أخوي، عشانها يعني وحيدة وجدك مهيطلعش من عمك زيدان بره البيت." وما أن دلت بدلوها بتلك الكلمات حتى تحول وجه تلك ليلي للغضب التام وتحدثت بفحيح وشر: "الله في سماه لو جدي عمل كده، لولع لهم في بت ورد وهي لابسة فستان فرحها. وبدل ما تبقى ليلة دخلتها هخليها لهم ليلة خروجها." *** ظهر اليوم التالي. وبالتحديد داخل غرفة الحاج عتمان.

كان يجلس فوق تخته يفكر بشرود. قاطع شروده دلوف رسمية إليه وجلوسها بجانبه وبعد مدة تحدث هو إليها: "بقولك إيه يا رسمية، أني كنت بفكر في موضوع كده شاغل بالي بقى له فترة ووصلت فيه لحل زين، بس محتاج لك وياي لجل ما يتم." تمردت عليه بلهفة وطاعة: "عيني يا حاج، أمرني يا أخوي." ابتسم لها وأردف قائلاً بحنو: "تسلم عينك يا بت الأصول." وأكمل وهو مطأطئ الرأس بنبرة حزينة:

"أني ماهخبيش عليكي يا رسمية، أني بقى لي فترة ضميري بيأنبني لجل اللي عملته في زيدان زمان. كيف جدرت أحرمه من مالي وأحرم خيري عليه هو وبنته ومرته؟ وأكمل بنبرة متألمة وعيون منكسرة: "كيف سمحت لحالي أقعد آكل على السفرة ولمم عيالي وأحفادي حوالي وأعزهم وأغلاهم مجاعدش جاري؟ كيف حرمت صفا من إحساسها بالدفء وسط أهلها وناسها، كيف جدرت أحرمها من إنها تحس بعزوتها وتفتخر بيهم؟

تأثرت رسمية بحديثه حتى أن دموعها العزيزة الأبية انفرطت وزرفت رغما عنها. وتحدثت لترفع عنه كاهل حزنه: "هون علي حالك يا ولد عمي، اللي حصل حصل والعند والشيطان دخلوا بيناتنا وفرجونا عن ولدنا." تنهد مهمومًا ثم أخذ نفسًا عميقًا وزفره وتحدث بنبرة جادة: "لجل كده أني فكرت ولجيت حل زين يعدل الميزان، وفي الوقت ذاته ما يجللش من كرامتي ويهز كلمتي اللي جلتها قبل سابق." تساءلت بترقب: "حل إيه ده يا حاچ؟ نظر لها بتمعن قائلاً:

"أني عايزك تكتبي العشرين فدان اللي ورثتيهم عن عمي الله يرحمه لصفا. وأنا هكتب لك غيرهم من أرضي من غير ما حد يدري، وبكده أبقى رضيت ربنا وسكت ضميري اللي ماهيريحنيش واصل. وأديت لزيدان حقه في ورثتي من غير ما أرجع في تهديدي ليه." وأكمل: "وأني هبقى أحط لصفا قرشين باسمها في البنك لجل ما أضمن لها مستقبل زين وأكون وفيت بديني في حق زيدان للآخر." نظر إليها مترقبًا قرارها فهتفت رسمية بإستحسان: "عين العجل يا ولد عمي، كلامك زين."

اطمأن بموافقتها وهز لها رأسه وهتف قائلاً: "ناوليلي التلفون ده لجل ما أتصل بقاسم وأخليه يجي بكرة عشان أخبره بموضوع جوازه من صفا وأخد رأيه في الكلية اللي هي ريداها." أطاعته وأخذ هاتفه وتحدث إلى قاسم وطلب منه الحضور في الصباح الباكر، وكالعادة أطاعه قاسم باحترام. *** في الصباح الباكر.

توجهت صفا إلى الخارج بعدما قررت عدم الاستسلام والرضوخ للأمر المفروض عليها. ذهبت متجهة إلى أمام المسجد المجاور لمنزل والدها كي تشتكي له همها بحكمه صديقًا مقربًا لجدها ويحترمه عثمان كثيرًا ويقدره.

طلبت العون منه والتدخل والذهاب إلى جدها لمحاولة إقناعه كي يسمح لها بالالتحاق بكلية الطب وتحقيق حلمها بأن تصبح طبيبة وتداوي جراح المرضى وتسكن آلامهم بفضل الله. وبالفعل انصاق الشيخ إلى رغبتها وذهب على الفور إلى منزل جدها للتحدث إليه. تحدث الحاج عتمان إلى الشيخ حسان بنبرة صوت موقرة لهذا الشيخ الجليل وذلك بعدما استمع منه لطلبه: "خطوتك تعز علي يا شيخ حسان، وعشان كده أني هقول لك على اللي في دماغي ومش هداريه عليك."

وأكمل بنبرة محملة بالهموم: "إنت خابر زين إن صفا وحيدة وما لهاش ضهر يحميها بعد أبوها. وأني بعد ما فكرت زين لقيت إن قاسم ولد قدري ولدي هو الوحيد اللي أقدر ائتمنه على صفا وأموت وأني مطمئن عليها." وأكمل مفسرًا: "وزي ما أنت خابر إن قاسم محامي جد الدنيا، بس برضه صفا لو بقت دكتورة هتبقى أعلى مني. وأنت أدرى الناس بعوايدنا هنا، لازم الراجل منا يبقى أعلى من مراته في كل حاجة." وأكمل مبررًا بابتسامة هادئة:

"أومال كيف يا سيدنا الشيخ ربنا قال في كتابه العزيز، الرجال قوامون على النساء." تحدث شيخ المسجد باحترام بعدما أعطى له المجال من الانتهاء من حديثه: "أولاً ربنا يبارك في عمرك وعمر أبوها وتفضلوا سندها بعد ربنا يا حاج عتمان. وأكمل معترضًا: ولو إن البنت المتربية صح بتبقى سند لحالها وسواعة لأهلها كمان. ثانيًا بقى إحنا فاهمين القوامة اللي ربنا سبحانه وتعالى ذكرها غلط وبنفسرها على مزاجنا." وأكمل مفسرًا بهدوء واستكانة:

"ربنا سبحانه وتعالى لما قال في كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم. كان يقصد جلالته إن الراجل يسعى لمصلحة الست ويحميها ويقوم على خدمتها في الأمور اللي فيها مصلحة ليها. وأظن يا حاچ عتمان إن مفيش مصلحة أكتر من إن صفا تبقى دكتورة وتخفف عن أهل بلدها آلامهم وأوجاعهم." وأكمل بذكاء كي يستدعي حماسه:

"ده إني كمان طامع في كرم أخلاق حضرتك إنك تبني لها مستشفى في النجاع هنا لخدمة أهل بلدك لجل ما تطيب جراحهم وتداويها بيد بنتنا صفا." نظر له وقد شعر بأهمية ما نطق به وتحدث بإعجاب واستحسان: "والله حديثك زين يا شيخ حسان ويستاهل التفكير. وأني إن شاء الله هكلم قاسم وأشوف رأيه إيه وربنا يعمل اللي فيه الصالح للجميع." همهم الشيخ حسان بالوقوف وهو يتحدث بانسحاب: "إن شاء الله يا حاچ." استأذن أن يوقف عتمان وأردف قائلاً بإستماتة:

"والله ما يحصل ولا يكون قبل ما تتغدى وياي. ده أني دابح خروف وجدي عشان مجيء قاسم من مصر ولازم حضرتك تشرفني وتتغدى وياي." وبعد جدال طال استسلم الشيخ الجليل وانصاق لرغبة عتمان وانتظر يتسامران لحين وجوب وجبة الغداء. *** أما داخل منزل زيدان. دلف يزن بعد الاستئذان وجد والدته تجلس بجانب زوجة عمه وتربت على كتفها في محاولة منها لتهدئتها مما أصابها من خيبة أمل وصدمة جراء ما حدث بالأمس. حدث يزن لزوجة عمه لاهتمام:

"صفا وينها يا مرت عمي؟ أجابته بدموعها: "حابس حالها في أوضتها من وقت اللي حصل. دمعتها مفارقتش خدها وما داقش للزاد طعم من عشية." غلى الدم بعروقه وشعر بغصة مريرة اقتحمت صدره جراء ما حدث لصغيرته. شعر بحاجته الملحة في أن يصعد إليها ويحتضنها والآن كي يضمد جراح قلبها النازف. لو كان الأمر بيده لشَق صدره لنصفين وأدخلها بين ضلوعه كي يخبيها عن عيون البشر والعالم بأسره. حدث حاله بتألم وهو ينظر للأعلى بمرارة:

"آهٍ وآهٍ عليكِ صغيرتي، لو كان الأمر بيدي لأختطفتكِ من ذاك العالم الذي لا يمت لأرواحنا السابحة بصلة ولا يشبهها، وفررتُ بكِ حيث الخلود، لنحيي حياة تليق بقلوبنا وأرواحنا الحالمة. ما أصعب أن يشعر المرء بالعجز والإنكسار أمام امرأته. آهٍ عليكِ وآهٍ على غاليّتي." انتابه شعور سيء وتملك منه الغضب. تحدث بنبرة غاضبة حادة:

"أني هروح أتحدت ويا جدي وهقول له إن اللي بيعمله فينا ده حرام وأكبر ظلم كمان، وإنه بكده بيخنقنا وبيقتل أرواحنا وبيدمرها، وإننا خلاص ماهنسكتش على الظلم والافتراء ده أكتر من كده." التفت ناحية الباب وكاد أن يتحرك إلى الخارج. انتفضت نجاة من جلستها وجرت عليه وأمسكته من ذراعه وتحدثت بتوسل: "رايح فين يا يزن؟ اعجل يا ولدي بدل ما يغضب عليك ويخرجك من الدار كلها، وساعتها ماهتلاقيش مكان يلمك يا حزين." نفض ذراعه من يد

والدته وتحدث بروعة شباب: "سيبيني يا أمي أروح له وأواجهه بحجيته المرة وأعريه قدام روحه." وقفت ورد وتحركت إلى يزن سريعًا وهي تجفف قطرات دمعاتها وتحدثت إليه: "اسمع حديث أمك يا يزن واستهدي بالله يا ولدي. اصبر لحد ما نشوف جدي هيقول إيه في الاجتماع اللي عاملهولنا عشية دي." ابتسم بجانب فمه ساخرًا وتحدث: "فكرك هيغير رأيه في موضوع صفا؟

جدي عتمان ده جبروت ماشي على الأرض وما هيتراجعش عن قراراته إلا أما حد منا يقف في وشه ويواجهه من الغيبوبة اللي حابس حاله وحابسنا وياه فيها دي." تنهدت السيدتان تهدئه بكلماتهما وبالكاد اقتنع وهدأ قليلاً، ثم ذهب إلى أبيه في إحدى الأراضي الزراعية كي يشرف على العمال ويتابع جنيّهم للثمار. ***

في المساء اجتمع جميع أفراد العائلة في بهو منزل الحاج عتمان بناءً على رغبته وذلك ليستمعوا إلى قراراته المهمة التي اتخذها بشأن أحفاده الأغوال. كانت رسمية تجلس وسط زوجات أولادها وجميع أحفادها إلا من صفا ووالدتها التي بعثت لهما حسن لتخبرهم أنه وجب عليهم الحضور وذلك حسب أوامر عتمان.

أما الحاج عتمان فكان داخل حجرته الخاصة بصحبة أبنائه الثلاث حيث كان يخبرهم بما اتخذه من قرارات بشأن أحفاده كتحصيل حاصل ليس إلا، فهكذا هو عتمان النعماني وهذة هي شخصيته المتجبرة. دلفت صفا بجانب والدتها مطأطأة الرأس حزينة لما آلت إليه من انهيار حلمها الذي تبخر بين ليلة وضحاها بعدما كان أقرب إليها من حبل الوريد.

نظرت ورد إلى وجوه الحاضرين المترقبة والقلق والتوتر يسيطران على ملامحهم جميعًا، إلا من تلك الجالسة براحة وابتسامة نصر تظهر فوق ملامحها، إنها فايقة لا غيرها. ألقت ورد التحية على الحضور فردها الجميع. انتفض يزن من جلسته واقفًا وتحدث إلى تلك التي انتفخ وجهها من كثرة بكائها المتواصل: "كيفك يا صفا؟ لم تستطع رفع وجهها إليه واكتفت بهز رأسها وهي تنظر أرضًا بانكسار وردت بنبرة خافتة: "الحمد لله."

احترق داخل ليلي من ذاك الاهتمام وتلك اللهفة التي رأتها داخل عيني حبيبها بل ومتيم روحها والذي تعتبره ملكية خاصة. تمالكت من حالها لأبعد الحدود كي لا تطيع أفكارها الشاذة التي تطالبها بإلحاح بالوقوف على الفور والتحرك لتلك المشعوذة وجلبها من شعر رأسها والبطح بها أرضًا كي تبرحها ضربًا وتشفي منها غليلها.

تحدثت رسمية إلى ورد باحترام ولكن من الداخل مازالت تكن لها غضبًا وكرهًا لظنها طيلة الوقت أنها هي من حرمتها من أن تسر بصره وتسعد قلبها بذكر لزيدانها الغالي قبل أن توارى الثري وتذهب عن هذا العالم ويفنى جسدها، وكان ذلك بفضل وشي تلك الأفعى المسماة بفايقة لها، والتي وشى لها طيلة الوقت بأحاديث كاذبة كي تزيد من كره رسمية لورد وتجعلها تحقد عليها أكثر. تحدثت إليها رسمية قائلة بنبرة احترام: "اجعدي يا ورد."

وأكملت وهي تفتح ذراعيها على مصرعيهما لاستقبال غاليتها وتحدثت مبتسمة: "تعالي في حضن جدتك يا بت الغالي." تحركت إلى جدتها بساقين بطيئتين وما أن جلست بجانبها حتى سحبتها رسمية لداخل أحضانها وربتت على ظهرها بحنان. مما أشعل غضب ليلي ومريم وهما تنظران لها باحتقان وغيره. خرجت من بين أحضان جدتها ونظرت إلى رسمية وتحدثت بنبرة توسلية:

"لو أني غالية عندك صح كيف ما بتقولي كلمي جدي وقنعيه يتراجع عن قراراته ويخليني أقدم في كلية الطب." أجابتها رسمية وهي تبتسم وتنظر إلى قاسم الجالس بملامح وجه محتقنة بالغضب مكفهرة: "موضوع كلية الطب دي مبقتش في يد جدي خلاص، بقت في يد حد تاني." نظر له يزن وتملك الرعب من داخله حين فهم مغزى حديث جدته وهي تنظر بعينيها إلى قاسم وتحدثت بحدة: "تقصدي إيه بحديثك ده يا جدتي؟ وليه من الأساس جدي رافض دخول صفا كلية الطب؟

نظرت له فايقة وأجابته بابتسامة ساخرة لعلمها ما يكنه ذاك يزن داخل قلبه البريء لتلك صفا: "اتجل وأصبر على رزقك يا يزن، متبقاش مسرع كده." أما ليلي التي تحدثت إلى صفا بنبرة شامته كي تنتقم منها: "يا خسارة تعبك وسهر الليالي اللي راحوا على الفاضي يا صفا." وأبتسمت وأردفت ساخرة: "يظهر إن كلية الطب ملهاش نصيب تفتخر وتتشرف بدخولك ليها يا بت عمي."

ابتسمت فايقة بشماتة أما الجدة فرمقت ليلي بنظرة نارية أرعبتها ففضلت الصمت خشية إثارة غضب جدتها أكثر. وحزنت ورد على ما أصاب صغيرتها من خيبة أمل وشماتت أصحاب النفوس الضعيفة بها. أما قاسم فكان جالسًا يغلي داخليًا وخصوصًا بعد حديث والديه إليه وتهديده بأن يقبل بكل ما يقال من جده وحديث إيناس أيضًا الذي يراه غير أخلاقي بالمرة ولكن ما بيده ليفعله، فقد وضعه جده للمضي قدمًا داخل هذا الطريق بعد أن سلبه عتمان حق الاختيار.

خرج عتمان أمام أنجاله فوقف الجميع احترامًا وتقديرًا له، جلس برأس الجلسة وأشار إليهم بالجلوس. تحدث بوقار وجبروت لا يليق إلا به: "طبعًا كلكم خابرين زين إنكم عزوتي اللي طلعت بيها من الدنيا دي وأني بتمنى أشوفكم أحسن الناس." هز الجميع رأسه بطاعة وموافقة فأكمل هو:

"وزي ما أنتوا خابرين زين إن عوايد النعمانية بتمنع نزوّج بناتنا بره العيلة والعكس، عشان كده أني قعدت مع أبهاتكم واتفقنا على اللي أني شايفه صح ومقبول وفي صالحكم كلياتكم." نظر إلى قاسم وتحدث بابتسامة هادئة قائلاً: "نبدأ بحفيدي الكبير العاجل، زينة شباب النعمانية، وعشان كده اخترت له أغلى الغوالي على قلبي." ثم حول بصره إلى صفا الباكية الحزينة وأكمل: "صفا الغالية."

وفجأة توقفت عن البكاء وانتفض داخلها بسعادة واتسعت عيناها غير مستوعبة ذاك الخبر التي انتظرته منذ أن أصبحت شابة وفهمت معنى العشق. ولكن برغم تلك الفرحة تظل فرحتها ناقصة غير مكتملة.

وأكمل الجد وهو ينظر إلى يزن الذي يكاد يصرخ ويعترض على انتساب معشوقته لغيره. ولولا رعبه من جده لو قاطع حديثه لصرخ وأسرع إليها وجذبها إلى صدره بحماية أمام الجميع وليحدث ما يحدث، لكنه تمالك من حاله وفضل أن ينتظره حتى يفرغ ما بجعبته دفعة واحدة وبعدها سيعترض. وأكمل عتمان: "والباشمهندس يزن زينة الشباب هيتجوز ليلي." نظرت له ليلي بسعادة لم تستطع مداراتها.

أما تلك مريم التي نزل خبر خطبة قاسم وصفا على قلبها ومسامعها كصاعقة كهربائية زلزلت كيانها بالكامل فنظر لها جدها وتحدث: "وست البنات مريم هتتجوز من فارس." نزلت تلك الجملة لتكمل على ما تبقى من صبرها وتماسكها الهش فبدأت ببكاء مرير استغربه جميع الحضور، وجحظت عين فارس وكان أول المعترضين، وذلك لعشقه الجارف لابنة خالته حين تحدث بنبرة غاضبة: "ومين قال لحضرتك إني رايد أتجوز دلوقتي ولا رايد أتجوز من الأساس يا جدي؟ نظر عتمان

إليه وتحدث بنبرة ساخرة: "هتترهبن إياك يا واد قدري؟ وتلاه يزن الذي تحدث بنبرة معترضة: "وأني كمان موافقش على الطريقة المهينة اللي هتعاملنا بيها دي يا جدي، يعني إيه متاخدش رأينا في الحريم اللي هنعيش وياهم وهنكملوا وياهم باقي حياتنا؟ ثم نظر إلى صفا وتحدث معترضًا: "وليه صفا بالذات تختارها لقاسم، ليه متكونش من... نظرت له بعيون متسعة وقاطع حديثه عتمان بضيق وهو يدق بعصاه الأرض ناهراً إياه بعنف:

"ما شاء الله عليك يا ابن منتصر، كبرت يا ولد وطلع لك حس وعتعليه على جدي وتراجع في قراراتك." نظر قدري إلى منتصر وتحدث مستغلاً الوضع لصالحه كعادته: "متشوف ولدك وتوعيه وتعلمه كيف يحترم جده ويوقره يا منتصر." تحدث منتصر بتلبك وهو ينظر إلى يزن بنظرات تحذيرية معتذرًا لأبيه: "يزن ميقصدش يا أبوي، ما عاش ولا كان اللي يراجع حديثك، كلامك وقراراتك سيف على رقابنا كلياتنا." زفر عتمان بغضب ثم نظر إلى قاسم وتحدث بحده:

"وإنتَ يا قاسم، ماهتعترضش إنتَ كمان على حديث جدك الخرفان؟ نظر قاسم لأبيه فرمقه قدري بنظرات تحذيرية فحول قاسم بصره مرة أخرى إلى جده وأجابه بنبرة صوت حادة وملامح جامدة خالية من أي تعبير يدل عن ما بداخله: "العفو يا جدي، أني موافق على كل اللي حضرتك تؤمر بيه." طار قلب تلك العاشقة وحلق بالسماء. حين ابتسم الجد وتحدث بتفاخر: "عفارم عليك يا قاسم، عمرك مخيبت ظني بيك." تفاخر قدري ورفع قامته لأعلى وتحدث لإرضاء والده:

"اومال يا حاچ، قاسم ده راجل صح، ترباية يد الحاج عتمان بصحيح." تنهد زيدان مهمومًا وتحدث إلى أبيه متسائلاً بجدية: "وموضوع جامعة صفا يا أبوي؟ نظر الجد إلى قاسم وتحدث بابتسامة: "موضوع كلية صفا أصبح في يد قاسم، جولت إيه يا قاسم؟ تنفس عاليًا وبدا على وجهه علامات الضيق ثم حول بصره إلى تلك الحابسة أنفاسها تترقب جوابه وتحدث بهدوء: "قدمي في الكلية اللي إنتِ رايدها يا صفا، أني عمري ما هقف عقبة في طريق تحقيق أحلامك."

اتسعت عيناها بذهول وأردفت متسائلة بنبرة سعيدة غير مستوعبة: "صح موافق يا قاسم؟ لا يدري لما شعر بالخجل من حاله لإقباله على المشاركة في خداع تلك الملاك البريء، ولكن ما بيده، ألا لعنة الله على الظالمين، فابتسم بمرارة وأجابها: "صح موافق يا صفا." ابتسمت ورد ونظرت بعيون سعيدة إلى زيدان الذي تخطت سعادته في ذاك الوقت عنان السماء والجد والجده لم يكن حالهما بأقل منهما سعادة.

أما تلك فايقة التي انتفضت بجلستها كمن لدغها عقرب وهي تنظر إلى قاسم بنظرات ذات معنى ومغزى وتطالبه بأن ينفذ ما أمرته به. وأردفت قائلة بنبرة كسي عليها الغل والغضب والتي لم تستطع مداراتهما عن أعين الجميع: "موافق كيف يعني يا قاسم، موافق إن مراتك تبقى أعلى منك في العالم؟ ظهر الضيق على ملامحه من حديث والدته المصره على أن تهدم لصفا أحلامها لمجرد معاندتها لزوجة عمه وإفساد سعادتها بابنته. تحدث موجهًا حديثه

إلى والدته بحنق وبرود: "يا أمي الدنيا اتغيرت ومبقاش حد بيبص على الطب والهندسة على إنهم أعلى من باقي الكليات لمجرد إنهم بيجيبوا من مجموع أعلى، وبعدين الطب مهنة سامية وده حلم صفا من زمان." وأكمل صادقًا: "يبقى ليه أخنق حلمها وأضيعه لمجرد فرد السيطرة والهيمنة الذكورية الكذابة." نظر عتمان إليه بإعجاب وتحدث معظمًا إياه: "طلعت راجل صح يا قاسم وأثبت لي إن اختياري ليك إنك تبقى سند وظهر لبنت عمك كان في محله صح."

صدق زيدان على حديث والده: "عندك حق يا أبوي، تسلم وتعيش يا قاسم." وأكملت ورد على حديثهما بتأكيد قائلة بنظرات يغلفهما الشكر والعرفان: "ربنا يبارك فيك ويحميك لشبابك يا ولدي." نظرت الجدة بسعادة إلى صفا التي لم تعد معهم إلا بجسدها فقط، أما روحها فقد سرحت في السماء هائمة من شدة سعادتها فقد تلقت للتو خبر تحقيق أسعد حلمين كان يراوداها في صحوها قبل منامها. وتحدثت الجدة مهنئة غاليتها ومدللتها:

"مبروك يا نور عين جدتك، مبروك يا دكتورة." وقعت الكلمة على قلبها فزادت من شدة سعادته التي ارتفعت ووصلت إلى عنان السماء وأجابتها بفرحة: "الله يبارك في عمرك ويخليكي ليا يا جدتي." ابتسم داخله لسعادة الجميع التي رآها بعيونهم وخصوصًا صفا، وقد خففت سعادتها تلك من شعوره المميت بالذنب تجاهها. أما تلك فايقة التي أشرفت على إصابتها بذبحة صدرية عندما استمعت إلى لقب، دكتورة.

نظرت لذاك قدري بنظرات تحذيرية كي يتدخل ويمنع تلك المهزلة، فتحمحم قدري بعدما قرر التدخل كي يرحم حاله من الدخول داخل جولة نكدية مؤكدة لا محال من تلك الغاضبة ذات الطابع القوي المتجبر. وأردف قائلاً لقاسم وهو يغموره بنظرات ذات معنى ليحسه على التراجع الفوري: "كلام إيه اللي بتقوله ده يا قاسم، كيف يعني تقبل إن مراتك تبقى دكتور وتشتغل في المستشفيات وتتحرك بين الرجال وتنهشها عيون اللي يسوى واللي ما يسواش؟

لو إنتَ قابلها على حالك أنا ما قبلها على مرة ولدي." جملة قوية تفوه بها قدري مهددًا بها ولده. تراخت عضلات جسد فايقة بجلستها بعد حديث قدري القوي الذي نزل على صدرها وأثلجه ونظرت إلى قاسم تترقب جوابه. وليس فايقة وحدها هي من ترقبت جوابه، بل الجميع أصابهم صمت تام ينتظر إجابة قاسم بنعم أو لا. أما صفا التي ارتاعت واهتز داخلها وبدأ الرعب يتسلل لقلبها البريء وهي تنظر إلى قاسم بنظرات مترجية متوسلة زلزلت داخله. يتبع..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...