عصر اليوم التالي كانت جميع العائلة تجتمع حول سُفرة الغداء. ولأول مرة بتاريخها، زيدان الذي يجلس على يمين عِتمان بعدما هاتفهُ عِتمان صباحاً وأخبرهُ أن يحضر هو وزوجته كي يتناولوا وجبة الغداء الأولى لإبنتهُ بصُحبة العائلة بعد زواجها، وذلك بناءً على طلب قاسم من جده، والذي أراد بهذا التصرف أن يرى السعادة بعيون صغيرتهُ التي بدأت بالاستحواذ الكامل على عقله وكل تفكيره، حتى أنه بات لا يفكر سوى كيف يستطيع إدخال السرور على قلبها البريء.
كانت تجلس بجانب قاسم، المجاور لعتمان على الجهة الأخرى. تنظر لوالدها الحبيب بعيون متشوقة لرؤياه العزيزة، وقلب يتراقص فرحاً من شدة سعادته وهي ترى والديها يجلسان بصحبة باقي العائلة كما تمنت كثيراً من ذي قبل. تحدث مُنتصر إلى شقيقه وزوجته بنبرة سعيدة: "منور دار أبوك يا غالي، منورة يا أم صفا." أبتسمت لهُ ورد وتحدثت بنبرة خجلة: "تسلم وتعيش يا أبو يزن." حين تحدث زيدان لشقيقه الحنون: "الدار منورة بأصحابها يا أخويه."
تفت رسمية بسعادة وهي تقوم بتقطيع لحم الماعز وتوزعه على الجميع بسعادة هائلة: "وإنتَ أعز وأغلى أصحابها يا ولدي." ثم نظرت إلى عِتمان الذي يشعر بسعادة ورضا لا مثيل لهما، ولكنه يحتفظ بهما داخله خلف ملامح وجهه الصارمة وتساءلت: "ولا إيه قولك يا حاجة؟ تحدث مُتلاشياً النظر لزيدان كي لا يضعف وتخونه لمعة عيناه التي تريد أن لا تُشيح بناظريها عن غالية: "دي محتاجة سؤال يا حاجة."
استشاط قلب قدري وفايقة التي تشعر بنار تسري بداخل جسدها من جلوس ذاك الثنائي المتجاور أمام عيناها مباشرةً. مال قاسم على أذن صغيرته وهمس بها: "الجمر يفكر وأني عليا التنفيذ." قطبت جبينها وتساءلت بإستفهام: "لهو إنتَ... كادت أن تُكمل، قاطعها هو بعيون هائمة في جمال عيناها: "أني اللي طلبت من جدك يدعي حماي وحماتي لجل ما أشوف الضحكة اللي منورة وش الجمر دي."
اتسعت عيناها تنظر إليه بعيون سعيدة ممزوجة بالخجل. عشقت انتسابه لوالديها بكلمة حماه. كم شعرت بالسعادة لأجل اهتمامه الذي يغمرها به ويؤكده يومًا بعد الآخر.
كانت جميع العيون تراقب همسهما بترقب شديد، منهم السعيد لأجل ذاك الثنائي المحبوب، كمثال الجد والجدة وزيدان وورد وباقي من يهمه الأمر. ومنهم المتربص بعناية ليرى ماذا يحمل لهما الغد ويتمنى من الله أن يخلف ظنونه، كيزن مثلاً. ومنهم الحاقد الكاره لسعادة ذاك الثنائي مثل فايقة وليلي. والغير مبالي بالمرة كقدري. شرع الجميع في تناول الطعام. نظر قاسم إلى جده وتحدث بنبرة جادة:
"كان فيه موضوع مهم كنت حابب أفاتحك فيه يا جدي بس انشغلت في الفرح." قطب الجد جبينه وتساءل بإستفهام: "موضوع إيه ده يا قاسم؟ أجابهُ بوقار:
"الحاج كمال أبو الحسن كبير نجع الديابية وعضو مجلس الشعب. عرفت من مصادري إن الحزب هيتخلي عنه وهيخرجه من الترشيحات السنة دي. والجرار ده خدوه بعد ما سمعته ساءت وحكاية تهريبه للآثار فاحت واتفضح في كل حتة. وكنت بقترح على حضرتك إن عمي زيدان يترشح مكانه، وإني عندي اللي هيساعدنا من جوه المجلس بذات نفسه."
اشتعل قلب فايقة حقداً، واستشاط داخل قدري الذي توقف الطعام داخل حنجرته وبات يسعل بشدة. استغربت لهُ الجميع. ناولته والدته التي انتفضت من جلستها كأس الماء وتحدثت بحنان: "سلامتك يا وليدي، اشرب." تناول منها الكأس وتجرع ما بداخله دفعة واحدة بغضب. وابتلع لعابه. حين تحدث الجد وهو ينظر إلى قاسم بتفاخر واستحسان متجاهلاً ما حدث مع قدري للتو: "عفارم عليك يا قاسم، اللي يعجبني فيك إنك بتدعبس دايماً على المصلحة وتجيبها لحد عندك."
تحدث قدري بنبرة حاقدة غائرة لاحظها الكل: "هو الموضوع زين ما قال لنا حاجة يا أبوي، بس زيدان ما يليق له إنه يبقى سيادة النائب." وأكمل بتفاخر قاصداً بحديثه حاله بالتأكيد: "الموضوع ده عايز راجل شديد وله هيبة في النجع، وعنده عزوة من الرجال اللي من صلبه لجل ما يساندوه." وأكمل بتقليل واستياء: "إنما زيدان أخوي مين اللي هيساندوه؟! تحدث قاسم بنبرة حادة اعتراضاً على حديث والده، وخصوصاً بعدما رأى نظرة الانكسار داخل أعين زيدان:
"لو حضرتك عندك راجلين، فعمي زيدان عنده بدل الراجل أربعة، ده غير رجالة العيلة والنجع كله اللي بيحبوه وهيساندوه بكل قوتهم." ثم أكمل بنبرة تعقلية: "ثم الموضوع ده ما ينفعش له غير عمي زيدان بالخصوص، هو الوحيد اللي متعلم ويروح مصر كتير، وده المطلوب." تفت يزن مؤيداً لقاسم بشدة متغاضياً خلافهما: "قاسم عنده حق يا عمي، عمي زيدان هو الوحيد اللي هينفع للموضوع ده لأن من شروط التقديم في المجلس إن يكون النايب متعلم ومعاه شهادة."
ووافقه الرأي فارس وحسن ومنتصر الذي تحدث بنبرة غاضبة ناظراً بحقد على ذاك الفاقد الحس والإنسانية: "عيالي هما عيال زيدان وسنده، وأنا كمان وراك وفي ضهرك يا ولد أبوي." تحدث زيدان بنبرة شاكرة متأثرة: "تسلموا وتعيشوا يا رجالتنا، بس أنا معيزهاش يا منتصر." ثم نظر إلى أخاه وتحدث بنبرة ملامة: "خدها إنتَ يا قدري، تليق عليك أكتر يا أبو الرجال." تحدث الحاج عِتمان موجهاً حديثه إلى قاسم بنبرة صارمة وهو ينظر إلى قدري:
"شوف الأوراق المطلوبة للتقديم وجهزها يا زيدان لجل قاسم ما يقدم لك في المحافظة." ثم نظر إلى زيدان وتحدث بابتسامة خافتة مخبئاً خلفها سعادة لا توصف: "مبروك يا سيادة النائب." نظر لوالده وابتسم بسعادة وأردف قائلاً باحترام: "ربنا يديمك فوق راسي يا أبويه." هز عِتمان رأسهُ باستحسان وتحدث إلى ورد التي تنظر إلى زوجها بعيون تحبس داخلها الدموع لأجل كسرته على يد من يسمي بشقيقه:
"منورة دارك يا أم الدكتورة، مدي يدك وكلي من خير ربنا علينا." ابتسمت له على جبره لخاطرها المكسور وتحدثت بابتسامة عرفان: "تسلم وتعيش يا عمي، ودايماً الدار عمرانه بحسك وخيرك." اشتعلت روح فايقة وشعرت أن البساط قد سحب من تحت قدميها وانتهى الأمر، ولكنها لن ولن تستسلم قط، وعاهدت حالها على أن لا تكن فايقة النعماني إن لم تجعل قلب زيدان وورد ينزف ويتقطع إرباً حزناً على ابنتيهما ووحديتهما.
أما صفا التي كانت تنظر لفارسها الذي أسعد أباها بخبر ترشيحه لمنصب مهم كهذا، ووقف بجانبه وسانده واعترض حديث والده المسموم باتجاه غاليها بقوة، وكان أيضاً سببًا في اجتماعها بأبويها على سفرة واحدة. همست بجانب أذنه: "شكراً يا قاسم." ابتسم لها بسعادة وتحدث بمراوغة: "شكرًا حاف أكده، إنتِ بخيلة ولا إيه يا دكتورة! ضحك بخفة وأكمل بنبرة حنون: "كله لجل عيونك يهون يا صفا."
اهتز قلبها وارتعش جسدها جراء نظرة عيناه العاشقة. شعر هو بفائدة رجولته الحقيقية عندما رأى السعادة بداخل مقلتيها الفيروزية. نعم، فإثبات رجولة الرجل تبدأ من سعادة أنثاه وإشراقة وجهها. عاود الجميع إلى تناول الطعام من جديد بصمت تام. في حين نظرت مريم إلى صفا بابتسامة هادئة لتذكيرها بالوعد التي قطعته لها من ذي قبل. فأبتسمت لها صفا وأومأت بأهدابها ثم حولت بصرها إلى جدها لتذكره بحديثها معه منذ الأمس. فابتسم لها عِتمان
وتحدث إلى فارس: "بقولك يا فارس." نظر له فارس وأجابه وهو يبتلع ما في فمه سريعاً من طعام: "أؤمرني يا جدي." أجابهُ عتمان وأردف شبه أمر: "الأمر لله وحده يا ولدي، أني رايد إن مريم تشتغل في المستشفى مع صفا ويزن." وهنا التي تحدثت واستشاطت من الغيرة هي ليلي قائلة بتهكم على ابنة عمها الخجول:
"ويا ترى الست مريم خريجة الخدمة الاجتماعية هتشتغل إيه هي كمان، لتكونوا بتعينوها وزيرة الصحة في نجع النعماني، ما هي المستشفى بتاعتنا ونعملوا فيها اللي على كيفنا." وحولت بصرها إلى صفا وتحدثت بحقد دفين ونظرة كارهة لم تستطع تخبأتها: "لدرجة إننا نمسكها لعيلة خريجة امبارح ما تعرفش تدي حتى إبرة لعيان ونعملولها قيمة وسط الخلايج بالعافية."
رمقها يزن بنظرة نارية لو خرجت لأحرقتها وحولتها إلى رمادٍ في الحال. ابتلعت لُعابها من نظرته خشية غضبه عليها من جديد. في حين نظرت لها صفا والجميع بعيون متسعة مستغربين شنها لذاك الهجوم العنيف والغير مبرر. حين تحدثت فايقة مبررة لصغيرتها ووريثة عرش مملكة حقدها العظيم: "ليلي تقصد إن... ابتلعت باقي كلماتها داخل جوفها رعبًا عندما رأت نظرات عتمان النارية المحذرة والأمرة لها بالصمت التام.
شعرت مريم بالإهانة وانكمشت ملامحها وظهر الحزن بداخل عيناها البريئة، مما أحزن قلب نجاة على صغيرتها وأيضًا منتصر ويزن اللذان حزنا لأجل غاليتهما الرقيقة. وحتى قاسم الذي نظر إلى ليلي بحزن على حالة الحقد التي تتملك من قلبها. في حين تحدث الجد بنبرة مهينة إلى ليلي وهو يرمقها بنظرة اشمئزاز: "خلصتي السُم اللي بتنطريه من خاشمك ولا لسه يا بت فايقة."
ابتلعت لعابها خشية هجوم جدها اللاذع عليها، ولكن من الغريب أن الجد اكتفى بهذه الكلمات البسيطة ولكنها مهينة ومعبرة. ثم وجه بصره إلى فارس وتحدث بحدة أرعبته: "ما سمعتش صوتك ليه يا فارس؟ نظر فارس إلى مريم وتحدث بنبرة لائمة على زوجته: "مش لما أعرف رأي مرتي إيه، أقول أنا رأيي يا جدي." نظرت له مريم وتحدثت بتحدٍ وقوة لا تعلم من أين أتتها: "أني موافقة." تحدث فارس بنبرة ساخرة:
"يبقى رأيي مبقاش له عازة يا جدي، مرتي موافقة وحضرتك قررت، وانتهى الأمر." تلاشى عِتمان غضب فارس وشبه اعتراضه، وذلك لاعتراض عتمان على إدارة فارس الفاشلة لحياته مع مريم التي ذبلت منذ زواجها وتحولت إلى صامتة حزينة طوال الوقت. تحدث عِتمان إلى يزن: "يبقى على خيره الله، اعمل عقد زين وشوف هتشغل ست البنات في إيه يا يزن، واعمل لها شهرية مليحة تليق ببنت منتصر النعماني." رفعت مريم بصرها سريعًا إلى جدها بلهفة
وسعادة وتحدثت بعرفان: "ربنا يخليك ليا يا جدي ويديمك فوق روسنا." ابتسم لها وهز رأسه وتحدث باستحسان: "مبارك يا بتي." حين تحدث زيدان بنبرة حنون: "مبارك التعيين يا زينة البنات." أجابته بسعادة: "يبارك في عمرك يا عمي." وتحدث منتصر إلى غاليته بنبرة وعيون تشع حنانًا: "مبروك يا بتي."
وانهالت عليها المباركات من الجميع عدا فارس وليلي وفايقة المعترضون. وحتى قدري كان سعيدًا بذاك الخبر وذلك بعدما استمع من والده أنه سيعطي لها راتبًا عاليًا. وكعادته، فهو لا يهمه إلا المادة. انتهى الغداء وتحرك جميع الرجال ورسمية إلى غرفة الاجتماعات العائلية لينتظروا حضور مشروب الشاي والفاكهة. بدأت النساء بمساعدة العاملات بجمع الأواني والصحون من فوق سفرة الطعام لإدخالها المطبخ استعدادًا لجليها. نظرت فايقة بحقد إلى
مريم وتحدثت بفحيح كالأفعى: "والله عال يا ست مريم، دايرة تخططي وتجرري لشغلك مع الست صفا من ورا جوزك ومن وراي؟ تحدثت نجاة بقوة مداعبة عن ابنتها الرقيقة التي تعجز عن الرد: "وإنتِ إيه اللي يزعلك في حاجة زي دي يا فايقة؟ أجابتها بفحيح: "اللي مزعلني إنها ماشية كيف الهبلة ورا اللي رايدة تخرب عليها حياتها يا ست نجاة." كادت صفا أن ترد مدافعة، فبعثت لها والدتها نظرة تطالبها بالصمت وتجنب الدخول في تلك المشاحنات.
في حين أكملت فايقة بغضب: "بدل ما تدور تتنطط في المستشفى تقعد في بيتها تربي بتها وتاخد بالها منها ومن جوزها، ولا تروح تجيب لها حتة عيل يشيل اسم ولدي بدل حتة البت اللي جايبها لنا وجاعدة عليها ليها أكتر من سنتين." تحدثت نجاة بنبرة تهكمية: "والله بتي جابت لولدك بت وفرحتك بعوضه، الدور والباجي على ولدي اللي داخل على التلات سنين متجوز ولحد دلوقتي مشفتلوش حتى برص." وأكملت بنبرة حادة غاضبة كالإعصار:
"بدل ما تقعدي ترمي حديدك اللي كيف السُم على بتي وتسممي بيه بدنها، روحي شوفي حال بتك المايل واعدليه، لأني من النهارده ما هسكتش وهتكلم مع الحاجة رسمية تشوف حل للمسخرة اللي بتحصل دي." أما ورد التي كانت تقف تشاهد الحرب الدائرة بهدوء وحمدت الله أنه نجاها وعائلتها من السكن وسط تلك العائلة المسمومة. أمسكت يد صفا وسحبتها وخرجوا إلى الفراندا كي يجنبها وحالها شر تلك الفايقة وكلماتها المسمومة. تحدثت ورد إلى صفا بنبرة قلقة:
"مكانش لازمة اللي عملتيه دي يا بتي، مالك إنتِ ومال مريم وشغلها؟ بتجيبي لحالك المشاكل ليه يا جلب أمك." تنهدت صفا وأمسكت كف يد والدتها كي تطمئنها وتحدثت مفسرة تصرفها لوالدتها: "مريم بت عمي وكيف أختي يا أمي، ما أقدرش أقف أتفرج عليها وأشوفها حزينة ومكسورة وأنا في يدي الحل ليها. مريم محتاجة يبقى عندها ثقة في حالها والثقة دي ما بتجيش غير لما تشتغل وتندمج مع الناس وتعرف إنها فرد منتج ومش عالة على حد."
تنهدت ورد وتحدثت بتوجس: "ما قولتش حاجة يا بتي، وربي عالم إني كيف بحبها وبعزها، بس فايقة غدارة وجلبتها سودة كيف جلبها." وأكملت ناصحة: "ملكيش صالح بيها يا بتي، دي مرة سو وجرستها بالجبر اسأليني عليها." وأكملت: "آه يا مري، ما كنتش ريدالك تدخلي بين الناس دي، بس النصيب كان لازم يصيب يا بت زيدان." ليلاً داخل مسكن فارس ومريم.
خطى بساقية إلى مسكنه بعدما انتهى من جلوسه بصحبة شباب العائلة. دلف لغرفة نومه وجدها خالية ككل يوم، فمنذ ليلة زواج قاسم وصفا ومريم تغفو بغرفة صغيرتها لحالها. تحرك بضيق واعتراض على ما يحدث ودلف إلى حجرة صغيرته. وجدها ممدة تدعي النوم بجانب طفلتها. زفر بضيق وتحدث بنبرة هادئة كي لا يزعج صغيرته الغافية: "قومي يا مريم وتعالي نتكلموا شوي برة، أني عارف إنك صاحية وبتتمثلي على إنك نايمة كيف كل يوم."
لم تُعر لحديثه اهتمام وظلت على وضعها. فتحدث هو مهدداً: "قومي يا بت الناس بدل ما أعلي صوتي عليكي والبِت تتخلع." انتفضت من نومتها بغضب وتحركت إليه بوجه عابس. سبقها هو وتحركت هي خلفه حتى وصلا لداخل غرفة نومهما التي دلفت إليها وأغلق هو بابها بهدوء. ثم تحدث إليها بتساؤل غاضب: "جالبة خلجتك عليا ليه يا مريم؟
ما كفاكيش إنك هجراني ونايمة جار بتك بقى لك كام يوم وحرماني من حقي الشرعي فيكي وأنا ساكت ومعتكلمش، كمان رايحة تتفقي ويا صفا على شغل من وراي؟ "كان عاجبك منظري وأنا قاعد كيف الجردل في وسطهم وجدك بيؤمرني ويجبرني كيف العيل الصغير على موافقتي على شغلك؟ وتساءل بنبرة حادة: "ما جولتليش ليه على موضوع شغلك ده يا مريم؟ كانت تستمع إليه وهي تربّع يديها وتضعهما فوق صدرها وأجابته بثبات وجمود:
"أقول لك ميتا يا فارس، هو أنت موجود في حياتي من الأساس ولا بتقعد وياي لجل ما أقول لك؟ أجابها مقللاً من شكواها: "بقول لك إيه يا مريم، أنا دماغي وجعاني ومفضييش لجلع الحريم ودماغهم الفاضية دي." ابتسمت ساخرة وأجابته بنبرة بائسة: "وأديني هشغل دماغي وأملأها بالشغل وأبعد عنيك لجل ما أدوشكش بدماغي الفاضية وحديثي اللي ملوش عازة عندك، زعلان ليه بقى!
وتنهدت بأسى وتحركت لتخرج من جديد. أوقفها بقبضة يده وهو يجبرها على الوقوف. نظرت له فتحدث على استحياء وهو ينظر لداخل عيناها باحتياج: "استني يا مريم، أنا، أنا عايزك." نزلت كلماته على قلبها المسكين شرخته. أهذه هي كل قيمتها لديه؟ إفراغ رغبته البائسة بها وفقط؟ حزنت ثم تحدثت إليه بنبرة طائعة خاشية غضب الله عليها من عصيانها لإعطائها لزوجها حقه الشرعي بها: "وأنا تحت أمرك يا ولد عمي."
شعر من نظرة عيناها بدونيته وكم هو أناني بلا شعور. فأمسكها وسحبها لداخل أحضانه وشدد عليه وأردف قائلاً: "حقق علي يا مريم، لو ما عاوزاش خلاص، ما هجبركيش أنا." هزت رأسها باعتراض وخرجت من بين أحضانه الباردة الخالية من المشاعر، وتحركت إلى خزانة ثيابها وأخرجت ثوبًا هادئًا للنوم وتحركت لداخل المرحاض. أما هو فزفر بضيق لاعنًا حاله وما أصبح عليه من حالة مزرية غير مرضية له ولا لزوجته. في مدينة القاهرة.
داخل مسكن إلهام والدة دكتورة أمل. كانت تجلس داخل شرفة مسكنها ترتشف بعضًا من كأس العصير التي تمسك به بكف يدها. اقتربت عليها ريماس ابنتها المدللة والتي لا تهتم قط بأي شخص كان غير حالها وفقط. اقتربت من جلسة والدتها وهي ممسكة بقنينة طلاء الأظافر، تطلي بالفرشاة أظافرها بعناية وجلست بمقعد مقابل لوالدتها. ثم تحدثت بغرور: "كلمتي بنتك عشان تعرفيها ميعاد الفرح؟ أجابتها إلهام بنبرة باردة:
"عملالي بلوك ومش عارفة أوصل لها، بس كلمت مي صاحبتها وأخدت منها ميعاد، وهروح لهم كمان ساعتين عشان أتكلم معاها وأحاول أقنعها تتراجع عن قرارها المجنون ده." وأكملت بعدم اهتمام: "وأهو بالمرة أعزم مي ومامتها على الفرح." تحدثت ريماس بنبرة معترضة: "بصراحة يا مامي أنا مش فاهمة إنتِ ليه مش عاوزاها تسافر الصعيد، هي اللي اختارت تبعد عننا واختارت تعيش حياتها بالطريقة اللي تريحها، خلاص سيبها براحتها." تحدثت إلهام ببقايا
ضمير الأم المتبقي لديها: "أختك غضبانة وزعلانة من اللي حصل يا ماسة، ولازم نعذرها ونديها وقتها لحد ما تتقبل فكرة جوازك من وائل وتنسي الموضوع تدريجيًا." تفت ريماس بنبرة متعالية غاضبة: "هي أصلاً ملهاش الحق إنها تزعل، واحد كانت واهمة نفسها إنه بيحبها لمجرد إنها كانت معاه في الجامعة، ولما اتخرجت عينها معاه في مستشفي باباه الكبيرة وأداها مرتب مكنتش تحلم بيه، كده خلاص بقى بيحبها؟
وأكملت بتعالٍ وغرور وهي ترفع قامتها لأعلى متباهية بجمالها الأخاذ وشعرها الأشقر وبشرتها ناصعة البياض: "ولما شافني في حفلة عيد ميلادها انبهر بجمالي وسابها وزحف ورايا، ومن وقتها بقى بيطاردني في كل مكان أروحه ويترجاني أدي له فرصة يقرب مني ونتصاحب، لحد ما أنا رضيت عنه واديته الفرصة، وفي خلال شهر واحد كان جايب أهله لحد هنا وخطبني من حضرتك." وتساءلت باستخفاف لمشاعر شقيقتها الرقيقة:
"لو كان حبها فعلاً زي ما ادعت عليا كان خطبها طول الخمس سنين اللي عرفها فيهم." تنهدت إلهام وتحدثت مفسرة: "أمل لسه صغيرة ومش فاهمة الدنيا صح، مش قادرة تفهم إن اللي زي وائل ده فرصة هايلة للي زينا، ومن الغباء رفض طلبه أياً كانت الأسباب." تفت ريماس بأنانية: "ولما حضرتك مقتنعة بكده رايحة تقنعيها إنها متسافرش ليه؟ واسترسلت حديثها بمنتهى الأنانية:
"بصراحة بقى يا مامي أنا شايفة إن قرار السفر ده أحسن حاجة لينا كلنا، هي ووائل خلاص، مينفعش يجمعهم مكان تاني." وقفت إلهام وتحدثت بتعقل وهي تتأهب للخروج: "ما تخليش غيرتك على خطيبك تنسيكي إن أمل دي أختك ومش هينفع تكملوا باقي حياتكم وأنتم مقاطعين بعض بالشكل ده." زفرت ريماس باعتراض وعبس وجهها. تحركت إلهام إلى داخل غرفتها كي ترتدي ملابسها للاستعداد لزيارة ابنتها التي تستضيفها صديقتها بمنزلها.
بعد مدة كانت إلهام تجلس أمام السيدة إيمان والدة مي، تضع ساقًا فوق الأخرى بتعالٍ وتباهٍ. بعد مدة خرجت أمل من حجرتها مجبرة على مقابلة والدتها بعد محاولات عدة وإلحاح من إيمان لإقناعها بالخروج إليها لأجل خاطرها. وقفت أمل متصلبة الجسد تتطلع أمامها في اللاشيء. في حين نهضت إيمان وتحدثت إلى مي التي تجاور أمل الوقوف: "بعد إذنكم هاخد مي ونقعد جوه في أوضتي عشان تاخدوا راحتكم في الكلام."
وقفت إلهام وتحركت إلى أمل التي تراجعت للخلف وتحدثت بنبرة جامدة وملامح وجه صلبة: "يا ريت حضرتك تتفضلي تقولي الكلمتين اللي جاية تقوليهم عشان تريحي بيهم ضميرك، لأني بصراحة معنديش وقت كتير عشان أضيعه في مناقشات عقيمة." تنهدت إلهام وحركت رأسها يمينًا ويسارًا بأسى ثم جلست وتحدثت بنبرة مهمومة: "هتفضلي لحد إمتي تعامليني بالجفاء ده؟ وأكملت لائمة: "بتعاقبيني على إيه يا أمل؟
بتعاقبيني على خوفي عليكم وإني عاوزة أضمن لكم جوزات مرتاحة عشان أطمن عليكم؟ نظرت لها أمل وصاحت بتألم وهي تشير بسبابتها على حالها: "على حساب كرامتي ومشاعري؟ قد كده كرامتي اللي اتهانت ملهاش أي قيمة عندك؟ أجابتها بنبرة صادقة:
"يا بنتي افهميني، أنا أم وخايفة على بناتي من غدر الزمن، أنا ربيتكم لوحدي بعد باباك ما اتوفى ونسيت نفسي وضيعت عمري كله على تربيتكم، ما رضيتش اتجوز عشان ما أجيب لكمش جوز أم يضايقكم ويسبب لكم عقد تفضل ملزماكم طول حياتكم، علمتكم أحسن تعليم لحد ما بقيتي دكتورة قد الدنيا واختك في كلية ألسن، من حقي لما تيجي فرصة زي نسب دكتور وائل وأهله إني أتمسك بيها بكل قوتي." أمل بنبرة صارخة:
"وأنا يا ماما، ومشاعري، والحقير اللي كان مفهمني إنه بيحبني وبعد ما خلاص قرر إنه يخطبني في عيد ميلادي، ظهرت له بنتك الجميلة وقعدت تلعب عليه بإسلوبها اللي إنتِ عارفاه كويس لحد ما رال عليها زي الأهبل وجري وراها، لو إنتِ فعلاً أم حقيقية وبتعملي لكرامة بنتك حساب كنتي رفضتي طلبه جوازه من ريماس." حركت إلهام رأسها بيأس وتحدثت: "للأسف يا أمل، إنتِ بتفكري بمشاعرك وده غلط كبير." وأكملت بقوة:
"الدنيا دي عشان تبقي قوية فيها وتحصلي على أحسن الفرص والعروض، لازم تتركي قلبك وتنسيه خالص، ولو حسبتي جواز أختك من وائل هتلاقيه فيه خير كتير أوي ليكي إنتِ قبلنا كلنا." نظرت عليها باستغراب فأكملت إلهام غير عابئة بنظراتها: "أيوة يا أمل، لو حسبتيها بعقلك هتلاقي إن بمجرد جواز أختك من دكتور وائل ده هيعزز من منصبك في المستشفى، وائل وعدني إنه مستعد يرقيكي لمنصب رئيس قسم في المستشفى، وهيرفع مرتبك لأربع أضعاف." رمقها
بنظرة اشمئزاز وتحدثت: "إنتِ إزاي كده، بيقولوا الأم بتحس بوجع بنتها لكن أنا مش شايفة ده قدامي." أجابتها بقوة وجحود: "الوجع الحقيقي في الفقر والغربة اللي إنتِ رايحة ترمي نفسك فيهم يا دكتورة." أجابتها بقوة:
"وأنا راضية بالفقر والغربة دول وشايفة فيهم راحتي، وكل اللي طالباه منكم إنكم تنسوني وتخرجوني من حياتكم للأبد زي ما أنا هخرجكم، ويا ريت من النهارده متحاوليش تقابليني تاني، لأني مش حابة أفتكر أي شيء يربطني بتجربة الخذلان المرة اللي عشتها على يدك إنتِ واللي المفروض إنها أختي." وتحركت إلى الداخل بقلب محطم فاقد الثقة في كل من حوله. بعد انتهاء الثلاثة أسابيع مدة إجازة قاسم، حوالي الساعة السادسة صباحًا بتوقيت القاهرة.
كان يقف أمام مرآته يهندم من ثيابه ويضع عطره فوق ذقنه النابت وعنقه تحت نظراتها التي تشتاقه حتى من قبل الرحيل. تختلس النظرات إليه بقلب ممزق من مجرد فكرة ابتعاد المحبوب. وما كان حاله بأفضل منها، فقد كان ينظر لانعكاسها في المرآة وهي تجهز له حقيبة ملابسه. تختلس النظر إليه بين البرهة والأخرى مع مراعاتها لعدم رؤياه لها، لكنه بالطبع كان يراها لعدم إحالة بصره عنها. انتهت من وضع ثيابه وجميع أشياءه الخاصة وتحدثت بنبرة مختنقة
لم تستطع السيطرة عليها: "شنطتك جهزت يا قاسم." تنهد بألم وتحرك إليها ونظر لداخل عيناها قائلاً بشكر: "تسلم يدك يا صفا، تعبتك وياي." أومأت له بأهدابها فتساءل هو باهتمام: "ما عاوزاش حاجة أجيبها لك وياي وأنا راجع؟ هزت رأسها بنفي مبتعدة بناظريها عن مرمى عيناه فتحدث هو من جديد: "جولي اللي في نفسك، أشرى بصباعك على أي حاجة حباها وأنا أخلقها لك من تحت الأرض." أجابته بنبرة ضعيفة متأثرة:
"تسلم يا قاسم، لو عاوزت حاجة أكيد هقول لك." تنهد هو بأسى ثم أمسك كف يدها وتلمسه بنعومة أثارت كلاهما. نظر لداخل عيناها وذابا معًا بالنظرات. شعر بحاجته القوية لالتهام شفتاها وتقبيلهما برقة ونعومة. اقترب عليها ومال بجزعه، لكنها أبعدت جسدها سريعًا وتراجعت للخلف وهي تبتلع لعابها وصدرها يعلو ويهبط من شدة الاشتياق والتوتر. كانت تريد قبلته أكثر منه، لكنه الكبرياء لا غير.
شعر بإحباط رهيب جراء تراجعها وسحب بصرها وجسدها بعيدًا في حركة تدل على اعتراضها الشديد لاقترابه. تحمحم وعذر تصرفها. أخذ نفسًا عميقًا كي يهدئ حاله وما أصابه، وتحدث بهدوء متلاشيًا تصرفها: "أنا مش هتأخر في القاهرة، كام يوم أخلص فيهم القضايا الضرورية وأعاود طوالي، وزي ما جولت لك، أي حاجة تعوزيها رني علي." نظرت له وأخرجت صوتها بصعوبة بالغة: "توصل بالسلامة."
حمل حقيبته وتحرك للخارج وتحركت هي بجواره حتى وصل إلى باب الشقة. ثم نظر لعيناها. مد يده لها ليصافحها فناولته كفها برقة. أمسكه ضاغطًا عليه بنعومة وإثارة. ثم رفعها وقربها من فمه ووضع شفتاه الغليظة فوق جلد كفها الناعم وثبت نظريها كلّ بعيون الآخر وذابت العيون بنظراتها الهائمة. امتص هو جلد كفها في قبلة خشبت جسديهما معًا. ثم أنزل كفها وتحدث بنبرة حنون أذابت قلبها: "خلي بالك من نفسك يا صفا، وأنا مهتأخرش عليكِ."
هزت رأسها بتوتر. تحامل على حاله وخرج كي لا يتخطاه موعد إقلاع الطائرة. أمسكت الباب وتعلقت العيون ببعضها حيث أنه وقف بالخارج ولم تطعه ساقها على التحرك للمضي قدمًا. تحاملت هي على حالها وتحدثت لتنبهه: "الطائرة هتفوتك كده." ابتسم لها بخفة وهتف بنبرة حنون: "فداكي يا صفا." ابتسمت بحزن وتحاملت على حالها وبادرت هي بإغلاق الباب، وكأن إغلاقه كان سكينًا حادًا قطع معه قلبيهما وجعلهما ينزفان بشدة.
أسندت رأسها فوق الباب وأغمضت عيناها بتألم. رفعت كف يدها الذي طبع به قبلته وامتص جلده بشفتاه. وضعت شفتاها فوق موضع شفتاه وأغمضت عيناها وباتت تقبل موضعهما بقلب يريد الصراخ بأعلى صوته مطالبًا بعودته قبل الرحيل. أخذت نفسًا عميقًا تشم به رائحة عطره التي طبعت فوق جلدها والتصقت به.
أما ذاك العاشق الذي شعر بأن قلبه خرج من بين أضلعه وهرب إليها لكي لا يبتعد عنها ويضل بين أحضانها بالداخل. تنهد بألم وتحامل على حاله وتحرك إلى الدرج ليهبط ومنه للخارج بعدما ودع الجميع. كان فارس بانتظاره كي يصطحبه بسيارته إلى مطار سوهاج. نظر لأعلى الشرفة على أمل رؤياها، لكنها حطمت آماله ولم تخرج لتوديعة. فتنهد هو وتحرك فارس منطلقًا بالسيارة. ثم نظر إلى شقيقه مترقبًا ملامح وجهه الحزينة وتساءل بدعابة:
"مالك يا قاسم، أول مرة أشوفك مهموم وإنت مسافر كده، ده أنت جبل كده كنت بتبقى طاير من الفرحة وإنت مفارق." تنهد بألم ونظر لشقيقه وتحدث بنغزة داخل صدره: "شكلي طبت ووجعت في عشج بت أبوها العالية يا فارس، وجع واعر جوي جوه قلبي من وقت ما سبتها فوق ونزلت." تجللت أسارير فارس وهتف بصياح: "وكتاب الله كنت عارف إنك عشجتها من وقت خناجاتكم اللي مكانتش بتخلص من يوم ما كتبتوا الكتاب." وأكمل بنبرة عاقلة:
"صفا زينة بنات النعمانية وتستاهلك وإنت تستاهلها يا أخوي، وعين العجل إنك معتغدرش بيها ولا بوعدك لعمك." تنهد بهدوء وأرجع رأسه للخلف ناظرًا أمامه بشرود يفكر فيما هو آت، وكيف سيتخلص وينهي خطبته من إيناس بدون خسائر معنوية لها. فبالأخير هو يكن لها احترامًا ولا يريد إيذاء مشاعرها وكبريائها. بعد مرور حوالي الساعة والنصف.
دلف من باب مكتبه بترحاب عالٍ من الموظفين والذين تساءلوا كثيرًا عن طول مدة غياب قاسم والذي لم يخبر أحدًا من المكتب بقصة زواجه بناءً على طلب إيناس لحفظ ماء وجهها أمام زملائها الذين ينتظرون زواجهما خلال الأسبوع القادم. دلف إلى مكتبه وخلع عنه سترة حِلّته وعلقها بمكانها المخصص، ثم جلس بمقعده ودلفت إليه السكرتيرة الخاصة به ومعها ملفات القضايا المتوقفة على موافقته الشخصية كي يتم قبولها بالمكتب. تحدثت نيرة السكرتيرة بترحاب
وهي تضع أمامه أحد الملفات: "المكتب نور بوجودك يا أفندم." أجابها بهدوء: "متشكر يا نيرة." بالكاد انتهى من جملته ورفع بصره سريعًا وسلطه على تلك التي دفعت باب المكتب بحدة ودلفت تنظر إليه بنظرات مشتعلة وتحدثت إلى نيرة التي انتفضت بوقفتها قائلة بنبرة صارمة: "سيبيني مع الأستاذ لوحدنا يا نيرة." نظرت نيرة إلى قاسم لتتأكد من قراره فأومأ لها بأن تفعل ما طُلب منها وبالفعل خرجت. وقفت تنظر عليه بعيون مشتعلة وتحدثت بنبرة غاضبة:
"هي حصلت كمان تيجي المكتب من غير ما تبلغني إنك جاي وأعرف من مكتب السكرتارية زيي زي الغريب؟ نظر لها ببرود وتحدث بنبرة هادئة استشاطت داخلها: "إهدي يا إيناس من فضلك وياريت متنسيش إننا في شغل والمكتب فيه زباين، ده غير إنه ما يصحش صوتك يبقى عالي كده قدامي." كانت تنظر إليه مستغربة حالته ككل، نظراته الباردة وهو ينظر لها، نبرة صوته الجافة وهو يحدثها، أين قاسم؟ أين حبيبها الذي كان ينظر لها باهتمام ويحدثها بحماس؟
نعم، لم يكن لها يومًا عاشقًا بالمعنى المعروف، لكنه كان مهتمًا. تحدثت وهي تدقق النظر بملامح وجهه التي لم تعد تعرفها، لا نظراته لا كلماته ولا حتى ملامحه التي زادت جاذبية ويبدو عليها الارتياح: "مالك يا قاسم؟ إنت فيك إيه متغير؟ فين سلامك ولهفتك عليا؟ فين نظرة عيونك ليا لما كنت بتغيب عني يومين؟ وأكملت بتساؤل حائر: "وإزاي قدرت تبعد عني كل الوقت ده من غير ما تكلمني وتطمن عليا؟
تنهد بأسى لحالتها الجنونية، وقف وتحرك إليها ليقابل وقفتها. وضع كفيه داخل جيب بنطاله وتحدث بنبرة هادئة: "فيه حاجات كتير جدت يا إيناس ولازم نقعد ونتكلم. من فضلك اتصلي بوالدك ووالدتك وخذي لي ميعاد منهم عشان هاجي أزورهم بعد ميعاد المكتب، فيه كلام لازم يتقال قدامهم ويشاركونا فيه." تنفست بهدوء وتحدثت إليه بنبرة جادة كآلة إلكترونية:
"لو هتتكلم معاهم في ترتيبات الفرح ما تقلقش، أنا وماما حجزنا القاعة، ومهندس الديكور اللي إنت سلمته الشقة خلص كل التعديلات اللي أنا قلت عليها، والفرش اللي إحنا حجزناه مع بعض قبل ما تسافر سوهاج هيوصل الشقة بكرة، والمهندس قال لي إن بعد يومين بالظبط هيسلمنا المفتاح." وأكملت بجمود: "كل حاجة جاهزة يا قاسم، مفيش غير كروت الدعوة استنيتك لما توصل عشان نختار تصميمهم سوا." كان يستمع إليها بغصة مرة داخل حلقه. أين كان عقله؟ ضميره؟
أدميته وهو يشرع ويجهز حاله لذبح ابنة عمه وعمه الذي طالما اعتبره ولده الذي لم ينجبه. حتى تلك المسكينة، ماذا ستفعل وكيف ستواجه الجميع بعدما يتركها خطيبها بعد خطبة وارتباط دام لسبع سنوات! حقًا معضلة صعبة، كيف ستحل يا ترى؟ يتبع..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!