الفصل 43 | من 48 فصل

رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم روز امين

المشاهدات
25
كلمة
8,981
وقت القراءة
45 د
التقدم في الرواية 90%
حجم الخط: 18

عاد وائل إلى القاهرة يجر بأذيال خيبة أمله الكبرى. شعر بأنه خسر الكثير من الاحترام لذاته بتلك الزيجة الملعونة. قرر أن يقوم بتطليق ريماس ليبتعد عن تلك العائلة ويحاول أن يبدأ حياة جديدة. لكنه بمجرد وصوله إلى منزله ليفاتحها بأمر الطلاق، وجد والدته ووالده بانتظاره وبوادر السعادة ترتسم فوق وجوههم. نظر إلى ريماس التي تجاور والدتها بإرهاق يظهر فوق ملامح وجهها. جرت عليه والدته وهتفت قائلة وهي تحتضنه بسعادة هائلة:

"مبروك يا حبيبي، أخيراً سمعت الخبر اللي ياما حلمت بيه واستنيته." قطب جبينه باستغراب وتساءل مستفسراً: "خبر إيه ده يا ماما اللي جايب حضرتك وبابا تستنوني هنا والفرحة مش سيعاكم بالشكل ده؟ أجابته إلهام والدة ريماس بسعادة بالغة: "ألف مبروك يا دكتور، هتبقا بابي." انصدم داخله وشعر بعالمه ينهار من تحت قدميه. ماذا عليه أن يفعل وهو الذي انتوى الابتعاد؟ لكن يبدو أن للقدر معه رأي آخر.

اقترب منه والده واحتضنه بشدة وربت على ظهره مهنئًا إياه. نظر إلى تلك ريماس وجدها تنظر إليه بسعادة بالغة وكأنها قامت للتو بفتح عكة. شعر بالمهانة عندما لم يجد أمامه سوى الرضوخ والاستسلام للأمر الواقع، وذلك لعلمه الشديد بعدم موافقة والديه لفكرة الطلاق نهائيًا في وجود طفل يتمناه كلاهما لـ وحيديهما.

أما عدنان، فقد شكر ربه على عدم مشاهدة كوثر وإيناس لحادثة القطار التي ظهرت بها صفا. وذلك لوجود كوثر داخل المشفى حيث أجرت عملية استئصال الزائدة الدودية ورافقتها إيناس لمدة خمسة أيام. لم يشاهدوا خلالها التلفاز ولا حتى مواقع التواصل الاجتماعي على هواتفهم الذكية، ويرجع ذلك إلى دخول كوثر في حالة حرجة بعد إجرائها العملية. وبعد تحسن حالتها وخروج كلتيهما من المشفى، كان الموضوع قد هدأ كثيرًا واختفى من الساحة وظهر موضوع بديل لتتناوله المواقع كما جرت العادة.

*** ليلاً داخل سرايا النعماني. دلف يزن باحثًا عن عائلته كي يقوم بإبلاغهم بموافقة أمل بالزواج منه. استمع إلى أصواتهم تخرج من داخل حجرة الطعام فتيقن أنهم يتناولون وجبة عشائهم. خطى بساقيه إلى الداخل ونظر إلى الجمع الكامل حتى عمه زيدان وورد وصفا أتوا بناءً على طلب عثمان الذي طلب حضورهم بإلحاح وتمني، حتى يشعر بلمة عائلته من حوله. تحدث يزن قائلاً بنبرة هادئة: "متجمعين عند النبي إن شاء الله."

ابتسم له الجميع وأمنوا وراءه بتمني. ثم وجه الحديث إلى جده بنبرة جادة: "جدي، كنت حابب أبلغك إن أنا والدكتورة أمل حددنا ميعاد الفرح، وإن شاء الله هيكون بعد شهر من دلوقتي." تنهد عثمان، وعدة مشاعر متناقضة تملكت من داخله. شعور بالسعادة لأجل زواج حفيده الغالي وفرصة لتكوينه لأسرة سعيدة واحتمالية رزقه بأطفال. وبنفس الوقت شعور بالحزن والألم لأجل حفيدته وحزنها الذي أصابها عندما استمعت إلى ذاك الخبر المشؤوم بالنسبة لها.

صمت تام أصاب الجميع لنفس أسباب عثمان، فالجميع أصيب بعدة مشاعر مختلطة. تحدث الجد بنبرة عاقلة: "على الخيرة الله يا ولدي، وأنا هخلي المقاول يزود لك عدد الرجالة اللي هيشتغلوا في البيت لجل ما يخلصوه بسرعة ويشطبوه قبل الشهر ما يخلص." انتفضت ليلي واقفة وتحدثت بفظاظة: "يعني حضرتك موافق على إنه يجيب لي ضرة ويجهر قلبي بيها؟ وأكملت بتساؤل غاضب أدمى قلب عثمان: "تعرضي عليا اللي متعرضوش على غيري ليه يا جدي؟ واسترسلت بتعجب لأمره:

"هو أنا مش بردك حفيدتك ولا إيه يا حاج عثمان؟ تنهد بأسى وأجابها: "حفيدتي وغالية عليّ وربي عالم بغلاوتك في قلبي يا ليلي." وأكمل مضطرًا: "بس المصلحة حكمت يا بتي، ابن عمك لازم يكون له وريث لاسمه واسم عيلته." ثم أكمل بنظرة لائمة: "واللي انتِ عملتيه في ابن عمك مكانش جليل بردك."

كانت فايقة تنظر إلى الجميع بشر وتوعد، لكنها لم تقو على التفوه بحرف واحد بعدما باتت تتعامل من رسمية وعثمان بأسوأ أنواع المعاملة لتيقنهم أنها السبب الرئيسي لما وصل له قدر. ينظر يزن إلى ليلي ويتحدث بنبرة حادة: "انتِ كمان ليكِ عين تعترضي ولساتك بتتحدتي." ثم نظر إلى جده وهتف بنبرة حادة:

"الهانم المحترمة بت الأصول اللي حضرتك منبه على أبوها إنها متخرجش بره البيت، كسرت كلمتك وكلمت أبوها وراحت المستشفى واتهجمت على الدكتورة أمل بالكلام وهددتها." ابتلعت ليلي لعابها خشية غضب يزن. في حين تحدثت نجاة التي نظرت إلى ليلي بذهول وهتفت: "روحتي لها إمتى يا حزينة؟ وأكملت بتذكر: "أكيد صباحية يوم أبوك ما خدته الحكومة، لما كدبتي عليا وجلتي لي إنك رايحة تطلي على جدتك سنية." صاحت بنبرة كاذبة وإنكار:

"انتِ كمان بتعومي على عومها يا مرة عمي! وأكملت باتهام لأمل: "دي واحدة ملعونة بتفتري عليا بالكذب لجل ما يزن يصدقها ويجلب عليا." صاح بها بنبرة صارمة: "يزن ممحتاجش يسمع من حد لجل ما يجلب عليكِ يا بت عمي، اللي عملتيه خير شاهد." وأكمل بدفاع وقوة رجل عاشق: "ثم الدكتورة أمل دي أنا أضمنها وأضمن كلمتها برقبتي." وأكمل وهو يشير بيده إليها بنبرة تهديدية:

"لآخر مرة بنصحك لوجه الله وعجلها لك قدام جدك وأبوك وإعمامك وأخوك، الله الوكيل، لو مسيتي أمل ولو حتى بكلمة طيبة، لتكوني طالق بالتلاتة يا ليلي." ثم نظر إلى جده وتحدث: "أظن من حقي إني أحمي الحرمة اللي هتكون مرتي، ولا إيه يا جدي؟ أومأ له عثمان وتحدث بجدية: "عداك العيب يا ولدي." يتحدث قدري بنبرة جادة: "ربنا يتمم لك على خير يا ولدي." وأكمل وهو يرمق ليلي بنظرات متوعدة: "وبنتي أنا كفيل بيها وقادر أحمي الخلق من شرها."

غضب داخل ليلي وشعرت بالخذلان من أبيها. أما فايقة التي صاحت وتحدثت بنبرة متهمكة: "وإيه كمان يا سيد الرجالة؟ وأكملت بنبرة لائمة: "ده اللي ربنا قدرك عليه؟ ده بدل ما تقف في ضهر بنتك كيف ما زيدان وقف لبنته في وش الكل حتى أبوه، تقوم تقوله مبارك وبنتي أنا هكسر لك رقبتها! رمقها بنظرة حارقة وتحدث بنبرة حادة بعدما فاض به الكيل من أفعالها:

"اقفلي خاشمك يا مرة، وبدل بجاحتك وعينك الجوية دي، خلي بالك من بنتك وجولي لها تحافظ على اللي باقي من بيتها." وجهت ليلي نظراتها الكارهة إلى صفا حيث أنها مقتنعة تمام الاقتناع بأن صفا هي من جلبت تلك الأمل من أجل أن تشغل عقل يزن بها وينشغل باله وينسى بها ليلي. فزاد حقدها على صفا وباتت تفكر بطريقة انتقام تليق بتلك صفا وما صنعته، كي تشفي غليلها منها. *** بعد يومان.

ذهب الحاج عثمان بصحبة منتصر وزيدان ويزن إلى المشفى، ودلف إلى حجرة أمل الخاصة بالفحص، وطلب منها الموافقة على طلبه الزواج من حفيده يزن، وذلك حسب الشرع والأصول. اشتدت سعادة أمل وأدمعت عيناها حين شعرت تقدير عائلة يزن وترحيبهم بدخولها إلى عائلتهم رغم ظروفها وعدم وجود ولي لها، حيث توفي والدها الذي كان وحيدًا لوالديه ولم يتبق لها سوى والدتها وشقيقتها.

احتضنها عثمان بحنان وأشعرها بأبوته هو وزيدان ومنتصر تحت سعادة يزن وفخره بأفراد عائلته الحنون. طلب منها زيدان القدوم إلى داره والمكوث بها بصحبة صفا باعتبارها ستصبح ابنة العائلة عن قريب، لكنها اعتذرت بكبرياء. اصطحبها يزن باليوم التالي إلى إحدى محلات الصاغة وجلب لها الكثير والكثير من الذهب حسب العرف الدارج. ولم تستطع أمل الاعتراض تحت إلحاح ذلك يزن.

كان جميع العمال يقفون ويعملون على قدم وساق للانتهاء من أعمال المنزل وتجهيزه للزواج، وذلك بعدما تفرغ يزن بشدة لحثهم على الإسراع. كل هذا تحت اشتعال روح ليلي وبرغم غليانها من تلك الأمل إلا أنها لم تقو على الاقتراب منها حتى ولو بكلمة، خشية غضب يزن وتنفيذه لتهديده وخسارتها له وللأبد.

تحركت بصحبة والدتها خارج السرايا في الخفاء من باب المطبخ الخلفي بمساعدة العاملة منيرة، وذهبتا إلى الدجال. وطلبتا منه أن يصنع لهما سحرًا أسودًا ليزن كي يترك تلك الأمل ويعود من جديد إلى أحضانه ذليلًا على حد وصف فايقة وغلها.

استغل ذلك الدجال جهلهما وغبائهما وطلب منهما ذهبًا من اللتان ترتديه كلتاهما بجانب المال الكثير اللتان غمرتاه به، ووعدهما بكذب وضلال بأن يجعل منه عبدًا طائعًا ذليلًا لتلك ليلي. مما جعل كلتا العقربتان تسعدا وتتحركا من جديد عائدين إلى داخل السرايا بمساعدة تلك العاملة مرة أخرى. ثم أمرتها فايقة بأخذ تلك المياه التي أعطاها الدجال لهما وطلبت منها بأن تقوم بنثرها أمام الغرفة التي يسكنها يزن ليخطوا بها ويأتي السحر بمفعوله بتلك الطريقة.

*** بعد مرور حوالي عشرة أيام.

صباحًا بمنزل زيدان، فاقت مبكرًا وتناولت وجبة فطارها بصحبة والديها، وتحركت سريعًا كعادتها لتذهب إلى المشفى لمتابعة عملها التي تعشقه. تحركت بأولي درجات الدرج وما شعرت بحالها إلا وساقيها تنزلق لترتمي على ظهرها للخلف وتزحف بظهرها على الدرج لتصل لنهايته مع صرخاتها العالية التي استمع لها كل من زيدان وورد التي خرجت سريعًا. وما أن رأت ابنتها متسطحة على ظهرها أسفل الدرج حتى لطمت خديها وصرخت باسمها عاليًا: "بتي!

كادت أن تهرول إليها لولا يد زيدان الذي جذبها بقوة وتحدث وهو ينظر إلى الدرج ويدقق النظر على تلك المادة اللامعة الموجودة عليه: "حاسبي يا ورد، السلم كأنه مدلوج عليه حاجة بتزحلق." وتحدث وهو يتمسك بالترابزين ويتدلى إلى ابنته بحرس وانتباه: "امسكي في الترابزين زين."

وصل إلى تلك المتألمة التي تضع يدها فوق أحشائها وتصرخ بشدة مما جعل جميع من في السرايا يخرج هلعًا بعدما استمعوا إلى صراخ صفا وورد من داخل غرفة الطعام وهو يتناولون وجبة إفطارهم. اتسعت عينا فايقة ولطمت خديها عندما لاحظت وجود دماء وكأنه نزيف خاص بالجنين. هتفت ورد متسائلة ابنتها: "حاسة بإيه يا بتي، في حاجة وجعاكي؟ صرخت صفا قائلة بألم مضني: "ضهري وبطني بتتقطعوا يا أما."

هَلع أصاب الجميع جراء منظر الدماء التي تسيل منها على الأرض. رسمية نجاة ومريم التي صرخت باسم ابنة عمها الغالية، وحتى فايقة التي خشيت خسارة نسل ولدها البكري. حملها زيدان بين ساعديه وضمه لصدره والخوف ينهش بداخله ويتأكله، وتحدث إليها مطمئنًا إياها: "متخافيش يا صفا، هتبقي بخير انتِ وولدك." وتحرك بها وهو يهتف إلى يزن بنبرة أمر: "افتحي لي باب العربية يا يزن وكلمي الدكتورة أمل تجهز حالها على ما نوصل عندها." وتحدث إلى فارس:

"دور العربية يا فارس واطلع بسرعة على المستشفى." أومأ له الشابان وتحركا بسرعة هائلة. استقل الجميع السيارات وتحركوا حتى عثمان ورسمية كلاهما لم يقو على الجلوس في المنزل والانتظار. تحركت سيارات العائلة سريعًا خارج البوابة الحديدية عدا تلك التي تقف داخل الفيراندا بالسرايا من بداية الأمر ولم يتحرك لها ساكن. نظرت لآخر سيارة خرجت من البوابة ثم ظهرت على محياها ابتسامة شامتة.

رفعت رأسها لأعلى شامخة وتنفست بانتشاء وسعادة ثم تحركت إلى الداخل ومنه إلى غرفة الطعام لتكمل إفطارها بشهية عالية تحت استغراب عاملات المنزل. في الطريق، أخرجت فايقة هاتفها وأخبرت قاسم بما جرى، مما جعله يترك ما بيده ويتجه إلى المطار بقلب يرتجف رعبًا على حبيبته فقط لا غير.

داخل المشفى، وصلت السيارة التي تقل صفا وتوقفت أمام درج المشفى، وتم نقلها سريعًا على الترولي من قبل طاقم التمريض والأطباء الذين كانوا بانتظارها بعد اتصال يزن. ودلفت إلى داخل غرفة أمل حيث جهاز السونار.

تابعت أمل الكشف عليها بصحبة صديقتها الطبيبة مي التي حضرت من القاهرة مصطحبة والدتها معها لمساعدة أمل في تجهيز ما يلزمها كعروس، وذلك بعدما قررت السيدة إيمان والدة مي بأن تأتي وتساند أمل وتساعدها بتجهيز عش زوجها السعيد، كي لا تشعر أمل باليتم رغم وجود والدتها على قيد الحياة. تحدثت مي الطبيبة الماهرة بتخصصها: "الحالة صعبة جداً يا أمل، ولازم تدخل العمليات فوراً وإلا هنفقد الجنين."

استمعت صفا المنهارة بدموعها المنسابة فوق خديها كشلال وارتعب جسدها بشدة وصاحت برجاء: "أرجوكِ يا أمل اتصرفي بسرعة." ثم وضعت كف يدها فوق أحشائها تتحسس وضع جنينها الذي يتحرك في الداخل بتشنج وهتفت بنبرة مرعبة: "مش عاوزة أخسر ولدي، ده هو الأمل اللي فاضل لي اللي لو راح هروح وراه." احتضنتها أمل على كتفها وتحدثت بنبرة مطمئنة: "إهدي من فضلك يا صفا، الانفعال والتوتر ده مش حلو لا ليكِ ولا لحالة الجنين." وتحركت إلى الخارج

لتخبر الجميع قائلة بأسى: "صفا حصل لها نزيف حاد نتيجة الوقعة، ولازم نولدها بعملية قيصرية حالاً." وأكملت بأسى: "بس علشان تكونوا معايا في الصورة لازم أبلغكم وأقول لكم إننا ممكن لاقدر الله نفقد حياة الطفل." صاحت فايقة بوجه أمل قائلة بنبرة حادة مستغلة الوضع: "فال الله ولا فالك يا غراب الشوم انتِ." نظرت لها أمل باستغراب. في حين صاح بها يزن مدافعًا عن زوجته المستقبلية قائلاً بنبرة صارمة: "مرت عمي."

كظمت غيظها منه وصمتت. في حين أكملت أمل باقي حديثها شارحة باستفاضة: "اسمعوني كويس من فضلكم، أنا أهم حاجة عندي هي حياة صفا وإني أقدر أخرجها سالمة من أوضة العمليات وبس. لو ربنا بيحبنا هيساعدني أنا ودكتور مي في إننا نقدر ننقذ حياة الطفل معاً." تفوّهت تلك المكلومة على ابنتها ووجهت سؤالها إلى أمل بنبرة ضعيفة مرتبكة وهي تسترجع الماضي الأليم داخل ذاكرتها وكأنه شريط سينمائي: "هي صفا ممكن تشيل الرحم؟ نظرت لها أمل

بأسى وتحدثت بنبرة حزينة: "للأسف يا طنط، أوقات كتير بيكون استئصال الرحم هو الحل الوحيد للسيطرة على وقف النزيف علشان ننقذ حياة الأم." وأكملت لطمأنتها: "بس إن شاء الله النزيف يقف وما نضطرش نلجأ للحل ده." وتبادلت النظر إلى الجميع وأردفت برجاء: "انتم بس ادعوا لها." ثم نظرت إلى زيدان وتحدثت:

"زيدان بيه، بما إن أستاذ قاسم مش موجود فأنا محتاجة موافقتك علشان أبدأ في العملية. لازم كمان تمضي لي على إقرار بموافقتك على دخول صفا لأوضة العمليات، وتحملك المسؤولية الكاملة على اللي هيحصل جوة." دبت ورد على صدرها في حين تحدث زيدان بجسد يرتجف: "هاتي لي الإقرار دي لجل ما أمضيه، وأدخلي لها بسرعة." وأكمل محفزًا إياها: "ربنا معاكِ ومعاها يا بتي." يتحدث يزن إليها بعيون مشجعة:

"أنا واثق فيكِ بعد ربنا يا أمل، ومتأكد إنك هتخرجي بصفا وبالواد كمان." أومأت له بجدية ودلفت إلى الداخل سريعًا لتشرعا هي وصديقتها بالبدء بإجراء العملية والخروج منها بأقل الخسائر الممكنة. نظرت ورد إلى جميع الحضور وباتت توزع عليهم نظراتها الكارهة وهتفت بنبرة حادة: "لساتكم مشبعتوش أذية فيا وفي جوزي جلتوا تكملوا على المسكينة بتي؟ انتبه لها الجميع فأكملت مفسرة:

"مكفكمش معايرة وشماتة فيا طول السنين اللي فاتت جايين دلوقتي تكملوا المشوار مع الغلبانة صفا! وأكملت صارخة: "مستكترين عليها يكون لها العزوة والسند اللي حرمتوها وحرمتوني منها ليه؟ ثم حولت بصرها إلى فايقة وبعيون تطلق شررًا أردفت قائلة بتوعد وهي تشير بيدها: "وكتاب الله لو بتي جرى لها حاجة هي ولا ولدها لاكون قتلاكي بإيديا دول، ومحد يعرف يخلصك مني غير وروحك خارجة على يدي ورايحة للي خالقها." جحظت عينا

فايقة وهتفت قائلة بذهول: "كنك اتخبلتي وفقدتي عقلك يا مرة، بتشكي فيي وبتتهميني إني عاوزة أقتل ولد ابني اللي بترجاه من سنين يا مخبولة انتِ! وأكملت صادقة: "ده أنا قاعدة بعد الليالي لجل ما أشيله على ايديا وأخده جوة حضني وأشم فيه ريح ولدي البكر." رمقها بنظرة غاضبة وهتفت باتهام: "مته كنتِ بتحبي حد وتاخديه جوة حضنك يا واكلة ناسك انتِ؟ ده انتِ معملتيهاش ويا عيالك اللي من لحمك ودمك، بتعمليها مع ولد صفا بت عدوتك؟

أجابتها فايقة بتهكم: "بيقولوا أعز من الولد ولد الولد يا أم صفا، مش كده بردك ولا إيه؟ جذبها زيدان وأدخلها لداخل أحضانه وتحدث وهو يرتب على ظهرها بحنان كي يهدئ من روعها: "إهدي يا ورد واصبري لما نطمن على صفا وولدها." ثم نظر بعينيه تقطر شرًا وتحدث: "وبعد كده أنا ليا تصرف تاني مع اللي دلج الزيت على السلالم." أردف عثمان متسائلاً باستفسار: "إنت متأكد إن فيه زيت مدلوج على السلم يا ولدي؟ تحدث يزن مؤكدًا لجده:

"الزيت موجود وأنا شفته بنفسي واتأكدت منه يا جدي، ومغرق السلالم من أولها لآخرها كمان." خرجت ورد من أحضان زوجها وتحدثت بتوعد ونبرة غاضبة: "الله الوكيل لأقدم فيكم بلاغ في المركز يا عيلة النعماني، وأخليهم يجرّوكم واحد واحد على المركز لجل ما يعرفوا مين اللي كاره بتي كده." وهنا لم تستطع الصمود وأنهارت باكية وهي تنظر إلى زيدان بقلب يرتجف رعبًا: "يشيلوا لها الرحم وتبقى كيف أمها يا زيدان." نظرت إلى رسمية وفايقة وأردفت بتساؤل:

"طب أنا كنتوا كارهيني لإنني مكنتش منكم، لكن هي ليه! دي لحمكم ودمكم يا ناس." نزلت دموع رسمية وشعرت بالخزي والعار من حالها، وسحبها زيدان من جديد إلى أحضانه وتحدث: "بتجري البلا قبل وقوعه ليه يا بت الناس." وأكمل برضا ويقين: "ارفعي يدك للسما وجولي يا رب، وإن شاء الله ربنا معيخذلنا." شبكت داخل أحضانه وهتفت مناجية ربها بأعلى صوت: "يارب، يارب تنجي لي بتي، ملناش غيرك نلجأ له يا حبيبي."

بعد مرور حوالي ساعة، دلف يهرول داخل رواق المشفى، وجد الجميع ما زال منتظرًا بقلوب مرتجفة مترقبة لما هو آت. تحرك فارس وتحدث: "حمد الله على السلامة يا قاسم." سأل شقيقه بترقب: "صفا خرجت ولا لسه؟ هز له رأسه نافيًا. نظر إلى الجميع ثم توجه بسؤال لقلب يتمزق ألمًا: "إيه اللي حصل لصفا، وجعت كيف؟ أغلقت ورد كتاب الله (القرآن الكريم) التي كانت تقرأ به كي يهدئ من روعها ويرزقها الطمأنينة. ثم نظرت إليه وتحدثت باتهام:

"اسأل أمك يا قاسم." قطب جبينه باستغراب وهو ينظر إليها ويتساءل مستفسرًا: "وأمي مالها بوجع مرتي يا مرة عمي؟ هتفت ورد بنبرة حادة: "لقينا السلالم بتاعة دارنا كلها متغرقة بالزيت، جولي انت مين بيعمل كده إن مكانتش أمك يا حضرة الأفوكاتو؟ حول بصره سريعًا إلى والدته التي هتفت قائلة بنبرة حادة: "الله يصبرني على جنانك ده يا مرة."

استشف قاسم من نظرات والدته ونبرة صوتها أن لا دخل لها فيما حدث، لكنه فهم أن الحادث بفعل فاعل، ولم يكن قاسم إن لم يتعرف عليه، وتوعد داخله بأن لن يتركه إلا وهو جثة هامدة. ولكن صبرًا، يطمئن أولًا على صغيرته ثم سيثأر لها. وجد ياسر يخرج من غرفة الفحص الخاصة به فهرول إليه وتحدث آمرًا: "عاوز أدخل أوضة العمليات عند الدكتورة صفا." أجابه ياسر بتفهم:

"أنا فاهم قلقك ومقدره، بس للأسف مش هينفع. ادعي لها، وبعدين هما إن شاء الله شوية كده وهيخرجوا." هتفت ورد بنبرة قلقة متسائلة: "بيعملوا إيه جوة لحد دلوقتي يا دكتور؟ أحلف على يدك تدخل لهم جوة وتطمني على بتي." تنهد بأسى وتحدث ليطمئنها:

"إهدي حضرتك واطمني، دكتورة أمل ودكتورة مي من أكفأ الدكاترة في تخصصهم. حضرتك دول كانوا متعينين في أكبر مستشفى استثماري في البلد، والمستشفى دي معروف عنها إنها مش بتعين أي حد غير لما تتأكد إنه برفكت في شغله ويستاهل بجد يكون موجود ضمن طاقم المستشفى." حالة من القلق أصابت الجميع وبدأت الجدة وورد ونجاة بالبكاء الشديد مما جعل الدماء تغلي داخل شرايين قاسم الذي صرخ بهم بعدما فاض به الكيل:

"بطلي عويل منك ليها، ادعوا لها بدل عويلكم." دبّالكاد أنهى جملته وفُتح باب غرفة العمليات وخرجت منه أمل. هرول الجميع إليها يتسائلون بنبرات مرعبة، فتحدثت سريعًا لتهدئ رعبهم الذي ظهر فوق ملامح وجوههم: "اطمنوا يا جماعة، صفا بخير والبيبي كمان زي الفل." واسترسلت بشرح مواف: "هي بس الرئة بتاعته غير مكتملة وهنضطر نحجزه في الحضانة لمدة أسبوع واحد وهيبقى زي الفل." سألتها ورد متلهفة: "والنزيف يا بتي، وجفتوه؟

أجابتها بابتسامة مطمئنة: "النزيف وقف بفضل الله ثم دعواتكم، وصدقوني هي زي الفل." سألتها رسمية بتأكيد لطمأنة قلبها على صغيرة ولدها الغالي: "والرحم يا بتي، طمنيني، صفا بتخلف تاني؟ أجابتهم بنبرة وابتسامة هادئة: "هتخلف تاني وتالت وعاشر لو حبت كمان يا تيتا." شعور بالفرحة عم المكان وطغى على الجميع بلا استثناء، وتعالت المباركات والتهنئة. عدا عاشق متيمته الذي سألها متلهفًا: "هي صفا مخرجتش من جوة ليه؟ أجابته بهدوء:

"أنا سبتها مع دكتورة مي بتفوقها وجيت علشان أبشركم." تحدث عثمان شاكرًا إياها: "الله يطمنك ويبشرك دائمًا بالخير يا بتي." ابتسمت له وشكرته. هتف قاسم قائلاً لها: "أنا عاوز أدخل لمرتي يا دكتورة." نظرت إليه وأومأت بموافقة بعدما لمحت رعبه وقلقه داخل عينيه. تحرك سريعًا إلى الداخل بصحبة أمل، لمحته مي التي كادت أن تعترض على دخوله لولا يد أمل التي أشارت إليها لتمنعها من الاعتراض.

اقترب عليها بساقان مرتجفتان من هول اللحظة، فقد كانت مسطحة على التخت الخاص بالعمليات ترتدي الثياب الخاص المعقمة، مغمضة العينان وغائبة عن الوعي تمامًا. انتبه إلى صوت جنينه الذي كان معلقًا من ساقيه بيد طبيبة الأطفال، حيث كانت توجه له ضربات خفيفة فوق ظهره كالمعتاد لإفاقته وإخراج صوته. ارتبك حينما رآه ورهبة اجتاحت كيانه، أصبح مشتت العقل والكيان بينهما، لكنه استعاد وعيه سريعًا وثبت بصره على وجه متيمة روحه.

في حين وضعت طبيبة الأطفال الصغير داخل الحضانة نظرًا لنقص نموه بسبب الولادة المبكرة، لكن حالته ككل جيدة، وتحركت به سريعًا إلى الخارج كي تضعه في الغرفة المخصصة للحضانات. اقترب منها وأمسك كف يدها يتلمسه باشتياق وحنين ولهفة وخوف. ضل ينظر إلى مي ويتابعها وهي تضرب بكف يدها فوق وجنتها لإفاقتها واستعادة وعيها.

استمع إلى همهمات تخرج منها بصوت ضعيف، وبدأت بتحريك أهدابها وفتح عينيها شيئًا فشيئًا. نظرت أمامها لتري رتوش لوجوه مشوشة حولها، استمعت إلى رنين لأصوات أيضًا مشوشة وكأنها داخل حلم. ابتسمت بخفة حينما وجدت وجهه يقترب منها ويميل عليها ويتحدث بكلمات غير مفهومة لذهنها وغير مسموعة لأذنيه. لحظة خُيل لها أن طيفه يزورها داخل منامها كعادته، نطقت بنبرة ضعيفة للغاية مع شبح ابتسامة لعاشقة متيمة: "حبيبي."

اشتدت سعادته وتحدث وهو يتلمس خدها الماسي بنعومة غير عابئ بمن حوله: "يا عيون حبيبك وقلبه من جوة." ابتسمت له بسعادة لاستماعها لكلماته المدللة وتأوهت بدلال. وأكمل هو بعيون ضاحكة وابتسامة جذابة رائعة: "حمد الله على سلامتك يا قلب حبيبك." همهمت من جديد وتحدثت غير واعية: "خدني جوة حضنك يا قاسم وضمّني قوي، عاوزة أشم ريحة جسدك لجل روحي ما ترد فيا."

تحمحم بخجل عندما رأى ابتسامات كل من في الغرفة على تلك العاشقة التي كشف حقنها ببنج التخدير عن مكنون مشاعرها الداخلية. تدخلت أمل التي بدأت بالخبط على وجنتها من جديد لإفاقتها وإخراجها من تلك الحالة المحرجة للجميع. هتف متلهفًا وهو يوجه حديثه إلى أمل: "بالراحة عليها." أجابته أمل بعملية: "لازم أخبط على خدها ومناخيرها جامد عشان تفوق وتخرج من تأثير البنج."

وبالفعل بدأت باستعادة وعيها وأول كلمة نطقت بها وهي تنظر إليه متلهفة خشية استماعها لخبر فقدانها لطفلها: "ابني يا قاسم، ابني فين؟ ضم يدها بين راحتيه بشدة كي يطمئن روعها وتحدث مطمئنًا إياها: "ابننا بخير يا حبيبتي، اطمنيه." هتفت بنبرة قلقة غير مصدقة إياه: "عاوزة أشوفه." ابتسم لها وتحدث بهدوء: "الدكاترة خدوه على الحضانة لأن الرئة بتاعته غير مكتملة، بس دكتورة أمل طمنتني وجالت لي إن وضعه مستقر (مستقر) الحمد لله."

بعد حوالي نصف ساعة، كانت تتسطح على التخت داخل الغرفة التي خصصت لها، تتأوه بعدما بدأ تأثير البنج في الزوال. يلتف حولها الجميع وهم يحمدون الله على سلامتها وجنينها. تحدث قاسم إلى جده بنبرة صارمة: "يلا بينا يا جدي علشان أوصلك للسرايا." علم زيدان من ملامح وجهه الصارمة أنه ذاهب لاكتشاف المتسبب فيما حدث لغاليته، وكاد أن يفقدها وجنينها معًا. فهتف قائلاً: "خدني وياك يا قاسم."

علم الجميع من معالم وجه قاسم السبب وراء ذهابه حتى تلك المتسطحة. انتفضت فايقة واقفة من جلستها كي تذهب معهم للاطلاع على الوضع ومعرفة من المتسبب فيما حدث. هي بالأساس باتت شبه متأكدة من الفاعل، ولهذا السبب ستذهب معهم. تحرك قاسم، عثمان، زيدان، قدري، يزن، فايقة. كاد فارس أن يتحرك معهم لكن قاسم طلب منه هو وحسن المكوث بجانب صفا والجميع كي لا يتركوا النساء بمفردهن.

وصل الجميع إلى حديقة السرايا وجمع قاسم جميع العاملات حتى صابحة عاملة ورد، وحتى الخفراء المسؤولين عن حماية السرايا. وقفت ليلي ومريم وفايقة المرتعبة داخل الفيراندا يشاهدن. هتف زيدان مدافعًا عن صابحة وحسن قائلاً: "اخرج خالتك حسن وصابحة برة الموضوع يا قاسم، دول أنا أضمنهم برقبتي." صاح قاسم بنبرة حادة: "مش هخرج حد قبل ما أعرف مين كارهني ورايد لي الأذية جوي كده، محدش خارج دايرة الاتهام يا عمي." صمت زيدان لتيقنه صحة حديثه.

ثم تحدث قاسم بفطنة وادعاء: "اللي دلجت الزيت للدكتورة صفا مجدمهاش حل غير إنها تعترف." وأكمل بنبرة زائفة وهو يشير بسبابته لأعلى شرفته كي يرعبهم ويحس ذلك المجرم أو المجرمة على الاعتراف: "شايفين كشاف النور الكبير اللي متعلق في بلكونة شجتي دي؟ رفع الجميع قاماتهم ينظرون عليه فأكمل قاسم بادعاء: "أنا زارع كاميرات مراقبة فيه وبتصور كل حاجة بتحصل في الجنينة." وأكمل ليدب الرعب داخل أوصال الفاعل:

"وأكيد الكاميرات صورت اللي عمل كده، بس قبل ما أطلع وأشوف اللي فيها، عاوز أدي فرصة للي عمل كده." استرسل بطمأنة: "لو اعترف بنفسه واتأسف هسامحه، لكن لو ما اعترفش دلوقتي وكابر، هطلع أشوف الكاميرات وهبلغ النيابة تيجي تاخده." وأكمل مهددًا: "والله الوكيل مع هخليه يشوف الشمس تاني بعينيه." بالفعل أتت خطته بجني ثمارها حيث ارتاعت تلك الفتاة المسماة بـ منيرة وهتفت بارتياب ونبرة مرعبة: "أنا عجول على كل حاجة يا بيه."

انتفض جسد ليلي ونظرت بتحذير إلى العاملة التي لم تهتم وهتفت بدموعها: "الست ليلي هي اللي جالت لي آخد جزازة الزيت وأغرق بيها السلالم قبل ما الدكتورة صفا تصحى." أغمضت فايقة عينيها باستسلام لاعنة غباء صغيرتها التي كتبت شهادة وفاتها بيدها بمنتهى الغباء. في حين أكملت منيرة بجسد ينتفض رعبًا:

"الله الوكيل ما كنت موافقة يا بيه، بس هي هددتني وعطتني خاتم دهب من حداها، وجالت لي لو عملت كده هيكون الخاتم بتاعي وعتدهولي، ولم مسمعتش حديتها هتجول للكل إني سرقته منها وتوديني القسم." جحظت عينا قاسم مما استمع إليه، أحقًا شقيقته هي من أرادت قتل صغيره قبل أن يخرج إلى الدنيا ويرى نورها! اقترب منها قدري وقام بصفعها على وجنتها بقوة مما جعلها تتهاوى بوقفتها وتحدث: "إنتِ اللي عملتي كده في مرة أخوكِ وولده يا واكلة ناسك!

ابتلع قاسم لعابه بتألم وغصة مرة وقفت بحلقه وتحدث بنبرة صارمة إلى حسن: "خدي البنات ودخليهم على المطبخ يا خالة حسن." وأكمل محذرًا: "اللي حصل هنا لو حد من النجوع خد خبر بيه، مع هرحم اللي جالت وحسابها عندي هيكون تقيل جوي متقدرش على تسديده." وأكمل وهو يجذب تلك العاملة من يدها ويسلمها للخفير قائلاً: "ارمِ البت دي في أوضة الخبيز لحد ما أفضي لها يا حسان."

أومأ له الخفير وأيضًا العاملات اللواتي أومأن بطاعة وارتياب. وبالفعل تحركن إلى الداخل والخفراء إلى خارج السرايا. حول قاسم بصره إلى ليلي وسألها بنبرة حزينة متعجبًا: "عملت فيكِ إيه عفش يا ليلي لجل ما تتأمري مع الخدم على مرتي! جالك قلب كيف يا بت أبوي تأذي ولدي اللي بستنى مجيته بفارغ الصبر لجل ما أخده جوة حضني. أذيتك في إيه أنا لجل ما تأذيني في حبيبتي وولدي؟ نظرت إليه بعيون تقطر حقدًا وصاحت بغضب فاقدة السيطرة على حالها:

"مكُنتش قصدك انتَ يا قاسم، أنا كنت عايزة انتقم من اللي دمرت لي حياتي وسرقت مني كل حاجة." وأكملت شاردة وكأنها تحدث حالها: "من صغرها وهي بتسرق كل اللي بتتمناه لحالي، حب جدها وجدتي والكل كليله." ثم نظرت إلى يزن وهتفت بكلمات أحرق بها قلب قاسم وأشعل به نار الغيرة: "ده حتى الراجل اللي بحبه من صغري وياما أتمنيته لحالي لما فضلها عليّ وعشقها هي كمان." أنزل يزن بصره أرضًا جراء خجله الذي أصابه. وأكملت هي

بحقد أظهر مدى سواد قلبها: "ولما اتجوزت حظها رماها في حضن الراجل اللي عاشت عمرها كله تحلم بيه وبحضنه." وأكملت وهي تنظر إلى قاسم بغضب: "لا والراجل ده يعشقها ويتمنى رضاها في نفس الوقت اللي جوزي يكرهني فيه ويهاجر فرشِتي." وأكملت بصباح وغل أظهر كم أنها شخصية مريضة غير سوية: "حتى العيل اللي ياما أتمنيته لجل ما أربط بيه جوزي وأحبه فيا وأغلي نفسي بيه عنده، خدته هي وفرحت بيه قلوب العيلة كلها وبقى الكل مستني جيته على نار."

ورمقت والدتها بنظرة حارقة وأردفت بلوم: "ده حتى أمي لما معملتش حساب لحرجة قلبي، وفرحت لما عرفت إنها حبلى في ولد." وصاحت معترفة عالياً بغضب وحقد: "أيوه أنا اللي عملت كده يا قاسم، ولو أطول أخنقها بإيديا هي وعيالها مهتأخرش." هتفت فايقة التي نهرتها ولكزتها بذراعها بقوة: "اِكتمي نفسك يا حزينة، ادبي نفسك إياك يا بت." انتفض داخلها وهزت رأسها بإيجاب، فرمقها هو بنظرة اشمئزاز وخرج صافقًا خلفه الباب بقوة.

تحرك قاسم إلى سيارته وقادها متوجهًا بها إلى المشفى حيث زوجته وولده. تلاه يزن الذي ذهب إلى أمل حيث كانت تتابع حالة صفا فطلب منها الذهاب معه ودلف بها داخل مكتبها وبدون مقدمات تحدث بنظرة ساكنة: "أنا طلقت ليلي." اتسعت عيناها بذهول وهتفت مستفسرة بنبرة مرتبكة غير مستوعبة: "بتتكلم جد يا يزن، فعلاً طلقتها؟ انتفض داخله بسعادة عندما رأى سعادتها التي لم تستطع تخبئتها تطل من داخل عينيها وأجابها:

"طلقتها بالتلاتة وبدون رجعة وبموافقة جدي كمان." ثم قص لها ما بدر منها مما جعلها تستاء وتُذهل من كم الأذى المتواجد داخل تلك ليلي. يتحدث إليها بنبرة ممتنة: "ربنا حقق لكِ شرطك يا غالية وكتب لكِ وأنا خالي، بس بعد ما بينتي لي إنك شرياني وباجية عليّ وإني أغلى عندكِ حتى من مبادئك." اقترب عليها ونظر داخل عينيها بعشق وأردف بنبرة حنون:

"عمري ما هنسى لكِ إنك اخترتي راحتي على راحتك يا أمل، ربنا يجدرني لجل ما أسعدك يا حبيبتي، ووعد عليا مع هخلي قلبك يعرف طريق للندم واصل." واسترسل متفاخرًا: "هحطك تاج على راسي وأتباهى بيكِ وسط الخلق يا أصيلة." كادت أن تبكي من شدة سعادتها وأردفت قائلة بنبرة حنون: "كفاية يا يزن أرجوك، أنا كده ممكن أعيط." أجابها بثقة وتأكيد:

"من النهارده معادش للبُكي مكان بيناتنا، كفاية علينا اللي عشناه في الهم والنكد، اللي جاي كله جلَع لينا يا حبيبتي." وأكمل وهو يبتلع لعابه تأثرًا باشتياقه لها: "أنا عجول لـ جدي نكتب الكتاب الأسبوع ده بدل ما نخليه لآخر الشهر مع الفرح." وأكمل وهو ينظر إلى كف يدها الموضوع جانباً: "نفسي أمسك يدك من غير ما أخاف من حساب ربنا، نفسي آخدك جوة حضني وأطمنك يا أمل." أجابته بعقلانية:

"إهدي واصبر يا باشمهندس، أصلاً كل اللي فاضل تلات أسابيع." نظر لعيناها وتنهد وأردف قائلاً: "الصبر ملّ مني يا دكتورة." ضحكت له بدلال أشعل روحه. في الخارج، ذهب ياسر إلى البوفيه كي يطلب من العامل قدحًا من القهوة ليضبط له حالته المزاجية. وجد دكتورة مي تقف هي الأخرى بانتظار قهوتها فتحدث إليها بإعجاب مهني: "مبروك يا دكتور مي على نجاح العملية." وأكمل بإشادة:

"حقيقي برافو، انتِ ودكتور أمل عملتوا معجزة النهارده وبدون أي خسائر، وقفتم النزيف وانقذتم الأم والطفل وحافظتم على الرحم." ابتسمت إليه بخجل وأجابته مرتبكة وذلك لشدة إعجابها به عندما رأته منذ ما يقارب من خمسة أشهر، داخل المؤتمر الذي ذهب إليه بصحبة صفا وأمل في ذلك اليوم المشؤوم بالنسبة لصفا. "متشكرة جدًا يا دكتور، دي شهادة غالية من حضرتك في حقي."

نظر لداخل عينيها ورأى عشق تلك الخجولة له. وبرغم عشقه الهائل للرقيقة مريم، إلا أنه قرر إعطاء حاله فرصة العيش والحب من جديد على تلك الجميلة تُنسيه مريم وعشقها المستحيل. استغل وجود والدة مي وقرر طلب مي للزواج منه وسيُنهي تعاقده مع صفا بعدما اطمأن عليها وتأكد من جدارتها لإدارة المشفى لحالها، وسيرحل من النجع بأكمله حاملًا معه ذكريات جميلة لم تُنتسى أبدًا، على أمل بداية جديدة مع مي. ***

داخل غرفة صفا، كان يجلس بمقعد جانبي بجوار زيدان بوجوه مهمومة. أما هي فكانت تلتف حولها نساء العائلة، ورد، رسمية، مريم ونجاة. علية وصباح التي همست بنبرة حزينة كي لا يصل صوتها إلى مسامع قاسم وزيدان، أو يستمع إليها أحد من عمال المشفى: "مصدقتش لحد دلوقتي اللي سمعته من زيدان، معقول ليلي يوصل بها الحد وتعمل كده، طب ليه؟ تنهدت صفا وتحدثت بنبرة ضعيفة لإنهاء الحديث في ذلك الموضوع وهي تنظر على وجه قاسم الحزين لأجل ما جرى:

"خلاص يا عمة الله يرضي عليكِ، الحمد لله على كل اللي حصل." تحدثت رسمية بنبرة تحمل الكثير من الهموم: "معرفاش البنت دي طالعة شاردة لمين! لوت علية فمها بتهكم وتحدثت ساخرة: "معرفاش صح يا أم." زفرت رسمية باستسلام وصمت الجميع. ليلاً.

أصيب زيدان بإرهاق شديد فاجبره قاسم على العودة إلى منزله كي يستريح، وظل هو بصحبتها وورد وعلية. دلفت أمل كي تعطيها جرعة الدواء فطلبت منها الاعتدال لتتناول بعضًا من الطعام كي لا يحدث لها هبوط في الدورة الدموية بسبب نقص الغذاء. تحرك هو وقام بسندها وجلوسها. كانت متعبة للغاية ضعيفة بجسد مستسلم لا تقوى حتى على صلب جسدها. تحرك وجلس خلفها واضعًا رأسها لتستند بها على صدره وتحدث بنبرة تقطر حنانًا:

"ريحي جسدك عليّ يا صفا، ويلا كُلي عشان تاخدي الدوا." أجابته بنبرة صوت غاية في الضعف بفضل العملية والوقوع أيضًا الذي أثر على ظهرها بقوة: "مقدرش آكل." بسط يده إلى عمته وتحدث إليها: "هاتي صحن الشوربة إهني وأنا هأكلها بيدي يا عمة." وقفت عمته وتناول هو الملعقة وبات يطعمها بيده تحت سعادة أمل وحزن ورد وعلية على ما أصاب ذاك الثنائي العاشق. شعرت بعودة الراحة والطمأنينة التي افتقدتها جراء الابتعاد عن أحضانه الحانية.

انتهت من تناول الطعام وأخذت أدويتها بالكامل ولم تطلب منه الابتعاد. في غضون بضع دقائق غفت على صدره وكأنها كانت تحتاج لاحتضانه وضمه لها كي تغفو بسلام. همست ورد وهي تحثه على تمددها قائلة: "نيمها على السرير يا ولدي وجوم انتَ ريح جسدك لصـ.ـدرك يتأذى." أجابها متنهدًا باستسلام: "ياريت كل الأذى يبقى كده يا مرة عمي." نظرت علية إلى ورد بحزن وصمت. *** بعد مرور أربعة أيام.

عادت صفا إلى منزل والدها مُرغمة، تاركة طفلها داخل الحضانة بصحبة قاسم الذي لم يتركه ولو ساعة واحدة ليرتاح بها، فقد وعد صفا بأنه لن يتركه بتاتًا ولهذا عادت هي إلى المنزل بدموعها بعد أن اطمأنت على صغيرها بوجود والده بجانبه. بعد ثلاثة أيام أخرى.

دلف قاسم بسيارته التي يقودها فارس، وتدلى منها حاملاً صغيره الذي اكتمل نموه بالكامل بفضل الله، وتحرك به إلى عثمان الجالس بالفيراندا وهو يحمله ويقربه منه. وضع قبلة فوق جبينه ودعا له بالصلاح والمباركة، وأمر الخفير بجلب الذبائح لذبحها وتوزيع لحومها صدقة على أهل النجع، فرحًا بشفاء حفيدته وصغيرها وخروجهما سالمين من تلك الحادثة. طلب من فارس ويزن الذهاب إلى المركز لشراء كل ما يلزم للتجهيز للاحتفال بقدوم الصغير.

كانت تجلس بصحبة نساء العائلة داخل غرفة بالأسفل بمنزل والدها، تبكي بدموعها كعادتها منذ أن تركت صغيرها وحيدًا وعادت بدونه. فاليوم كان من المفترض أن تحتفل بمرور أسبوع على مجيء صغيرها إلى الدنيا "ولكن" انظر ماذا حدث. اتسعت عيناها وانتفض قلبها من شدة سعادته حين رأته يدلف إليها بطلته البهية، حاملاً بين ساعديه صغيره الذي اكتمل نموه ورئته بالكامل بفضل الله سبحانه وتعالى الذي استجاب بعظمته لدعوات الجميع. هتفت بلهفة قائلة:

"مالك؟ ابتسم لها وتحرك إليها متحدثًا بدعابة: "مالك جاي لك بنفسه لجل ما يطمنك عليه ويُسكن حضنك." وأكمل وهو يضعه داخل أحضانها برعاية: "سمي الله وخدي ولدك يا صفا." لم تستوعب لما يدور من حولها وترى بعينيها. أحقًا استمع الله إلى رجائها ودعواتها وأعاد لها صغيرها معافيًا وبصحة تامة. يا إلهي كم أنت عظيم ورؤوف وقادر على كل شيء.

احتضنت صغيرها وباتت تنثره بالقبلات المتفرقة فوق كل ما تطاله شفتيها من جسده الرقيق. قامت عمتها صباح بإطلاق الزغاريد هي وورد وأيضًا صابحة العاملة التي جرت على المطبخ بعد تلقيها إشارة من ورد للتحضير إلى كل ما يلزم للاحتفال بسبوع المولود. في حين هتفت رسمية سريعًا: "طلعي صدرك ورضعي ولدك يا بتي، لجل ما يشبع ويملي بطنه وجسمه يحلو كده."

حزن داخله حينما نظرت إليه تلك العنيدة تطالبه عيناها بالخروج كي تقوم بعملية إرضاع صغيرها. تحامل على حاله وخرج. ليلاً. احتفل الجميع بمراسم السبوع الدارجة لدى الجميع وسط سعادة كل من في الدار عدا ليلي القانطة بغرفتها تبكي وتنتحب حظها العاثر وما آلت إليه. بعد الانتهاء طلب قاسم من جميع النساء تركه وصفا لحالهما بصحبة رضيعهما كي يتحدثا. جلس بجوارها فوق التخت وتحدث وهو ينظر إليها: "بكفياك عناد وبعد لحد كده يا أم مالك."

وأكمل برجاء ونبرة حنون: "وغلاوة ولدك لتيجي معايا لجل ما تنوري شجتك انتِ ومالك." ابتلعت سائل لعابها من شدة تأثرها بنبرة صوته الصادقة الحنون الراجية، فقد اقتربا كثيرًا فترة الأسبوع المنصرم حيث كان دائم التواجد معها ووصل الأمر به إلى أنه كان يطعمها بيده حينما كانت تمتنع عن الطعام لأجل حزنها على صغيرها، ولكن ليست هي التي تستسلم بسهولة وتتنازل عن كرامتها. تحدثت بجمود وملامح وجه حادة اصطنعتها بصعوبة بالغة:

"انتَ خابر شرطي زين، طلقها الأول." أردف قائلاً: "هنرجع تاني للعناد يا صفا، معايزز ولدي يتربى بعيد عن حضني يا بت الناس." وأكمل بنبرة جادة: "طب ارجعي شجتك ووعد عليا مهجربش منك واصل ولا عضايجك لحد ما المدة تخلص، ها إيه رأيك؟ نظرت إليه وتحدثت بعيون شبه راجية: "طلقها وأني أرجعك." "جولت لك مينفعش قبل ما تعدي السنة." جملة مستسلمة نطق بها هو. فاستشاطت داخله واستفزها تمسكه بتلك الزيجة الملعونة، فهتفت بعناد وكبرياء:

"وأنا كمان مينفعش أرجع قبل كده." انتفض واقفًا من جلسته وهتف بنبرة حادة: "لساتك مشبعتيش ذل وكسرة وإهانة فيا يا بت زيدان؟ وأكمل لائمًا حاله: "بس العيب مش عليكِ، أنا اللي أستاهل اللي يجري لي عشان رخصت حالي بزيادة وياكِ." وأكمل مهددًا: "اشبعي ببيت أبوكِ واجلِسي فيه لحد ما تستكفي، وأبقى راجل دلدول وأستاهل ضرب الجزمة لو شفتي خلجتي هنا تاني، ولا جبت لك سيرة المراوح."

قال كلماته وهرول خارجًا كالإعصار تحت قلب تلك المتألمة لأجله ولأجل حالها وصغيرهما. تريدهُ بل يتمزق داخلها من شدة الاشتياق له، تحتاجه وتحتاج لضم صدره لتشعر بروحها الغائبة عنها منذ الكثير. لكن تريد منه أن يحفظ لها كرامتها أولاً، تريد منه أن يشعرها بأهميتها لديه، بتفضيله لها على أية اعتبارات أخرى. ضمت صغيرها إليها وأجهشت ببكاء مرير يمزق داخلها. *** جاء يوم الزفاف المنتظر، فرحة يزن وأمل التي ستكتمل اليوم.

داخل منزل زيدان الذي أصر على جلب أمل لمنزله كي يتم خروجها من منزله لتُزف إلى عريسه. نزلت من فوق الدرج وهي ترتدي ثوب زفافها الراقي، تجاورها والدتها التي هاتفتها إيمان والدة مي وطلبت منه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...