وضع يده على رابطة عنقه وفكها بطريقة عنيفة تدل على مدى وصوله للمنتهى. وقف عند مدخل الباب والتفت بجسده ناظرًا إليها وتحدث بنبرة صارمة مشيرًا بكف يده إلى الغرفة المعدة للأطفال: "أوضتك اللي هناك، ودي أوضتي أنا." جحظت عيناها باتساع وتحدثت بذهول خشية إفشال خطتها للتقرب منه: "إيه أوضتي وأوضتك إيه يا قاسم؟ أرجوك تهدي ومتخليش اللي حصل ينسيك أنا أبقى إيه بالنسبة لك؟
اقتربت عليه وكادت أن تضع كف يدها فوق موضع قلبه، لكنه فاجأها برجوعه للخلف سريعًا كمن يتفادى لسعة عقرب سام. اتسعت عيناها وهتفت بصياح غاضب: "فوق يا قاسم، أنا إيناس، حبيبتك وحلم حياتك اللي حققته النهاردة بعد صبر سنين." أجابها بقوة ونبرة متألمة: "اللي أنا فيه النهاردة ده مش حلم، ده كابوس مزعج وطابق على نفسي لدرجة إني مش قادر آخد نفسي منه." وأكمل مشيرًا على حاله بتألم:
"دخلت فيه وأنا فاقد أهليتي وكياني وكينونتي، ولما فقت وأدركت حقيقتي المرة وحبيت أعدل المسار، كان خلاص الوقت فات، واضطريت أكمل فيه وأنا مجبر ومغصوب على أمري." كانت تستمع إليه بقلب صارخ مشتعل وتحدثت بصياح حاد: "خلي بالك يا قاسم، أنت كده بتهيني." تحدث إليها وهو يدلف إلى غرفته: "لو فعلاً عاوزة تصوني نفسك وتتفادي أي إهانة يبقى تتفضلي تدخلي أوضتك وتخليكي بعيد عني النهاردة."
ودلف للغرفة وأوصد بابها وتركها واقفة تنظر في طيفه بذهول وعدم تصديق لما وصلت إليه علاقتهما. *** كانت تجلس فوق مقعدها بشرفة غرفة نومها، تنظر للسماء بترقب، حيث كانت ليلة مختفي بها القمر كليًا مما جعل السماء معتمة خالية من أية نجوم. تنهدت وأغمضت عينيها بإرهاق. أخذت شهيقًا عاليًا وزفرة في محاولة منها لضبط أنفاسها وهدوء مشاعرها المبعثرة. التقطت هاتفها ونظرت لشاشته على أمل أن ترى مكالمة فائتة منه لم تستمع لرنينها. تنهدت
بأسى وتحدثت بنبرة محبطة: "وماذا بعد يا قاسمي؟ ألم يحن الأوان لعودتي من غربتي؟ إلى متى سيطول تلاعبك بمشاعري؟ إلى متى ستظل ترفعني معك عاليًا إلى عنان السماء وبعدها تجعلني أتهاوى وكأني أسقط من فوق أعالي الجبال؟
عند قاسم، دلف لغرفته وأمسك رابطة عنقه وألقى بها أرضًا ثم خلع عنه حلته وطرحها أرضًا بكل ما أوتي من قوة. دلف إلى المرحاض ونزع عنه ثيابه كاملة وتحرك إلى تحت صنبور الماء الفاترة واضعًا يداه على الحائط وأغمض عينيه متألمًا. تمنى لو أن فيه أن يصرخ بأعلى صوته ليعلن بتلك الصرخات عن احتجاجه على ما تفعله به الدنيا، وإجباره بهذا الشكل المهين لرجولته ولشخصه. ***
بعد الظهيرة، استيقظت إيناس بصعوبة بعد ليلة قضتها بدموعها وحقدها واستشاطة داخلها الذي أصابها جراء أفعال ذلك القاسم الذي تجبر عليها وأهانها بما يكفي. دلفت إلى المطبخ وقامت بتجهيز فطور لائق، ثم تحركت إلى غرفتها ووقفت أمام خزانة ثيابها وانتقيت ثوبًا للنوم، كاشفًا كل جسدها حيث كان مصنوعًا من قماش الشيفون الذي يكشف جميع جسدها بكل تفاصيله وثيابها الداخلية. نظرت لحالها بإعجاب واستحسان ورفعت قامتها لأعلى بكبرياء بدون حياء لهيئتها الفاضحة. نثرت عطرها الجاذب لأي رجل يشمه والذي جلبته والدتها لها خصيصًا لأجل الإيقاع بقاسم داخل براثنها. تحركت إلى غرفته ودقت بابها بخفة فلم تستمع صوتًا للسماح.
دلفت ووجدت الغرفة خالية. في تلك الأثناء خرج قاسم من خلف باب المرحاض، ظهر أمامها بهيئة رجولية خاطفة لأنفاس تلك اللعوب، حيث كان عاري الصدر ولا يرتدي سوى منشفة كبيرة يلفها على خصره. أما عن شعر رأسه فكان مبتلًا تتدلى منه قطرات الماء تنزل على صدره بطريقة جاذبة لأنوثتها. اتسعت عيناه غضبًا حين وجدها أمامه بتلك الملابس الفاضحة والتي يعلم المغزى من وراء ارتدائها، فتحدث بنبرة حادة قوية: "إنتِ مين اللي سمح لك تدخلي هنا؟
تحركت إليه بحركات بها دلال وأنوثة وتحدثت بغنج وهي تقترب عليه وتنظر على شعر صدره برغبة ظاهرة داخل عينيها: "ده سؤال بردوا تسألهولي يا حبيبي، واحدة وداخلة أوضة جوزها حبيبها." اقتربت عليه وكادت أن تلمس صدره، دفعها بقوة للأمام قائلًا بنبرة مهينة: "اخرجي برة ومشوفش خلقتك دي في أوضتي تاني." نظر لها باشمئزاز وتحدث بنبرة مهينة: "وإيه القرف اللي إنتِ عملاه في نفسك ده؟
إنتِ مش مكسوفة وإنتِ واقفة قدامي وبتعرضي نفسك عليا بالرخص ده؟ تمالكت من حالها وتحدثت بقوة واهية: "وهتكسف من إيه، إنتَ جوزي واللي أنا بعمله ده الدين نفسه هو اللي بيطالبني وبيأمرني بيه يا حضرة المحامي ياللي دارس الشرع والدين." أجابها بنبرة ساخرة: "طول عمرك وإنتِ بتاخدي من الدين اللي على مزاجك وتسيبي منه اللي هيقف ضد تحقيق رغباتك." وأكمل لإفاقتها:
"ولعلمك يا أستاذة يا بتاعة الشرع والقانون، جوازنا اللي بتتكلمي عنه ده شرعًا باطل، لأنه تم تحت ابتزاز مشاعري ورجولتي قدام كلام أبوكي، زائد إنه جواز مشروط بمدة زمنية معينة، يعني شرعًا أنا وأنتِ ارتكبنا معصية ولازم نكفر عنها." وأكمل محذرًا إياها: "وياريت لحد المدة دي ما تعدي ما تحاوليش تقربي مني لأن مهما عملتي أنا عمري ما هشوفك ست قدامي." واسترسل حديثه بنبرة مهينة:
"والوقت اطلعي برة ومش عاوز أشوف خلقتك دي في أوضتي تاني." كانت تستمع إليه ودموعها تنساب على وجنتيها وشعور مميت بالإهانة يجتاح داخلها، فقد كانت تنفذ ما أملته عليها والدتها وكلها ثقة بأن قاسم سيخر راكعًا تحت قدميها مثلما أبلغتها كوثر. لم يأتِ بمخيلتها رفضه المهين والصادم لها، حيث أنه لم ينظر حتى ولو نظرة على جسدها أثناء ما كان يحادثها، بل كان ينظر لوجهها بنظرات مقللة لشأنها حينما كان يسمعها كلماته المهينة لشخصها. صاحت
بنبرة حزينة ودموع منهمرة: "حرام عليك يا قاسم، كفاية بقى كفاية." اقترب عليها وهتف بنبرة حادة وملامح وجه صارمة: "هو فعلاً كفاية، اتفضلي اطلعي برة وحااااالًا." واتجه إلى الباب وفتحه وأكمل بصياح حاد وهو يشير إليها طاردًا إياها: "يلاااااااا." انتفض جسدها رعبًا من نبراته شديدة الغضب وأسرعت إلى الخارج وأغلق هو فور خروجها الباب بشدة هزت أرجاء الشقة بأكملها. وقفت أمام الغرفة ومسحت دموع التماسيح وتحدثت بنبرة حقودة:
"ماشي يا قاسم، إن ما خليتك تيجي لي راكع ما أبقاش أنا إيناس عبدالدايم." وتحركت بغضب إلى غرفتها لتتجهز لاستقبال أهلها حيث أبلغتها والدتها أن أهل والدها سيأتون بصحبتهم كي يطمئنوا عليها ويقدمون لها هدايا الزواج قبل أن يعودوا إلى الشرقية مرة أخرى. *** بعد غروب الشمس، ارتدى ثيابه الأنيقة وتحرك إلى المرأة. نثر جسده بعطره الرجولي وتحرك إلى الخارج. وجدها تجلس فوق مقعد داخل البهو منكمشة على حالها. وقفت سريعًا حين وجدته مهيئًا
للخروج وتساءلت باستفسار: "إنتَ خارج؟ أجابها باقتضاب: "مسافر سوهاج وهقعد هناك أسبوع." اتسعت عيناها بذهول وتحدثت بنبرة حادة معترضة: "يعني إيه مسافر سوهاج؟ إنتَ ناسي إني لسه عروسة ومكملتش يوم واحتمال في أي وقت يجي لنا ضيوف تبارك لنا؟ وأكملت متسائلة بصياح: "إنتَ عاوز تفضحني بين الناس يا قاسم؟ أجابها بمنتهى البرود وهو يعدل من ياقة قميصه متأهبًا للخروج: "ابقي اعتذري لهم واخلقي لهم أي حجة." ثم نظر لها وتحدث ساخرًا:
"وأظن إنك مش هتغلبي في حاجة بسيطة زي دي، يا ملكة الحجج والخطط والمؤامرات." وتحرك متجهًا إلى الباب تحت صياحها واعتراضها، خرج وصفق خلفه الباب غير مبالٍ بصرخاتها العالية.
استقل سيارة مستأجرة وذهب لأحد أفخم محلات الحلوى وأبتاع نوعًا فخمًا من الشيكولاتة لعلمه أنها المفضلة لديها حين أتى لها بها زيدان وكانت سعيدة جدًا وهي تتناولها بتلذذ، وأيضًا ابتاع لها خاتمًا من الألماس كي يكون أولى هداياه الخاصة لها. وتحرك إلى المطار عائدًا إلى ملاذه التي اكتشفها "ولكن" للأسف بعد فوات الأوان!
وصل إلى النجع ليلاً ودلف إلى المنزل دون أن يراه أحد سوى حسن العاملة التي استقبلته بحفاوة. صعد لمسكنه ودلف بمفتاحه وجد سكونًا تامًا. تحرك إلى المنضدة ووضع عليها الأكياس التي يحملها. وتحرك إلى الغرفة وفتحها بهدوء ظنًا منه أنها غافية بنومها. قبل قليل، كانت تخرج من المرحاض مرتدية مأزر الحمام (البرنس)
الذي بالكاد يصل لفوق ركبتيها وفتحة صدره المفتوحة بإهمال، تضع منشفة حول شعرها لتسريع عملية تجفيفه. تحركت ووقفت أمام مرآتها وسحبت المنشفة وبدأت بتمشيط شعرها المبتل والذي بدأت تنساب منه بعض قطرات الماء على عنقها ومقدمة نهديها في مظهر ملفت للنظر. وفي لحظة تخشبت حين فُتح باب الغرفة ووجدته يدلف أمامها. اتسعت عيناها وابتلعت لُعابها حين رأت انعكاس صورته أمامها بالمرآة، نظرات زائغة متشوقة متلهفة دارت بينهم.
تخشب بوقفته حين رآها بتلك الحالة المهلكة لقلبه العاشق. نظر لإنعكاسها في المرآة والتقطت العيون وتحدثت بلغة العاشقين. حدثته عيونه بلهفة: "اشتقتك فاتنتي، لم أحتمل البُعاد كما خُيل لي فعُدتُ مُنساقًا لنداءات قلبي الصارخة، فهل لي اليوم من ضمتك نصيب؟ أجابته عيناها: "أرجوك لا تفعلها مجددًا وترفعني بسموات عشقك السبع ثم تطرح بآمالي أرضًا." فاق من حديث عيناه وتحمحم لينظف حنجرته كي يستطيع إخراج صوته الذي احُتجز جراء ما رأى.
وأردف قائلًا بنبرة حنون لعينين هائمتين عشقًا: "كيفك يا صفا؟ ابتلعت لُعابها وتحدثت بصعوبة بالغة بشفتين مرتعشتين: "الحمد لله، حمد الله على السلامة." ابتلع لُعابه من شدة اشتياقه وأجابها: "الله يسلمك."
خجلت عندما وعَت على ما ترتديه فتركت فرشاة شعرها سريعًا وبدأت بغلق مأزرها جيدًا وإحكامه على نهديها. وتحركت سريعًا نحو خزانة ملابسها وانتقيت منامة وكادت أن تغلق الخزانة لكنها توقفت عند ما شعرت بأنفاسه الساخنة تلفح خلف عنقها بحرارة اقشعر لها جسدها. ثم لف ذراعيه حول خصرها ملتصقًا بجسدها من الخلف وتحدث هامسًا بجانب أذنها: "لحد ميتى هنفضل نهربوا من بعض كده؟ انتفض جسدها ووقع ثوبها من بين يديها وتحدثت
بنبرة مرتجفة لجسد منتفض: "ابعد يا قاسم." "مجاديرش يا جلب قاسم"، جملة قالها بهمس عابث فاهتز لها جسدها وانتفض. وعت على حالها وتحدثت من جديد بنبرة أقوى حين تذكرته وهو ينطق لها جملته تلك بذاتها ولكن بمعنى مختلف كليًا: "مجاديرش دي قولتها لي من أكتر من شهر فات، فاكر يا قاسم؟ أجابها بهمس زلزل كيانها: "كنت غبي يا صفا، مكنتش عارف قيمة الألماظة اللي ربنا حاططها في طريقي لجل ما يكافئني بيها ويفتح عيوني ويرد لي بصيرتي."
ثم شدد أكثر من ضمّتها ودفن أنفه داخل عنقها وبدأ يستنشق بعمق وتلذذ عبق جسدها الذي يشبه نسائم تفتح زهور ثمرة البرتقال. أردفت متسائلة بقوة وهي تنظر لانعكاس عينيه: "عندي سؤال ولازم تجاوبني عليه بصراحة يا قاسم." رفع بصره إليها وضيق بين حاجبيه ينتظر سؤالها فتساءلت هي بغيرة شديدة:
"لما جيت لي من شهر وجولت لي إنك مجاديرش تتمم جوازك مني، كنت تقصد إيه لما جولت لي إن مش إنتَ الراجل اللي تجبل إن غيرك يختار لك المرة اللي هتنام في حضنك؟ قطب جبينه بعدم استيعاب لحديثها فأكملت وهي تبتلع لُعابها برعب خشية من صدق حدسها: "إنت فيه واحدة في حياتك يا قاسم، عشجان يعني؟ وأكملت بتوتر وقلب يتمزق: "ما أنتَ مهتيجيش تجول لي الحديث دي من الباب للطاق أكده من غير ما تكون راسم لحياتك بعدي."
شعر بغصة مرة غزت قلبه وشطرته لنصفين من تساؤل عينيها المؤلم ونبراتها المرعبة. بماذا سيخبرها؟ هل سيخبرها أنه أغبى إنسان عرفته البشرية منذ بداية الخليقة؟ هل سيخبرها أنه بعناده وتمردة الأعمى ورط حاله في زيجة لو اكتشف أمرها سيخسر معشوقة عينيها التي اكتشفها عن جديد؟ لا والله لن يفعلها ويخسر ذاك الملاك بعد أن عثر على استكانت روحه داخل أحضانها الحانية.
نظر بمقلتي تلك التي تنتظر إجابته كمن يقف خلف القضبان وينتظر حكم القاضي عليه. قرب شفتيه الملتهبة بنار الاشتياق من وجنتها الساخنة جراء خجلها واشتياقها، ووضع قبلة ساخنة فوقها زلزلت جسدها وجعلته ينتفض ويثور عليها، ثم نظر لها وتحدث بكل مصداقية: "وغلاوة صفا العالية، عمري ما دُقت للعشق طعم غير على يدك ولا اتمنيت حضن غير حضنك."
ثم أغمض عينيه متهربًا، دفن أنفه من جديد داخل تجويف عنقها وبات يستنشقه بارتياح. تأوه بصياح وتلذذ أذاب جسدها، شعر بجسدها يستكين بين يديه ويلين، بهدوء لفها إليه ونظر لداخل مقلتيها والتقطت العيون من جديد، توسل إليها بعينيه بأن ترحمه من لوعة الاشتياق وما كان من قلبها الملعون العاشق سوى الاستسلام التام.
مال بجذعه على شفتيها وبدأ بتقبيلها بهدوء سرعان ما تحول لجنون واشتياق جارِف، شعر باستجابتها معه رغم عدم خبرتها ولكنها انساقَت معه بشعورها البريء. ابتعد عنها ليعطي لرئتيهما المجال للتنفس، نظر لها بلهث ولهفة وجد صدرها يهبط ويعلو بشدة، وجد وجنتيها تلونت باللون الوردي من أثر عشقها ومزيج السعادة والخجل معًا.
أمسك طرفي مأزرها وفك وثاقه وبلحظة تخشبت حين وجدت مأزرها ملقى أرضًا بإهمال. لم يعطها المجال للخجل ورفعها بين أحضانه وضمها حتى أصبحت ساقيها معلقتين بالهواء. احتضنها مشددًا كمن يحتضن صغيرته التي يخاف عليها. تحرك بها حتى وصل لسريره ووضعها فوقه بخفة ورقة، وخلع عنه ثيابه متلهفًا وغاصا معًا بعالمهما الخاص، عالمًا جديدًا عليها وعليه ليتعلما معًا لغة جديدة، لغة تناغم الأجساد بين العشاق.
بعد مرور وقت لم يكن معلومًا لكليهما وذلك لشدة اندماجهما وتناسيهما لمن حولهما، كان ممدد الساقين يجلسها فوق ساقيه ويحتضنها بشدة كمن وجد أخيرًا ضالته بعد عناء وشقاء دام لسنوات. كان مغمض العينين يغمس أنفه داخل خصلات شعرها ليشتم عبيره. أما هي فكانت مستكينة داخل أحضانه مسترخية بين ذراعيه كقطعة الشيكولاتة الذائبة داخل فنجان القهوة الساخنة. تحدث وما زال مغمض العينين: "حبيبتي." "أم... " كانت تلك هي همهمتها الساحرة.
رد عليها وتحدث: "أني هيمان ومحاسيش بروحي ولا بجسمي، هيمان وفرحان لدرجة إني خايف أفتح عيوني ليطلع إحساسي ده مجرد سراب وملقكيش جوه حضني بجد." اتسعت عيناها ذهولًا حين استمعت لحديثه العاشق. أحقًا يقصدها بذاك الحديث المعسول؟ شعر بها وبصعوبة فتح عينيه من تأثير حالة النشوة التي امتلكته، وأبعد وجهها عنه ثم حاوطه بكفيه. نظر لداخل عينيها بهيام ثم مال على جانب شفتيها ووضع قبلة رقيقة حنون وابتعد من جديد ينظر لمقلتيها قائلًا:
"مبسوطة يا صفا؟ أنزلت بصرها سريعًا وتوردت وجنتيها خجلًا وبلحظة حزن داخله حين تذكر تلك المتبجحة وهي تطلب تقربه منها بمنتهى التبجح. شعر بمرارة على من أوهم حاله عمرًا بعشقها الواهي الكاذب، ولكن بعد ماذا يا قاسم! لما لم تفق مبكرًا أيها الأحمق عدو حالك. لو أنك فقت مبكرًا لكفيت حالك وكفيت تلك العالية شر ما صنعت يا فتى.
نفض من رأسه تلك الأفكار المؤرقة لقلبه، والتقط من فوق الكومود تلك العلبة الصغيرة وفتحها وأخرج منها خاتمًا رائع الصنع. أمسك إصبع يدها وألبسها إياه تحت ذهول تلك التي أشرفت على توقف قلبها من شدة سعادته التي تخطت عنان السماء. أيعقل أن يتحقق كل ما تمنته طيلة أعوامها المنصرمة بأكملها في ليلة واحدة!
صوب نظره داخل مقلتيها ثم رفع إصبعها إلى فمه وامتصه بين شفتيه بمنتهى الإثارة لتلك التي تفتح فاهها وتنظر إليه ببلاهة وعيون متسعة غير مستوعبة ما يحدث معها. نظرت إلى الخاتم بانبهار وسعادة لم تحظ بمثلها طيلة حياتها. لم تعِ على حالها إلا وهي ترمي بحالها لداخل أحضانه وتلف ذراعيها حول عنقه بسعادة بالغة وتحدثت بنبرة تهيم عشقًا: "بحبك يا قاسم، بحبك." شعر بروحه تتراقص على أنغام كلمات غزلها له واعترافها الصريح بعشقه.
شدد من ضمتها وتحدث: "وأني عاشقك وعاشق روحك يا نبض جلب قاسم." ظل متشابكي الأحضان ويشددان من ضمتهما لبعض. على مضض أبعدها من أحضانه ونظر بعينيها وتحدث مبتسمًا بنبرة حماسية: "محضر لك مفاجأة! نظرت لداخل عينيه متلهفة باقي حديثه فأكمل هو: "حجزت لنا أسبوع في فندق في شرم الشيخ." وأكمل بغمزة وقحة من عينيه: "لجل ما نقضي فيه شهر عسلنا الجديد يا عروسة." ابتسمت بسعادة ونظرت إليه بعيون عاشقة فتحدث هو:
"يا بووووووي، كيف كنت غافل أني عن بحر عيونك الغريق دي يا صفا. عيونك بحر غويط ملوش آخر توهت جوات أمواجه العالية يا صبية." وأكمل بغيرة: "من النهاردة ما عايزكيش تبصي لحد غيري، فاهمة يا صفا؟ عيونك بتاعة قاسم وبس، كلك ملك قاسم يا جلب قاسم." كانت تستمع إليه بذهول غير مستوعبة ما يحدث حولها. أحقًا هذا قاسمها! رجلها التي طالما حلمت به وبضمته تلك؟ كلماته وغزله ذاك؟ عيناه ونظرات العشق الهائمة تلك! أحقًا شعر بها وبغرامها المنسي؟
وبدون مقدمات انسابت دموعها ونزلت تجري فوق وجنتيها الحمراويتين. انتفض قلبه واتسعت عيناه رعبًا وهتف متسائلًا بلهفة: "طب ليه البُكا عاد يا عيون قاسم؟ زعلتك في إيه أني يا نبض قلبي؟ أردفت من بين شهقاتها: "ممصدقاش إني بسمع منك الحديث دي يا قاسم، كنت فاكرة إن عمري هينتهي قبل ما أسمع منك كلمة حلوة." نظر لها بعيون حزينة متألمة وأردف واعدًا إياها: "هعوضك يا صفا، وغلاوة صفا لعوضك وأعوض حالي عن سنين العجاف اللي عيشناها."
وضمها لصدره بشدة كأنه يخاف من فقدانها. بعد مرور وقت طويل وهما ما زالا على وضعهما، تحدثت هي من بين أحضانه: "هروح أجهز لك العشاء." أجابها مبتسمًا بنبرة هائمة وهو يشدد من ضمتها ليمنعها الرحيل: "ما عايزوش أكل أنا، ما عايز من الدنيا غير حضنك وبس." شعرت بسعادة الدنيا داخل قلبها الذي طال انتظاره للوصول لهذه اللحظة العظيمة، وتحدثت بإصرار: "إنتَ جاي من سفر ولازم تاكل." أجابها بحديث وقح ذي معنى:
"ومين قال لك إني مكلتش، أومال أنا كنت بعمل إيه من شوية." وضمها أكثر مشددًا وهو يتنفس بعمق وتحدث: "ما عايز أخرجك من حضني تاني يا جلب جوزك، كفاية اللي فات من عمري وأني غافل عن سعادتي وراحة قلبي اللي تعبته كتير وياي." ابتسمت له بسعادة، ولكنها تمللت من بين أحضانه وتحدثت بإصرار: "هروح أجهز عشا ونأكل وبعدها أنا اللي مهخرجكش من حضني يا جلب صفا." أبعد وجهها عنه وتحدث بعيون متوسلة: "وعد يا صفا؟
"اوعديني إنك ما تبعدنيش عن حضنك مهما حصل، لو في يوم زعلتي مني خلينا نقعد ونتفاهم ونحل مشاكلنا لحالنا من غير ما ندخلوا حد يكبرها لنا، اوعديني تسمعيني الأول وتفهميني وتحكمي عقلك الكبير يا صفا." وأكمل بعيون صارخة من الألم: "ساعات بننجبر على حاجات مكنتش حابين إنها تحصل، بس غصبن عنا بنرضخ ونكمل في طريق ما رضيناهوش." وأكمل متوسلًا: "اوعديني يا صفا." ابتسمت له وأومأت بقلب صافٍ غير واعٍ لما يدبر له من خلف ظهرها،
وأردفت قائلة: "وعد مني هكون لك كيف ما بتتمنى وأكتر يا حبيبي." شعر بغصة داخل قلبه ومرارة تملأ حلقه. شعر بمدى حقارته، لقد سقط في بئر سبع وانتهى الأمر، لكنه سيعافر محاولًا الخروج منه لأجل أن يحيا مع تلك الصافية الذي غفل عنها عقله المتمرد.
بعد مدة كان يجلسها فوق ساقيه من جديد ولكن بتلك المرة وهو جالس فوق مقعده حول تلك المنضدة المتواجدة داخل المطبخ. غرس الشوكة في طبقه ومد يده إلى فمها ليطعمها. كانت خجلة للغاية جراء جلوسها فوق ساقيه ولولا إصراره على عدم تناول الطعام إلا هكذا ما كانت فعلتها لشدة خجلها. فتحت فمها وتناولت من يده وبدأت بالمضغ تحت خجلها وسعادة ذاك العاشق المستجد. تحدثت بنبرة خجلة: "كفاية يا قاسم، عمال تأكلني وإنتَ مأكلتش أي حاجة."
أجابها بنبرة عاشقة: "بشبع أما بشوفك بتاكلي يا جلبي." ابتسمت له ثم تحدثت بتذكر: "قاسم، إنتَ جولت لجدك على سفرنا؟ "وجدي ماله ومال سفرنا يا صفا! " جملة تساءل بها مستغربًا. أجابته بارتياب: "مش ممكن يعترض؟ استشاط داخله وتحدث بنبرة حادة: "يعترض على إيه؟ وأكمل بنبرة حادة صارمة:
"اسمعي يا صفا، إحنا يمكن اتجوزنا مجبورين منه، بس بعد أكده ما عايزكيش تعملي حساب لحد واصل، حياتنا إحنا اللي هنمشيها على كيفنا ونرتبها حسب اللي يريحنا، كفاية عليه أوامر لحد أكده." قال كلماته تلك ولم يدري ما فعله بتلك المسكينة. شعرت بحزن عميق يتملك من قلبها البريء. وقفت معتذرة بعيون منكسرة وملامح وجه حزينة وتحركت لخارج المطبخ متجهة إلى غرفة نومها.
زفر بحدة ولعن غباءه وتحرك خلفها على الفور. دلف وجدها تجلس فوق سريرها منكمشة على حالها تحجز دموعها بشدة. تحرك إليها وجلس بجانبها وقام بسحبها لداخل أحضانه التي وما إن سكنتها حتى استكانت روحها وارتعش جسدها بانتفاضة معلنة عن استسلامها لدموعها التي انهمرت بغزارة. وضع كف يده فوق وجنتيها وتحسسها بحنان وأردف قائلًا بتفسير لموقفه: "والله ما أقصد اللي جه في بالك يا حبيبي، صح جدك غصبنا على الجواز."
وأبعدها عن أحضانه لينظر داخل مقلتيها الفيروزيتين وأكمل بعيون مسحورة: "بس أحلى غصبانية عملها في حياته، تعرف." نظرت له تنظر باقي كلماته فأكمل مسترسلًا بنبرة عاشقة: "لولا كبريائي اللي مانعني كنت رحت له ووطيت على رجله وبوستها لجل ما أشكرة على الهدية الغالية اللي لو عشت عمري كله أشكر ربنا عليها مش كفاية."
اتسعت عيناها بذهول وانفرج فمها بطريقة أذابت قلبه، وما كان منه إلا أنه نزل على شفتيها وبدأ بتقبيلها بطريقة رقيقة أذابتها وأندمجت معه لأبعد الحدود. فصل قبلتيهما وتحدث بهدوء: "صفا، مش عايزك تبقي حساسة أكده بخصوص الطريقة اللي اتجوزنا بيها، إيا كانت الطريقة فيكفي إنها قربتنا من بعض وعرفتني حقيقة مشاعري ليكي." أومأت له بطاعة وتحدث هو: "قومي نجهز شنطنا عشان هنسافر بكرة الصبح." تحدثت إليه بنبرة خجلة:
"بس أنا لازم أتصل بأبويا وأستأذن منه الأول." قهقه عاليًا وتحدث إليها: "أبوكي ده كان زمان يا صفا، دلوقتي زمام أمورك في يد جوزك حبيبك." تحدثت بنبرة حنون: "ربنا يخليك ليا يا حبيبي، بس أنا مجدرش أعمل حاجة من غير أبويا ما يعرف."
ابتسم لها بتفهم لحديثها وعذر تعلقها الزائد بوالدها، وأخذها داخل أحضانه وضمه بشدة، بادلتة ضَمته بسعادة ثم قاما بتوضيب حقائبهما وبعد مدة كانت تغفو فوق ذراعه وداخل أحضانه بنعيم. أما هو فكان يسند رأسها فوق ذراعه ويكبلها بساعديه ضاممًا جسدها ولاصقًا إياه بجسده العاري بشدة، نام براحة وهدوء نفسي لم يشعر به منذ أن تركها وذهب إلى القاهرة وحدث ما حدث.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!