الفصل 22 | من 48 فصل

رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم روز امين

المشاهدات
27
كلمة
5,295
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 46%
حجم الخط: 18

في تمام الثامنة صباحًا من يوم الخميس، فاقت من نومها على صوت المنبه المزعج. أوقفته بضغطة من يدها، ثم سحبت جسدها لأعلى بتكاسل وأرجعت ظهرها للخلف مستندة على خلفية السرير. تنفست بهدوء ثم مسحت على وجهها بكفيها بإرهاق، وذلك لعدم أخذها القسط الكافي من النوم. تنهدت بأسى حين تذكرت لحظة رحيل حبيبها، حتى قبل أن يدلف معها إلى مسكنهما ولو لدقائق.

كانت تتأمل المبيت في حضرته، حتى وإن لم تحظَ بالغفو بداخل أحضانه، فكان سيكفيها أنها بجواره تستنشق رائحة جسده العطرة التي باتت تحفظها عن ظهر قلب. يا له من شعور مميت مخزٍ أن يتركها وحيدة ويرحل بعدما أخبرتها عيناه ومنتها بالكثير والكثير من الوعود التي جعلت من روحها سارحة في فضاء العاشقين. كم كانت لحظة مؤلمة عندما ترك يدها ورحل دون وداع. كم شعرت بتألم روحه وصرخة عيناه حينما كان مُرغمًا على الرحيل.

نفضت رأسها من تلك الأفكار المؤرقة لعقلها، ثم تحاملت على حالها وتحركت إلى المرحاض. توضأت وخرجت لتأدية صلاة الضحى. انتهت وجلست على سجادة الصلاة وباتت تناجي ربها وتحدثه بدموع قائلة بنبرة توسلية: "إلهي، لقد هرم قلبي وشاب جراء الابتعاد. لقد استنزفت طاقتي ولم تعد لدي قدرة الاحتمال. أناجيك إلهي أن ترحم ضعفي وقلة حيلتي، فقد خارت قوتي وأشعر أنني أتجه نحو الهلاك."

تحاملت ولملمت حالها واتجهت إلى المرحاض من جديد. غسلت وجهها بالماء الفاتر، وهاتفت مريم كي تتجهز لتذهب معها إلى المستشفى لاستلام وظيفتها. ثم اتجهت لخزانة ملابسها وأرتدت ثيابها العملية وتحركت متجهة إلى الأسفل. وجدت الجميع يلتفون حول طاولة الطعام يتناولون فطورهم بشهية. تحدثت إلى الجميع بوجه بشوش متحاملة على حالها لإظهاره: "صباح الخير." رد الجميع الصباح وتحدثت الجدة: "تعالي افطري يا دكتورة." أجابتها بنبرة هادئة لصوت مجهد:

"مجراش يا جدة، مليش نفس." تحدثت نجاة بنبرة حنون: "كيف ملكيش نفس يا بتي، انتِ لازمن تاكلي لجل ما تصلبي طولك وإنتِ عم تشتغلي." وتحدث يزن وهو يشير إليها باهتمام: "اجدي كلي لك لجمتين واشربي كباية حليب يا صفا، متطلعيش من البيت إكدة." استشاط داخل ليلي من اهتمام يزن الزائد بعدوتها اللدود، وعلى الفور رمقتها بنظرات حاقدة وتحدثت إليها بنبرة جامدة: "وانتِ بجا جايلة لجوزك إنك خارچة، ولا ماشية على كيفك وجوزك أخر من يعلم؟

نظر الجد إلى صفا يترقب ردة فعلها، حين رمقتها هي بنظرة واثقة وتحدثت بقوة: "مش بت زيدان النعماني اللي تتخطى الأصول وتخرج من غير علم جوزها." وأكملت لتضع لها حدودًا كي لا تتخطاها فيما بعد: "وتاني مرة لما تاچي تتكلمي وياي يا ريت تبقي تنجي ألفاظك وتنتقيها، عشان أني ما بمشيش على كيفي يا ليلي. أني دكتورة ومن الطبيعي إن كل يوم هخرچ وهروح على شغلي." وأكملت بنبرة صارمة:

"يعني مش كل يوم هلاجيكي واقفه لي وتسمعيني كلامك الماسخ اللي ملوش عازة ده." نظر لها الجد باستحسان، في حين قهقه حسن وفارس عاليًا وتحدث فارس إلى شقيقته بنبرة ساخرة: "عتجيبي الحديت لحالك ليه يا بت أبوي، فاكرة حالك جوية ونافشة ريشك على الكل." ونظر إلى صفا وتحدث بضحكة ساخرة: "أهي جت لك اللي عتطلع الجديم والجديد على جتتك." وأكمل بنبرة ساخرة مشيرًا بيداه بطريقة أضحكت الجميع:

"من أول مواجهة جصفت جبهتك بمدفعية هاون جابتها لك الأرض." استشاط داخل ليلي وأكثر ما أشعلها ضحكات الجميع الساخرة منها ونظرات يزن الساخطة والحزينة على حالها بذات الوقت. بسط الجد يده مادًا إياها في اتجاه صفا ممسكًا بكوب من الحليب وتحدث باهتمام: "اشربي دي من يدي يا دكتورة." نظرت إلى جدها بحب واقتربت عليه ومالت على يده الممسكة كوب الحليب ووضعت عليها قبلة احترام ثم تناولتها منه وأردفت قائلة بنبرة شاكرة: "تسلم يدك يا حبيبي."

وبدأت بارتشافها. تدلت مريم الدرج وكانت غاية في الرقة والشياكة مما لفت انتباه فارس الذي نظر لها مطولًا بعيون متفحصة. فهي في الفترات الأخيرة غابت متعمدة عن مرمى عيناه كي تتجنب رؤياه التي باتت تشعرها بدونيتها وعدم أهمية وجودها بالحياة، فقد أوصلتها تصرفاته وتلاشيه لوجودها إلى فقدانها للثقة بنفسها. تحدثت بنبرة مرتبكة إلى صفا: "أني جاهزة يا صفا." نظرت لها صفا وتحدثت باستحسان ودعابة:

"إيه الجمال ده كلياته يا أستاذة مريم، على فكرة انتِ رايحة تتوظفي في مستشفى، مريحاش مسابقة ملكة جمال انتِ." ضحكت لها في حين تحدث الجد بنبرة حنون كي يبث الثقة داخل روح حفيدته الرقيقة: "مبارك عليكي التعيين يا مريم." أجابته بسعادة بالغة وذلك بفضل اهتمامه بها: "يبارك في عمرك يا جدي." وتحدث منتصر وهو يتبادل النظر بينها وصفا: "خلي بالك من نفسك يا بتي ولو عزتي أيتها حاجة أختك وياكي هناك."

ابتسمت له صفا وسعدت بوصف عمها لها بشقيقة ابنته وتحدثت لطمأنته بنبرة حنون: "متجلجش يا عمي، مريم في عنياتي." تحدث يزن إلى صفا بنبرة جادة: "أني رايح على المحجر عندي شغل مهم ولازم يخلص إنهاردة، وأني جايل لدكتور ياسر ومفهمه طبيعة الشغل المطلوب من مريم زين، ما عليكِ إلا إنك هتعرفيها عليه وهو هيسلمها شغلها ويفهمها المطلوب منها حاليًا." ثم نظر إلى شقيقته وتحدث بنبرة مطمئنة:

"وأني هخلص ولما أچي هفهمك باقي شغلك يا مريم، متجلجيش يا حبيبتي، أني ماسيبكيش لحد ما تفهمي كل حاجة زين." شعرت بارتياح بعد كلمات شقيقها وأردفت قائلة بنبرة شاكرة: "ربنا يخليك ليا يا يزن." ثم تحركت إلى نجاة واحتضنت طفلتها التي تجلس فوق ساقي جدتها وتحدثت إلى نجاة: "خلي بالك على جميلة يا أما." أجابتها نجاة وهي تربت على كتف ابنتها بحنو: "متشليش هم جميلة يا بتي وخليكي انتِ في شغلك."

نظر لها فارس وانتظر أن تلتفت إليه أو تعنيه بأي حديث، لكنه استغرب تجاهلها التام إليه. حين نظرت إلى الأمام وتحركت بجوار صفا متجهتان مباشرة إلى الخارج. خرجتا للحديقة ثم تحدثت مريم إلى صفا بنبرة ارتيابية: "أني خايفة جوي يا صفا، حاسة حالي رايحة امتحان ومش متذكرة فيه أيتها حاجة كمان." أمسكت صفا كف يدها للمؤازرة ثم أجابتها بإنكار للذات كي تبث داخل روحها الثقة:

"يعني هو أنا اللي كنت اشتغلت قبل كده يا مريم، ما الحال من بعضه يا بنت عمي، وأدينا هنساند بعضينا لحد ما نتعلم." هدأت مريم واطمأنت وتحركا للجراج الخاص بالسرادق. استقلت سيارتها وبجانبها مريم، أشعلت مشغل الموسيقى الخاص بسيارتها واستمعتا إلى صوت فيروز وهي تتغنى: "صباح ومسا، شي ما بينتسي، تركت الحب وأخذت الأسى. وشو بدي دور؟ لشو عم دور؟ على غيره. في ناس كتير، لكن بيصير ما فيه غيره.

صباح ومسا، شي ما بينتسي، تركت الحب وأخذت الأسى. حبيبي كان هني وسهيان، ما في غيره. حملني سنين، مانن هاينين، كتر خيرة." كانتا ترددان الأغنية معًا بعيون سعيدة وهما تنظران لبعضيهما وتتبادلان الابتسامات المشجعة كلتاهما للأخرى. وصلتا إلى المستشفى ودلفتا من الباب تتحركان داخل رواق المستشفى الطويل.

كان يخرج من باب غرفة الكشف التابعة له، نظر أمامه بتلقائية وبلحظة تخشب جسده وانتفض قلبه واتسعت عيناه وهو يرى أنه وأخيرًا قد عثر على حوريته الهاربة منه. وقف متسمرًا بمكانه حين رآها تقترب من وقفته بجوار صفا التي وقفت وتحدثت إليه بنبرة تشع أملًا وحماسًا: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." رد عليها وما زال بصره معلقًا بحوريته التي خطفت أنفاسه من طلتها الأولى. فتحدثت إليه صفا وهي تشير إلى مريم قائلة:

"دي بقى الأستاذة مريم النعماني، الموظفة الجديدة يا دكتور." ثم حولت بصرها إلى مريم وأشارت إلى ياسر المذهول وتحدثت: "وده دكتور ياسر اللي هيسلمك مكتبك ويعرفك طبيعة شغلك والمطلوب منك يا مريم." حدث حاله وهو ينظر لمقلتيها الصافية، "أيُعقل أن تأتي إلي بكل تلك البساطة بعدما فقدت الأمل في لقياكِ غاليتي. يا لي من محظوظ." نظر لها وأردف غير مستوعبًا: "معقولة حضرتك تبقي أخت الباشمهندس يزن؟

نظرت إليه مستغربة نظراته العجيبة إليها، فأكمل هو حين وجد دهشتها داخل عيناها: "هو انتِ مش فاكراني؟! ضيقت بين حاجبيها تحاول تذكر ذلك الوجه تحت استغراب صفا لحاله ياسر العجيبة، فتحدث هو مجددًا مذكّرًا إياها: "أنا اللي قابلتك في الجنينة يوم فرح الدكتورة صفا، لما الفون وقع منك." كان يتحدث بنبرة حماسية وعيون متشوقة مما استدعى استغراب الفتاتان وتحدثت مريم بنبرة باردة بعدما تذكرت: "افتكرت حضرتك، أهلًا وسهلًا يا دكتور."

تنهد بارتياح وتساءلت صفا مستفسرة: "شكلكم تعرفوا بعض قبل كده، على العموم وفرتوا عليا كتير، أسيبك مع دكتور ياسر يوريكي مكتبك وأروح أنا أشوف شغلي يا مريم." أومأت لها مريم وانصرفت صفا. نظرت مريم لذلك الواقف متيبس الجسد ومسلط العينان داخل مقلتيها وتحدثت باستغراب لحالته: "هو حضرتك هتفضل واقف كده كتير، أنا عاوزة أعرف طبيعة شغلي." وعى على حاله ثم ابتسم لها وتحدث بدعابة: "هو انتِ دايما عصبية كده ولا طبعك ده معايا أنا بس؟

ضيقت عيناها مستغربة حالة ذلك الأبلة وتحدثت بنبرة صارمة كي تضع له حدودًا وقواعد للتعامل معها: "وأنا أعرف حضرتك منين عشان تجولي كده، مكانتش مرة اتقابلنا فيها صدقًا." وأكملت بنبرة جادة: "وريني مكتبي من فضلك عشان ما أضيعش وقتك ووقت المستشفى."

تحمحم خجلًا من حاله وعذر طبيعة نشأتها وحدودها التي تضعها بينهما في التعامل، فأشار لها إلى مكتبها ودلفا كلاهما وبدأ بشرح طبيعة ما يجب عليها فعله، وتفهمت مريم طبيعة العمل سريعًا واندَمجت، وخرج ياسر من مكتبها مُجبَرًا، وشكر ربه على أنه أخيرًا وجد ضالته الضائعة، وقد قرر التقرب منها بهدوء وجعلها تعتاد عليه أولًا ومن ثم سيفاجئها بعشقها الذي أصاب قلبه وتملك منه من أول طلة رأتها فيها عيناه.

بعد مدة دلف عامل البوفيه حاملاً كأسًا من عصير الليمون الطازج وتحدث إليها: "صباح الخير يا أستاذة، الدكتور ياسر باعت لحضرتك الليمون ده وبيقولك نورتي المستشفى." تحدثت للعامل باحترام: "متشكرة، تسلم يدك." خرج العامل ونظرت هي لكأس العصير وتحدثت بارتياب: "إيه حكايته الراجل الملزق دي كمان، فاكر حاله في نادي العشاج إياك! ده كان هيُبقى مرار وطافح يا مريم." *** مساء نفس اليوم.

داخل مسكن قاسم المملوك والمعروف لجده وللجميع، كانت تجلس فوق مقعد داخل الشرفة تضع ساقًا فوق الأخرى وتنظر أمامها بكبرياء وتبتسم ابتسامة ملك منتصر، متجهزة بثيابها الأنيقة المحتشمة وتتأهب لحضور حفل زفاف نجلها الذي سيحقق لها النصر التي طالما حلمت به سنوات وسنوات وها هي اليوم ستظفر بالانتصار وانكسار قامة زيدان الذي صفعها صفعة مهينة، وها هي تتأهب لردها وبقوة أكثر، بل وبدمار روح ابنته.

أما قدري فكان يرتدي ثيابه داخل الغرفة الخاصة له ولفايقة. رن هاتفها معلنًا عن وصول مكالمة من وريثة عرش حقدها المعظم. أجابتها على الفور قائلة بنبرة جامدة خالية من لهفة ومشاعر الأمومة: "كيفك يا ليلي، إيه الأخبار عندك؟ أجابتها بنبرة حاقدة:

"الأخبار مطمنش يا أما، جدي بعت للي ما تتسمي اللي مسميها ورد وجال إيه، رايد ياكل من يدها محاشي مشكلة وكشك، وجت ووقفت في المطبخ ولا اللي يكون دوار أبوها، وهي وعمي قعدوا واتغدوا ويانا وهاتك يا ضحك وهزار كيف ما يكونوا بيحتفلوا بعدم وجودكم في السرادق." وأكملت بنبرة تهكمية:

"ولا الهانم مرت ولدك اللي دايرة على مزاجها كيف اللي مالهاش راجل يلمها، ركبت عربيتها اللي بتتمختر علينا بيها من الصبح وراحت على المخربة اللي جدي عملها لها اللي اسمها المستشفى ولساتها راجعة من إشوي هي والست مريم." استشاط داخل فايقة وتحدثت بنبرة حاقدة: "خليهم يضحكوا ويفرحوا لهم يومين من نفسهم، أما نشوف مين اللي هيضحك في الآخر." تنبهت ليلي على نبرة والدتها التي توحي بتدبيرها بكارثة تنتظر الجميع وتنهدت براحة،

ثم تساءلت باهتمام: "جبتي لي التحاليل بتاعتي من عند الدكتور يا أما؟ أجابتها فايقة: "هنروح نجيبها بكرة أنا وأبوكي." أجابتها ليلي بنبرة حزينة: "أنا خايفة جوي من اللي بتعمله مرت عمي منتصر لو طلع فيا عيب يمنعني من الخلفة، خايفة ليكون كلام الدكتور اللي روحنا له آخر مرة في المركز صحيح، ده حتى أبونا القسيس اللي روحنا له جال لي روحي لحكيم يداويكي من اللي شربتيه." قاطعتها فايقة بنبرة حادة قوية:

"ما عايزاش أسمع منك كلمة خايفة دي طول ما أنا جنبك. انتِ بنت فايقة النعماني، يعني الخوف هو اللي يخاف منك، فهماني يا بت؟ استمعت إلى صوت قدري وهو يتحدث إليها: "بتتحدتي ويا مين يا فايقة؟ تحدثت إلى ابنتها تحثها على إنهاء المكالمة: "اقفلي دلوقتي يا ليلي، وأنا هكلمك الصبح وأقولك أنا عملت إيه عند الدكتور." أغلقت معها ونظر لها وتساءل: "هو ولدك لسه جوه؟ زفرت بضيق وأردفت قائلة:

"من وقت ما رجع من المحكمة وهو قافل على حاله ومبيشوفش خلجة حد."

صاح قدري بآخر صوته مناديًا على ولده، فتح الباب وخرج بوجه عابس وذقن نابت غير مهذب، مرتدياً حلة سوداء أنيقة كي يحافظ على هيئته أمام الحضور، وتحرك إليهما. فنظر له قدري بوجه عابس لأجل ما يحدث مع ولده. نعم هو رجل طامع حاقد على الآخرين، جشع يعشق اقتناء المال ولا يهتم بوسيلة جمعه، وحقًا يفتقد قدرة التعبير عن مشاعره لأبنائه، لكنه بالنهاية أب ولولديه مشاعر أبوة ويخاف على صغاره من الزمن. اقترب قدري على ابنه وربت

على كتفه بمؤازرة وتحدث: "يلا بينا يا ولدي لجل ما ننجز المشوار ده ونخلصوا منه." نظرت تلك المرأة منزوعة الرحمة وتحدثت إلى ولدها التي لم تشعر به يومًا: "جالب خلجتك ليه كده يا ولدي، إفرد وشك أومال." كان ينظر لها بجمود مستغربًا حالة اللامبالاة وعدم الشعور بقلب صغيره الذي يصرخ مستنجدًا، يريد التشبث بأي طوق ينجيه من الهلاك المحتم المقبل عليه. أخذ نفسًا عاليًا ثم زفره وتحدث بلهجة محذرة:

"مش عاوز أعيد كلامي عليك وأقولك إن الموضوع ده لو اتعرف في النجف هيكون فيه نهايتي وهلاكي." نظر له قدري وتحدث بنبرة صادقة: "متجلجش يا ولدي، أكيد أمك مش بالغباء ده لجل ما تودرك بيدها. هي عارفة ومتأكدة زين إن يوم جدك وعمك زيدان ما يعرفوا بجوازة الشوم دي هتغفلك على الكل وأكثر واحد هيتأذى فيها هو أنتَ."

ثم رمق فايقة بنظرة تحذيرية أرعبتها فتحدثت بنبرة صادقة حيث أنها حقًا تريد أن يعلم الجميع اليوم قبل الغد بزواج قاسم على ابنة زيدان حتى تسحق قلبه سحقًا على غاليتها، لكنها بالتأكيد تخشى على قاسم من بطش عثمان وطردة من جنة نعيمه. فصبرت حالها بأن عثمان لم يتبق لديه الكثير من الأعوام كي يحياها، وبعد وفاته سيحق لها الإعلان عن الانشطار النووي لقنبلة الموسم. تحدثت بنبرة صادقة:

"محدش هيخاف عليك ولا هيحبك ويتمنى لك الخير جدي يا قاسم، طمن بالك يا ولدي."

تحرك ثلاثتهم إلى القاعة المقرر بها إقامة حفل الزفاف، كان رفعت وأهله متواجدون بالفعل. استغرب أهل رفعت وأشقائه أن العريس لم يأتِ سوى بوالديه فقط. استقبل قدري المأذون ودلفت إيناس إلى القاعة بصحبة والدها الذي قادها للداخل وذهب بها إلى مقر الجلسة المُعدة من قبل إدارة الأوتيل لعقد القران، مع استغراب الحضور لعدم استقبالها من جانب قاسم الجالس بجانب المأذون الشرعي غير مبالٍ بدخول عروسه إلى القاعة.

جلست إيناس وهي تنظر إلى ذلك الناظر أمامه بجمود ويبدو للجميع إجباره على تلك الزيجة من خلال ملامح وجهه العابس. بدأت مراسم عقد القران وقام المأذون بخطبته الشهيرة وبعد مدة انتهى رفعت من قول ما أملاه عليه المأذون وجاء الدور على قاسم. فتحدث المأذون إلى قاسم قائلاً: "قل ورايا يا عريس، قبلت الزواج من موكلتك."

نظر له قاسم وكاد أن يصرخ معلنًا للجميع عن تخليه عن تلك الزيجة التي ستذبح روحه قبل متيمته. وَد لو أن له رفاهية الوقوف والخروج من ذلك المكان الذي يضغط على أنفاسه بقوة حتى أنه بات يشعر بالاختناق. وَد الخروج مسرعًا ضاربًا بكل شيء عرض الحائط، وَد الذهاب إلى حبيبته والارتماء داخل أحضانها الحنون. انتبه على صوت المأذون وهو يكرر على مسامعه كلماته السابقة مستغربًا حالة التيه والتشتت اللتان تظهران على هيئة العريس وتحدث:

"انت سامعني يا ابني؟ استشاط داخل كوثر التي تقف بجوار جلوس ابنتها واشتعلت النار داخل قلبها من ذلك الذي جعل جميع الحضور يتهامزون فيما بينهم. أمسك قدري يد ابنه ونظر إليه ليحثه على استكمال الإجراءات لانتهاء تلك المراسم وذلك الزفاف الذي أجبر عليه هو وولده. حينها نظر رفعت إلى قاسم واستمال له بعيون متوسلة أرهقت قلب قاسم وجعلته يتحامل على حاله لينهي مأساة ورعب ذاك المرتاعب ضعيف الكيان المسمى برفعت.

تنفس قاسم عاليًا وبدأ بقول ما يُمليه عليه المأذون وكأنه آلة إلكترونية يكرر ما يؤمر به دون روح أو قلب أو أية مشاعر. انتهت المراسم وقامت النساء الحاضرات بإطلاق الزغاريد معلنين عن فرحتهم بإتمام الزيجة ومن بينهم فايقة التي كانت تزغرد بقلب سعيد شامتا وكأنها حققت أعظم انتصاراتها. تنفس رفعت ونطق الشهادة بينه وبين حاله وحمد الله كثيرًا على إسدال ستره العظيم على ابنته وعليه أمام الحضور والعلن.

وقف قاسم وتحامل على حاله وذهب لجلوس إيناس التي تشعر بلذة الانتصار وبأنها أخيرًا ظفرت بلقب حرم قاسم النعماني وهذا ما حلمت به منذ أن رأته بأول يوم لها داخل كلية الحقوق حين قدمه لها عدنان لتتعرف عليه باعتباره صديقه المقرب إلى قلبه طيلة الثلاث سنوات دراسة.

أمسك يدها ليوقفها متضررًا وكأنه يحتضن شوكًا يؤلمه بشدة ويسحب منه روحه. تحرك بها حتى وصل إلى المكان المخصص لجلوسهما وهنا تركها سريعًا وجلس هو قبلها مما جعلها تكاد تزْهَق روحها من شدة الخجل التي شعرت به أمام الحضور الذين يسلطون أبصارهم على العريس ووجهه الكاشر ويتهامزون بوجوه مستغربة. جلست وهي تنظر للجميع بكبرياء لحفظ ماء الوجه ثم نظرت إلى قاسم وتحدثت بنبرة رقيقة أخرجتها بصعوبة بالغة: "مبروك يا حبيبي."

نظر لها وابتسم بجانب فمه وتحدث ساخرًا: "حبيبك؟ انتِ مصدقة نفسك، تبقي كارثة لتكوني مصدقة المسرحية الهزلية اللي بتحصل دي؟ تحاملت على حالها وتحدثت بنبرة زائفة كي تسترضي رجولته: "أنا عارفة إنك زعلان مني بسبب الكلام اللي أنا قولته، بس ده كلام طلع وقت غضبي يعني ما أتحاسبش عليه يا قاسم، خلينا نستمتع ونفرح باليوم اللي ياما حلمنا بيه كتير." وأكملت بنبرة أنثوية في محاولة منها لسحبه إلى عالمها من جديد:

"فاكر يا حبيبي، فاكر قد إيه حلمنا واتمنينا إن اليوم ده ييجي؟ رمقها بنظرة اندهاش مستغربًا حالة الإنكار للواقع التي تتعايش داخلها غير مبالية بأفعاله المهينة لشخصها. هتف العامل المسؤول عن إدارة تشغيل الموسيقى وتنظيم الحفل وأردف قائلاً وهو ينظر إليهما: "سقفة كبيرة يا جماعة للعريس والعروسة اللي هيتفضلوا معانا على الدانس فلور عشان يفتتحوا الفرح برقصتهم الأولى."

صفق الجميع وابتسمت إيناس بتفاخر ورفعت قامتِها بغرور وهيأت حالها للوقوف. فاجأها قاسم الذي أشار بيده معتذرًا للعامل مما جعل الجميع ينظر للعريس مرة أخرى مستغربين حالته. صدمت إيناس وتخشب جسدها وتصنمت بجلستها، أما كوثر التي تمنت لو أن الأرض شقت وابتلعتها حتى تتفادى نظرات الحضور التي تنهشها وتشمت بها و بكبريائِها الدائم. تساءلت زوجة شقيق زوجها بنبرة تهكمية: "هو العريس ماله كده زي ما يكون مجبور على الجوازة يا كوثر؟

ابتلعت لُعابها من شدة خجلها ثم استجمعت قوتها وتحدثت بنبرة قوية حادة: "مجبور؟ فشر يا حبيبتي، ده حفيدي زمان على ما بنتي وافقت عليه واختارته من بين كل اللي اتقدموا لها." وأكملت بنبرة زائفة لحفظ ماء الوجه: "كل الحكاية إنه صعيدي ومتحفظ شوية وملوش في الرقص والمسخرة دي." أما زوجة شقيق زوجها الأخرى والتي تقدم ولدها لطلب الزواج من إيناس وقُبل بالرفض، فقد هتفت بنبرة تهكمية:

"ويا ترى التكشيرة اللي مالية وشه دي كمان بردوا عشان صعيدي؟ نظرت لهما بعيون حادة كالصقر وتحركت بصمت عندما لم تجد ردًا لديها. حين أطلقت السيدتان ضحكات ساخرة على تلك المغرورة الدائمة التكبر والتعالي على أهل زوجها. تحركت كوثر إلى فايقة وجاورتها الجلوس تحدثت بنبرة مشتعلة: "عاجبك اللي البيه ابنك عامله ده؟ ده فضحنا في وسط المعازيم، الناس أكلت وشي وهرتني تريقة." تنهدت فايقة وأردفت بنبرة حزينة:

"بنتك اللي خايبة ومعرفتش تفرفشه وتشده ليها، على العموم ملحوقة. لما يروحوا شقتهم تبقي تتدلع عليه وتخلي الحديد يلين." نظرت لها متحدثة بإلحاح: "فهمي بنتك زين وأكدي عليها إن لازم قاسم يدخل عليها الليلة." وأكملت بغل شديد من بين أسنانها: "وإلا هخسر الرهان اللي عشت أستناه عمري كله." نظرت لها كوثر وتحدثت بكبرياء وثقة:

"متخافيش على إيناس دي تربيتي، وبعدين ابنك بيحبها وهيموت عليها على فكرة، ميغركيش الوش الخشب اللي مركبهولنا من وقت ما دخل القاعة ده، هو بس زعلان منها شوية، وأول ما يتقفل عليهم باب هيجري عليها وياخدها في حضنه ويتمنى ترضي عليه." وأكملت بغرور: "ما هو بالعقل كده يا مدام، معقولة فيه راجل هيكون مقفول عليه باب واحد مع ست بجمال وسحر إيناس كده وما يلمسهاش؟

رمقتها فايقة بنظرات ساخرة ولَوت فمها من تهويل تلك الموهومة الشديد في جمال ابنتها التي رأته فايقة أقل من العادي، ولكنها فضلت الصمت وعدم الدخول في مهاترات. تحدثت إيناس إلى قاسم بنبرة حزينة منكسرة: "انت ليه مصر تكسرني وتذلني قدام الناس يا قاسم؟ أجابها بنبرة جامدة وهو ينظر أمامه: "أنا وانتِ نستاهل الذل والكسرة لأنه حصاد طبيعي لزرعة الأنانية والخداع اللي زرعناها من سبع سنين."

تحرك قدري إلى زوجته وجلس بجانب فايقة وتحدث بنبرة ساخطة ناظرًا إلى كوثر التي تقابله الجلوس: "أوعاكِ يا حرمة تكوني فاكرة إني تممت الجوازة دي لجل كلامك اللي مايسواش عندي مليمين على بعض، واحمدي ربنا إن لسه عايشة بعد ما اتجرأتِ وهددتي قدري النعماني بجلالة قدره." ثم حول بصره ناظرًا على رفعت الجالس بجانب أشقائه وأكمل ساخرًا:

"وادعي لخيال المآتة اللي انتِ متجوزاه اللي لولا محلسته وكهن الحريم اللي عمله، الله الوكيل قاسم ما كان هيتراجع عن رأيه لو السما انطبقت على الأرض." رفعت قامتِها بكبرياء وتحدثت بذكاء: "بلاش نقلب في اللي فات يا عمدة وخلينا ولاد النهاردة، وخلينا متفقين إن كلنا بنعمل أقصى ما عندنا عشان نشوف أولادنا مرتاحين ونضمن لهم مستقبل أحسن." وهمت واقفة وتحدثت بقوة: "هخلي الوتر يجيب لكم عصير فريش عشان يهدي لك أعصابك يا عمدة."

وتحركت هي وهتف قدري بنبرة ساخطة وهو ينظر عليها باحتقار: "جبر يلم العفش." تحدثت فايقة إلى قدري قائلة: "اعمل حسابك هنروحوا من اهني على شقة قاسم نبات فيها عشان ننجز بدري ونعدوا على المعمل نجيب التحاليل بتاعت ليل، وبعدها هنروح لقاسم شقته نطمن عليه ونسافروا." رمقه قدري بنظرة حارقة وأردف متحدثًا بنبرة تهكمية: "هتروحي لقاسم عشان تطمني عليه ولا تطمني جلبك وتطفي نارك اللي والعة بقالها سنين يا فايقة؟

انتفض جسدها واهتز قلبها وابتلعت لُعابها رعبًا خشيةً من أن يكون قدري قد افتضح أمرها، فأكمل هو بنبرة محذرة: "اعجلي يا مرة وحطي مصلحة عيالك قدام عينيكي ولو مرة واحدة، سيبك من الغل اللي ماليكي من ناحية ورد وبطلي مكايدة وشوفي المصلحة اللي هتطلع لولدك من ورا جوازته من بنتها." "وإياكِ يا فايقة عجلك يجل وشيطانك يوزك وتجيبي سيرة الجوازة المهندلة دي قدام ورد ولا بنتها ولا حتى المجنونة بنتك." أكمل مهددًا بنبرة صارمة:

"الله الوكيل يومها ما هعمل لعشقك الملعون اللي معشش جوه قلبي حساب يا فايقة." رمقته بنظرة ساخطة وفضلت الصمت والمشاهدة بتلذذ واستمتاع لهذا المشهد العظيم المثلج لصدرها المشتعل منذ قديم الأزل. انتهى حفل الزفاف باكرًا بناءً على طلب قاسم الذي تحجج بإصابته بنوبة صداع نصفي شديد وانهى الحفل. تحرك العروسان بسيارة قاسم الذي قادها عدنان وأوصلهما لمسكنهما الجديد دون إضافة كلمة واحدة من ثلاثتهم.

فتح الباب وتحرك بساقيه للداخل تاركًا إياها بالخارج في مشهد مهين لشخصها. نظرت له بقلب مستشيط مشتعل لكنها كظمت غيظها ودلفت للداخل وأغلقت الباب خلفها. تحرك هو بخطوات سريعة نحو غرفته وهي تتبع خطواته. وضع يده على ربطة عنقه وفكها بطريقة عنيفة تدل على مدى وصوله للمنتهى. وقف عند مدخل الباب والتفت بجسده ناظرًا عليها وتحدث بنبرة صارمة مشيرًا بكف يده إلى الغرفة المُعدة للأطفال: "أوضتك اللي هناك، ودي أوضتي أنا."

جحظت عيناها باتساع وتحدثت بذهول خشية إفشال خطتها للتقرب منه: "يتبع...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...