ليلًا.. ليلة وقفة عيد الأضحى داخل منزل زيدان كانت الساعة قد تخطت الثانية عشر مساءً ومازال هؤلاء الأطفال يمرحون ويركضون حول ذاك الجالس ببهو منزلهُ بسعادة بالغة وكأن الله يعوضهُ هدوء منزلهُ وعُزلتهُ السابقة بهولاء الملائكة الصغار. تحدثت ورد التي أتت من المطبخ تحمل بين ساعديها هي وصابحة كُل ما لذ وطاب من حلوي ومُسليات وفواكة العيد التي تُدخل البهجة والسرور علي قلوب الجميع: _معتناموش ولا إيه إنتوا إنهاردة؟
وأكملت بنبرة حنون: _يلا روحوا إجلعوا الخلجات دي جَبل ما تتكرمش وتبوظ وتحتاچ تتكوي، ولا يدلج عليها وَكل ولا عصير من اللي عتاكلوه ده. وأسترسلت حديثها بعدما وضعت ما بيدها ورفعت كفيها لأعلي في حركة إستسلامية: _أني وصابحة وهدية معادش فينا صحة تاني لا لغسيل ولا مكوى. ضحك زيدان وتحدث بنبرة تهكمية: _مش كان نفسك في عيال كَتير زمان، وكنتي عتشتكي من الهدوء اللي عايشين فيه. وأكمل ساخراً:
_أهي بِتك وسلايفها رموا لك العيال لجل ما يروجوا هما علي حالهم، إتحملي بجا يا أم العيال. ضحكت وهي تجلس بجوارة وتناولهُ مشروب الشاي الذي أتت به تلك العاملة هدية: _متحملة يا سيادة النايب وعلي جلبي كيف العسل كُمان. وأردفت مفسرة: _أني بس عوزاهم يدخلوا يناموا لجل ما يفوجوا علي صلاة العيد ويصلوا وَيّا چدهم الحاچ عِثمان. تحدث مالك الذي بالكاد أكمل عامهُ الرابع:
_مش تخافي يا تيتا، إحنا عنفضل صاحيين ومش عنام وعنصلي مع چدي ونحضر الذبـ.ـح ونفرجوا اللحمة كمان. وأكمل مُفسراً بفخر: _بابا هو اللي جال لي إكده. وافقاه الرأي الصغيران فارس ويزن التابعان لمالك ويتحركان بأمره ويتبعاه كظله، حيثُ أنهُ يكبرهم بعام ولذا يعتبر حالهُ مسؤلاً عنهما. هرولت جميلة التي أكملت عامها السابع إلي زيدان وتحدثت بإعتراض وغضب طفولي: _ليه يا چدي مش جبت لي بدلة ظابط كيف مالك ويزن وفارس؟ ضحكت
ورد بصوت عالي وهتفت بمرح: _وه يا بِت فارس، عاوزة تلبسي كيف الصُبيان إياك؟ تحدث إليها الصغير مالك الذي يرتدي بدلة الضابط ويحمل المسـ.ـدس الذي ينبعث منه أنواراً وأصواتً تصنع البهجة لدي الأطفال: _چدي زيدان چاب لي المسـ.ـدس والبدلة عشان أني عكون الظابط، وكمان عحميكم في العيد من اللصوص اللي عيخطفوا العيال الصغيرة. وأكمل بتفاخر وكبرياء كأبيه سابقً: _علشان هو عارف إني أجوي واحد إهنيه.
وتحرك إلي زيدان ووقف قبالتهُ وتسائل بدلال وهو يُميل برأسهِ في حركة إبتزاز عاطفي ليحثهُ علي موافقته لحديثهُ كعادته: _مش إكده يا حبيبي؟ وكعادتهُ زيدان يشعر وكأنهُ إمتلك العالم أجمع حينما يقف أمامهُ صغير إبنتهُ ويناديه بحبيبي ويقوم بدلالهُ، أمسكهُ بكفاي يداه ووضع قُبلة شغوفة فوق جبهته وتحدث بتفاخر: _إكده يا بطلي وبطل النُعمانية كلاتهم. أردفت ورد بنبرة دعابية:
_أه منك ومن لؤمك يا مالك، معرفاش طالع بكاش لمين يا واد، أبوك كان چَد من وهو عيل إصغير. دبت جميلة بساقيها بإعتراض وتحدثت وهي تحتضن تلك العروسة التي أحضرها لها زيدان ككل مناسبة، حيث إعتبر حالهُ المسؤول عنهم ودائماً ما يغمر أحفادهُ بالهدايا القيمة والملابس: _أني معيزاش حد يحميني يا مالك، أني أكبر منيك وأني اللي عحميك إنتَ وفارس ويزن أخوي كُمان. صدح صوت جرس الباب، فتحركت صابحة وفتحته وجدت بوجهها فارس الذي تحدث:
_كيفك يا صابحة، عمي صاحي؟ أجابته صابحة بإبتسامة: _صاحي يا سي فارس. وأكملت وهي تُشير إليه للدخول: _إتفضل. دلف للداخل وألقي السلام علي عمهِ وزوجته التي تحدثت بنبرة حنون: _إجعد يا ولدي إشرب الشاي ويّا عمك. أجابها ذاك الخلوق: _تسلمي يا مّرت عمي، أني چاي أخد چميلة لچل ما تنام. إعترضت تلك الجميلة التي تحركت إلي أبيها سريعً وتحدثت بنبرة توسلية: _خليني أبات إهنيه يا بابا. أجاب طفلته بهدوء بعدما حملها تحت غضبها الطفولي:
_معينفعش تباتي برات البيت يا چميلة، إنتِ كبرتي خلاصه. هتفت بنبرة معترضة: _إشمعنا يزن أخوي بايت إهنيه، وكمان مالك وفارس بايتين وياه؟ أجابها بهدوء: _عشان هما ولاد يباتوا برة عادي، لكن إنتِ بنت معينفعش تباتي برة بيتك. تحدث زيدان بنبرة حنون: _خليها بايتة يا فارس، عيچري لها إيه يعني، دي في بيت چدها. قاطعته ورد التي تحدثت بحكمة: _اللي فارس عيعمله هو الصُح يا سيادة النايب، البيت مطرحها ومكان نومها لازمن يكون چار أمها.
وأكملت وهي تنظر لتلك الغاضبة وتحدثت لتهدأتها: _البِت ملكة يا چميلة ولازمن نحافظ عليها ونصونها چار أمها، لكن الصُبيان عيباتوا برة لانهم جُللات رباية. ضحكت بعدما كانت غاضبة ونظرت إلي الأطفال الثلاث بكبرياء تحت غضبهم، وتحرك بها أبيها مُتجهً إلي مسكنهُ ومريم. همس زيدان بجانب أذن ورد قائلاً بدعابة: _جومي نيمي الجرود دول لجل ما نلحج نجول كلمتين جبل ما الفچر يأذن. إبتسمت له وتحدثت:
_كلمتين إيه اللي عتجولهم يا راچل في وسط محطة مصر اللي إحنا فيها دي؟ ضحكا سوياً وأكمل حديثهما وسط ضجيج ومرح ولهو الأطفال الذين أضافوا البهجة والسعادة والسرور علي المنزل. وصل فارس إلي مسكنه، وجد مريم تجلس بوسط البهو تُشاهد شاشة التلفاز وهي تتناول المُسليات ويبدوا علي وجهها الضيق والغضب. تحركت إليها جميلة وأحتضنتها قائلة وهي تنظر إلي وجهها: _شكلك حلو جوي يا ماما وإنت مزوجة وشك إكده.
أما ذاك الذي نظر لها بإنبهار لجمالها الذي زاد من مجرد رتوش بسيطة وضعتها علي ملامح وجهها الرقيقة، وملابسها التي أظهرت مدي أناقتها وانوثتها، لكنهُ إستغرب حدة ملامحها وغضبها الظاهر علي وجهها. سألها مُستفسراً بتعجُب: _مالك يا مريم، جالبة خلجتك ليه إكده؟ نظرت له بضيق وتحدثت إلي إبنتها: _إدخلي غيري هدومك ونامي يا چميلة عشان تجومي للعيد وإنتِ فايجة. دلتف الطفلة وتحرك هو وجلس بجانبها وسألها من جديد وهو يضع كف يدهُ
فوق وجنتها: _فيه إيه يا حبيبتي، مالك؟ نفضت يدهُ بشدة وتحدثت بنبرة حادة: _فيه إنك سايبني جاعدة لوحدي كيف الچارية اللي مستنية سيدها وجاعد تحت تضحك وتتساير يا فارس بيه. إتسعت عيناه وتحدث بنبرة جادة: _كَنك إتچنيتي وعجلك طار يا مريم، محسساني إني كُنت جاعد في كبارية وعتفرچ علي الرجاصات وماسك الكاس في يدي. وأكمل بنبرة ساخرة: _وبعدين ما أنتِ شيفاني وأني جاعد في الچنينة ويا قاسم ويزن وحسن. هتفت بنبرة حادة:
_قاسم وحسن طالعين لشججهم من ياچي ساعة وأكتر يا أستاذ، مش كيفك إنتَ ويزن بيه اللي مهملين حريمكم ولا كنها ليلة عيد. ضحك وهتف بنبرة ساخرة: _هو ده اللي جاهرك جوي إكده. وأكمل مُفسراً: _أني ويزن كان فيه موضوع مهم خاص بالمحچر ولازمن نتحدتوا فيه، إرتاحتي إكده يا مريم؟ نظرت إليه ومطت شفتاها بضيق، وإقترب منها وتحدث بنبرة ذات مغزي: _إنهاردة العيد يا أم يزن، إفرديها أومال الله يرضي عليكِ. وأكمل بنبرة حنون:
_وبعدين هو أني أجدر أبعد أو أتأخر عن الجمر ديل. لانت ملامحها ونظرت إليه بعتاب حزين أحزنهُ فتحدث وهو يُمسك رأسها ويُقبل مقدمتها قائلاً: _حجك عليّ يا حبيبتي، متزعليش. وأكمل بنبرة حنون: _كُله إلا زعلك يا مريم، وحياة فارس عندِكِ لتضحكي. إبتسمت إليه ووقف هو وأمسك يدها وتحرك إلي داخل غُرفتهُما. ***
داخل شقة قاسم وصفائهُ النفسي والروحي، وبالتحديد داخل المطبخ، تقف تلك الجميلة أمام الموقد لتعد لحبيبها قهوتهُ المُفضلة، ترتدي ثوبً رقيق بصـ.ـدرٍ مفتوح وذراعين مكشوفين، قصير للغاية يكشف عن ساقيها وحتي منتصف الفخـ.ـدين، واسعً فضفاض كي يستوعب بطنها المنتفخ جراء وصولها لشهرها السادس من الحَمل. أنتهت من إعدادها وسكبتها ثم إلتفت لذاك الجالس حول تلك المنضدة التي تتوسط المطبخ.
أردفت قائلة بنبرة رقيقة حنون وهي تُبسط ذراعها لتناولهُ إياها: _جهوتك يا حبيبي. تناولها من يدها وأردف بنبرة رجل عاشق: _تسلم يدك يا غالية. وضع قدح القهوة أمامهُ ثم أمسك كفها الرقيق ووضع بهِ قُبـ.ـلة حنون وسحبها وأجلسها فوق ساقيه، إبتسمت إليه وتحدثت بنبرة قلقة: _خليني أجوم اجعد علي الكُرسي أحسن ما أوچع لك رچليك. وضع كف يده فوق وجنتها وتحسـ.ـسها بحنان وتحدث قائلاً بنبرة دُعابية:
_كَنك إتخبلتي ومعارفاش إنتِ متچوزة مين يا بِت زيدان، أتعيشُكي في جُدرات حبيبك إياك؟ ضحكت وتحدثت بنبرة نافية: _عارفة ومتوكدة زين إني متچوزة سَبع الرچال اللي ماله زيو. وأكملت بنبرة حنون: _بس أني عخاف عليك من نسمة الهوا اللي عتجرب من رموشك يا حبيبي. يا بوووووي علي كلمة حبيبي اللي كيف الشهد وهي طالعة من خاشمك.. جُملة هائمة قالها ذاك الولهان.
إبتسمت له، مد هو كف يدهُ وألتقط قدح القهوة وقربهُ أولاً من أنفهِ ليشتم رائحتها العبقة، أغمض عيناه وهمهمَ بتلذُذ تحت سعادة تلك الناظرة عليه بعيناها الهائمتان، أنزل القدح لمستوي فمه وأرتشف رشفتهُ الأولي بتلذُذ وأستمتاع وهو يُشدد من ضمته بيدهِ الأخري التي تحتوي خصـ.ـر حبيبته. فتح عيناه ونظر إلي تلك المبتسمة التي سألته بإهتمام: _عچبتك الجهوة؟ أجابها بنبرة عاشقة: _أي حاچة عتحطي يدك فيها عتعچبني، وجوي كُمان يا ست البنات.
إبتسمت خجلة، وأمسك هو إحدي حباة الشيكولا المحببة لديها و وضعها بداخل فمها، أقتضمت نصفها تحت خجلها وقرب هو النصف الآخر من فمه وقام بمضغها، ثم أمسك رأسها وجذبها عليه ليلتقط شفتـ.ـاها في قُبلـ.ـه شغوفة يتذوق من خلالها طعم الشيكولا من فوق شفتاها، طالت بينهما القُبـ.ـلة بمنتهي المتعة والإشتياق الجارف حتي أخرجهما مما هما عليه ركلات صغيرها الذي تحرك داخل أحشائها بشدة ألمتها وانتفضت علي أثرها.
سألها مُتلهفً ذاك الذي إرتعب داخلهُ لأجلها: _مالك يا حبيبتي؟ وضعت هي كف يدها تتحـ.ـسس موضع جنينها الثاني وتحدثت متألمـ.ـة بدلال: _ولدك ممبطلش تخبيط فيا، تعبني جوي يا قاسم. نظر لها بحنين ثم وضع كف يدهُ فوق أحشائها وتحدث إلي جنينهُ: _تاعب أمك وياك ليه يا زيدان. إنتفض قلبها ككُل مرة تستمع بها منه إنتوائه علي إطلاق إسم زيدان علي جنينهما فتحدثت وهي تتلمس وجنتهُ بلمسة حنون: _چَد عتسمي ولدنا زيدان يا قاسم؟
نظر لها ومازال يتحـ.ـسس موضع جنينهُ بلمسـ.ـة حنون كي يبعث إليه الطمأنينة ويحسهُ علي التراخي، وتحدث بنبرة صادقة: _چَد يا جلب قاسم، وده عيكون رد لچميل عمي الكبير عليّ. واسترسل بعيناي شاكرة: _أجل واچب أعمله وياه هو إني أخلد إسمه في الدنيي بعد ما سامحني علي كل اللي فات ورچع لي حياتي من چديد. إبتسمت إليه ورمت رأسها علي كتفه وتحدثت بإستحسان وعِرفان: _ربنا يحميك ويحفظك لجلبي يا حبيبي. لف ذراعيه حولها وتحدث بإنتشاء:
_ويخليكِ ليا يا عيون جلب قاسم من چوة. ثم تحدث ليحثها علي النهوض: _يلا يا حبيبتي ندخل أوضتنا لجل ما تفردي ضهرك علي السرير عشان متتعبيش. وأكمل بنبرة حنون: _كفاية عليكِ تعب لحد إكده، وكمان عشان تلحجي تنامي لك كام ساعة جَبل ما نصحي لصلاة العيد.
إبتسمت إليه بعيناي شاكرة لحنانهِ الزائد عليها، ووقفت مستندة بيدها علي ظهر المقعد بحذر لأجل طفلها، ثم وقف هو وأمسك يدها وتحرك بجانبها متجهين إلي الداخل حتي وصلا إلي تختهما، أمسك بيده مُلاَءَة السرير ونفضها لتتطاير ورقات الورود المُتناثرة عليه والتي وضعتها هي بمساعدتهُ للإحتفال الخاص بليلة العيد التي تمت بين العاشقان مُنذُ ما يُقارب من الساعة.
حيث كان جو الغُرفة عبارة عن إضائة خافتة بجانب الشموع والموسيقي والورود التي أحضرها قاسم وقام بنثرها هو وحبيبتهُ وتوزيعها ليستمتعا معاً بتلك الأجواء الرومانسية. ساعدها بتمددها علي التخت ودثرها بعناية تحت الفراش ثم تحرك للجانب الآخر وتمدد بجوارها، فرد ذراعهُ وسحبها بهدوء وأدخلها داخل أحضانهُ، ثم وضع قُبلة حنون بجانب شِفتها وتحدث بنبرة رجُل عاشق: _تصبحي علي خير يا نبض جلبي. أجابته وهي تتثاؤب من شدة نُعاسها وإرهاقها
المصاحب لها جراء حملها: _وإنتَ من أهله يا حبيبي. وبعد قليل كانت تغفو بسلام داخل أحضـ.ـان ذاك الذي بات ينظر إليها بقلبٍ حنون محبٍ عاشق لكل ما بها، وبعدها غاص بغفوته. *** داخل غرفة النوم الخاصة بيزن وأمل كان يتمدد فوق فراشه فارداً ذراعهُ بجانبه فوق الوسادة، يحتضن به أمل التي أتتهُ كمكافأة من رب العالمين علي رحلة صبرهِ الطويلة علي إبتلائه الصعب بزواجهُ من ليلي. نظر إليها وتسائل بعيون هائمة: _مبسوطة يا حبيبتي؟
إبتسمت خجلاً من مقصده وتحدثت بنبرة حنون: _وجودي جنبك وجوة حُضـ.ـنك ده بالنسبة لي أكبر سعادة يا يزن. ثم وضعت يدها فوق ذقنهُ وتحسسـ.ـته قائلة بعيناي سعيدة: _إنتَ أحلا حاجة حصلت لي في عُمري كله. وبدون سابق إنذار إبتسم ضاحكً وهتف ليُذكرها: _فاكرة يا أمل أول يوم إتجابلنا فيه أني وإنتِ؟ ضحكت بشدة واسترسل هو: _يا أبوووي علي تُجل دمك وتكشيرة وشك في اليوم دي. إكفهرت ملامحها وخرجت من بين أحضـ.ـانه وتحدثت بنبرة حادة:
_إتلم يا يزن وخلي ليلتك تعدي. قهقه بشدة وهتف قائلاً بنبرة صادقة: _عغشك إياك يا أمل، مفكراش حالك وإنتِ عتتحدتي وياي يوميها إياك. وأعتدل بجلستهِ وأكمل مُقلداً إياها حينها: _مش تفتح يا بني آدم إنتَ، إيه، أعمي مشايفش جِدامك؟ وأكمل ساخراً تحت ضحكاتها العالية التي لم تستطع السيطرة عليها: _ولما أنتَ مبتشوفش زين، عتسوج عربيات وتجرف الخلج وياك ليه؟ قهقهت عالياً علي طريقتهُ الساخرة وهو يُذكرها بما مضي وتحدثت بحنين:
_يااااااه، إنتَ لسة فاكر يا يزن؟ نظر لها بعيناي عاشقة وهمس بنبرة حنون: _كيف أنسي وأني كُل لحظة جضيتها وياكِ محفورة جوي جلبي جَبل عجلي يا ضي عيني. ترقرت عيناها بدموع الفرح من شدة سعادتها بحديث حبيبها النبيل، وتحدثت بنبرة حنون وهي تسحب رأسهُ وتُدفنها داخل صـ.ـدرها وتحتويه بذراعيها بحنان:
_أنا بحبك أوي يا حبيبي، ومهما حاولت أقول لك كلام الدُنيا كله مش هيقدر يوصف لك ولا يعبر عن اللي جوايا ليك، وعن قد إيه أنا مبسوطة ومرتاحة في حياتي معاك. وتنفست براحة وأردفت قائلة بنبرة صادقة: _ده أنا كُل يوم بحمد ربنا وبشكر فضله علي نعمة وجودك في حياتي يا يزن. دفن رأسه أكثر داخل أحـ.ـضانها وتحدث: _ربنا يخليكِ ليا يا حبيبتي.
ثم خرج من بين ضمـ.ـتها، مال بجزعهِ جانبً ومد يده وفتح دُرج الكومود، أخرج عُلبة قطيفة وأعتدل إليها من جديد وتحدث بنبرة سعيدة وهو يُقدم لها الإسوارة التي بداخل العُلبة: _كُل سنة وإنتِ طيبة يا ست البنات. إتسعت عيناها بذهول وتحدثت بنبرة شديدة السعادة: _الله علي رقتك وذوقك يا يزن. وأكملت بحماس وهي تنظر إلي يدها والإسوارة التي ألبسها إياها للتو: _الأسورة تجنن، حلوة أوي بجد. أمسك كف يدها ووضع قُبـ.ـلة
رقيقة عليه ثم تحدث بحنان: _مبروك عليك يا حبيبتي، كل سنة وإنتِ طيبة. إبتسمت إليه وهتفت بسعادة: _وإنتِ طيب يا قلبي. ***
كانت تتمدد بجواره فوق فراشهما، تسحبت علي أطراف أصابعها كي لا يشعُر بها ذاك الغافي ودلفت إلي المرحاض الخارجي وأخذت حماماً دافئً، بعد حوالي النصف ساعة كانت تقف أمام مرأتها بعدما صففت شعرها، ثم قامت بوضع مساحيق تجميل عدة فوق وجهها إستعداداً للذهاب متشوقة إلي منزل جدها لقضاء الإحتفال بعيد الأضحي، حيث أنها المرة الآولي التي تنزل بها إجازة مُنذ أن سافرت إلي زوجها كعروس.
تحركت إلي ذاك الغافي بعدما إنتهت من وضع جميع مساحيقها وتحدثت بنبرة هادئة وهي تُحركهُ بحذر من كتفهُ خشيةً غضب ذاك الذي يُصاب بالغضب من أقل تصرف: _عبدالعزيز، عبدالعزيز، يلا جوم، إكده عتتأخر علي صلاة العيد. فتح عيناه شئً فشئ ورمقها بنظرة شامله لوجهها وثيابها وتسائل مُتعجبً: _هي الساعة كام؟ إستدارت وتحركت إلي التَّسريحة وأجابته بعدما إلتقطت قنينة عِطرها وبدأت بالنثر منها علي ثيابها ووجهها ويداها:
_الساعة أربعة ونص، الفچر أذن جوم يلا عشان تتسبح وتلبس هدومك لجل ما نلحج صلاة العيد في الچامع بتاع چدي اللي چار السرايا ونعيدوا وياه. تحدث بنبرة حادة ونظرات متعجبة: _وإحنا إيه اللي عيودينا نصلوا العيد ونعيدوا عِند چدك؟ نظرت إليه وتحدثت: _أومال يعني عاوزنا نجضي العيد فين يا عبدالعزيز؟ سحب جسدهِ وأعتدل بجلسته وهتف ساخراً: _علي رأيك عنجضوة فين، عيكون في بيتنا إهنيه ويا أهلي وعيالي مثلاً؟
شعرت بسخريتهُ وبداية غضبهُ فقررت اللعب معهُ بذكاء لتستدعي تعاطفهُ معها والانصياع لها كما نصحتها فايقة: _حرام عليك يا عبدالعزيز، دي أول أچازة ليا من يوم ما سافرت لك من أربع سنين، وچدي وأهلي وحشوني ونفسي أحضر العيد والدبيـ.ـح وياهم. واسترسلت شارحة: _وبعدين عيالك وخالي ومّرت خالي چوم عِندينا في السعودية زيارة مرتين، وكل مرة كانوا عيجعدوا بالشهرين. وأكملت بنبرة إعتراضية حزينة:
_مش كفاية إننا واصلين من أولة إمبارح ومخلتنيش زرتهم لحد دلوك. زفر بضيق ومسح علي وجههِ ليُسيطر علي غضبه سريع الحضور وتحدث: _يا فتاح يا عليم يا رزاج يا كريم، ما تصطبحي يا بِت الناس وتعجلي وتوزني حديتك زين. وأكمل بنبرة حادة ساخراً: _لهو أني كُنت جاطع تذاكر وچاي الأچازة لجل ما أحضر العيد ويا چدك وعيلتك إياك؟ واسترسل بنبرة صارمة: _العيد عنحضره إهنيه وَيا عيالي وأبوي وأمي وخواتي، ومعاوزش لت حريم كَتير علي الصُبح.
دبت بساقيها بإعتراض لكنها كظمت غيظها وكلماتها خشية غضبة ذاك العبدالعزيز وتحولهُ المخيف الذي وبرغم عشقهُ لها إلا أنهُ صارم جداً وأحياناً يصل لتعنيفها والعقاب بالهجر والحجز داخل المنزل بالأسابيع دون رؤية الشارع نهائيً. نفض عنه الغطاء وتحرك ووقف بجانبها، ثم أمسك ذقنها ورفع وجهها إليه وهتف معنفً إياها وهو ينهرها: _إيه اللي حطاه في خلجتك ده يا حزينة؟ إبتلعت لُعابها وأردفت بتلبك:
_ده ميك اب، إنهاردة عيد وأني ليا أربع سنين منزلتش النچع. ألبرأسهِ بتعجب وهتف: _ومال نزولك النچع بالهباب اللي دهناه علي خلجتك دي؟ ثم هتف بنبرة حادة وعيناي تشبه الصقر بحدتها لعلمهِ أنها تفعل هذا لأجل يزن ولأجل إغاظة زوجتهُ وأقربائها التي دائماً ما تُثرثر وتتهمهم بالغيرة والحقد عليها: _إدخلي الحمام إغسلي الهباب اللي ملخبطة بيه خلجتك دي ومعايزش أشوف حتي الكُحل في عنيكي. وأكمل مهدداً بنبرة صارمة: _فهماني يا ليلي.
نظرت إليه وبدون سابق إنذار زرفت دموعها بقلة حيلة واستسلام، وما أن رأها ذاك المُحب حتي زفر بضيق وتحدث إليها بنبرة هادئة: _عتبكي ليه عاد يا بِت الناس؟ تحدثت بنبرة لائمة من بين شهقاتها: _صُح معارفش عبكي ليه يا عبدالعزيز؟ وأكملت بنبرة حزينة: _عبكي علي حظي اللي ملاجيهوش وَيّا حد واصل. خبط كفاه ببعضيهما وتحدث: _لا حول ولاقوة إلا بالله، عتجولي ليه إكده بس يا ليلي؟ أجايته من بين دموعها:
_كُل حاچة عِنديك بالإچبار، ميتا خدت برأيي في حاچة ولا عِملت لي اللي أني ريداه. تنفس عالياً ثم زفر وأردف قائلاً: _اللي هو إيه اللي إنتِ ريداه يا بِت عمتي؟ وأسترسل شارحً: _بجا لك وياي أربع سنين بحالهم، لا إطبعتي بطبعي ولا حاولتي تريحيني لجل ما بالي يرتاح وأريحك وياي. وأكمل بنبرة تعقلية:
_بجا لي أربع سنين منزلتش النچع ولا حضرت العيد إهنيه، ويوم ما أنزل عوزاني أفوت عيالي وأهلي وأروح أرخص حالي عِند أهل مّرتي عشان يتجال عليّ دلدول المّرة؟ وأكمل متسائلاً بنبرة عاقلة: _ترضيها علي چوزك يا ليلي؟ تمعنت النظر إليه وهزت رأسها بنفي بعدما تيقنت صحة حديثهُ، أمسك كتفها وتحدث معترفً بنبرة غائرة: _أني كلمت قاسم بالليل وجُولت له إني عوديكِ عنديهم بعد المغرب، بس جولت له إني مرايدش يزن يكون موچود في السرايا وجتها.
وأكمل بعيون حادة من شدة غيرتة: _أظن من حجي أغير علي مّرتين. نظرت إليه بحزن وهزت رأسها بموافقة، سحبها هو إلي داخل أحضانهُ وتحدث بنبرة هادئة: _ربنا يهديكِ ليا ويكملك بعجلك يا حبيبتي. أخرجها من جديد وتحدث بنبرة حنون: _طلعي لي غيار وحصليني علي الحمام لجل ما نلحج صلاة العيد. إبتسمت بخفوت وتحدثت إليه: _كُل سنة وإنتَ طيب يا عبدالعزيز. أمسك وجنتها ووضع عليه قُبـ.ـلة حنون وتحدث بنبرة مُحبة: _وإنتِ طيبة وبخير يا ليلي. ***
داخل حُجرة قاسم فاق من غفوته، سحب جسـ.ـده لأعلي وجلس ، وتحدث إلي تلك الغافية بجانبة: _صفا، إصحي يا جلبي لجل ما ناخد شاور عشان صلاة العيد. تمللت تلك الناعسة التي تظل دائما متعطشة للنوم بسبب هرومونات الحمل، وهمهمت بإعتراض: _أممممم، أني نعسانة جوي يا قاسم، خليني نايمة وإنزل إنتَ. مال علي وجنتها ووضع قُبـ.ـلةً حنون وأردف قائلاً: _معينفعش يا صفا، ده عيد ولو سيبتك نايمة الكُل عيجلج عليكِ وأولهم عمي ومَرته.
تمللت من جديد وأردفت بنُعاس وصوتٍ مُتحشرج: _حرام عليك يا قاسم، ده أني ملحجتش أنام ساعتين علي بعض. تحدث وهو يحاول إيقاظها رُغمً عنه: _معلش يا حبيبتي، عننزل نحضر الصلاة وتعيدي علي الكل وبعدين عطلعك تنامي، وأنزل أني لجل ما أحضر ذبـ.ـح الأضاحي وتفريجها. أطاعته وفاقت متغصبة علي حالها متجهة إلي المرحاض بعدما قام هو علي تجهيزهُ كي لا يُحملها عِبئً علي عبئ الحَمل.
أما داخل مسكن قدري، كان يقف أمام المرأه يلف عِمامتهُ البيضاء فوق رأسهُ بعناية بعدما خرج من المرحاض، حيث أخذ حمامً دافئً من تحضير تلك الفايقة التي إهتمت به للغاية ليلاً وصباحً كي تنال رضاه "ولكن هيهات"، فقد بات يعاملها أسوء معاملة حتي بعدما أصبح شغلها الشاغل هو إرضائهُ، لكنه يعلم علم اليقين أنها تفعل هذا فقط لنيل رضاه كي يُعيدها إلي قلبه من جديد ومنهُ إلي رضا رسمية وعودتها لمكانتها السابقة بالسرايا.
وقفت بجانبه ومسحت علي كتفه بعناية وتحدثت بنبرة حنون مصطنعة: _كُل سنة وإنتَ بخير يا قدري. أجابها بنبرة جادة وملامح وجة مقتضبة: _وإنتٌ بخير. أردفت قائلة بنبرة حنون في محاولة منها كعادتها لسحبهُ لعالمها من جديد: _لحد ميتا عتفضل زعلان مني إكده يا أبو قاسم، خاصيمك النبي لتنسي اللي حُصل وترچع وياي كيف اللول. رمقها بنبرة حادة وأردف قائلاً بذكاء:
_هو أنتِ يا مّرة معيتصلحش حالك واصل، تعدي السنين وتمر ولساتك كيف الحية اللي عتلف علي الضحية لجل ما تمص دمها. وأكمل مسترسلاً بنبرة حادة: _فكراني أهبل إياك ومواعيش لتخطيتك اللي عتخططي له لجل ماترجعي كيف ما كنتي في البيت جبل ساب. جردت عليه بمراوغة وكذب: _صدجني يا أخوي إنتَ ظالمني، أني كل اللي عتمناه دلوك هو رضاك عليّ وبس. إبتسم ساخراً بجانب فمه وتحرك للخارج تاركً إياها لإستشاطتها ونارهـ.ـا الشاعـ.ـلة منه.
خرج قدري من باب مسكنه وجد قاسم يتحرك داخل الرواق وبجانبهُ صفا، محاوطً خصـ.ـرها بيده وهي تتحرك ببطئ ساندة ظهرها بكف يدها ويظهر عليها تعب الحُمل جراء وصولها للشهر السادست. تحرك قاسم إلي والدهُ وتحدث بإحترام وهو يُقبل كف يده: _كل عام وإنتَ بخير يا أبوي. أردف قدري قائلاً بإستحسان: _وإنتَ بخير وصحة يا ولدي. ونظر إلي صفا التي تحركت إليه ببطئ وعايدته قائلة: _كل عام وحضرتك بخير يا عمي. ربت علي ظهرها وسألها بعدما رد معايدتها:
_كيفك يا بِتي، زينة؟ أجابته بنبرة هادئة: _بخير والحمدلله يا عمي. أتت من خلفهم تلك التي وقفت وتحدثت إلي ولدها وزوجته: _صباح الخير. إقترب منها قاسم وأمسك رأسها وقام بوضع قُبـ.ـلة حنون فوقها وتحدث بعدما إبتعد عنها قليلاً: _كل عام وإنتِ بخير وصحة يا أم قاسم. إبتسمت له وربتت علي كتفهِ بسعادة وفخر. مدت صفا يدها وعايدتها بوجهٍ مُبتسم قائلة: _كل سنة وإنتِ بخير يا مرت عمي.
ردت عليها تلك الفايقة بكلماتٍ محددة وبملامح وجهٍ قاسي خالي من أية تعبيرات تدل علي قبولها لتلك الصافية: _وإنتِ بخير. فبرغم كل ما حدث إلا أنها لم تتقبل صفا ولا ورد بحياتها إلي الآن. تحرك قدري إلي الدرج وتدلي ولحقته تلك الحية، أما قاسم الذي أمسك كف صغيرته ونظر لها وأماء بعيناه ليحثها علي ألا تحزن، إبتسمت لهُ تلك التي أخذت الأمر ببساطة وهدوء وتحركا سوياً إلي الدرج سانداً أياها من جديد.
حضر جميع من بالمنزل وحاوطوا الجد والجدة وقاموا بتقبيل كفاي يداهم ومقدمة رأسيهما تعبيراً عن الإحترام والتقدير الذي يكنهُ الجميع لهذا الثُنائي الأصيل. وبدأ جميع الرجال بتوزيع العملات المالية " العيدية " علي الأطفال والنساء مما جعل الفرحة تعُم علي الجميع. أسرع مالك إلي أبيه وتحدث: _كل سنة وإنتَ طيب يا بابا. حملهُ قاسم بين ساعديه وقـ.ـبلهُ بسعادة وتحدث: _وإنتَ طيب وبخير يا حبيبي. إقتربت منه صفا وقبلت وجنتهُ
وهتفت بنبرة حنون: _كل سنة وإنتَ منور دنيتنا يا حبيبي. حاوط الصغير عُنقها وقَبل وجنتها وتحدث بحنان وهو يتحـ.ـسس وجنتها كقطة سيامي: _وإنتِ طيبة يا ماما. إلتف الجميع حول عِثمان داخل الفيراندا وتحدث هو بنبرة جادة وهو يتبادل النظر بين أنجالهُ وأحفادهُ وزوجاتهم: _أني رايد أخبركم بحاچة مهمة جوي لچل ما يكون عِنديكم عِلم، وأكون خلصت ضميري جِدام ربنا سبحانه وتعالي. أدق الجميع النظر إليه فأكمل وهو ينظر إلي زيدان:
_أني عدي لـزيدان ورثته مني كيفه كيف خواته. إبتسمت رسمية بإستحسان لحديث زوجها الذي أخبرها به مِن ذِي قَبل، حين أردف زيدان قائلاً بقناعة ورضا: _أني معايزش حاچة يا أبوي، أني الحمدلله عِندي اللي يكفيني وكلياته تحت أمرك وأمر خواتي وعيالهم. إبتسم عِثمان وتحدث بنبرة صادقة حنون: _ده حجك بشرع الله يا ولدي. وأكمل بإبتسامة حانية أثرت قلب زيدان: _إوعاك تكون فاكر إني كُنت عخالف شرع الله وضميري وأظلمك صُح يا عزيز عين أبوك.
وأكمل وهو ينظر إلي قاسم المُبتسم: _إسأل إبن أخوك علي الوصية اللي خليته يكتبها لي من جبل خطوبته علي صفا بِتك بسَبوع. نظر كُلً من قدري ومُنتصر ورسمية إلي زيدان وأبتسموا له في إشارة منهم بالموافقة والترحيب بقرار عِثمان ومباركة ودعم القرار، تحت إستشـ.ـاطة قلب فايقة التي شعرت بفوز زيدان بكل شئ حتي مال أبيه. واسترسل الجد شارحً:
_أني كاتب في الوصية اللي بصمت عليها وختمت لجل ما أأكد علي صحتها، إن ليك في ورثي كيفك كيف خواتك بالظبط، وكاتب فيها كمان حج خواتك الحَريم عشان محدش يظلمهم والشيطان يدخل بيناتكم بعد ما أموت. نظر إليه الجميع بهلع يبعدون تلك الفكرة عنه، فتحدثت رسمية إلي زوجها الحبيب وعشرة عمرها: _ربنا يبارك لنا في عمرك يا غالي ويخليك لينا، ده إحنا منغيرك ولا نسوي حاچة. أقبل زيدان علي أبيه ومال علي كف يده ليُقـ.ـبلهُ بإحترام وتقدير
وتحدث بنبرة جادة صادقة: _ربنا يبارك في عُمرك ويديمك فوج روسنا يا أبوي. إبتسم برضا إلي زيدان ثم توجه بحديثهُ إلي صفا قائلاً بنبرة جادة: _معلش يا بِتي، عترچعي العشرين فدان لچدتك لجل ما يتوزعوا بين الكُل بالعدل وبما يرضي الله. إبتسمت لجدها وتحدثت بموافقة تحت إستحسان ورد وزيدان وتفاخرهُما بإبنتيهما: _أني تحت أمرك في كُل اللي عتؤمر بيه يا چدي. وأكملت ضاحكة بخفة: _أني أصلاً مكنتش فكراهم غير دلوك لما حضرتك چبت سيرتهم.
إبتسم لها قاسم ولف ذراعهُ حول كتفها برعاية، نظرت عليه وتنفست بإنتشاء وسعادة.
صدحت أصوات المكبرين والمهللين عبر المكبرات داخل الجوامع لتعلن للجميع عن إقتراب موعد الصلاة، تحرك الرجال بسعادة مصطحبين الجد إلي المسجد المجاور للسرايا وبدأوا بإحياء شعيرة التهليل والتكبير مما خلق حالة من السعادة والبهجة علي جميع ساكني النجعبعد قليل كان الجد جالسً وسط الفيراندا ينظر علي أولادهُ وأحفادهُ وأطفالهم وهم يمرحون حول الجزارين الذين شرعوا بذبـ.ـح الذبائـ.ـح إتباعً لسُنة نبينا الهادي المؤكدة، وبدأوا الخفر وشباب العائلة بحمل الأكياس وتوزيعها علي الأهل والاقارب وساكني النجع جميعاً، مما أدخل السرور علي قلوب الجميع.
تحدث مالك إلي والدهُ: _بابا، هو أحنا ليه بنـ.ـدبح في العيد؟ نظر قاسم إلي جده الجالس بالفيراندا وأشار قائلاً بصوتٍ جهوري عالي: _روح لچدك الحاچ عِثمان وهو هيحكي لك الحكاية كلياتها. وأشار إلي صغار العائلة قائلاً: _روحوا يا ولاد لچدكم عِثمان لجل ما يحكي لكم قصة سيدنا إسماعيل مع والدة نبي الله وأبو الانبياء سيدنا إبراهيم.
إبتسم الجد حين تذكر كيف كان يجمع أحفادهُ في الماضي ويقص عليهم قصة سيدنا إسماعيل مع حلم أبيه سيدنا إبراهيم. إلتف الصغار حول الجد وبدأ هو بقص القصة والعبرة منها تحت سعادة الصغار ومناقشاتهم وأسألتهم الموجهة إلي الجد. أما في الداخل بدأن النساء في طهي لحوم الأُضحية فور إدخالها إليهن. تحدثت ورد إلي صفا التي كانت تريد الصعود لتغفو: _إجعدي كُلي لك حتة كِبدة محمرة تسند جلبك وتغذي عَيلك وبعدها إبجي إطلعي نامي براحتك.
وافقتها الجدة الجالسة علي مقعداً وسط المطبخ لتتابع تحضيرات الأطعمة الشهيرة والخاصة بذاك اليوم العظيم وتحدثت: _إجعدي لحد ما الوّكل يچهز وكُلي ويانا يا بِتي، بركة اللُجمة في اللمة وخصوصي لمة العيد. نظرت إلي الجميع بتردُد فتحدثت مريم التي تصنع صنية الرقاق الشهيرة والتي لا يكتمل العيد إلا بها هي والفتة: _عتطلعي تنامي وتفوتي صَنية الرُجاج اللي ملهاش زي دي.
أكملت علي حديثها أمل التي كانت تقف أمام الموقد وتصنع معجون الطماطم الخاص بالفتة قائلة بتلذذ وهي تستنشق الرائحة: _ولا طشة الفتة اللي ريحتها جايبة أخر البلد. نظرت لكلتاهما وسال لُعابها من مظهر الأكلات والروائح الذكية التي جعلتها تتشوق لتذوق الطعام فتحدثت بنيرة إستسلامية: _خلاص هجعد وأمري إلي الله، وبلاها نوم إنهاردة. تحدثت نجاة التي كانت تقوم بتقطيع مكونات السلطة الخضراء بجانب فايقة الصامتة:
_أهو إكده الكلام الزين، وبعدين كلياتنا منمناش ليلة إمبارح، نتغدوا وكل واحد يطلع علي مطرحه ينام براحته. وافقها الجميع الرأي وبعد مرور حوالي ساعة، كان الجميع يلتف حول سُفرة الطعام المستطيلة والتي يصل طولها من بداية حُجرة الطعام إلي نهايتها، وكان عِثمان قد وصي بصُنعها خصيصاً ختي تستوعب جلوس جميع عائلتهُ حولها.
أما عِثمان الجالس بمقعدهِ يترأس المنضدة، فنظر ألي عائلتهُ وشعر بالفخر وهو يري الجميع يتناولون الطعام ويتبادلون الضحكات والأحاديث المُثمرة التي تؤلف بين قلوبهم وتُقرب وجهات النظر بينهم. إبتسم للجميع وتحدث بنبرة صوت حنون: _كُل عام وإنتم بخير. نظر إليه الجميع بإحترام وردوا عليه، وحينها شعر هو بإرتياح عندما تيقن بأنهُ وأخيراً رسي بسفينته إلي بر الأمان وأطمئن علي غواليه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!