الفصل 32 | من 48 فصل

رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم روز امين

المشاهدات
24
كلمة
8,213
وقت القراءة
42 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

صرخت ورد باسم إبنتها التي أعلنت عن إنهيارها التام وكأن جسدها لم يعد لديه القدرة على التحمل بعد، فقام برفع رايته البيضاء واستسلم لتلك الغيمة السوداء التي سحبتها بداخلها، وكأنها بفقدانها للوعي الكامل قد أعلنت انسحابها من تلك المعركة غير المتكافئة.

هرولت ورد خلف ذلك الذي حمل حبيبتها بقلب يرتجف رعبًا على من ملكت الفؤاد وأصبحت له المعنى الحقيقي للحياة. كان يصرخ بكل صوته ويأمرهم بإحضار طبيب ليفحصها. أسرع لخارج الحجرة سريعًا واتجه بها إلى غرفة جانبية مجهزة ومخصصة لاستقبال أية زائرين تضطرهم الظروف للمبيت داخل سرايا النعماني.

انتفضت مريم من جلستها وفارس الذي يجاورها الجلوس بالأريكة وباقي أفراد العائلة الذين كانوا ينتظرون نتائج تلك الجلسة الساخنة، بقلوب ترتجف رعبًا على ثنائي العشق. عدا تلك الحاقدة التي وصلت سعادتها عنان السماء بعدما استمعت إلى خبر زواج قاسم على غريمتها التي لم ولن تبغض وتمقت أحدًا في هذا العالم مثلما بغضتها، إنها ليلي لا غير.

أسرع الجميع يهرولون خلف قاسم عدا الجد عثمان الذي ظل جالسًا بمقعده، ساندًا وجهه على كفيه المتكئة على عصاه الأبنوسية، ناظرًا أسفل قدميه بخزي وقهر وألم مميت. غصة مرة وقفت بمنتصف حلقه جعلته يشعر بمرارة وبشاعة ما اقترفت يداه بحق أحفاده الذي جني عليهم بإجباره الأعمى، وإصراره على الدخول بطريق لم يرده أيًا منهم بل وإرغامهم بالمضي قدمًا واستكماله حتى النهاية، برغم ما يشعر به جميعهم من مرارة وألم وضياع داخل تلك الزيجات.

برفق شديد، وضع قاسم صفا فوق التخت وتحدث بنبرة مرتجفة ونظرة عين هلعة: "دكتور، حد يجيب دكتور بسرعة." انتفض يزن بوقفته وبسرعة البرق كان يقف أمام سيارته التي مازالت مصطفة بمدخل حديقة السرايا عندما أحضر بها صفا من محطة القطار. وضع كف يده ليفتح باب سيارته ليترجلها، توقف مكانه حينما استمع لصوت تلك الغاضبة التي صاحت من خلفه وهي تهتف متسائلة بتعجب:

"رايح فين يا يزن، لتكون سمعت كلام الممحون اللي اسمه قاسم ورايح تجيب دكتور لجلوع أبوها دي كمان؟ وأكملت بنبرة مقللة لوضع صفا: "متخافش على بت ورد جوي أكده، دلوك جدتك رسمية هتكسر لها بصلة وتدعك لها بيها مناخيرها وتجوم كيف الجردة." وأكملت وهي تتمشى بغنج وتتحرك إليه بأنوثة اكتسبتها عن جديد وفقًا لما خططته لها والدتها فاقدة العزة والكرامة، في محاولة منها لاستعادته إليها من جديد:

"تعال نطلعوا فوق على شجتنا لجل ما نتحدت ويا بعض ونتصافى، وصدقني يا حبيبي، هعيشك ليلة كيف الملوك، هكون لك جاريتك المطيعة اللي هتوريك الهنا بألوانه." شملها بنظرة اشمئزاز واحتقار مهين لكرامتها التي وضعتها جانبًا لحين الانتهاء من الخطة التي وضعتها لها فايقة بجانب انتوائهما الذهاب إلى المشعوذ التي تعتقد أنه بإستطاعته إرجاع يزن لأحضانها من جديد. وهتف بنبرة مميتة لشخصها:

"تعرفي يا ليلي، إني كل يوم بجلد حالي وبلومها على إنها عطتك فرصة وكانت دائمًا توصيني بالصبر عليكِ. إنتِ إيه، شيطان معندوش قلب." واكمل بسؤال ساخر: "إلا جولي لي يا ليلي؟ إنتِ بتلعقي ريقك زيينا أكده عادي؟ يعني معتخافيش للسم اللي جوه خشمك ده يسمم جسدك ويقتلك؟ ولا إنتِ كيفك كيف الحية بتقتلي غيرك بسمك ومهتتأذيش منه."

ورمقها بنظرة اشمئزاز شاملة وصعد سيارته وقادها سريعًا تحت غضبها العارم من حديثه الساخر. وذهب إلى المركز التابع له نجعه لإصطحاب دكتورة أمل بعدما هاتفها لتتجهز استعدادًا لفحص صفا. أما ذلك العاشق، الجاني والمجني عليه، الجارح والمجروح، الظالم والمظلوم بحكايته، فكان ينحني بجسده على مالكة القلب والروح، يضرب برفق وجنتها بكف يديه كي تستفيق. حدثها بصوت يرتجف من شدة قلقه وألم قلبه على متيمته:

"فوقي يا صفا، فتحي عينيكي يا نبض قلبي، جومي علشان خاطري." فوجئ بمن يكمشه من حِلتِه بقبضة يده الحديدية ويجذبه للخلف ويصيح بوجهه غاضبًا لملامح كاشرة: "بعد يدك عن بتي لأقطعها لك وإنجلع من هنيه." نظر إلى عمه وما زال متسمرًا بوقفته بجانب تلك الغائبة عن الوعي وهتف بنبرة صامدة: "مهتحركش من مكاني غير لما تفتح عينيها وأطمن إنها بخير." أتت العاملة حُسن وهي تهرول وتبسط إحدى ذراعيها باتجاه رسمية وتحدثت بنبرة مرتجفة:

"البصلة يا ستي الحاچة." التقطتها منها وكادت أن تقربها من أنفها لولا يد قاسم الذي أبعدها بعنف وتحدث إليها محذرًا: "إيه اللي هتعمليه ده يا جدة." ثم نظر إلى مريم التي تزرف دموعها بغزارة على ابنة عمه الغالية وهي تتسطح فوق الفراش بجسد يشبه الأموات، وهتف بطريقة آمرة: "هاتي أي برفان من عندك يا مريم، بسرعة."

اعترضت رسمية التي قربت يدها من جديد بجانب أنف تلك المغشي عليها التي وبالفعل بدأت بالتملل والاستفاقة التدريجية. حركت أهدابها عدة مرات متتالية في مقاومة منها بفتح عينيها. تنفس بعمق وشعر بأن روحه قد ردت إليه بعدما كان قد افتقدها مع فقدان أميرته لوعيها. وصل يزن تحت مسكن أمل في أقل من عشرة دقائق وذلك لسرعة قيادته الجنونية ولقرب المسافة بين النجع والمركز.

نزلت سريعًا وبغضون ثوانٍ معدودة كانت تهبط من المبنى حاملة حقيبتها الخاصة بالفحص بعدما وضعت بها كل ما يلزم لفحص صفا. تحركت إلى السيارة وأقلتها بجانبه. رمقها بنظرة حادة وتحدث وهو ينظر إلى الثياب المنزلية التي ترتديها بعدم رضا: "إنتِ هتاجي معايا أكده؟ أجابته وهي تتفحص حالتها باستغراب: "أكده اللي هو إزاي يعني مش فاهمة؟ أجابها باعتراض: "أقصد لبس البيت الضيق دي، هتاجي معايا بيه أكده؟

رمقته بعينان متسعة من شدة ذهولها وتحدثت وهي تشير بيدها في إشارة منها لحثه على التحرك: "أولًا ياريت تتحرك حالًا لأن مفيش عندنا وقت علشان نضيعه في الكلام الفاضي ده." تحرك سريعًا وكأنه وعى على حاله وأكملت هي بنبرة تهكمية: "ثانيًا بقا، هو سعادتك كنت عاوزني أقعد ألبس وأتمكيج وإنتَ بتقولي الدكتورة حصل لها إغماء مفاجئ؟ واسترسلت حديثها بتساؤل حاد: "ثالثًا بقا وده الأهم يا حضرة، إنتَ مالك بلبسي يا باشمهندس؟

كان يستمع إلى حديثها الذي أصابه بالضيق وهو ينظر إلى الطريق ويقود بسرعة عالية. بصعوبة بالغة تمالك من حاله وأجابها بلا مبالاة اصطنعها بصعوبة: "هتفتحي لي تحجيج عشان كلمة جولتها إياك! خلاص إنتِ حرة، أني اللي غلطان عشان معايزش حد يجيب سيرتك بكلمة بطالة ويقول عليكِ نازلة بخلجات البيت." استشاط داخلها عندما استمعت لكلماته وتساءلت بحدة: "وده مين اللي أمه داعية عليه وهيقف قدامي وكمان يتكلم عني؟

وبعدين إنتَ ليه محسسني إني نازلة ببجامة ولا كاش، أنا لابسة ترنج محترم وواسع ومغطي كل جسمي، والناس في القاهرة بتخرج بيه عادي." تنهد باستسلام من عناد تلك المشاكسة التي لن يستطيع إقناعها بوجهة نظره مهما حاول، فتحدث بنبرة غائرة وهو ينظر لتلك الخصلة الهاربة من خلف حجابها التي وضعتة على عجل بدون إحكام: "طب على الأقل دخلي شعرك ولفي حجابك زين." وأكمل متهكمًا: "ولا دي كمان بتعملوها عندكم في القاهرة عادي؟

شعرت بالخجل من حالها وبسرعة رفعت كفي يداها وعدلت من حجابها وأحكمته جيدًا على رأسها. أوقف السيارة سريعًا داخل سور السرايا وترجلت هي وتحركت خلفه حيث يسبق خطواتها كي يرشدها للطريق تحت استغراب ليلي التي كانت تتوقع حضور دكتور ياسر.

دُلفت إلى صفا وخرج الجميع عدا ورد ورسمية ونجاة. وقف على باب حجرتها ساندًا بمقدمة رأسه على جدارها الملصق بالباب، كان يشعر بمرارة غزت حلقه، أصابته حالة من الندم وجلد الذات جعلته يحتقر حاله. تمنى لو أن الزمن عاد به إلى ما قبل سبعة أعوام. رمقه زيدان بنظرة حارقة وهتف بنبرة تهديدية: "بتي لو جرى لها حاجة مهيخلصكش من يدي غير الموت يا قاسم." وضع قدري يده على كتف زيدان وحدثه بطمأنة قائلاً:

"إهدي اومال يا زيدان، دلوك الدكتورة هتعرف وتطمنا عليها وهتبقى زينة." همست ليلي بصوت ضعيف إلى والدتها التي تجاورها الجلوس في الفيراندا بعيدًا عن الجميع: "هو يزن مجابش الدكتور ياسر ليه، ومين المهشكة اللي جايه من بيتها بالترنج دي كمان؟ أجابتها فايقة بنبرة هادئة تدل على راحتها واستقرار داخلها: "دي لازم دكتورة النسا اللي بتشتغل في المستشفى بتاعت جدك، وأكملت بإشادة: حريم العيلة بيقولوا عليها شاطرة قوي." قطبت ليلي

جبينها واستفسرت باستغراب: "ودكتورة النسا هتيجي لبِت ورد تعمل لها إيه؟ تنفست بانتشاء وأجابتها بسعادة ظهرت على وجهها: "هو إني مجلتلكيش، مش بت زيدان طلعت حبلى." نزلت تلك الجملة على قلب تلك الحاقدة وكأنها قنبلة نووية أحـ.ـرقت معها الأخضر واليابس. أكملت فايقة بملامح وجه ضاحكة بهيئة شريرة دون الشعور بالتي تجاورها الجلوس وبداخلها نارًا شاعلة لو خرجت لفحمت المنزل بأكمله:

"كأن كفة ميزانك هتعطُب وتتعدل والدنيا هتعضحك لك من تاني يا فايقة." رمقتها تلك التي تكاد تخرج دخانًا من رأسها من شدة غيرتها وهتفت بنبرة غاضبة: "ومالك فرحانة لها قوي أكده، الله الوكيل لو إني اللي حبلى ماكنتي هتفرحي أكده." نظرت لها باستغراب وتحدثت بقلب مهموم: "بتقولي لي إني الحديت دي يا ليلي؟

ده إني مفيش حاجة جدرت عليا وكسرتني جد موضوع حبلك دي، دي جهرتك متفارقش جلبي يا بتي وخيبتي فيكِ جوي جوي، بس إني مش ضعيفة لجل ما أجعد ألطم وأعدد على اللي راح." وأكملت بنبرة حاقدة: "وغلاوتك عندي لدوق كل واحد في السرايا دي المر بأنواعه، كل واحد منهم ليه عندي نايبه من المصايب اللي هتربط فوق نفوخهم، وكله هياجي بالدور." تفوهت ليلي بنبرة غاضبة: "برضه مجاوبتيش على سؤالي، إيه اللي مفرحك قوي أكده إن المدعوجة طلعت حبلى؟

وأكملت بنبرة تهكمية: "ولأجل أكده كنتي هتزغردي يا أما! ابتسمت وأجابتها بتهكم: "هقولك إيه، ما إنتِ عقلك صغير ومعتفكريش إلا بعشق المعدول ابن نجاة اللي رماكي ومهيعبركيش." وأكملت بتفسير: "زيدان كان على شعرة ويطلق بتّه من قاسم ومحدش كان هيقدر يقف قُصاده ولا يلومه بعد اللي عرفوه حتى جدك بذات نفسه، وكان هيجوزها لأي حد تاني وياخد هو الجمل بما حمل." وأكملت بما أرعب تلك ليلي:

"ومش بعيد وقتها جدك كان هيجوزها ليزن ويضرب عصفورين بحجر واحد، الأول لجل ما فلوس زيدان المتلتلة متخرجش بره العيلة كيف ما قانون العيلة بيقول، والتاني لجل ما يزن يخلف منها العيال اللي هيمدوا جذور العيلة ويخلدوا اسم النعماني في الدنيا." وأكملت بابتسامة سعيدة: "بس كلمة المدعوجة ورد جت وقتها بالمظبوط، أول مرة تعمل حاجة صح وتكيفني." وأكملت بانتشاء وتمني:

"ويسلااام لو الحظ ضحك وأخوك جاب منها ولد، أكده كفة ميزانا هتعطُب والزمن نصفنا وضحك لينا كلياتنا، أخوك هيعوش على كل مال زيدان وشقايا بعد زيدان بنفسه ما يكتبه كلياته لبِته وولدها، وإنتِ هتضمني إن يزن يفضل أكده من غير جواز." تنهدت براحة وسألتها بتملل: "طب ميتا هتعوديني للشيخ اللي هيخلي يزن يبقى خاتم في صباعي كيف ما قولتي لي؟ أجابتها بثبات:

"قريب، خليكي ماشية ورا حديثي وأني هخليه يرجع لك ويترمي تحت رجليكِ ويتمنى رضاكِ عليه." تنهدت براحة شديدة ورفعت قامتها وهي تبتسم بسعادة من مجرد تخيلها برجوع يزن لعالمها من جديد. التفتت سريعًا إلى والدتها وتحدثت بتذكر: "إلا جولي لي يا أما، إنتِ كنتي عارفة إن قاسم متجوز على المخفية صفا؟ ضحكت فايقة وتحدثت بانتشاء وهي تضع ساق فوق الأخرى بكبرياء: "فكرك حاجة مهمة زي دي هعَدّي من تحت يدي؟ هتفت بنبرة غاضبة: "ومجولتيليش ليه؟

أجابتها بابتسامة جانبية: "عشان عارفك غبية ومعتفكريش بعجل كيف أبوكِ بالمظبوط، كنتي عايزاني أقول لك عشان تروحي تقولي لها لجل ما تشفي غليلك منها وتبوظي لي تخطيطي اللي عم بستناه من سنين كتيرة قوي." ألحت ليلي على والدتها كي تقص لها أصل الرواية وبدايتها، فقَصتها لها مع تشديد فايقة بعدم إخبار ليلي لأي أحد بما استمعت.

بعد مدة من الوقت، انتهت أمل من فحص صفا. دلف زيدان ليطمئن على صغيرته بعدما منع قاسم من الدخول وهدده. وجدها تتمدد ومعلق بيدها كانولا متصلة بأنبوب محلول معلق في عليقة الملابس كي يساعد جسدها على المقاومة والاتزان، وكانت أمل قد أحضرت المحلول لعلمها أن ما حدث لصفا ما هو إلا إجهاد وضغط عصبي شديد تعرضت إليه بالإضافة إلى عدم تناولها لأي طعام مما أدى إلى هبوط في الدورة الدموية. تحرك زيدان إلى وقوف أمل وسألها عن وضع غالية أبيها

فأجابته أمل بنبرة مطمئنة: "إطمن يا زيدان بيه، الدكتورة كويسة لكن محتاجة تهتم بنفسها أكتر من كده، اللي حصل لها ده طبيعي نتيجة للضغط العصبي والنفسي اللي اتعرضت ليه." ونظرت إليها وتحدثت بنبرة لائمة: "ده غير إن الدكتورة مأكلتش أي حاجة من إمبارح." تحدثت جدتها التي تجاورها الفراش بنبرة حنون وهي تتحسس وجنتها التي ما زالت دموعها الجافة تلصق بها:

"إني هخلي حسن تطيب لك دِيك شمورد وتاكليه بشوربتها بالهنا والشفا لجل ما يسند قلبك ويقويكِ يا ست البنات." هزت رأسها برفض تام وتحدثت بنبرة ضعيفة: "معايزاش أكل." أجابتها أمل: "لازم تاكلي يا دكتورة عشان خاطر الجنين، هو حاليًا محتاج لك عشان تاخدي بإيده وتساعديه على البقاء، لازم تعودي نفسك من إنهاردة إنك مبقيتي حرة في قراراتك، لازم كمان تعملي حسابة في كل خطوة بتخطيها." وأكملت بحديث تقصد به والدتها:

"وإوعي في يوم ما يحتاج لك تخزليه وتتخلي عنه، لأنك بكده بتدمريه وبتخسريه للأبد، وهو حاليًا في أشد الاحتياج لك." هتف رسمية بإشادة: "يسلم فمك يا بتي، كلام زين وموزون." اقترب زيدان من جلستها فأفسحت له ورد المجال ليجاور غاليتها. مال على جبهتها ووضع قبلة حانية فوقها وأردف متسائلاً بنبرة ضعيفة: "عاملة إيه دلوك يا جلب أبوكِ؟ نظرت إليه بانكسار وتحدثت برجاء:

"خدني على دارك يا أبوي، مطيجاش أقعد هنيه، حاسة حالي بتخنج وروحي عتتسحب مني." تنهد زيدان وهم بالوقوف وتحدث بنبرة طاعة لأمر صغيرته وهو يستعد لحملها: "فكراني هسيبك هنيه تاني بعد اللي حصل إياك؟ أسرعت أمل في الحديث لتمنعه من حملها قائلة بنبرة هلعة: "صفا مينفعش تتحرك نهائي على الأقل إنهاردة، ده ممكن يكون فيه خطورة كبيرة على الجنين." ثم تحدثت إلى رسمية قائلة:

"ياريت حضرتك تجهزي لها الأكل اللي قولتي عليه وعلى ما تأكلوها أنا هتحرك للمستشفى أجيب لها حقنة تثبيت للجنين، محدش عارف الإجهاد والضغط اللي اتعرضت له طول اليوم ممكن يكون ضر الجنين بإيه، عشان كده لازم أبادر وأديها حقنة التثبيت كضمان." وأكملت وهي توجه حديثها إلى صفا قائلة بتنبيه: "وطبعًا مش محتاجة أقول لك يا دكتورة إن الحركة حتى ولو كانت مجرد خطوات ممكن تضر ببقاء واستقرار الجنين إزاي." سألها زيدان مستفسرًا:

"وهتقعد راقدة كتير في السرير أكده يا دكتورة؟ أجابته بهدوء: "يعدي أربعة وعشرين ساعة وبعدها لو مفيش مشاكل ظهرت تقدر تتحرك لحد بيت حضرتك اللي على ما فهمت إنه بعيد عنها بخطوات، بس طبعًا هتحتاج راحة في البيت لمدة أسبوع على الأقل." وافق الجميع وتحركت رسمية إلى الخارج وتلتها أمل وتركا صفا بصحبة والديها وأعاد غلق الباب من جديد. نظرت صفا إلى زيدان وهتفت برجاء ودموع: "طلقني منيه يا أبوي، مأقدرش أعيش معاه بعد اللي عمله فيا."

أومأ لها بإيجاب، بكت ورد بحرقة على عجزها أمام صغيرتها وما جرى لها من تلك الزيجة التي دائمًا كانت تشعر بالريبة من إتمامها. تحدثت بنحيب وهي تلوم زيدان وتجلده بنظراتها قبل كلماتها: "ياما حذرتك وجولت لك إني مأرتحاش للجوازة دي يا زيدان، جولت لك إني حاسة إنها هتبقى سبب شقا بتي ووجع جلبها، اتريجت عليّ ومصدقتنيش." أنزل بصره إلى الأسفل خجلًا. خارج الغرفة. تحرك قاسم إلى أمل وسألها متلهفًا بلكنة قاهرية:

"طمنيني عن وضع مراتي لو سمحتي." أسرع الجميع حيث وقوفها ليطمئنوا. تنفست عاليًا وأخبرته بحالة صفا بنبرة حادة وذلك لعدم تقبلها لشخص قاسم الذي يذكرها بخائنها الذي فضل عليها فتاة أخرى، شقيقتها التي وافقت بذبحها على يدها. نعم هي لم تكن على دراية بأية تفاصيل مما حدث مع صفا ولكن الأمر واضح وينذر بوجود امرأة أخرى. صوبت وجهتها إلى يزن وتحدثت بنبرة عملية:

"من فضلك يا باشمهندس، محتاجة لحضرتك توصلني بعربيتك للمستشفى عشان أجيب حقنة تثبيت للدكتورة." أخرجت ليلي شهقة عالية وهي تسألها بنبرة تهكمية بطريقة غير لائقة: "اسمعيني تاني أكده بتقولي إيه يا بيضة! "يزن مين اللي هيجول معاكي في الوقت ده مستشفى مقفولة يا مهشكة إنتِ." نظرت إليها بملامح منكمشة مضيقة بين حاجبيها وذلك لعدم فهمها لبعض الكلمات وتحدثت مستفسرة: "إنتِ تقصدي إيه بكلامك الغريب ده أنا مش فاهمة، ويعني إيه مهشكة دي؟

ومين حضرتك أصلًا؟ تحدثت ليلي بكبرياء وهي ترفع قامتها لأعلى: "إني مرت الباشمهندس يزن يا حبيبتي." رمق يزن ليلي بنظرات تحذيرية وعيون تطلق شزرًا وتحدث إلى أمل مغيراً معنى الحديث: "هي تقصد إنها خايفة عليكِ من طريق المستشفى بالليل أكده." تحرك بالسيارة واتجه في طريقهما إلى المستشفى. أردفت أمل إلى يزن: "مراتك شكلها بتحبك وبتغير عليك أوي." وابتسمت وأكملت باعتراف:

"على فكرة، أنا كنت فاهمة كلامها كويس جدًا بعيدًا عن كلمة مهشكة، وعارفة إنها كانت غيرانة عليك من وجودي معاك." قهقه عاليًا بشكل مثير مما جعلها تنظر إليه بإعجاب، وصحح لها قائلًا: "مهشكة، مش مهشتكة." وأكمل بتوضيح: "ويكون في معلومك، ليلي مش مرتي." قطبت جبينها وسألته باستغراب: "مش مرتك إزاي يعني؟

تنفس بأسف وأجابها بضيق وذلك لصعوبة الموقف عليه، فيزن ليس بالرجل الذي يكشف أسرار أهل بيته، لكنه كان مضطرًا لذلك، كي يضعها معه في الصورة ولمغزى داخل عقله سنتعرف عليه عن قريب: "أني وليلي في حكم المطلقين، يعني أني معاش وياها في مكان واحد، ولولا جدي كان زماني طلقتها، ويمكن مكنتش اتجوزتها من الأساس." ابتلعت لعابها ولا تعلم لماذا شعرت براحة عجيبة غزت قلبها بعد استماعها لهذا الاعتراف. لكنها تحدثت إليه:

"غريب أوي موقفك منها، مع إني شايفاها ست جميلة جدًا وتجذب أي راجل ليها." قالت كلماتها وترقبت إجابته بأنفاس محبوسة، حين تفوه هو: "وهي الحريم بالجمال أكده؟ "أومال بإيه يا باشمهندس؟ سؤال خبيث وجهته أمل إليه وانتظرت إجابته، لماذا؟ هي بالتأكيد لا تدري. ابتسم بجانب فمه لعلمه مغزى سؤالها، وتحدث بدعابة وهو ينظر لعيناها تارة ولطريقة تارة: "بجنانها ولسانها اللي سابقها في الرد كيف ما تكون الداية اللي ولدتها سحبتها منها."

ابتسمت بخجل لعلمها أنه يقصدها بحديثه فهتفت بنبرة جادة من بين بسمتها: "بتكلم جد على فكرة." رد عليها بنبرة جادة وحديث ذي مغزى: "ومين جالك إني بهزر."

ابتلعت لعابها وسحبت بصرها عن مرمى عينيها الهائمة التي تقطر عشقًا، وصلا للمستشفى وصف سيارته ودلف كلاهما إلى المستشفى تحت استغراب حراس الأمن. دلفت إلى داخل غرفة حجرتها لتجلب أنبولة الدواء، حين ذهب هو إلى مكتبه لإحضار أوراق مهمة كان يحتاج إليها، وبعدها ذهب إلى حيث مكتبها ودلف من بابه في توقيت خروجها واصطدام بينهما أدى إلى اختلال توازنها وجعلها تتهاوى وكادت أن تنبطح أرضًا لولا ساعديه الذي أمسك بهما كفي يداها وجذبها إليه. استقامت بوقفتها وتلاقت الأعين وتحدثت، ثوانٍ، مجرد ثوانٍ معدودة مرت عليهما كدهر.

سألها بعيون هائمة جراء حالة العشق التي تملكت منه لاقترابه منها لهذه الدرجة: "لقيتي اللي بتدوري عليه؟ استوعبت حالها وابتعدت سريعًا وتحدثت إليه بعيون متهربة زائغة تتلفت هنا وهناك: "لقيته، يلا بينا عشان مانتأخرش على صفا." استقلا كلاهما السيارة وعادا إلى السرايا بصمت تام، ولكن بقلوب منعشة، تعيش حالة جديدة لم يشعر بها أي منهما من ذي قبل.

دُلفت إلى صفا وتأكدت من أنها تناولت طعامها ثم حقنتها وتحركت إلى الخارج. وجدت قاسم يقف بالمرصاد لزيدان الذي يمنعه الدلوف إلى صفا. هتف قاسم بنبرة حادة: "مش من حقك تمنعني أدخل أطمن على مراتي." أجابه زيدان بقوة: "وأني جولت لك متدخلش يعني متدخلش." خرج عثمان على مناكرتهم وتحدث بحدة إلى قاسم: "متسمعش الكلام ليه يا ولد قدري، عمك جالك متدخلش." وأشار بيده لأعلى وتحدث بنبرة آمرة: "اطلع دلوك على شقتك نام والصباح رباح."

رمق جده بنظرة غاضبة وأردف معاندًا إياه: "لحد أكده وخلاص يا جدي، زمن الجبر والأوامر انتهى." واسترسل حديثه بنبرة صامدة: "أني هدخل لمرتي، ومفيش جوه حد هيمنعني إني أطمن عليها وأطمنها على حالي." تحدث زيدان بنبرة أشد حدة وهو يقف أمام باب الحجرة ويسده بجسده العريض: "وريني هتدخل إزاي غصب عني يا واد أبوه." وهنا قررت أمل التدخل لفض هذه المشادة الكلامية التي من الممكن أن تتحول إلى اشتباك بالأيدي نظرًا لعناد كلا الطرفين

وتشبت كل منهما برأيه: "أستاذ قاسم لو سمحت، إحنا هنا مش في خناقة ولا حد عاوز يمنعك إنك تدخل لمراتك وتطمن عليها." وأكملت بتفسير: "كل ما في الأمر إن دكتورة صفا اتعرضت لإجهاد شديد ولضغط نفسي وعصبي أدى لهبوط في الدورة الدموية عندها وسبب لها إغماء، ولحد الوقت اللي بنتكلم فيه ده أنا مقدرش أجزم إن مراتك والجنين بقوا في أمان، أنا عن نفسي اديتها إبرة مثبتة للجنين تحسبًا لتفادي أي حاجة طارئة ممكن تحصل لها وللجنين."

وأكملت ما جعله يتراجع: "ولو حضرتك دخلت واتكلمت معاها وهي في الحالة دي، من المؤكد إنك هتزيد بنقاشك الضغط على أعصابها وبكده أكيد هتتعرض لانتكاسة ممكن جدًا تؤدي لخسارة الجنين." وتحدثت بنبرة واثقة: "فلو حضرتك مش فارق معاك لا مراتك ولا الجنين اتفضل ادخل لها، وأنا أوعدك إني هخلي زيدان بيه يبعد حالًا ويدخلك." هتفت فايقة بصياح: "اطلع على شقتك واغزي الشيطان يا ولدي والصباح رباح كيف ما قال جدك."

رمقها عثمان بنظرة ساخطة، ثم حول بصره ونظر بإستحسان لتلك الذكية ذات العقل الواعي التي استطاعت بكلمات مرتبة إقناع ذلك الثور الهائج بالتراجع عن موقفه وحدته. أما يزن فكان ينظر إليها بإعجاب وقلب ينتفض من ما شعر به تجاهها بعدما تلاقت أعينهم عن قرب داخل المستشفى. نظر قاسم إلى أمل وزفر بأسف وتحرك كالإعصار لخارج المنزل والشر يتطاير من عيناه وكل ذرة بجسده تنتفض غضبًا.

حالة من الهدوء والسكينة أصابت المكان بعد خروج ذلك الغاضب. تحدث الجد إلى مريم بنبرة هادئة: "خدي الدكتورة يا مريم على مندَرة الضيوف البحرية، وخليها ترتاح لحد ما حسن تجهز لها العشاء." وأكمل وهو ينظر إلى أمل: "وإنتِ يا بتي، هتنورينا إنهاردة وتباتي هنيه عشان الوقت اتأخر." استشاط داخل ليلي من قرار جدها بمبيت تلك الدخيلة التي لم تشعر بالراحة في حضرتها. أما أمل فأجابته برفض هادئ: "متشكرة جدًا لذوق حضرتك، بس مش هينفع."

أردف يزن مفسرًا وهو ينظر لساعة يده: "هتروحي فين دلوك والساعة داخلة على 3 الفجر، باتي اللي باقي من الليل هنيه وبكرة أنا هوصلك للمستشفى." تحدثت باعتراض: "يا جماعة بجد مش هينفع، إزاي هروح المستشفى بكرة بالترنج؟ أجابتها مريم بهدوء: "لو على الخلجات محلولة يا دكتورة، أنا وإنتِ نفس المقاس، وعندي هدوم لسه شاريَاهم إمبارح من على النت ووصلولي أون لاين، يعني هدوم زينة وهتعجبك، اطلعي وياي وشوفي الطقم اللي يناسبك منهم وإلبسيه."

نظر يزن إلى شقيقته بإستحسان لقلبها الرحيم. أكد زيدان على حديث أبيه قائلاً بنبرة قلقة: "معلش يا دكتورة اسمي كلام الحاج، وكمان أنا خايف لصفا يجري لها حاجة." اقتنعت بكلام زيدان وأردفت قائلة بنبرة خجلة: "أوكي."

أما صفا فكانت تقبع فوق فراشها بقلب يئن ألمًا وحزنًا وهي تستمع إلى صوت ذلك الثائر الذي يصر على الدخول إليها. كانت واضعة ذراعها تحت رأسها ودموع عينيها المنسابة تبلل وسادتها لغزارتها، أما دموع القلب فكانت تزرفها دمًا على من آمنت له وسلمته عن طيب خاطر قلبها البريء وكل كيانها، ولم تجني من وراء ذلك العشق الملعون سوى الألم والمذلة والانكسار.

تائهة هي كطفلة فقدت مصدر أمانها، تشعر بانهيار عالمها الحالم وعش غرامها الواهي التي باتت تبني تفاصيله بكل قطرة من دمها، وبالنهاية ماذا فعل يا ترى؟ خدعها واستغل عشقها له للوصول لدق حصونها العالية، ارتضى لها المهانة والانكسار أمام الجميع.

أما ورد فكانت تتمدد بجانب صغيرتها وتحتضنها من الخلف، تزرف دموع الألم وغصة مرة تقف بحلقها على ابنتها التي لم تكتمل فرحتها بخبر حملها لجنينها الأول، بل وانكسارها على يد من عشقت منذ نعومة أظافرها. كانت أمل تجلس فوق الفراش داخل حجرة الضيافة، تنظر لكمية الطعام الموضوعة فوق المنضدة والتي أحضرتها لها إحدى العاملات بناءً على تعليمات عثمان بنفسه بعدما أعجب بحديثها السلس وتأكد من حكمتها بالحياة وحسن تصرفها بالمواقف الحياتية.

استمعت لطرقات خفيفة فوق الباب فسمحت للطارق بالدلوف. ابتسمت حين رأت أمامها تلك الخلوقة التي تمتلك ابتسامة رائعة تجعل كل من يراها من الوهلة الأولى يشعر بالاستكانة والسلام الروحي. تحدثت أمل ببشاشة وجه: "إتفضلي يا مريم." اقتربت عليها وبسطت ذراعيها بعدة أثواب جديدة وتحدثت وهي تضعهم فوق مقعد جانبًا:

"لما لقيتك راضيةش تطلعي معايا عشان تجيب فستان، جولت أكيد مكسوفة، وجبت لك الخلجات لحد هنيه وإنتِ اختاري اللي يعجبك من بينهم، وعلى فكرة، كلياتهم متلبسوش ونضاف." ابتسمت أمل وتحدثت إليها: "متشكرة ليكي جدًا يا مريم على كرم أخلاقك." شكرتها مريم وسألتها وهي تنظر إلى الطعام الموضوع كما هو: "مأكلتيش ليه يا دكتورة، وكلنا معجبكيش إياه، ولا تكوني مش مأمنة لنظافة الوكل عندينا؟ أجابتها سريعًا وهي تنفي:

"أكيد مش قصة الأكل مش عاجبني أو شاكة في نظافته يا مريم، الكتاب بيبان من عنوانه وأنتم ماشاء الله." وأكملت بتفسير: "الحكاية كلها إني ماشية على نظام غذائي عشان كان عندي مشكلة نفسية من فترة وسببت لي مشاكل في المعدة، ومن وقتها وأنا ماشية عليه، وآخر وجبة بأكلها الساعة 7 مساءً، فيا ريت متزعليش ومن فضلك ابعتي حد ياخد الصنية لأني مش هقدر أنام وهي موجودة في الأوضة." أومأت فأكملت أمل بتساؤل جاد:

"هو إحنا مش هنشوفك تاني في المستشفى ولا إيه يا مريم؟ أنا سألت صفا عليكِ قالت لي إنك قعدتي عشان تاخدي بالك من بنتك." أجابتها مريم بابتسامة صادقة: "ده حقيقي يا دكتورة، ما أنكرش إني لقيت نفسي في الشغل وياكم وحبيتكم قوي وحبيت شغلي، بس لما فكرت لقيت بتي وزوجي أولى بوقتي." وافقتها أمل وتمنت لها الأصلح وخرجت مريم وبعثت بإحدى العاملات أخذت الصنية إلى المطبخ.

تحركت أمل إلى النافذة المطلة على الحديقة وبدأت بالتدقيق والتمعن في جمال الأشجار الخضراء والطبيعة الخلابة المبهـ.ـرة، وبلحظة وجدت يزن يتحرك في الحديقة وكأنه يحاول تصفية ذهنه بالنظر إلى تلك المناظر الطبيعية كي يستطيع النوم.

لا تعلم لماذا باتت تشعر مؤخرًا براحة غريبة تغزو قلبها كلما رأت وجه ذلك اليزن. ابتسمت حين وجدته ينظر إليها ويبتسم وهو يهز رأسه لها كتحية منه، ردتها له بمثلها ثم أغلقت النافذة وتحركت إلى الباب وأوصدته جيدًا بالمفتاح كي تضمن أمانها، ثم تحركت إلى الفراش وتمددت عليه وما زالت ابتسامتها ترافقها، باتت تسترجع كل ما حدث بينهما اليوم من مواقف، وما كان حاله ببعد عنها وكأنهما يتذكران ويفعلان الأمر ذاته بنفس التوقيت.

تحركت مريم داخل مسكنها بقلب حزين وبعد مدة من نقاشها مع فارس حول ما حدث اليوم. تحدثت بنبرة حادة وعينان متسعتان من شدة ذهولهما: "يعني إنتَ كنت عارف إن أخوك متجوز على صفا وساكت يا فارس؟ "جبلتها على بت عمك كيف؟ دي صفا يا فارس، صفا اللي عمرها ما أذت حد فينا ودايمًا كانت بتجابل معاملتنا السيئة بالحسنة، طب بلاش صفا، رضيتها كيف على عمك زيدان اللي طول عمره بيعتبرنا كلياتنا كيف ولاده؟ تنفس بعمق وأجاب بنبرة ضعيفة خجلة:

"سكاتي كان غصب عني يا مريم، وصدقيني اللي حصل كلياته كان غصبن عن قاسم نفسه، قاسم انجبَر على الجوازة دي." رمقته بنظرة حادة وهتفت بنبرة غاضبة: "متحاولش تبرر له خيانته لوعد عمه بس لأنه أخوك." وأكملت لائمة: "يا خسارة يا فارس، افتكرتك راجل زين وبتعرف ربنا ومابترضاش بالظلم." أردف قائلًا بتفسير: "يا حبيبتي افهميني." أردفت متسائلة بنبرة تشكيكية: "أني حبيبتك صح يا فارس؟ وأكملت بارتياب:

"تعرف يا فارس، إني بجيت خايفة منك لتغدر بيا كيف أخوك وترجع تجولي كان غصب عني يا مريم." جحظت عيناه وتحدث إليها بنبرة غاضبة: "هي دي فكرتك عني يا مريم؟ للدرجة دي شايفاني واحد خاين وغشاش وممكن أغدر بيكي؟ هتفت بنبرة حادة لعيون غاضبة: "اللي بيقبل المهانة والمذلة على بت عمه اللي بيعامله كيف أبوه، بيقبلها على غيره عادي."

قالت كلماتها وهرولت لداخل حجرة نومها سريعًا واختفت من أمامه تحت حزن فارس وخزلانه من حاله وألمه الذي أصاب قلبه على ما آوى إليه شقيقه. وبرغم وجعه الذي أصابه من حديث مريم، أمسك هاتفه محاولًا الوصول لشقيقه الذي ذهب إلى الخارج ورفض أن يصاحبه فارس وأبلغه أنه يريد البقاء والانفراد بحاله. داخل مسكن قدري.

كان يجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا ب وجه غاضب وعيون متسعة من شدة غضبها، واضعًا هاتفه على أذنه محاولًا الوصول إلى نجله الذي لم يكلف حاله عناء الإجابة عليه. تحدثت إليه فايقة في محاولة منها لتهدئته: "إهدي يا قدري واقعد، ولدك مش صغير لجل ما تقلق عليه أكده." أجابها بنبرة حادة: "ولدك عنيد وممكن يضيع حاله بعناده قدام أبوي وزيدان أخوي، خايف عليه ليضيع عندده ويسمع لحديت زيدان ويطلق البت ويخسر كل حاجة." ابتسمت

ساخرة وأكملت لطمأنته: "من الناحية دي طمن بالك وحط في بطنك بطيخة صيفي، ابنك غرقان لشوشته في عشق بت ورد وهيعمل اللي ما يتعمل لجل ما ينول الرضا ويرجعها لجوه حضنه تاني." تنهد بأسف وتحدث بنبرة انكسار وقلق أب على نجله: "خايف ومعرفش الحكاية المغفلة دي هترسي على إيه. لو قاسم ضعف قصاد عشجه واستسلم لأوامر زيدان وطلق البت اللي اتجوزها في مصر، مش بعيد المرة السو اللي اسمها كوثر تيجي وتفضحنا قدام أبوي." وأكمل مهمومًا:

"وجلجان لو جاله لجدّه إنه هيكمل السنة لجل ما يوفي بوعده لأبو المحروقة بتاعة مصر، زيدان أخوي يعاند ويغصب يطلقها ويُبقى خسر كل حاجة." أجابته باطمئنان: "ميتا أبوك سمح لحد بالطلاق في العيلة لجل ما يسمح لبت زيدان، وبعدين البت طلعت حبلى في شهرين، يعني ربنا نجَدنا بآخر وقت." وبلحظة تحركت إلى قدري وتحدثت بتذكر: "إلا جولي يا قدري، أبوك كان يقصد إيه لما جاله لولدك أبوك غدر باللي يستاهل؟

ابتلع سائله لعابه رعبًا وبلحظة قرر الصمود وقلب المواقف، فتحدث بنبرة حادة واتهام: "أكيد كان يقصد اللي عملناه مع يزن في حكاية التحاليل." وأكمل لائمًا إياها كي يبعد الشبهة عنه: "وكله من ورا تخطيطك المجندل ومن تحت راسك يا فايقة، ياما نصحتك وجولت لك وقتها بلاش، بس إنتِ اللي أصريتي ونشفتي راسك، واديكي شفتي بعينيكي اللي حصل." دقت النظر لداخل عينيه وتحدثت بنبرة تشكيكية: "وأبوك برضه هيقول على يزن يستاهل الغدر يا قدري؟

ارتبك بوقفته وصاح بكامل صوته وهو يتحرك إلى الفراش هاربًا من تلك فايقة: "أني جولت لك اللي فهمته من حديث أبوي، ولو ممصدقاش هناك أبوي تحت، روحي عنده واسأليه لو تقدر." وأكمل وهو يتمدد على التخت: "وبطلي رط أكده واقفل النور دي لجل ما الحاج ينام لساعة قبل النهار ما يكشف، ونبدأوا من جديد في اجتماع ومرار طافح ملوش آخر."

أما قاسم فقد ذهب إلى إحدى المساحات الزراعية المملوكة لجده وأفترش أرضًا، نارًا شاعلة تكوي صدره لأجلها ولما أوصلها له وبيده، قضى ما تبقى من الليل على وضعه وعند ظهور أول شعاع لضوء الصباح تحرك عائدًا إلى المنزل. دلف للمنزل وجده خاليًا إلا من العاملات التي بدأن بالتنظيف بهدوء وتجهيز المخبوزات وإحضار الحليب وإدخاله إلى المطبخ. وقف عند باب الحجرة التي تقبع داخلها ساحرة عيناه ودق بابها بهدوء شديد.

تحركت ورد وقامت بفتح الباب بهدوء وأمسكته بيدها لتمنعه الدلوف. تحدث إليها قائلًا وهو يدور بعينيه متلهفًا داخل الغرفة باحثًا عن مالكة قلبه: "صفا عاملة إيه دلوك يا مرت عمي." رمقته ورد بنظرات لائمة وهمست متسائلة بتهكم: "هواك قوي صفا وجاي تسأل عليها؟ أجابها بصوت مرهق: "عاوز أشوفها يا مرت عمي." أردفت بتوتر: "عمك موصي ماتدخلهاش، اطلع نام قبل ما يجي من البيت ويشوفك واقف أكده ويتعارك وياك." أردف متحدثًا بنبرة راجية:

"وسعي عشان أدخل يا مرت عمي، هشوفها وأطلع على طول قبل ما عمي يجي، غير أكده مهتحركش ولو قعدت شهر بحاله واقف هنيه." زفرت بضيق وتحركت لتفسح له المجال باستسلام كي لا تشعر صغيرتها وتستفيق من غفوتها التي بالكاد دخلت بها.

دلف للداخل وتحرك على أطراف أصابعه كي لا يزعجها، حتى وقف بجوارها يتأمل ملامح وجهها بكيان مدمر لأجلها. انفطر قلبه حينما وجد آثارًا لدموع جافة فوق وجنتيها، ملس على شعرها بهدوء وتألم لأجلها، كاد أن يميل عليها ليضع قبلة اعتذار فوق مقدمة رأسها، لكنه خشي من أن يفسد عليها غفوتها. تحركت إليه ورد وهمست بضيق: "مش شفتها واطمنت عليها كيف ما جلت، يلا بجا اطلع قبل ما عمك يجي وتبجا مصيبة."

تنهد بألم وألقى نظرة على أميرته النائمة وتحرك إلى الأعلى كي لا يفتعل المزيد من المشاكل مع زيدان. ارتمى بكامل ثيابه فوق تخته بإهمال، وبلحظات خر صريعًا داخل غفوته من شدة إرهاقه وتعبـ.ـه. في مساء اليوم التالي. أخذ زيدان صغيرته إلى منزله بعدما اطمئن عليها بعد فحصها من أمل، جُن جنون قاسم بعد رفض زيدان القاطع دخوله لحجرة صفا والحديث معها، وطلب زيدان من أبيه اجتماع مصغر من رجال المنزل ووالدته وفقط لبحث مستقبل ابنته وجنينها.

حضر الاجتماع، عثمان، زيدان، قاسم، قدري، منتصر، رسمية، فارس الذي حضر بناءً على إلحاحه لمساندته لشقيقه. كان يجلس بمقعد جانبي كالمنبوذ، ساندًا ساعديه فوق ركبتيه، ناظرًا برأسه إلى أسفل قدميه بملامح وجه يكسوها الندم والألم والضياع. تحدث عثمان موجها حديثه إلى زيدان قائلاً بنبرة جادة: "شوف إيه اللي يرضيك ويرضي بتك وقاسم هينفذهولك يا زيدان." هتف زيدان بنبرة حادة وهو يرمق قاسم بنظرات نارية:

"مفيش حاجة هترضيني وتبرد نار بتي غير الطلاق يا أبوي." أردف قدري مترجيًا زيدان بعينيه: "عجل وفكر مليح ومتخربش على بتك يا زيدان." أجابه زيدان بنبرة صارمة: "الخراب ابنك اللي بدأ بيه يا قدري، مش أنا." تحدث منتصر محاولًا تهدئة الوضع: "طلاق إيه بس يا أخوي اللي هتتكلم فيه وبتك حبلى." نظر إلى قاسم وهتف من جديد: "قاسم غلط وهيعمل غلطته ويطلق المصراوية ويرجع لمرته واللي في بطنه." رد زيدان بلهجة صارمة:

"بتي ما عايزاهوش، هغصبها على العيشة معاه إياك؟ تحدث عثمان بتعقل: "بتك رايداه يا زيدان ومتنساش إنها شايلة ولده." نظر زيدان لأبيه وتحدث بقوة وثقة: "صفا وصتني وإني جاي لهنيه إني مرجع لهاش إلا ومعاي بشرة طلاقها من اللي خان الوعد." وأكمل بثقة: "ولو ممصدقنيش يا أبوي تقدر تروح لعنديها وتسألها، ولولا إن الدكتورة منعاها من الحركة كنت جبتها لكم هنيه وجالت لكم الحديت ده بنفسها." تحدث قاسم مترجيًا إياه:

"خليني أقعد وياها وأني هرضيها وهفهمها على كل حاجة، صفا غضبانة ومعرفاش هي بتجول إيه." صاح زيدان بنبرة حادة ساخرة: "إياك فاكر حالك هتعرف تضحك على عقلها بكلمتين وهي هتعتقد وترجع تأمن لك من تاني، دي بت زيدان النعماني اللي معترضاش بالذل والمهانة أبدًا، تربية أبوها اللي معتسلمش حالها للي خان." رد عليه قاسم بنبرة حادة وتحدي: "طالما واثق فيها قوي أكده، حارمني منها ومعايزنيش أقعد وياها لجل ما نتحدت ليه يا عمي؟

نظره زيدان قائلاً بنبرة صارمة: "متجولش كلمة عمي دي تاني على لسانك، معايزش أسمعها منك يا بياع ناس." تنهد قاسم بأسف، وحزن فارس على حال شقيقه، حين تحدثت رسمية بنبرة تعقلية: "إهدي يا ولدي عشان صحتك، ومتخليش غضبك ينسيك قانون العيلة عندينا، ناس إياك إن قانون العيلة بيقول إن مفيش طلاق مهما حصل؟ ده غير إن بتك حبلى ولساتها عروسة مكملتش شهرين، الناس هتقول عليها إيه يا ولدي." أردف زيدان بقوة وجبروت:

"تتحرج الناس على حديثهم اللي ملوش عندي أي توها عازة، إني كل اللي فارق وياي هي بتي وبس، وبخصوص العيل اللي في بطنها إني كفيل بيه وهربيه أحسن تربية." وأكمل وهو يرمق قاسم بنظرات غاضبة: "ولولا إنها هتبقى كبيرة من الكبائر كنت وديتها للحكيمة وسجنتها وخلصت بتي منها كيف ما خلصتها من أبوها، بس هعمل إيه، قدرها تشيل عيل من اللي خانها وكسرها وخلاها مسخرة الخلج." تحدث بنبرة حادة:

"معاش ولا كان اللي يخليها مسخرة، صفا مرتي وهرجعها لحضني هي وولدي، وميهبعدنيش عنها غير الموت، سامعني يا عمي، ميهبعدنيش عنها غير الموت." هتف عثمان بنبرة صارمة موجها حديثه إلى الجميع: "خلاص أكده، كل واحد جاله اللي في نفسه وارتحتوا؟ اسمعوا بجا حكمي اللي معايزش فيه نجاش من حد فيكم." نظر إلى قاسم وتحدث: "أول حاجة قاسم هيطلق المصراوية أول ما يرجع مصر، ويقوم يحب على عمه وعلى يده ويطلب منه السماح." وأكمل وهو ينظر إلى زيدان:

"وإنتَ يا زيدان، هتخليه يقعد ويا مرته ويتفاهم وياها ويراضيها، معايزينش نضحكوا الخلج علينا ونشمتهم فينا يا ولدي." هتفت رسمية بنبرة حماسية: "عين العقل يا حاج." هتف عثمان متسائلاً زيدان: "جولت إيه في حكمي يا زيدان؟ برغم كم الغضب الهائل الذي يسكن قلب زيدان ويشعل كيانه بالكامل، إلا أنه رضخ واستسلم لحكم والده وتحدث رغم عنه: "مفيش قول بعد قولك يا أبوي." أومأ برأسه وتحدث بإستحسان: "تسلم وتعيش يا ولدي."

ثم نظر إلى قاسم بنظرة ساخطة وتحدث إليه بنبرة حادة: "مسمعتش رأيك في حكمي يا ولد قدري." نظر قدري إلى ولده ولأول مرة مشفقًا على حاله وما أوى إليه بفضل ما صنعت أياديه هو وفايقة. حين تحدث قاسم وهو ينظر إلى عمه بنظرات يملؤها الندم والاعتذار: "لو على الأسف أني مستعد أتأسف لعمي ومرتي وأقضي اللي باقي من عمري كلياته وأني بحب على يدهم ورجليهم لجل ما يسامحوني على اللي حصل مني."

نظر له الجميع بإستحسان وترقبوا لباقي حديثه الذي أصابهم جميعًا بالصدمة والذهول. أكمل قائلًا بنبرة ضعيفة منكسرة: "بس إني مينفعش أطلق زميلتي إلا بعد ما يعدي على جوازنا سنة." يتبع.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...