الفصل 33 | من 48 فصل

رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم روز امين

المشاهدات
27
كلمة
9,272
وقت القراءة
47 د
التقدم في الرواية 69%
حجم الخط: 18

في حين تحدث قاسم وهو ينظر إلى عمه بنظرات يملؤها الندم والاعتذار: لو على الأسف، أني مستعد أتأسف لعمي ومرتي وجضي اللي باقي من عمري كله، وأني بحب على يدهم ورجليهم لجل ما يسامحوني على اللي حصل. نظر إليه الجميع باستحسان وترقبوا لباقي حديثه الذي أصابهم جميعاً بالصدمة والذهول والخزلان. أكمل قائلاً بنبرة ضعيفة منكسرة: بس أنا ما ينفعش أطلق زميلتي إلا بعد ما يعدي على جوازنا سنة كاملة. نظر الجميع إليه بذهول،

فأكمل هو بنبرة خافتة: ده شرط بيني وبين أبوها، وما ينفعش أرجع في وعدي اللي قطعته على حالي معاه. ححظت عينا زيدان وهتف بصياح عالٍ وبنبرة غاضبة: لا والله أصيل يا واد، ما ينفعش ترجع في كلمتك اللي اديتها للغريب، لكن ترجع في وعدك لعمك وتغدر بيه وتطعنه في ظهره عادي! أجابه مفسراً بنبرة يكسوها الحزن والألم والندم:

الحكاية ليها أصل يا عمي، وعشان تقدر تفهمني وتقدر موقفي لازم تسمعها، وأنا هحكي لكم الحكاية من أولها وما أخبيش عنكم حاجة واصل، لأن خلاص معادش ليها لزوم. وأكمل بمرارة وغصة مرة تقف بحلقه: اللي كنت أخاف عليها وأخبي عشانها عرفت، وبأسوأ طريقة، طريقة عمري ما اتخيلتها حتى في أسوأ كوابيسي. هب زيدان واقفاً بغضب من جلسته وتحدث بنبرة حادة:

وأنا ما عايزش أسمع منك غير يمين الطلاق اللي ترميه على بنتي يا بائع ناسك لجل ما تشتري الغريب. أكمل وهو ينظر إلى والده باحترام: أظن بكده إني عملت اللي عليا وذانبي العيب، ودست على حالي ورضيت بحكمك رغم إنه ضد رغبتي ورغبة بنتي اللي راجدة على فرشتها جثة بلا روح كيف الأموات من اللي عمله فيها حفيدك. وافقت بس لجل ما أرضيك ولأنك أمرت بكده، بس كده الموضوع دخل في لعب عيال صغيرة، وأنا ما عندي وقت أضيعه وأنا قاعد أسمع هلفطة عيال.

وقف قاسم وصاح بنبرة غاضبة تنم عن وصوله لقمة غضبه: حاسب على كلامك وما فيش داعي للغلط يا عمي، أنا راجل ليا وزني وما أجيبش بحد يغلط فيا مهما كان هو مين. انفعل زيدان بحدة وكاد أن يرد لولا صوت عثمان الذي صدح بحدة: خلاص إنت وهو، هتتعاركوا قدامي إياكم. نظر إلى زيدان وتحدث برجاء:

وإنت يا زيدان يا ولدي، اجعد وخلينا نسمع حكاوي ابن قدري ونشوف آخرتها إيه الحكاية المغفلجة دي، وبعدها هنشوف هنعمل إيه، وصدقني يا ولدي، كل اللي صفى عايزة إني هنفذهولها، بس إلا الطلاق. أكمل بتهكم وإسلوب ساخر وهو يشير باشمئزاز إلى قاسم: اتفضل يا سي قاسم، امسك ربابتك وغني علينا وسمعنا. ابتلع قاسم إهانته المرة من حديث جده المتهم على شخصه، لكنه تحمل لأجل استعادة صغيرته إلى أحضانه من جديد.

بدأ بقص حكايته على مسمع ومرأى من الجميع، من بداية تمرده على حياة الإجبار مراراً بتوههمه لإصابة قلبه بعشق زميلة دراسته، حتى خطتهما المحكمة بموافقته الشكلية على خطبته من صفا. وبرر ذلك بخوفه المبرر من أن يصبح النسخة المكررة من زيدان ويفقد كل المميزات التي يحصل عليها بكونه الحفيد الأكبر والأقرب لقلب عثمان. وأيضاً أخبرهم أنه مثلما خشي على حاله وضع صفا صوب عينيه وحرص على حصولها لأكبر قدر من المكتسبات التي ستحصل عليها من وضعه لتلك الخطة، وهي دخولها للكلية التي طالما حلمت بها وتمنتها وكانت ستحرم من دخولها لولا.

ثار زيدان بعدما استمع إلى اعترافات قاسم المهينة لكرامة ابنته الأبية التي طالما عاملها باحترام لكيانها منذ نعومة أظافرها، ودائماً ما كان يزرع بداخلها أن الأنثى بلا كرامة كنهر جفت مياهه وأصبح بلا حياة بلا فائدة. وما جعل النار تشتعل بصدره أكثر هو شعوره المخجل عند اكتشافه كم كان أحمق وتم التلاعب به وبصغيرته من ذلك الحقير الذي طالما اعتبره ولده، لكنه بالمقابل أصابه بالخزلان وخان وعده.

جن جنونه ولم يعد في استطاعته السيطرة على غضبه، فهرول إلى قاسم وأحكم من قبضته على تلابيب جلبابه الصعيدي وتحدث بنبرة غاضبة وهو يهز جسده بعنف: للدرجة دي كنت شايفني مغفل ومليش قيمة يا واد، عملت لك إيه لجل ما تعمل في بنتي كده يا واكل ناسك، ده أنا اعتبرتك ولدي اللي ما خلفتوش من صلبي، أمنتك على وحيدتي اللي ما عنديش أغلى منها، وبيدي اللي عايزة أقطعها دي سلمتهالك.

أكمل بجنون وهو يهزه بعنف أكثر تحت صمت قاسم وإنزال بصره للأسفل من شدة خجله، وعدم مقاومته واضعاً كفيه يداه جانباً باستسلام: ليه يا واكل ناسك، ليه؟ هرول قدري ومنتصر وفارس إلى زيدان، محاولين تخليص قاسم من قبضته الحديدية. تركه زيدان بصعوبة بالغة. حالة من الصمت اقتحمت المكان وأصابت الجميع بعد صوت عثمان الذي صاح به محذراً الجميع وإلزامهم بالصمت التام. تحدث قدري بنبرة ضعيفة مؤنباً حاله:

اللي حصل كله كان غصب عن ولدي يا زيدان، اعتبره ولدك وغلط واديه فرصة تانية يا أخوي. انتبه زيدان إلى قدري ونظر له قاطباً بين حاجبيه وتحدث متسائلاً بنبرة تشكيكية: إلا جولي يا أخوي، إنت كنت خابر بالعملة المجندلة اللي عمله ولدك ببنتي دي؟ تنهد قدري وظهر على ملامح وجهه الأسى وكاد أن يتحدث بالإنكار لولا صوت قاسم القوي الذي تحدث نافياً ليعفو والده من حرج اللحظة ويبعده عن مرمى غضب الجميع ولعنتهم:

أبوي ملوش علاقة بالموضوع يا عمي، أبوي عرف امبارح زيه زييكم بالظبط. رفع بصره سريعاً ونظر بقلب مفطور يئن ألماً ويريد الصراخ على نجله الذي وبرغم كم مصائبه التي أتته على عُجالة، مازال يحاول جاهداً أن يخفي أمر معرفته بالأمر كي لا يجعل الجميع ينظرون إليه باشمئزاز وانتقاص لرجولته. صاح قدري قائلاً بعيون شبه دامعة بعدما قرر لأول مرة المواجهة كرجل وأن يتحمل نتائج بعض أخطائه ليرفع عن صغيره كاهل الظلم الذي يقع على عاتقه:

لساتك عتداري على أبوك يا قاسم حتى بعد كل اللي حصل لك بسببي؟ أنا خابر زين ومتأكد إن أنا السبب في توهتك دي يا ولدي، وإنت بنفسك قلتها لي قبل سابقة، حقك عليا يا ولدي. ثم نظر إلى زيدان وتحدث بنبرة صادقة: أنا عرفت قبل دخلة قاسم على صفا بأسبوع واحد يا زيدان. أكمل وهو ينظر أرضاً من شدة الخجل:

أنا اللي أقنعته يتمم فرحة على بتك لجل ما يتفادى غضب جده عليه بعد ما كان جاي ومصمم يعترف لكم باللي حصل ويفض خطبته على صفا ويتجوز من البت زميلته.

أكمل تحت تعجب قاسم وفارس اللذان ينظران له والذهول سيد موقفهما، بعد استماعهما لأبيهما الذي طالما عاش حياته لنفسه ولتحقيق أغراضه الشخصية وفقط، ولطالما كان المثال السيء للأب الذي لا يحتذى به ولا يدعو أنجاله إلى التشرف به، بل وكان هو السبب الرئيسي لتشتت روحيهما وضياعهما وتوهتهما بالحياة. قدري بنبرة نادمة واستسلام:

لو عايز تحاسب حد على اللي حصل لك إنت وبنتك، حاسبني أنا يا زيدان، لأن أنا اللي عملت كده في ولدي، أنا اللي بطمعي وخوفي عليه من غضب جده وطرده من نعيم جنته، جبرته وخيرته بين إنه يتجوز بت عمه وينول رضا جده ويحفظ نصيبه من تركة العيلة، يا إما هغضب عليه وهتبرى منه، وهددته إني أوصي الكل إني لو مت ميحضرش دفنتي ولا يجف ياخد عزايا.

نظر بعيون متأسفة نادمة إلى قاسم الواقف بقلب يئن ألماً من شدة حزنه على موقف أبيه المخجل الذي وضع بداخلة والخزي الذي يشعر به الآن. كان يريد أن يهرول إليه ويحتضنه ويطلب منه الصمت ليعفيه حرج وصعوبة الموقف. نظر لوالده وأمال برأسه جهة اليمين مترجياً إياه بعينيه وتحدث بصوت متألم لأجل غالية: بكفياك الله يرضى عليك يا أبوي.

أجابه بنبرة صوت محتقنة بفضل دموعه التي لأول مرة تحضر وتريد من يفسح لها المجال لتنطلق للخارج معلنة عن حالة الفوضى والعصيان والتمرد التي أصابت داخله: لازم أتحدث وأبرئك من تهمة الخيانة يا ولدي، لازم أطهر حالي من ذنوبي الكثيرة اللي إنت شلتها بدالي. أكمل وهو ينظر للجميع بجرأة جديدة عليه: ابني ملوش ذنب يا أبوي، ملوش ذنب يا زيدان، ملوش ذنب يا خلق، بلاش تحاكموه وتاخدوه بذنبي. رمقه زيدان بنظرات متهمة وتحدث بإلقاء

تهمة الكذب للابن وأبيه: إياك تكون فاكرني مخبول لجل ما أصدج التمثيلية الخيبانة اللي عتضحك بيها إنت وولدك علينا لجل ما تستغفلني من جديد؟ هتف عثمان قائلاً بنبرة صوت ضعيف نتيجة خجله الشديد: أخوك بيقول الصدق يا زيدان. وجه الجميع أبصارهم إلى كبيرهم، حين أكمل عثمان بقلب محمل بثقل بفضل الهموم التي تراكمت بقلبه جراء ما فعلته يداه بحق حفيده الأكبر وجوهرته الثمينة وأوصلهما بعناده إلى تلك الحالة المزري.

وبدأ بقص تفاصيل تلك الليلة المشؤومة على مسامع الحاضرين: أكيد كلياتكم فاكرين زين الليلة اللي صفا دخلت لي أوضتي وبعدها قاسم حصلها، في الليلة دي صفا طلبت مني أحلها من وعد جوازها من قاسم. جالت لي إنها اتفقت وياه على إنهم يحلوا روحهم من الجوازة دي وما يكملوهاش. وجتها قاسم جالي نفس اللي قاله دلوقتي، إنه ما جابلش على حاله يتجوز واحدة أعلى منه. أكمل بأسى وهو يهز رأسه عدة مرات متتالية بنظر منخفض لأسفل قدميه:

أنا كمان ما رحمتوش كيف أبوه ما عمل بالضبط، جولت له إني هحرّمه من الميراث. جالي موافق وما عايزش منك حاجة وأنا كفيل بحالي. ابتسم ساخراً واسترسل: فكركم رحمتُه على كده؟ جولت له هاخد منك الشقة والمكتب والعربية اللي جبتهم لك بمالي. أكمل بنبرة انهزامية:

وافقت، لما لقيته لساته مصمم هددته وجولت له هسحب منك كل مليم في الحساب المشترك بينا في البنك. وياريتني اكتفيت على كده، ده أنا كمان هددت صفا إني هسحب منها المستشفى وعجزها لحسن ولد منتصر وعجزها في البيت لو ما وافقتش على جوازها مني. ثم أكمل بمرارة ظهرت بصوته: بس ميتى كان الخير في الجبر، ربنا يعلم باللي كان في نيتي وجتها ناحية أغلى اثنين على قلبي. واسترسل بمرارة تملأ قلبه:

ما كنتش خابر إني بكده بأذية وبجبره على إنه يخطى برجله أول خطوة ناحية بير الخيانة ويرمي حاله جواه بإرادته المجبرة. رفع بصره ونظر لداخل عيني قاسم وهتف بنبرة رجل منهزم: أنا اللي فشلت يا قاسم مش إنت. أردف زيدان بتعابير وجه مصدومة: يا أبووووووي، يعني كلياتكم كنتم خابرين وشاركتوا في دبـ.ـح بنتي ومــ.ـوت جلبها بالبطئ، كيف رضيتوا لها بالــ.ـذل والمـ،هانة، كيف؟ وأكمل لائماً لوالده ومتعجباً:

وإنتَ يا أبوي، جبلتها كيف على حفيتك اللي بتقول إنك بتحبها! تجوزها لواحد كارهها ومجبور عليها ليه يا أبو قدري؟ أنزل عثمان بصره هارباً من عيني زيدان المملوءة بالمعاتبة وإلقاء اللوم. هتف قدري برجاء: خليك رحيم كيف ما اتعودنا دايماً منك يا زيدان، ولدي رايد بنتك وبيتمنى لها الرضا، رجعها له وخليه يعيش فرحته بحبلها وابنه يتولد على إيده.

أما زيدان الذي خالف جميع التوقعات كباقي أشخاص الجلسة الاستثنائية التي ستكتب بتاريخ العائلة لغرابتها، فتحدث بشموخ ورأس مرفوع بكبرياء ضارباً كل ما قيل من تبريرات بعرض الحائط وكأنه لم يستمع إليها من الأساس:

بنتي مهياش ملزمة لجل ما تصلح وتدفع من كرامتها وكبريائها تمن أغلاطك إنت وولدك يا قدري. من النهارده كل واحد هيحاسب على غلطة، وبنتي ما غلطتش وياكم في شيء. غلطها الوحيد إنها أمنت وسلمت للي ما يستاهلش. يبقى الحق بيجول إنها تطلق مني وتكملوا حياتها مع واحد ابن حلال يعرف قيمتها ويستاهلها بجد.

اتسعت أعين الجميع وكادت أعصاب قاسم أن تنفلت منه لولا فارس الذي تحرك إليه وأمسك ذراعه وهمس له وطالبه بالصمت كي لا يزيد من حدة وضخامة الوضع. تحدث الجد متوسلاً إلى زيدان: إهدي يا زيدان وخلينا نتحدث بالعجل، ولد أخوك غلط وانجبر وعطى وعد لراجل غريب عنينا، وكان لازم يطلع راجل جدامه بعد ما اترجاه لجل ما يستر عرض بنته اللي كانت هتتفضح بعد ما ولد أخوك قعد خاطبها سبع سنين بحالهم. وأكمل وهو ينظر إلى قاسم باحتكار:

أوعاك تكون فاكر إن بحديثي ده ببرر للخاين عملته السودا في حقنا وحق مرته، أنا بس حطيت حالي مطرح أبوها الدلدول اللي قبل بوضع مهين له ولبيته، واللي ما جابلوش على بناتنا ما جابلوش على بنات الناس يا زيدان. واسترسل بإقناع زيدان: أقولك، خدها من باب الستر للبنت يا ولدي وربنا بإذن الله هيجازيك خير النية. وأكمل بترجي:

ودلوك أنا اللي أترجاك يا ولدي، رجع الدكتورة لشقتها وسيبها منها لجوزها واني واثق من عجلها زين، اعمل كده لجل خاطري يا زيدان. نظر لأبيه وتحدث بنبرة صارمة رافضة ذكرت الجميع بنفس موقفه بالماضي بقصة زواجه على ورد: خاطرك غالي علي يا أبوي وفوق دماغي، بس متأخذنيش، أنا سمعت كلامك ونفذته قبل كده، وادي النتيجة قدامكم كلياتكم. تحدث منتصر بتعقل: طب مش تسأل بنتك اللول يا زيدان، مش جايز صفا حابة ترجع لجوزها وتربي ولدها في حضن أبوه؟

أجاب شقيقه متشبثاً برأيه: وإنت فكرك إني بتكلم من حالي كده من غير ما أكون اتفقت مع بنتي وعارف رأيها زين يا منتصر؟ وأكمل بنبرة حادة ناظراً إلى قاسم: اسمعني زين يا ولد أبوك، أنا دلوقتي اللي هحلك وهفك جيدك من الجوازة اللي ما كانتش على كيفك ولا من مجامك يا حضرة الأفوكاتو. وأكمل بنبرة قاطعة تدل على مدى حسمه لقراره: طلق بنتي يا قاسم ودلوقتي. نظر له وتحدث بنبرة ضعيفة نتيجة تأثره بما يدور من حوله من اعترافات المذنبين بحقه:

أنا يمكن في الأول عنادي ورفضي لفكرة إني انجبر على حاجة صورت لي إني رافض وما طاوعش الموضوع، بس ربنا يعلم إن من اليوم اللي كتبت فيه كتابي على صفا، وهي بقت كل دنيتي وبقت عينيا اللي بشوف بيها ونبض قلبي اللي بعيش ليه. أنا ما أقدرش أبعد عن صفا لأني من غيرها كيف السمك لما يخرجوه من الماية. رفع كتفيه وأنزلها وأردف باستسلام: ما تفهمش ليه يا عمي، ما أقدرش على بعدها أنا. أجابه بعناد:

طلقها يا قاسم لأني ما أمنش عليها معاك بعد كده. هتف قاسم بنبرة أكثر عناداً: جولتها لك عمي وهقولها لك تاني يا صفا، ما أطلقهاش ولو على موتي يا عمي، وعاوزك بس تعرف، إن محدش في الدنيا دي كلها بيحب صفا ويخاف عليها ويحميها كده. تحدث فارس مترجياً عمه باستعطاف: سامح قاسم لجل خاطري عندك يا عمي. هتف عثمان بنبرة حادة بعدما رأى العناد والرفض القاطع بعين ولده:

وبعدهالك عاد يا زيدان، أنا ساكت وما رضيتش أتحدث وسايبك تخرج كل اللي جواتك لجل ما ترتاح، لازمته إيه كلمة الطلاق اللي عمال تعيد وتزيد فيها دي وإنت خابر زين إنه ما يحصلش. اتسعت عيناي زيدان وتحدث إلى والده بطريقة حادة غير لائقة: يعني إنت يا أبوي عاوز ترخص بنتي من جديد وترجعها للي جبل عليها الكسرة والمذلة؟

وبعد جدال طال من الجميع اقترح منتصر بذهاب الجميع إلى صفا وعرض الموضوع عليها من جميع الجوانب كي تفهم المغزى من تصرف قاسم، وإقناعها بالرجوع. وبالفعل ذهب الجميع إليها حتى قاسم الذي سمح له زيدان بمقابلتها في حضور الجميع وذلك بعد إلحاح عثمان عليه.

ذهب الجميع عدا عثمان الذي نكس رأسه وبات يؤنب حاله ويجلدها، فمهما بدا قوته وصموده أمام الجميع، إلا أنه كُسر عندما شعر بالفشل الذريع لقيادته لعائلته والوصول بأحفاده لبر الأمان الذي كان يراه صوب عينيه، واكتشف أنه كان سراب، مجرد سراب لا أثر له، حتى زيدان الذي يعلم علم اليقين أنه على حق، ويبرر له كل الأحقية في الدفاع المستميت عن غاليتة، لكنه يضغط عليه ويدعوه للتنازل والتسامح فقط من أجل تماسك العائلة وعدم إعطاء الفرصة لشماتة المترقبين للعائلة.

دلف من باب الغرفة التي تقطنها صغيرته، انتفض قلبه وثار عليه عندما رآها أمامه تجلس فوق فراشها والإجهاد والتعب يظهران بشدة على ملامحها. ودّ الإسراع إلى أحضانها وسحبها إليه ليضمها إلى صدره الملتاع بالاشتياق، ويطيب جرحها النازف بفضله.

تمنى لو أن له الأحقية بأن يخرج الجميع ويبقيا بمفردهما، كي ينزل لمستوى قدميها ويقبلهما بندم ليطهر حاله من الذنب العظيم الذي اقترفه بحقها. أراد أن يريها بعينيها كم أصبحت قيمتها عنده للحد الذي يجعله يتنازل عن عزة نفسه وكرامته ويقوم بإذلال حاله عند الرضوخ تحت قدميها وتقبيلهما طلباً للعفو والسماح. تحدث وهو ينظر إليها بوله وبصوت متألم لأجلها: كيفك يا صفا؟

لم تُعر لسؤاله ولا لوجوده من الأساس أية اهتمام، وكأنه أصبح هواء أو مجرد سراب ليس له وجود. عذرها وكظم آهاته وآلامه بداخل صدره المهموم. تحدث منتصر إليها قائلاً: جدك بعتنا ليك لجل ما تاجي ويانا وترجعي لشقة جوزك يا دكتورة، يجولك إنه واثق في عقلك الكبير وإنك حطي مصلحة العيلة وتحلي الموضوع بالراحة بينك وبين جوزك من غير ما حد يدري من الجدع ونشمتوا فينا الخلق. ابتسمت بخفوت حين تحدثت رسمية بنبرة أكثر تعقلاً قائلة:

وهي ست البنات بتقول إيه غير إنها موافقة ترجع وتعيش ويا جوزها لجل ما يربوا ولدهم اللي جاي بيناتهم، بس طبعاً مش دلوقتي يا منتصر، هي هتقعد في دوار أبوها كده أسبوع كده لجل ما أمها تغذيها وتغذي ولدها زين، وبعدها قاسم هييجي ياخدها على شقتها كيف الملكة. وأكملت متسائلة بابتسامة: مش كده يا زينة البنات؟ ضحكت بخفة وتحدثت بنبرة ساخرة:

لا يا جدة مش كده، أنا بنفسي اللي هاجي لحد السرايا وأحب على رجل راجل حفيدك الكبير وأتأسف له وأطلب منه السماح والمغفرة. بيتهيأ لي دي يرضيكم أكتر. ثم نظرت إليهم بغضب وتحدثت: إنتوا بتتكلموا جد ولا بتهزروا؟ أصلكم لو بتتكلموا جد تبقى مصيبة وعيبة كبيرة قوي في حقكم يا نعمانية. تحدث منتصر بنبرة حنون مقدراً وضع ابنته أخته النفسي:

أنا عارف إنك غضبانة ومحدش يقدر يلومك على كده يا بتي، بس فيه حاجات كتير حصلت قاسم هيحكي لك عليها ويتأسف لك قدام الكل ويحب على راسك وإيدك كمان. أجابت عمها بنبرة صارمة: هو كان داس على رجلي من غير ما يقصد إياك يا عمي لجل ما يعتذر لي ويحب على راسي؟ وأكملت بشموخ: اللي بيعتذر وينجبل اعتذاره، هو اللي بيعمل الغلط من غير ما يقصد يهين أو يجرح بيه غيره. وأكملت بنبرة صارمة:

لكن ابن أخوك خطط وجرر ونفذ في سبع سنين بحالهم، يعني جريمة كاملة مكتملة الأركان ومع سبق الإصرار والترصد، كيف ما بيقول الأفوكاتو الكبير وهو بيترافع في المحكمة قدام القاضي. هتف بنبرة هادئة قاصداً بها امتصاص موجة الغضب التي تتملك منها: إهدي يا صفا علشان خاطر ما تتعبيش تاني، وخلينا نقعدوا لحالنا وأنا هفهمك على كل حاجة، فيه تفاصيل إنتِ متعرفيهاش ولازم أقولها لك لوحدينا. ابتسمت ساخرة وتحدثت بنبرة تهكمية:

ما عايزش أتعبك وياي يا متر، وفر مبرراتك وجهدك اللي بتضيعه في كلام فاضي ما يفرّج معاي. وأكملت وهي ترمقه بنظرة اشمئزاز: ولا هيخليني أرجع أشوفك في عيني راجل من تاني. اشتعلت النار بصدره من إهانتها له وما شعر بحاله إلا وهو يهتف بنبرة غاضبة: صفاااا، ما تستغليش وضعك وغلاوتك جوة قلبي وتجولي كلام تتحاسبي عليه بعد كده يا دكتورة. ضحكت ساخرة مما زاد من اشتعاله وتحدثت هي بتهكم:

هو إنتَ لساتك بتحاسبني يا متر، ده إنتَ يا راجل حاسبتني على اللي حتى ما عملتوش. وأكملت بنبرة حادة وملامح وجه صارمة: روح لحالك ويلا كلياتكم برة عشان عايزة أرتاح، وجولوا لـ جدي لو السما انطبجت على الأرض إني ما هرجع للي خان وغدر وأدي له من تاني الأمان. جولوا له كمان صفا بتقول لك مش هترجع مش بس لو سحبت مني المستشفى، لااا، أنا ما هرجع حتى لو قطعت من جسمي حتة ورميتها للكلاب. ثم رمقت قاسم بنظرة غاضبة وهتفت بنبرة حادة:

وإنت، لو لساتك راجل وعنديك نخوة تطلقني دلوقتي. اتسعت عيناه من هول ما استمع وتحدث بنبرة حادة وهو يجز فوق أسنانه: ماشي يا صفا، حسابنا بعدين على كل الغلط دي. مش وقتُه. حين هتفت رسمية بنبرة حادة: عيب الحديث اللي بتقوليه لجوزك ده يا صفا. أجابتها بنبرة صوت حادة: العيب للي يعرفوا العيب ويخافوه يا جدة، ودلوك يلا فارقوني، ما عايزش أشوف حد منيكم هني. وأكملت بنبرة حادة وصراخ يدل على عدم اتزانها ووصولها لمدى غضبها:

اطلعوا برة كلياتكم، جايين بوش مكشوف وعين بجحة جوية تجبروني لجل ما أرجع للي غدر بي واتجوز علي وأنا لساتني عروسة ما فرحتش حتى بـ هدوم جوازي؟ ثم نظرت إلى منتصر الواقف بخزي وهتفت بنبرة غاضبة: لو كانت مريم اللي جوزها غدر بيها ورخصها كيف ما عمل وياي ولد أخوك؟ كنت هتقول لها بردك ترجع لجوزها يا عمي؟ كنت هترضي بالذل والمهانة على بتك، ولا كنت هخرب الدنيا وأطربجها على دماغ الكل كليلة عشانها. وأكملت وهي تفرق نظراتها

الكارهة للجميع باشمئزاز: يا عيب الشوم عليكم وإنتوا جايين وهزين طولكم لجل ما تاخدوني وترموني كيف الجارية تحت رجلين سي قاسم النعماني، لجل ما يكمل ذل ومهانة فيا أكتر. تحدث زيدان الذي كان واقفاً عند مدخل باب الحجرة كي لا يقال أنه كان يؤثر على قرارها: ما أعرفش لسه الجديد يا بتي، قاسم بيه اللي جايين أهلك لجل يرجعوكِ ليه، ما يطلقش مرته المصراوية، يجول إنه ما يقدرش يطلقها قبل سنة عشان مدى وعد لأبوها.

نظرت إليه وهتفت بعيون تطلق شزراً: طلقني يا قاسم وخلي عندك كرامة. أجابها بهدوء في محاولة منه لامتصاص غضبها العارم: جولتها لعمي وهجولها لك تاني يا صفا، ما أطلقكيش لو على موتي لأني ما أعرفش أعيش من غيرك، هصبر عليكي لحد ما تهدّي وترضي، مش هزهج من إني أجي لك كل يوم وأطلب منكِ السماح والرضا لحد ما ترضي يا غالية، وعاوزك تتأكدي إن أنا وإنتِ ما ينفعش نبعد عن بعض، لأني صدقت لقيتك ولقيت روحي الضايعة وياكِ. أكمل بنبرة صوت مختنقة

بفضل رغبته في البكاء: خلي بالك من نفسك يا حبيبتي. قال كلماته وهرول سريعاً إلى الخارج متجهًا إلى الإسطبل، امتطى حصانه العربي الأصيل وتحرك به منطلقاً إلى الخارج.

أما هي فكانت تنظر بصمود أمامها في نقطة معينة على الجدران، تركها الجميع وتحركوا للخارج تاركين لها المجال كي تختلي بحالها، حتى ورد زفرت بضيق وشعرت بنار مشتعلة تقتحم صدرها حين علمت صحة ما أخبرته به تلك الشمطاء المسماة بليلى، وتذكرت حديثها المسموم التي أخبرتها به قبل ساعتين من الآن. عودة إلى قبل ساعتين من الوقت الحالي.

كانت ليلى تقف بداخل شرفتها تحتسي مشروباً بارداً وتنظر على منزل زيدان بتشفي بعدما عادت إليه صفا مثلما خرجت. اشتعل صدرها عندما وجدت مريم تحمل صغيرتها وتدلف إلى منزل عمها. تجهزت سريعاً وهبطت الدرج بعدما انوت الذهاب إليهما كي تفسد عليهما جلستهم.

دلفَت إلى الغرفة الجانبية التي سكنتها صفا مؤقتاً كي لا تصعد الدرج حتى لا يتأذى جنينها مثلما أخبرتها أمل وحذرتها الحركة وتجنبها لصعود الدرج. وجدت ورد ومريم يجاورا صفا التي تجلس بملامح وجه حزينة مهمومة. وقفت ورد وتحدثت إلى ليلى بـ وجه مقتضب: خطوة عزيزة يا ليلى، أنا هدخل المطبخ أكمل العشاء. وأكملت وهي تنظر إلى مريم بحديث ذي مغزى: وإنت يا مريم، خلي بالك على بت عمك ومتتعبيهاش بالحديث.

تفاهمت مريم حديثها وأومأت لها، في حين جلست ليلى وتحدثت غير مبالية بحديث ورد التي تعلم أنها المقصودة بمعناه: عاملة إيه دلوقتي يا صفا، الله يكون في عونك يا بت عمي في المصيبة اللي حطت على دماغك، أنا لو مكانك كنت روحت فيها. وأكملت بنبرة شامتة ووجه مبتسم:

أصلها واعر قوي على الواحدة منا إنها تعرف إن جوزها اللي اتمنته من صغرها وحلمت يكون راجلها، وفكرت بغبائها إنها ملكته لما اتجوزته، يطلع عشجان لغيرها وواقع فيها لشوشته، وكمان اتجوزها عليها وهي لساتها في شهر العسل، ومش بس كده، ده كمان بيموت في التراب اللي عتمشي عليه التانية وبيتمنى لها الرضا يرضيكِ. كانت تستمع لها بقلب يتمزق ألماً. نهرتها مريم قائلة بنبرة حادة:

اقفلي خاشمك وبطلي حديثك السم ده يا ليلى، إنتِ شايفة إن دي وقت الحديث ده؟ ادعت الحزن وتحدثت بنبرة خبيثة: مش بوعي بت عمي وأرسيها على الموضوع بدل ما تفضل على عماها كده. نظرت إلى صفا وهتفت بخبث: اسكتي يا صفا، ده الموضوع طلع من ياجي تمن سنين وإحنا مدريانينش، أتاري قاسم أخوي كان خاطب زميلته المحامية دي من سبع سنين وواقع لشوشته فيها. ححظت عيناها بذهول حين صاحت مريم قائلة:

بكفياكِ عاد يا ليلى، يلا قومي من هني، الدكتورة قالت صفا لازم ترتاح. تحدثت صفا بنبرة جادة وملامح وجه صارمة: سيبها تكمل يا مريم، أنا عايزة أسمع. ابتسمت ليلى وبدأت بقص ما أخبرتها عنه والدتها بشأن قصة غرام قاسم لإيناس بل وزادت عليه، ضاربة بتنبيه والدتها لها عرض الحائط، فقط كي تشفي غليلها وهي تنظر بشماتة لتعابير وجه صفا التي تتألم عند استماعها لكل كلمة من حديث تلك الحية الرقطاء. بعدما انتهت تحدثت مريم:

خلاص يا ليلى، ارتحتي كده لما بخيتِ سمك وسممتي بيه بدن المسكينة. تحدثت بتأثر مفتعل قائلة: يعني بردك طلع الحق عليا يا مريم؟ وتنفست براحة وتحدثت إلى مريم كي تسمم علاقتها بزوجها هي الأخرى: حقك احمدي ربنا كل يوم يا مريم واشكريه على جواز أشجان بت خالتك، لولا كده كان زمان فارس أخوي سابج قاسم وواخد حبيبة اللي عاش عمره كله يتمنى تراب رجليها جوه حضنه ومخلف منها كمان.

نزلت تلك الكلمات المسممة على قلب مريم البريء أحرقته، حيث هتفت ليلى إلى صفا بنبرة شامتة: كنت هنسى يا صفا، مبروك عليكِ الحبل اللي ملحقتيش تفرحي بيه، أكيد العروسة الجديدة هي كمان حامل وهتجيب لقاسم أخوي الواد. وأكملت بنبرة حاقدة: وإنتِ أكيد ما هتجيبيش غير بت وتتقطعي على كده كيفك كيف أمك بالضبط، ما هو المثل بيقول، اكفي القدرة على فمها، تطلع البت لأمها. نظرت لها صفا وتحدثت بنبرة حادة:

كان نفسي أرد عليكِ الرد اللي يليج بعجوزة زيك، بس حظك إني متربية وبخاف ربي ومعشمتش في عطاياه ومنحه اللي عيدهالنا على شكل منح، روحي لحالك الله يسهلك بعيد عنينا، ويا ريت ما تكرريش الزيارة دي تاني، لأني مبجتش أطيق أشوفك جدامي. ضحكت بشدة وتحدثت ساخرة: ما تخافيش، الزيارة ما هتتكررش يا دلوعة أبوكِ، وإن كنتِ إنتِ ما تجيش تشوفييني جيراد، أنا ما أجيش أبص في خلقتك أربعة وعشرين. وأكملت بشماتة تدل على شخصيتها المريضة غير السوية:

أنا بس حبيت أجي وأعرف كل واحدة فيكم مصيبتها وخيبتها الثقيلة، فرحانين بالحبل والولادة وإنتوا رجالتكم مجبورين على عشرتكم السودا، كل واحد فيهم عنده عشجان مالية قلبه وعجلة وهيجبر حاله لجل ما يبص في خلقتكم العكرة. وأطلقت ضحكة شريرة وخرجت تاركة قلبي كلاهما ينزف ألماً. عودة إلى الحاضر. سقطت دمعة هاربة من عينيها مسحتها سريعاً، وذلك لامتثالها لوعدها التي قطعته لحالها على عدم ضعفها لمن دهس كرامتها حتى أصبحت هي والأرض سواء.

دلف إلى المنزل عند بزوغ الفجر بعدما قضى ليلة وهو يمتطي حصانه العربي ويجوب به كالمجنون في الأراضي الواسعة المملوكة لجده، وذلك بعد رفض زيدان القاطع لرجوع صفا إليه وإخباره لوالده أنه قرر هو وصفا بقائها في منزله حتى نهاية العمر لو لم يتم الطلاق.

تحرك إلى غرفة اجتماع العائلة بعدما رأى نورها مشتعلاً وتأكد من وجود جده بها، فهو دائماً يقضي صلاة الفجر ويتحرك إليها ليجلس فوق مقعده المخصص له ويمسك مسبحته ويقوم بذكر الله حتى بزوغ الشمس وظهور أول خيط ذهبي لها. أمسك مقود الباب وتنفس عالياً ليستعد لحديثه ثم أداره وفتح الباب بعد طرقه بخفة، ونظر إلى ذلك الجالس ورأسه منكساً يبصر لأسفل قدميه والحزن والأسى والخزلان يتملكون من ملامح وجهه المجعدة بفضل ما فعلت به السنوات.

تحرك بخطوات بطيئة وساقان يجرهما حتى وقف أمامه. لم يكلف عثمان حاله عناء النظر لوجهه وضَل ثابتاً على وضعه، وبلحظة خر بساقيه رامياً جسده باستسلام تحت ساقي عثمان كملك مهزوم أرهقته كثرة المعارك الخاسرة. رفع رأسه وهو ينظر لعيون جده الذي يحيل بهما عن ناظريه وكأنه يعاقبه بتلك الطريقة.

اقشعر جسد عثمان وانتفض عندما رمى قاسم رأسه فوق ساقي جده وتنهد بألم واستسلام. شعر بتيهة روح حفيده وعلم أنه أخيراً رفع راية الاستسلام من حالة العند والمكابرة. رغبة ملحة كانت تطالبه بأن يضع كف يده الأصيل على رأس حفيده ويطمئن روحه التائهة، لكنه ظل على وضعه كي يشعره بقبح ما اقترفته يداه بابنة أبيها الغالية وأثمن جواهر عثمان. همس قاسم بترجٍ وهو ما زال ملقياً رأسه فوق ساقي جده يتمسح بهما كقطة سيامي:

أنا عايز مرتي يا جدي، أحب على يدك ترجعها لي. أخذ عثمان نفساً عميقاً ثم أخرجه بهدوء وتحدث بصوت مهزوم حزين: ما كانت وياك، اختارت لك أغلى جواهري وأندرهم، حطيتهالك جوه حضنك بالغصب وأنا عارف إنها هي اللي هتمسك بيدك وترجعك من أرض التيهة اللي رميت حالك فيها وبقالك ياما بتلف فيها من غير ما تمل ولا تكل. وأكمل بنبرة ضعيفة:

جولت لحالي بنت أبوها الزينة هي اللي هترجعك لأصلك وأرضك، عملت إيه، بدل ما تمسك يدها وتتمسك بها وترجع لي، مسكت خنجر مسموم ودبيته في جلبها البريء وكسرت به ضهر أبوها اللي أمنك عليها، وكسرتني في شيبتي. يرفع رأسه له ينظر إليه بتيهة وهتف بصوت يئن ألماً: ما أقدرش أعيش من غيرها ولا هي هتعرف تعيش بعيد عن حضني، أنا عايز مرتي لجل ما أضمها جوه حضني وأطيب جراحه. رد عليه عثمان بنبرة قاسية: متى كان القاتل هو الطبيب يا ابن قدري. يسأل

جده بنفس النبرة الضعيفة: أول مرة تقولي يا ابن قدري؟ أجابه جده قائلاً بتفسير: عشان لأول مرة أحس إن كل اللي عملته معاك راح مع أول ريح عاتية، وكأني كنت ببني بيت على الرملة وجت الريح هدت ومسحت معاها كل تعب السنين. تنفس عثمان وأكمل بتذكر:

زمان لما أبوك جابك هني ورماك تحت رجليا كيف جعدتك دي بالظبط، جالي خد قاسم يا أبوي وحطه تحت جناحك وعلمه لجل ما يكون راجل زين شبهي. فرحت ببك لأنك كنت جاي لي في أشد أيامي وأصعبها، كنت لساتني خالعة ولدي الخلوج أبو جلب كيف الذهب وراميه برة أرضه بيدي، كانت روحي مدبوحة وجيت إنتَ طيبتها بنظرتك البريئة اللي تشفي العليل، شفت جوه عنيك نفس بصة عمك الحنينة، طيبت جراحي بضحكتك اللي كانت بتهون عليا كتير، خدتك تحت جناحي وكبرتك على المبادئ والأخلاق والخوف من الله، شفت فيك خلفي وجهزتك لجل ما تكون كبير عيلتك الحكيم وأسلمك زمام عيلتي من بعدي.

واسترسل حديثه قائلاً: تمردت وشردت عن أصلك، جولت سيبه يا عثمان وما تخافش علية، ده تربية إيدك وما هيشردش كتير، هيـ.ـرجع. لما كبرت وبقيت أفوكاتو جد الدنيا واختارت تعيش لحالك في مصر، جولت سيبه يا عثمان، هيـ.ـرجعـ.ـه أصله وتربيتك الزينة ليه. أكمل بنظرة رجل زادته تجاعيد وجهه خبرة ومعرفة يصعب على غيره اكتشافها:

كنت بشوف عشق بنت عمك ساكن جواه وإنتَ بتدوس عليه وبتخنجة بكل قوتك عشان تدفنه، ما كنتش بشوف ضحكتك ووشك اللي بيـ.ـنور غير لما تيجي ست البنات وتقعد قصادك وتاكل، ما كنتش تبص إلا للي في صحنها لجل ما تجسم وياها لجمتها وتاكل منها وتحس بطعم وحلاوة اللجمة في حنكك. كنت بشوفك وإنتَ بتهرب بعيونك وتجفلها لجل ما تمنعها إنها تبص عليها وتتملى في صنع ربنا اللي أبدع في جمال روحها قبل وشها.

كان يستمع إليه بعيون متسعة من شدة ذهوله، يستمع إليه ويسترجع ذاكرته ومواقفه التي تمر أمام عينيه كشريط سينمائي. ذُهل من حقيقة مشاعره التي كانت تائهة عنه كروحه. الآن وفقط فهم مغزى شعوره الهائل وهو ينظر لبحر عينيها العميق ليلة دخلت عليه، الآن فهم معنى استكانة روحه وسلامه الداخلي الذي شعر به عندما امتلك روحها ووضع صك ملكيته الذي شهد على عفافها وطهارتها ونقاء روحها الطاهرة. حين أكمل عثمان حديثه:

تمردك وعصيانك عليا وعلى عيلتك، منعك حتى تعترف بعشقها بينك وبين حالك، ولما لقيتك سايج في العوج، جبتهالك بيدي ودخلتها جوه حضنك. ثم نظر إليه وتحدث بانهزام: بس إنت طلعت كيف أبوك بالضبط، أبوك هو كمان راح رمى حاله في حضن حرمة مهشكة، بس أبوك له عذر، كان بيدور على راحته اللي ما لقاهاش عند بت سنيه اللي مفضياش غير لرسم الخطط، كان بيدور على هيبته اللي اتهرست تحت رجل عشق أمك الملعون.

كان يستمع لجده بذهول، والآن عرف بسر والده ولم يستغرب كونه خائن، فقد علم بأنها جينات قد ورثها عن أبيه. أكمل عثمان بنبرة لائمة: لكن إنت ليه يا قاسم، ده أنا اخترت لك فرسة أصيلة لجل ما تطاوعك وتكون وياك على الحلوة والمُرة، ولما تشرد بيها تجـ.ـمـ.ـح وتعصي عليك لجل ما ترجعك لعقلك تاني ولأصلك. تحدث مترجياً باستعطاف:

طب رجعها لي وأنا أوعدك ما أخليش النسمة تعدي من جارها، هشج صدري وأحطها جوه حضني لجل ما أخبيها من العيون وأحافظ عليها. ابتسم عثمان وأجابه بخفوت: فرستك جمحت وأعلنت عصيانها عليك. روح رجعها وخدها من حضن أبوها لو تقدر. نظر له مستعطفاً وهتف بنبرة مترجية: إنت هتساعدني وترجعها لحضني من تاني، عمي زيدان ما يقدرش يرفض لك طلب، زمانه هدى وهيفكر بعجل ويسمع كلامك. أجابه بنفي:

تبقى متعرفوش، عمك زيدان دلوقتي كيف الأسد المجروح، اللي يجرب من بنته هيقطعه بسنانه مهما كان هو مين. وأكمل متسائلاً: فكرك زيدان سلمني زمام بنته ليه؟ نظر له منتظراً تكملة حديثه فتحدث عثمان: عشان كان متأكد إني ما حفرطش في أغلى جواهري، وعارف إني هسلمها لراجل زين يحافظ عليها ويحطها جوه عيني. ثم هز رأسه مراراً وتحدث بنبرة انهزامية: لكن إنت ما طلعتش جد الوعد، خنت وغدرت وطعنت في الضهر يا ولد أبوك، طلعت كيف أبوك بالضبط.

انتفض من جلسته ووقف سريعاً ودار بالغرفة مثل الأسد الجريح وصاح بنبرة غاضبة: أنا مش كيف أبوي ولا عمري هكون زيه، أنا قاسم النعماني، شبه حالي وبس، وما هسمحش لحالي أكون نسخة مكررة من حد، سامعني يا جدي، أنا مش زي حد، وبلاها كمان من مساعدتك دي. وأكمل بنبرة أكثر حدة:

ومرتي أنا هعرف أراضيها وأرجعها لحضني من تاني، وهاخدها هي وولدي ونبعد من هني، هعيش وياها بجنون قاسم النعماني وبس، جنون الرحمة وعدم الإجبار، هربي عيالي منها على الحرية وإن كل واحد منهم يعمل اللي يشوفه صح من وجهة نظره هو وبس. كان يستمع إليه ويبتسم بخفة ثم تحدث بنبرة مهمومة: لساتك ما شبعتش تيهة وشرود يا قاسم، لساتك بتكابر وعاوز تهرب من أصلك يا ولد. تنهد وتحدث بنبرة تعقلية:

ما فيش دنيا بتمشي من غير قوانين وكل واحد يعمل اللي على كيفه يا ولدي، كده نبقى عايشين في غابة. ثم تنفس عالياً وتحدث: إنت الوحيد اللي قادر تعرفنا كلياتنا إنك مش كيف أبوك، مستني أشوف حفيدي اللي ربيته على العجل والحكمة والأخلاق هيخرج حاله كيف من الورطة اللي وقع حاله فيها بيده، ورينا هترجع بنت أبوها العالية كيف. نظر إليه جده بغضب وخرج كالإعصار وصعد إلى الأعلى سريعاً. بعد مرور أسبوع.

داخل قاعة المرافعات الخاصة بمحكمة النقض. وبالتحديد داخل إحدى الجلسات المعقودة لبحث قضية رجل الأعمال الشهير "أمجد التهامي" والذي لُفقت إليه القضية من قبل أعدائه عديمي الضمير داخل سوق العمل المشترك بينهم.

كان يقف أمام هيئة المحلفين المكونة من قاضٍ جليل وهيئة استشارية متخصصة، يتحدث إليهم بكل طلاقة وجسارة كعادته، فدائماً كانت المرافعات تمثل له الحياة واللذة والنجاح الحقيقي والوحيد الذي استطاع تحقيقه. فدائماً ما يشعر وهو يترافع أمام هيئة المحلفين بأنه داخل إحدى ساحات المعارك العظمى التي طالما خرج منها كملك منتصر.

أنهى قاسم حديثه الصارم والذي كشف به لهيئة المحكمة براءة موكله وأن القضية ملفقة ويوجد وراءها دافع الحقد والغيرة وقصد الإضرار بالمدعو أمجد التهامي. هتف قاسم بثقة وجسارة وهو يرفع قامته منتصب الظهر واثقاً بحاله كعادته:

وبعد اطلاع هيئة المحكمة الموقرة على المستندات والأدلة التي لا تقبل الشك والتأكد من صحتها، أرجو من سيادتكم الحكم ببرائة موكلي من التهمة المنسوبة إليه وفوراً، وذلك لثبوت براءته من تلك التهم التي لُفقت إليه من خلال منافسيه عديم الشرف والمروءة، حيث قاموا بها بدافع الإيقاع بموكلي والإضرار بسمعته الطيبة التي دائماً ما اتسمت بالنزاهة والشرف. وأكمل بثقة عالية:

لذا أرجو من عدالتكم تنفيذ القانون وفوراً لتأخذ العدالة مجراها الصحيح من خلال حكم عدالتكم الحق، وشكراً لسعة صدركم لمرافعتي. كان أمجد يجلس وهو ينظر إليه بإعجاب لطلاقته بالحديث وثقته العالية رغم صغر سنه الذي لم يتعدى الرابعة والثلاثون. جلس بجانب إيناس الحاضرة لكونها شريكته بالقضية والتي تحدثت بنبرة حماسية: هايل يا دكتور، مرافعة تاريخية تنضم لتاريخ مرافعاتك المميزة، أكيد هيئة المستشارين ستحكم بالبراءة.

وأكملت بنبرة أكثر حماسة برغم إشاحة قاسم ناظريه عنها وعدم تكليف حاله عناء النظر إلى وجهها البغيض بالنسبة له: عندي إحساس قوي، إن القضية دي هتكون نقلة كبيرة لمكتبنا في دخوله الحقيقي من أوسع الأبواب لعالم قضايا كريمة المجتمع وصفوته. ابتسم بخفوت وأجابها بحديث ذي مغزى: هي فعلاً هتكون نقلة كبيرة ولكِ أكتر يا أستاذة. ابتسمت بغباء غير مدركة لما يتم تخطيطه لها من قبل ذلك الغامض الذي يجاورها ويبدو على ملامحه الهدوء.

قاطعهم صوت حاجب المحكمة الذي نطق بصرامة جملته الشهيرة: محكمة. وقف الجميع وخرج القاضي وبجانبه المستشارون المصاحبون له وبعد الجلوس تحدث القاضي: بعد الاطلاع على المستندات والأدلة وصحة ثبوتها، قررنا نحن براءة المدعى عليه أمجد أحمد حسين التهامي، الشهير بـ أمجد التهامي من التهم المنسوبة إليه، رُفعت الجلسة.

حالة من الهرج والتصفيق الحاد ملأت القاعة من قبل أنصار أمجد. أما قاسم فقد انتابته حالة من السعادة وتنفس بانتشاء يدل على مدى راحته. وقف أمجد وبسط ذراعه موجهاً نحو قاسم وتحدث بابتسامة خافتة وثبات انفعالي رهيب يحسد عليه، فمن يراه الآن لم يصدق أن ذاك الرجل ذو الملامح الحادة الباردة قد حصل للتو على حكم بالبراءة من قضية كادت أن تزجه داخل السجن ويقضي به عدة أعوام ليست بالقليلة. تحدث أمجد بنبرة واثقة:

مبروك عليك شهرتك وقضايا شركتي اللي هنقلها كلها لمكتبك يا متر. ابتسم قاسم ببرود مماثل له وتحدث بلباقة: شرف كبير لمكتبي نقل قضايا شركة سعادتك أمجد باشا، وألف مبروك على البراءة.

شكر أمجد أيضاً إيناس بامتنان وتحرك ثلاثتهم خارج القاعة وتحركوا داخل رواق المحكمة ليتفاجأوا بوجود الكثير من الكاميرات التي تلتقط لهم الصور ووجود بعض مذيعي بعض القنوات التلفزيونية الذين حضروا لينقلوا تبعيات آخر مستجدات المحاكمة الخاصة برجل الأعمال الشهير بالعاصمة وأيضاً بعض رجال الصحافة.

تحدثوا إلى أمجد الذي تحدث عن نزاهته وأشاد بثقته المطلقة بنزاهة القضاء المصري، وأشاد أيضاً بقاسم ولم يخلو الأمر من التفاخر وكسب احترام المشاهدين له حيث تحدث بنفاق: أنا لما اخترت قاسم النعماني علشان يمسك لي القضية، اخترته من باب تشجيعي للوجوه الشابة وإعطائهم فرصة النجاح والظهور. وأكمل:

قلت لنفسي، أظن كفاية كده على الحيتان الكبار اللي ليهم سنين محتكرين المهنة، واخدين كل قضايا البلد لحساب مكاتبهم الكبيرة، جه الوقت علشان الشباب تثبت جدارتها وتاخد فرصتها. كان يستمع له ويبتسم من داخله على نفاق ذلك المدعي الذي لم يفلت تلك الفرصة كي يستغلها لصالحه حتى لو بالكذب والتلفيق. أما قاسم الذي نقل إليه الحديث حيث وجه له وسأله أحد المذيعين عن الإجراءات التي سيتبعها بعد، فتحدث بثقة نالت استحسان أمجد بجدارة:

خطوتي الجاية إني هقدم بلاغ للنائب العام أتهم فيه كل من له يد وثبت تأمره على تشويه سمعة موكلي عن عمد، وهنطالب بمحاكمتهم أمام المجتمع ليكونوا عبرة لمن تسول لهم أنفسهم بتشويه سمعة الناس بالباطل، وبعدها هنطالب بتعويضات مالية ضخمة تعويضاً عن ما سببته القضية من أضرار نفسية واجتماعية وقعت على موكلي. قامت إحدى المذيعات بسؤال قاسم قائلة:

إحنا عرفنا إن فيه محامية من مكتبك ساعدتك في القضية دي، وسمعنا كمان إنها مش أول قضية تشتغلوا عليها مع بعض. وأكملت: نقدر نفهم من كده إن حضرتك بتؤمن بنجاح المرأة وبعقلها الواعي واستحقاق إعطائها الفرص الكاملة لإثبات ذاتها داخل سوق العمل؟ نظر إلى إيناس وابتسم بخفوت وأشار لها وتحدث: أكيد طبعاً بأمن بدور المرأة الفعال في نجاح أي عمل بتشترك فيه. ابتسمت إيناس ورفعت رأسها بشموخ. أعادت المذيعة توجيه السؤال

مرة أخرى إلى قاسم قائلة: يا ترى هنشوفكم مع بعض مرة تانية في قضايا تشغل الرأي العام وتكون حديثة زي قضية رجل الأعمال أمجد التهامي؟ ابتسم بخفة وشد جسده للأعلى بصلابة وتحدث بما جعل إيناس توشك على إصابتها بسكتة دماغية من شدة فورانها:

للأسف الشديد، ده كان آخر تعامل بيني وبين الأستاذة إيناس، بس فيه مفاجأة حلوة تخصها مستنياها بكرة، وهو افتتاح مكتبها الجديد هي والأستاذ عدنان أخوها، وده هيكون جزء بسيط كتقدير مني وتعبيراً عن تعبهم معايا طول السنين اللي فاتت في المكتب بتاعي. وأكمل مفسراً أمام الكاميرات: ما حبتش أكون أناني وأفضل محتكر موهبتهم الفذة، وحابس ذكائهم جوه اسم مكتب قاسم النعماني.

نظر لتلك المذهولة التي تنظر إليه بعيون متسعة بشدة إثر هبوط ذلك الخبر على عقلها كصاعقة كهربائية كادت أن تودي بحياتها، وهي تتنفس بصدر يعلو ويهبط من شدة اشتعاله. وتحدث هو ببرود وابتسامة سمجة: مبروك المكتب الجديد يا أستاذة.

فـ.ـجـ.ـرَ قـ.ـنـ.ـبلـ.ـة وارتدى نظارته الشمسية وانسحب بلباقة قاصداً الخارج تحت قهقهة أمجد التي لم يستطع كظمها بعد إعجابه الشديد بذلك الذي فعل ما برأسه، ضارباً بكل شيء عرض الحائط، رغم تخطيط إيناس بـ جعله مكبلاً بقيدها. صاحت باسمه بعد أن استوعبت صدمتها، وانسحبت بابتسامة مزيفة أجادت صنعها بصعوبة بالغة حفظاً لماء وجهها، هرولت خلفه بخطوات واسعة لتلتحق به وتجاوره الحركة، وهتفت متسائلة بنبرة غاضبة:

الكلام الفارغ اللي قولته للمذيعة جوه ده حقيقي؟ أجابها ببرود وهي يتحرك للأمام بخطوات واثقة: من امتى وأنا بهزر في شغلي أو في حياتي عموماً علشان أقول خبر مهم زي ده من غير ما يكون فعلاً حقيقي! وأكمل معللاً: المفروض إنك حافظة شخصيتي بحكم السنين الكتيرة اللي قضيناها مع بعض في الشغل يا أستاذة. أجابته بجنون: مش من حقك تمشيني بالشكل المهين ده بعد كل اللي عملته علشانك، وعشان المكتب يوصل لمكانه اللي أصبح عليه بفضل مجهودي.

توقف عن الحركة ونظر إليها ثم أجابها بمراوغة وبرود أشعل روحها: وهو أنا لاسمح الله كنت طردتك من المكتب! ده أنا كافأتك على تعب السنين ومجهودك زي ما بتقولي. ونظر لها وابتسم ساخراً وأردف قائلاً بما جعلها تشتعل: هي دي كلمة شكراً على المفاجأة اللي ليا أكتر من أسبوعين بجهز لك فيها؟ نظرت له وتحدثت بلغة التهديد وثقة زائدة عن الحد:

مش هتقدر تنفيني من المكتب بالطريقة المهينة دي يا قاسم، أمجد التهامي اللي أنا تعبت لحد ما وصلته وأديتك الخيط اللي إنت مشيت عليه علشان تكسب القضية اللي خلت المذيعين والصحف.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...