تحميل رواية «قلبي بنارها مغرم» PDF
بقلم روز امين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تدور أحداث روايتنا داخل محافظة سوهاج عريقة الأصل والأصول، وبالتحديد داخل نجع النعماني والذي سُمي خصيصاً بهذا الاسم تيمنًا وانتسابًا لتلك العائلة العريقة، عائلة النعماني. البطلة: صفا زيدان عتمان النعماني، طبيبة بشرية، تبلغ الآن من العمر الخامسة والعشرون، وحيدة والديها وغاليتهم، فاتنة الجمال ذات طلة وجه ملائكي وبشرة بيضاء اللون، تمتلك عينان ساحرتان واسعتان باللون الزمردي يكسوهما رموش سوداء كثيفة مما أعطى لهما سحرًا ورونقًا يفوق ألف تعويذة على ناظريهما. تمتلك جسدًا متناسقًا أنثويًا من الدرجة الأولى...
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الأول 1 - بقلم روز امين
تدور أحداث روايتنا داخل محافظة سوهاج عريقة الأصل والأصول، وبالتحديد داخل نجع النعماني والذي سُمي خصيصاً بهذا الاسم تيمنًا وانتسابًا لتلك العائلة العريقة، عائلة النعماني.
البطلة: صفا زيدان عتمان النعماني، طبيبة بشرية، تبلغ الآن من العمر الخامسة والعشرون، وحيدة والديها وغاليتهم، فاتنة الجمال ذات طلة وجه ملائكي وبشرة بيضاء اللون، تمتلك عينان ساحرتان واسعتان باللون الزمردي يكسوهما رموش سوداء كثيفة مما أعطى لهما سحرًا ورونقًا يفوق ألف تعويذة على ناظريهما.
تمتلك جسدًا متناسقًا أنثويًا من الدرجة الأولى تخفيه تحت ملابسها الفضفاضة كما أمر الشرع والدين، ترتدي حجابًا ما زادها إلا نورًا على نور وجهها المضيء بنور ربه.
والدها: زيدان عتمان النعماني، رجل حكيم حنون ولديه من الأموال التي جمعها من تجارة الحبوب والأعلاف والخضروات بعيدًا عن تجارة وأملاك والده الطائلة ما يجعل الجميع يطمع به حتى أقرب الأقربين.
والدتها: ورد الرجايبي، عشقت زيدان وعشقها وتزوجا رغم اعتراض الجميع ولأسباب سنتعرف عليها لاحقًا، قوية حكيمة وبذات الوقت تمتلك قلبًا يفيض حنانًا تغمر به محبيها.
البطل: قاسم قدري عتمان النعماني، ابن عم البطلة، شاب في أوائل الثلاثينات فارع الطول ذو جسد رياضي قوي البنيان، حيث يهتم به كثيرًا ويبذل جهدًا في التدريبات، يمتلك عينان سوداوان وشعرًا ناعمًا فحمي اللون، ذو شخصية صارمة وجادة، يعمل محامي ولديه مكتب للمحاماة بالقاهرة افتتحه بأموال جده عتمان.
إيناس رفعت عبدالدايم، تعمل محامية لدى مكتب قاسم وتصغره بثلاث أعوام، حيث التحقت بالدفعة الأولى بكلية الحقوق جامعة القاهرة وكان قاسم حينذاك بالدفعة الرابعة وتعارفا كليهما على الآخر من خلال شقيقها عدنان، صديق قاسم المقرب.
فتاة قوية، ذكية، متطلعة وحالمة إلى مستقبل أفضل وحياة مرفهة تحلم بأن تحققها على يد قاسم.
الجَد: عتمان النعماني، كبير عائلة النعمانية وكبير أعيان مدينة سوهاج عريقة الأصل، رجل حكيم ذو خبرة حياتية ولديه من الأولاد الرجال ثلاث، أكبرهم قدري والد البطل، يليه منتصر، يليه زيدان والد صفا، ولديه من الإناث اثنتين، علية وصباح.
الجَده: رسمية النعماني، ابنة عم زوجها، امرأة قاسية القلب على الجميع إلا من صفا وقاسم.
والد البطل: قدري النعماني، رجل حقود بكل ما تحمله الكلمة من معنى، سيئ طامع حتى بأقرب الأقربين إليه.
فارس: السن ثماني وعشرون عامًا، تخرج من كلية العلوم ويعمل أيضًا مع والده داخل أراضي وتجارة الجد.
ليلى: تكبر صفا بعام وتبلغ من العمر ستة وعشرون عامًا، تخرجت من كلية التجارة وتعشق يزن ابن عمها منتصر الساكن معها بنفس المنزل ولأجل هذا ترفض أي زيجة تعرض عليها على أمل الفوز بقلبه.
والدة البطل: فايقة النعماني، ابنة العائلة وابنة شقيق رسمية، امرأة جميلة الشكل سيئة الطباع، متسلطة تغار من ورد وتكن لها عداوة قديمة لأسباب سنتعرف عليها لاحقًا.
حسن: الابن الثاني والذي أتم عامه الخامس والعشرون، تخرج من كلية التربية ويعمل أيضًا بأراضي جده عتمان.
الإبنة الثالثة: مريم، فتاة جميلة رقيقة، حنون تصغر صفا بعام حيث تبلغ من العمر الرابعة والعشرون، لكنها تغار بشدة من صفا وتحقد عليها لحب واهتمام جديها لها، تخرجت من معهد خدمة اجتماعية وتعشق قاسم بكل تفاصيله.
قبل أكثر من ثمانية عشر عامًا من أحداث روايتنا، داخل مدينة سوهاج عريقة الأصل والأصول، وبالتحديد داخل نجع النعماني والذي سُمي بهذا الاسم تيمنًا باسم هذه العائلة العريقة.
عصرًا، في بهو منزله والذي يشبه القصور لشموخه وبنيانه العالي وأثاثه العريق كحال عائلتهم، يجلس الحاج عتمان النعماني كبير عائلته وكبير النجع بأكمله وعين أعيان المدينة، تجاوره زوجته الحاجة رسمية ابنة عمه وابنة عائلة النعماني وبصحبتهم ولديهما قدري الكبير وزوجته فايقة تلك الجميلة المتعالية، ابنة شقيق رسمية وابنة عائلة النعماني أيضًا.
وعلى الجانب الآخر ولدهما الثاني منتصر وزوجته هادئة الطباع نجاة وهي أيضًا ابنة العائلة، حيث أن عائلة النعماني لا يتزوجون ولا يزوجون الغرباء.
صاحت رسمية بنبرة حادة وهي تنادي على إحدى عاملات المنزل بنبرة جامدة:
حُسن، انتِ يا مخبولة.
أتت العاملة ذات السادسة عشر عامًا مهرولة وهي تردف قائلة بنبرة مرتعبه:
نعمين يا ست الحَاچة.
أردفت رسمية قائلة بنبرة شبه أمرة:
إعملي لنا شاي وهاتي معاه صحنين كحك وصحن رواني.
أجابتها العاملة بطاعة واحترام قبل انصرافها الفوري:
حاضر يا ست الحَاچه.
تحدث الحاج عتمان موجهًا حديثه إلى قدري:
أخبار محصول القمح إيه السنة دي يا قدري؟
أجابه قدري بتفاخر وهو يرجع ظهره مستندًا به على خلف المقعد:
المحصول زين جوي يا أبوي، الزرعة طرحها مليح جوي السنة دي.
انتبه الجميع ووجهوا أبصارهم فوق الدرج ينظرون على ذلك الذي يهبط بخطوات واثقة وهو يرتدي جلبابه الصعيدي واضعًا حول عنقه شالًا رجاليًا زاده وقارًا وجاذبية، ويضع فوق كتفيه عباءة سوداء فخمة ومميزة ككل أشيائه.
تحرك إلى الأسفل وخطي بخطوات رزينة حتى وصل لموضع جلوس أبيه وقبل جبهته باحترام متحدثًا:
كيفك يا أبوي؟
ابتسم وجه الحاج عتمان لمجرد رؤيته لوجه صغيره البالغ من العمر الثاني والعشرين، وتحدث بابتسامة صافية لا يظهرها إلا لذاك زيدان وفقط:
زين وبخير طول ما أنت وأخواتك بخير يا ولدي.
ابتسم لأبيه ثم حول بصره إلى والدته وتحدث وهو يقبل مقدمة رأسها باحترام تحت استشاطة قدري من أفعال ذاك الصبي الذي يستحوذ بها على قلب والديه:
كيفك يا ست الكل؟
بخير يا سبعي طول ما أنت بخير.
جملة قالتها رسمية بتفاخر لعشق ذاك الفتى القريب من روحها.
نظر له والده وتساءل باهتمام:
على وين العزم إن شاء الله يا زيدان؟
أجاب والده وهو يلتقط قطعة رواني من الحامل التي تحملها تلك الحُسن بين يديها لتضعه بعد ذلك فوق المنضدة وتغادر على الفور إلى الداخل خشية غضب سيدتها:
رايح أحضر فرح عامر واد عبدالرحيم الزيني يا حاچ!
وتحدث مناديًا إلى العاملة نجية بنبرة هادئة رحيمة كقلبه:
يا نجية.
أتت العاملة فتحدث إليها بوجهه البشوش:
اطلعي جولي لمرعي يخرّج لي الحصان من الإسطبل ويجهزه على ما أشرب الشاي.
أجابته العاملة بنعم وانصرفت للخارج.
نظر له قدري بضيق وتحدث بتكبر مستنكرًا أفعال شقيقه:
وطلع مين في البلد عبدالرحيم الزيني ده عشان تروح لحد داره وتعمل له جِيمة وكمان تحضر فرح ولده؟
ضيق زيدان عيناه مستغربًا تكبر شقيقه وأجابه بنبرة مستنكرة:
أني رايح فرح صاحبي يا قدري.
وأكمل مفسرًا بتعقل:
صح عبدالرحيم الزيني مهواش من الأعيان وكبرات البلد، بس يكفي إنه راجل محترم وبيتقي الله في حياته وبياكل لقمته بعرق جبينه هو وولاده.
ابتسم له أباه وتحدث بإعجاب لحديث ولده العاقل:
ربنا يبارك فيك يا ولدي، هو ده الحديث الزين، طالما الراجل محترم يبقى فجرة ميعيبوش.
واصلت.
تأفف قدري ثم تحدثت فايقة ذات العشرين عامًا بكبرياء وهي تنظر إلى زيدان بقلب مشتعل نارًا وحقدًا:
كلام إيه اللي بتجوله ده يا عمي، ده بردك زيدان ابن الحاج عتمان النعماني على سن ورُمح، ولازم يصاحب ناس من مجامع ومجام عيلته الكبيرة.
وأكملت وهي تنظر إلى زوجها قدري لتثبت للجميع أن زيدان على خطأ:
يبص لقدري ويتعلم منه كيف بيختار أصحابه من كبرات النجع وأصحاب المجام العالية.
أرجع قدري ظهره للخلف ورفع رأسه شامخًا بعد حديث زوجته المفخم له.
ثم أكدت رسمية على حديث ابنة شقيقها قائلة بتفاخر وكبرياء:
عندك حق يا فايقة، العين بردك متعلاش على الحاجب وكل واحد ومجامه.
تحدث منتصر بنبرة مستنكرة:
كلام إيه بس اللي بتجوليه ده يا أما، معدش فيه حد بيفكر إكده دلوقتي، وبعدين ربنا خلقنا كلنا سواسية، ليه بجا إحنا هنفرز الناس على حسب مالهم وحسبهم ونسبهم.
وقف زيدان وتحدث وهو يهندم من ثيابه غير عابئ بحديثهم العقيم بالنسبة لعقليته المستنيرة:
أسيبكم بجا تتحدثوا في المجام العالية والحسب وأمشي عشان متأخرش على الفرح.
تحدثت رسمية وهي تنظر لهيئة نجلها المشرفة بتفاخر:
ربنا يحميك من العين يا ولدي، وعقبال ما نفرحوا بجوازك.
ابتسم لها بوجه بشوش وأردف قائلًا:
إن شاء الله يا غالية.
ثم تحرك إلى الخارج تحت استشاطة فايقة ونظراتها الثاقبة الناقمة عليه.
❈-❈-❈
بعد قليل.
دلف لداخل الحفل يمتطي فرسه العربي الأصل، منتصب الظهر رافعًا رأسه بشموخ، كفارس خرج للتو من داخل إحدى الأساطير العريقة.
كانت نظرات الجميع مسلطة عليه بإعجاب شديد، رجال النجع ينظرون إليه بتمني لمكانته عظيمة الشأن وماله وحسبه ونسبه، وكل شخص يتمنى عظمة شأنه لحاله.
أما فتيات النجع ينظرن إليه بأعين مسحورات من طلعته البهية الرجولية، وكل واحدة منهن تتمناه كرجلها وفارس أحلامها الوردية.
نزل من فوق ظهر فرسه بفروسية وظهر مفرود وتحرك بين الجميع بابتسامته الخلابة الذي بات يوزعها على الحضور، مرتدياً جلبابه الصعيدي واضعًا فوق رأسه عمامته البيضاء التي زادته وسامة فوق وسامته وجعلت منه جذابًا للغاية.
وبدأ بإلقاء التحية على كل من يقابله حتى وصل وجلس بجانب أصدقاء له.
في الناحية الأخرى من جلسة النساء، كانت تجلس تلك الورد غير عابئة بما يحدث من حولها بجانب والدتها، تحركت وصعدت لتهنئة ابنة خالها تلك العروس الجميلة، احتضنتها بحفاوة وهنأتها وتمنت لها دوام السعادة.
تحرك زيدان أيضًا من جلسته حيث وجه بوصلته إلى مجلس العروسين حتى يهنئ العريس أعز أصدقائه والذي يدعى عامر، وبالصدفة تحركت ورد كي تهبط.
بنفس توقيت هبوطها كان يصعد متجهًا حيث صديقه ليهنئه وعروسه.
وبلحظة التوت كعب حذائها المرتفع، كادت أن تسقط أرضًا بفضل انفصال الكعب عن النعل لولا ساعديه القويتين اللتان التحقت بها وأسندت يدها ومنعتها من الانزلاق المحقق.
وهنا يا سادة قد توقف الزمان، حيث لا عاد يكترث الهائمان بحضور من في المكان، ولا لأي شخص كان أن كانوا.
التقات العين بالعين، وذابت بالنظرات التي طالت وكأنهما عاشقان التقيا بعد فراق دام منذ الزمان.
حدثتها عيناه: لَمَّا كُلُّ هَذَا الْغِيَابُ فَاتِنَتِي، أَلَمْ تَدْرِي أَنَّنِي انْتَظَرْتُكِ مُنْذُ الْكَثِيرِ؟
وابتسم وحدث مقلتيها الجميلتين: وَلَكِنَّ، لَا عَلَيْكِ أَمِيرَتِي، فَلَقَدٍّ أَنْسَتْنِي تِلْكَ النَّظَرَةُ أَلَمَّ الْبُعَادِ وَمِرَارَةِ الِانْتِظَارِ!
ابتسمت برقة لحديث عيناه الجريئة الذي اقتحم قلبها واستوطنه دون استئذان، وحدثته عيناها: آَخْبِرُكِ بِسِرٍّ أَيُّهَا الْأَسْمَرُ الْوَسِيمُ، لَمْ يَحْدُثْ لِي وَاخْتُطِفْتُ هَكَذَا مِنْ ذِي قَبْلُ، تَحُومُ حَوْلَكَ هَالَةٌ عَجِيبَةٌ تَجْذِبُنِي، فَتَأْسِرُنِي، وَهَا أَنَا الْآنَ أَعْتَرِفُ أَمَامَكَ وَأُقِرُّ، أَنَّ لِعَيْنَاكَ سِحْرًا أَثِيرٍ!
في تلك اللحظة أتى ابن عمها إليها سريعًا ليقطع وصلة الفؤاد ذات، قائلًا وهو يزيح عن لمستها يد ذاك القوي المسحور بطلتها ويسحبها بعنف وغيره قائلًا بنبرة حادة:
متشكرين يا زيدان على وجفتك دي.
تحدث زيدان بصوت رجولي جهوري:
مفيش حاجة تستاهل الشكر يا كامل، أني معملتش إلا الواجب.
هز كامل رأسه بإيماء لذاك الوسيم ثم نظر لتلك الخجولة وتساءل باطمئنان:
إنتِ زينة يا ورد؟
تحمحمت وتحدثت حرجًا وما زالت عيناها معلقتان بصاحب ذات الرموش الكحيلة وكأن بهما شيء خفي يجذب عيناها ويجبرها على النظر داخل عيناه:
الحمد لله يا كامل، أني زينة.
انفرجت أساريره حين علم اسمها، ورد، ياله من اسم معبر لذات الرائحة العطرة والوجه المنير، وما أسعده أكثر معرفته لأصلها وفصلها وعائلتها.
تحركت هي بطريقة مضحكة حيث انخلع كعب نعلها وباتت تتعرج بحركتها، وأخيرًا وصلت وجلست بجانب النساء ولكن لازالت عيناها معلقة بعين ذاك الأسمر القوي البنيان ذو العينان الكحيلة ذات اللون البني كثيفة الرموش.
حدثتها ابنة خالتها بنبرة مفخمة وهي تبتسم:
طول عمر حظك نار يا بت خالتي، حتى يوم ما تتكعبي وتُجعِي، تُجعِي في حضن زيدان النعماني اللي بنات الكفر كلهن بيموتن على طلة واحدة من عيونهن.
نظرت لها بقلب يدق بوتيرة عالية عند معرفتها شخصيته، فكم من المرات التي استمعت بها لروايات وحكايات عن زيدان النعماني، ورجولته وعيناه التي أذاب بها معظم صبايا النجع بالعشق الممنوع، ولكنها الآن وأخيرًا التقت وجهًا لوجه ورأت ذاك الفتى الذي يتحدث عنه الجميع.
تحدثت خجلًا في محاولة منها للتماسك:
والله أنتِ رايحة يا ماجدة، بجا أني رجلي كانت هتتخلع وأنتِ كل اللي شاغل بالك وفارج وياكي مسكة زيدان النعماني ليدي؟
أجابتها نورا بإستهجان:
وه يا ورد، وهي مسكة يد زيدان النعماني ليدك دي حاجة جليلة إياك؟
أشاحت عنها ببصرها حين استمعت لتوبيخ والدتها لها وهي تردف بهمس قائلة بنبرة حادة:
معرفتش تمسكي حالك وأنتِ نازلة يا مقصوفة الرقبة، يجولوا إيه عليا حريم النجع، بتك معرفتش تسند حالها ووجعت على يد ابن النعماني؟
تأففت بجلستها من حديث والدتها الحاد وألتزمت الصمت حتى انتهى الزفاف دون أن يرى كل منهما أية مراسم وذلك لانشغالهما بإستراق النظر كليهما للآخر.
❈-❈-❈
بعد مرور ثلاثة أسابيع.
كانت ترتدي ثيابها الدراسية وتتحرك على استحياء في الطريق العام للبلدة، عائدة من مدرستها الثانوية الفنية والتي تتواجد خارج النجع. نظرت إلى ذاك الذي يقف مراقبًا لها ككل يوم منذ أن رآها صدفة من ذي قبل.
☆ويا حلوها من صُدفه☆
نظرت له مبتسمة حين تذكرت ما حدث منذ الثلاثة أسابيع.
أما هو فشعر باهتزاز بكامل بدنه حين رآها تظهر أمامه كشمس ساطعة أنارت له دربه الغائم.
تحرك خلفها بهدوء وحين أدرك خلو الطريق من المارة اقترب منها وتحدث بنبرة حنون:
كيفك يا ورد؟
انتفض جسدها بالكامل رعبًا وتحدثت خجلًا بنبرة متلبكة:
ميصحش اللي بتعمله ده يا ابن الحلال، لو حد شافك وياي دلوقتي يجول عليا إيه؟
أجابها بصوت جهوري غاضب:
قطع لسان اللي يجيب سيرة زينة الصبايا بكلمة عفشة.
وأكمل بوجه مبتسم وكأنه تبدل بآخر:
أني هسألك سؤال وأخد الجواب وأبعد طوالي عشان سمعتك بقت تهمني أكتر ما تهمك.
نظرت إليه مضيقة العينان وتساءلت متعجبة:
سؤال إيه ده؟
نظر لها وابتسم وحدثها برجولة وصراحة:
رايدك تكوني حلالي يا ورد، وعاوز أعرف رأيك لجل مشيع لأبوكي وأطلب منه يد الجمر.
ارتاعب جسدها وشعرت بقلبها سيتوقف عن النبض لشدة سعادته وعدم تصديقه لما قيل من ذاك زيدان التي عشقت عيناه منذ أن رأته للوهلة الأولى.
نظر لها بضحكة عيناه الكحيلة وتساءل بتلائم:
جولتي إيه يا جمر ليلي؟
علقت عيناها بعينيه مستغربة كلمات الغزل الذي ينثرها على مسامعها منذ أن التقاها، فنظر لها مؤكدًا وأردف قائلًا بتأكيد:
آه يا ورد، جمر ليلي وشمس حياتي اللي نورت من بعد ليل غامق عاتم.
تساءلت بعيون عاشقة غير مصدقة:
إمتى وكيف يا زيدان؟
اشتعلت نار صدره عشقًا واتسعت عيناه الكحيلة غير مستوعبة ما نطقته تلك الساحرة الصغيرة بلسانها وأشعلت به كيانه، وتساءل حاله، أحقًا تعرفين اسمي ونطقتي به غاليتي، يا لسعادتي وهناء قلبي العاشق.
أجابها بعيون هائمة:
زيدان النعماني زاد فخر وشرف بنطق اسمه على لسانك الطاهر يا زينة الصبايا.
ثم أجابها ردًا على سؤالها:
أما إمتى وكيف عشقتك كده، فاحب أقول لك إني قلبي مولود بعشقك.
وأردف قائلًا بتفسير:
تعرفي يا ورد، أني شفتك قبل الزمان بزمان.
ضيقت عيناها مستفسرة بابتسامة حانية:
كيف يعني؟
ابتسم لها برجولة وأردف مفسرًا:
من أول عرفت يعني إيه عشق وأني رسمت صورة حبيبتي اللي اتمنيتها في خيالي، كيف شكلها؟ كيف ضحكتها وكيف راح تكون عيونها وهي بتبص لي؟ كيف صوتها العاشق وهي بتتغنى بحروف اسمي؟ ولحظة عيني ما جت في عينك لما كنتِ هتقعي ومسكت إيدك، زي ما أكون كنت بحلم وفوجت على أحلى حقيقة.
وأكمل بعيون عاشقة:
لقيتك يا غالية كيف ما رسمك خيالي بالضبط، لقيتك ودنيتي أصبح ليها طعم ولون، جولت لحالي يا ويلك يا ابن النعماني من نار عشق أم عيون كحيلة لو مكانتش مقسومة لك.
ابتسمت فرحًا وتحدثت:
كلامك كأنه شعر يا واد النعماني.
أجابها برجولة:
كلامي كان عادي لحد الأسبوع اللي قبل اللي فات، لحد ما شفت عيونك الكحيلة يا زينة الصبايا.
وأكمل مداعبًا إياها بعيون عاشقة:
عيونك تنطق الحجر يا بت الرجايبة.
نظرت له بعيون مسحورة من سحر كلماته التي سحبتها من عالمها وأدخلتها لعالم ولأول مرة تخطو به، عالم العشق والغرام.
ابتسمت له بجاذبية أذابت قلبه أكثر مما هو عليه، وبلحظة ارتبكت وكأنها وعيت على حالها وتحدثت بنبرة مرتبكة:
أني ماشية، ومتحاولش تكلمني تاني يا ابن الحلال، أبويا لو عرف إني وقفت واتحددت وياك هيكون فيها قطع رقبتي.
تحدث بحماية بنبرة صارمة وصوت رجولي حاد:
محدش يقدر يمسك طول ما زيدان النعماني موجود على وش الأرض.
نظرت إليه وابتسامة سعيدة كسيت وجهها وأكمل هو بتفاخر:
ولا حتى أبوك ذات نفسه يقدر يجرب لروح جلب زيدان.
اشتعل جسدها بالكامل من جمال كلماته التي تنطق عشقًا.
شعر بالتفاخر بحاله حين رأى سعادتها وتساءل بنبرة حنون:
مسمعتش رأيك في طلبي يا زينة البنات؟
تساءلت بلؤم وتخابث:
اللي هو إيه طلبك ده؟
ما جلت رايدك يبت الناس، رايدك تنوري لي عتمة ليلي في الحلال.
كلمات قالها زيدان بعيون مسحورة بجمال عيناها.
احتضنت حقيبة كتبها وقربتها من صدرها بشدة وابتسمت خجلًا وأردفت قائلة بنبرة حنون دلالة على موافقتها:
اللي يشوفه أبويا في مصلحتي أني موافقة عليه.
وألقت نظرة عاشقة من عيناها المهلكة عليه ثم أسرعت بمشيتها وتركته خلفها يغلي كالبركان من جمال صوتها الحنون ونظرتها العاشقة.
وضع يده فوق صدره وتحسسه بدلال وأخذ نفسًا عميقًا وهو ينظر على أثرها وأردف قائلًا بهيام:
يا بوووووي.
ظل ينظر عليها حتى اختفى أثرها عن ناظريه ثم تحرك متجهًا إلى وجهته بقلب يتراقص فرحًا.
❈-❈-❈
في اليوم التالي.
داخل منزل الحاج عتمان النعماني.
كان يجلس الحاج عتمان النعماني وتجاوره الجلوس الحاجة رسمية وابناؤه، قدري وزوجته فايقة، ومنتصر وزوجته نجاة.
تحدثت رسمية بنبرة حادة وهي ترمق ولدها صغير السن كبير العقل والتفكير بنظرة غاضبة:
بتجول إيه إنتَ يا زيدان، اتجننت إياك يا ولدي؟
اصبري يا حاجة لما نفهموا منه الموضوع، جملة تفوه بها الحاج عتمان ليهدئ بها من روع زوجته الثائرة.
هتفت رسمية بنبرة غاضبة:
نفهموا إيه يا حاچ، ابنك بيجول لك رايد يتزوج من بنات الرجايبة.
ثم وجهت بصرها إلى زيدان وتساءلت بنبرة صارمة:
كانوا قصروا في إيه بنات النعمانية لما تروح تجيب لي واحدة غريبة تسكن وياي في داري؟
نظر لها زيدان باستغراب وتحدث بنبرة استهجانية:
غريبة كيف وهي هتبقى مرتي يا أماي؟
وأختي بدور اللي مكتوبة على اسمك من يوم ما اتولدت يا واد عمي، مفكرتش فيها؟
تلك الجملة تفوهت بها فايقة التي اشتعلت نارها أكثر مما هي عليه من ناحية ذاك زيدان والذي أصبح ألد أعدائها منذ القريب.
أجابها زيدان بنبرة قوية وصوت جهوري:
وأني موعدتش أختك بالزواج ولا عمري لمحت لأبوي ولا حتى لعمي إني رايدها يا فايقة.
تحدثت فايقة بحدة بالغة وغيره واضحة مقللة من شأنه كي تحرق روحه:
ومتى الصغار كان لهم رأي بعد اتفاق الرجال يا واد عمي؟
ولأني مش صغيرة وليا رأي بجول لك إني اخترت ورد وهتزوجها.
جملة قالها زيدان بنبرة جامدة صامدة متحديًا إياها.
كان قدري ينظر إلى غضب زوجته المبالغ به بقلب مشتعل بنار الغيرة ولكنه فضل الصمت كعادته المخزية الخبيثة.
وأني ماوافجاش يا زيدان.
جملة تفوهت بها الحاجة رسمية بنبرة صارمة.
قاطعهم عتمان بصوت غاضب وهو ينظر إلى رسمية وفايقة:
والله عال يا ولاد، حريم الدار بقى ليهم رأي وصوتهم بقى يعلى على أصوات الرجال.
انتفضت فايقة رعبًا وتحدثت سريعًا بنبرة هادئة كي تمتص غضب والد زوجها:
حجك على راسي يا عمي، ورب الكعبة مقصدتش أضايقك.
وأكملت وهي ترسم على وجهها الحزن المصطنع كي تستدعي تعاطف الحضور معها:
أني بس صعبان علي كسرة قلب أختي بدور اللي هتتفجر لما تعرف إن واد عمها فضل عليها واحدة لا من توبنا ولا من دمنا ولا حتى تخصنا.
تحدثت عتمان ناهراً إياها بنبرة حادة:
خلصنا يا فايقة.
ثم نظر إلى ولده وتحدث بنبرة حادة:
وانتَ يا زيدان، اعجل يا ولدي وراجع حالك، عيلة الرجايبة مفيش بيناتنا وبينهم ولا نسب ولا ود، ده غير إن بت عمك أولى بك ومتعشمة فيك.
انفرجت أسارير فايقة ورسمية التي تفوهت بنبرة مساندة:
عين العجل كلامك يا حاچ.
حين تحدث زيدان إلى والده معترضًا باحترام:
بس أني رايد بت حافظ الرجايبة يا حاچ ومريدش واحدة غيرها.
وأكمل بتفاخر وعشق لم يستطع إخفاءه عن عيون الجميع:
رايدها تكون مرتي في الحلال، ولو مش هي مش هيبقى فيه حد غيرها.
يعني إيه الكلام ده يا زيدان؟
جملة تفوه بها قدري شقيقه الأكبر.
تحدث إليه زيدان بنبرة قوية:
يعني لو متزوجتش بت حافظ الرجايبي يبقى يحرم علي صنف الحريم كله يا قدري.
أجابه قدري بنبرة خبيثة كي يشعل والده من ناحيته أكثر:
عيب عليك الكلام ده يا زيدان، طب حتى احترم كلمة أبوك اللي أداها لعمك زمان.
تحدث عتمان بنبرة صارمة ناهيًا الجدال الدائر:
سيبوني لحالي مع زيدان.
نظر له قدري وتحدث بنبرة خبيثة:
خليني وياكم يا حاچ لجل ما أهدي بيناتكم.
هتف عتمان ناهراً إياه بنبرة صارمة:
جولت سيبوني مع ولدي لحالنا، مهتسمعش الكلام ليه يا قدري؟
أجابه قدري بطاعة مصطنعة:
حقك علي راسي يا حاچ، أني كان غرضي خير.
مَـهـم.
الجميع بالوقوف وتحركوا باتجاه الخارج وتركوا زيدان بصحبة عتمان الذي وجه حديثه إليه متسائلًا بهدوء:
أدينا بجا بـنـا لـوحـديـنـا يـا زيـدان، ودلوقتي جولي بصراحة، حكايتك إيه مع بت الرجايبة دي؟
نظر له زيدان ثم أنزل عنه بصره وصمت، فأردف عتمان قائلًا بنبرة حنون مشجعًا إياه على التحدث:
صارحني واتكلم وياي راجل لراجل يا زيدان.
رفع زيدان رأسه وتشجع من حديث والده وأردف قائلًا بنبرة حنون:
ولدك عشجان يا أبوي وده لا بيدي ولا بكيفي، ولولا إكده كلمتك كانت هتبقى سيف على رقبتي وأنَفذها من غير أي نجاش.
أطال عتمان النظر داخل عيون ولده ثم تساءل باهتمام:
اسمها إيه البت دي؟
نظر سريعًا إلى والده ونطق بنبرة هائمة تدل على عشقه الذي تخطى عنان السماء:
ورد يا أبوي.
مليحة يعني البت دي وتستاهل عشق زيدان النعماني؟ جملة تساءل بها عتمان ولده وهو يغازله بابتسامة حانية.
أجابه زيدان بعيون عاشقة لم يستطع السيطرة على كبحها:
مليحة جوي يا بوي، زينة صبايا النجع كلهن.
ابتسم عتمان وهز رأسه بتفهم وتحدث بنبرة هادئة:
مبروك يا زيدان، النهارده هشيع لأبوها وأطلب يدها لزينة رجال النجع كله، زيدان عتمان النعماني.
نظر إليه والده بعيون غير مستوعبة لما تفوه به للتو وتساءل مستفسرًا:
صح الحديث ده يا أبوي؟
ابتسم عتمان بخفة وأجابه لائماً:
من متى عتمان النعماني بيجول أي كلام يا واد.
تحدث سريعًا بأسف:
العفو يا أبوي، أنا بس من كتر فرحتي مش مصدق حالي واللي سمعته منك.
ثم وقف سريعًا متجهًا إلى والده وأمسك كف يده وقبلها باحترام وقبل رأسه بلهفة وأردف قائلًا:
ربنا يديمك فوق راسي يا أبوي.
ربت عتمان على كتف ولده بحنان وتحدث عاليًا مناديًا لأهل المنزل، أتى إليه الجميع مهرولين.
فتحدث إليهم عتمان بطريقة حاسمة:
باركوا لزيدان علشان هشيع لعيلة الرجايبة اليوم لجل ما نطلبوا يد بتهم.
نزلت تلك الكلمات على فايقة أشعلت قلبها نارًا، واستشاط داخل رسمية التي ردت بنبرة اعتراضية غاضبة:
كلام إيه اللي بتجوله ده يا حاچ؟
وقف عتمان ودق بعصاه الأرض في حركة تحذيرية عن غضبته القادمة وأردف قائلًا بحدة:
اللي سمعتيه يا حاجة، ولحد إهنا وخلص الكلام!
وأكمل مناديًا على ولده بنبرة أمرة:
قدري.
رد قدري سريعًا خشية غضبة والده:
نعمين يا حاچ.
فأكمل عتمان بنبرة صارمة:
تاخد وياك زيدان وتروح لدار حافظ الرجايبة، وتجوله أبوي طالب يد بتك لزيدان أخوي، وتجوله يحدد لنا يوم علشان نروحوا نجروا فيه الفاتحة ونتفقوا على كل حاجة.
اقترب منتصر من زيدان واحتضنه بسعادة وأردف قائلًا بنبرة حنون:
ألف مبروك يا زيدان، ربنا يتمم لك على خير يا أخوي.
أجابه بفرحة عارمة:
الله يبارك فيك يا منتصر، عقبال ما تجوز يزن.
ثم حول بصره إلى والدته ينتظر منها مباركة خطوته تلك، رمقته بنظرة غاضبة وتحركت للخارج كالإعصار، تلتها فايقة.
حين نظرت نجاة إلى زيدان بابتسامة صادقة وتحدثت بأخوة:
ألف مبروك يا واد عمي، ربنا يتمم لك بخير ويجعلها من حدك ونصيبك.
ابتسم لها بوجه بشوش وأجابها:
تشكري يا أم يزن.
عقبال يزن.
دَلفت فايقة إلى حجرة عمتها وجدتها تتحرك داخل الغرفة وتفرك كفيها ببعضهما والغضب يسيطر على تقاسيم ملامحها القاسية.
تحركت فايقة إلى وقوف رسمية وأردفت قائلة بنبرة حزينة كي تستدعي غضبها واعتراضها أكثر:
عاجبك اللي عمله عمي عتمان ده يا عمتي، يا جهرت جلبك يا بدور يا خيتي، كيف هتستقبل الخبر الشؤم ده؟ كيف راح أقول لها إن واد عمك فضل عليكِ بت الرجايبة وخلّى سيرتك لبانة على لسان اللي يسوى واللي ما يسواش في النجع.
رمقتها رسمية بنظرة حارقة وتحدثت بنبرة ساخطة:
إجفلي خاشمك وجفلي على حديثك الماسخ ده يا بت ثنية، أني منجصاش عويلك ده.
تظاهرت بالدموع وأردفت قائلة بنبرة خبيثة:
حتى إنتِ كمان يا عمه هتيجي علي وتوبخيني زي عمي الحاج عتمان.
وتحدثت إليها وهي تلتقط كف يدها وتميل عليه:
أحب على يدك تكلمي عمي عتمان وتخليه يتراجع عن قراره ده.
أجابتها رسمية بنبرة ساخطة وهي تجذب يدها من بين راحتيها بعنف:
بت الملاعين كأنها أكلت عجل الواد وخلته عشقها، وطالما عتمان شاف عشق زيدان في عينه يبقى مهيتراجعش عن قراره أصلًا.
أجابتها بنبرة مشتعلة وغيره تنهش بصدرها بدون رحمة، وعيون متسعة تخرج نارًا لو أُتيح لها الخروج لدمّرت المنزل بأكمله:
ومين فينا كان اتزوج اللي عشق قلبه وارتاحت روحه لجل ما يرتاح هو.
وكادت أن تكمل لولا استماعها لبعض الطرقات فوق الباب، أوقفتها رسمية بإشارة من يدها وتحدثت إلى الطارق بنبرة صوت حادة:
ادخل يلي بتخبط.
فتح زيدان الباب وطل منه بطوله الفارع ووجهه البشوش وأردف قائلًا بنبرة حذرة:
عايز أتحدث وياكِ شوي يا أمي.
رمقته فايقة بنظرة غاضبة، وتحدثت رسمية بنبرة حادة ساخرة:
هو لسه فيه حديث عشان يتقال يا واد بطني؟
خطي زيدان بساقيه للداخل ثم وجه حديثه بهدوء إلى تلك المستشاطة:
سيبنا لحالنا شوي يا فايقة، عايز أتحدث مع أمي لوحدي.
رمقته فايقة بنظرة حارقة ثم تحركت من جانبه كالإعصار إلى الخارج وصفقت خلفها الباب بحدة بالغة.
تحرك زيدان إلى والدته وأمال بطوله الفارع على رأسها وقبلها تحت نفورها متحدثًا بهدوء:
مهتباركيش لزيدان ولا إيه يا حاجة رسمية؟
أجابته بهتاف حاد:
أباركلك على إيه يا زيدان؟ على خيبة أملي الكبيرة فيك، ولا على كسرتك لكلمتي اللي إدتها لأخوي؟
تنهد الصعداء حتى يهدئ من روعه كي يتمالك من حاله حتى لا يحزن والدته ثم تحدث بهدوء متلاشيًا حديثها وغضبها:
طب مش هتسأليني إشمعنا اخترت ورد دونًا عن بنات النجع كلهن؟
نظرت إليه بضيق وتحدثت بنبرة ساخرة:
أظن ما هتقول لي عشق وحديث ماسخ ملوش عازة عندي.
ينظر لها بحزن وأردف متسائلًا:
ليه هتبصي للعشق كده يا أماي؟
أجابته بقوة وصرامة:
عشان فيه حاجات كتير أهم من المسخرة اللي شاغل لي بيها حالك دي، فيه العيلة والنسب اللي لازم تفكر فيهم زين.
وأكملت برجاء وهي تحثه على التراجع:
راجع نفسك يا ولدي وأنسى بت حافظ وشيلها من راسك، اطلع قول لأبوك إنك راجعت حالك واخترت بت خالتك.
تنهد الصعداء وأجابها بهدوء:
معادش ينفع يا أماي، لما القلب بيأمر ما على العجل إلا الانقياد.
يبقى تنسي إن ليك أم وإني أرجع أعاملك زي الأول تاني.
كانت تلك كلمات قاسية قالتها رسمية بقوة وصرامة.
هتف باعتراض ونبرة ضعيفة يستجدي بها تعاطفها:
متعمليش فيا كده يا أمي.
ردت بقوة ناهية الحديث:
دماغي وجعاني وعايزة أنام.
وأكملت بنبرة تهكمية وهي تشمله ساخرة:
روح جهز حالك يا عريس.
تحركت باتجاه باب الحجرة وفتحتها على مصرعيها، ثم أشارت بيدها إلى الخارج في دعوة صريحة منها لخروجه الفوري.
تحرك بقلب حزين ووقف مقابلًا إياها، ثم نظر لعيناها بتألم وهو يتوسلها بأن ترحم ضعف قلبه العاشق.
سحبت هي عيناها كي لا تضعف أمام عيناه المتوسلة، خرج وصفقت خلفه الباب بحدة كادت أن تخلعه مما أحزن قلب ذاك الفتى.
❈-❈-❈
صعد قدري إلى جناحه الخاص به وزوجته كي يرتدي ملابس مناسبة لذهابه بصحبة زيدان إلى منزل حافظ الرجايبي كما أمره والده.
وجد فايقة تقف مترقبة دخوله وكأنها تنتظره، تحرك للداخل يخلع عنه جلبابه متحدثًا بنبرة سريعة:
طلعي لي غيار على ما أدخل أستحم يا فايقة.
تحركت إليه وتساءلت بنبرة غاضبة:
إنتَ بردك هتسمع كلام أبوك وتروح لبيت حافظ تطلب يد بتة لزيدان؟
أجابها بنبرة ساخرة:
لا طبعًا، هسمع كلامك وأعصي كلام أبوي عشان يطبخها فوق دماغي ويحرمني من ماله وعزه أنا وعيالي.
وأكمل بنبرة ساخطة:
جهزي لي الغيار وأخزي الشيطان يا بت عمي، وأكمل بنبرة صوت يغلفها الشر: ويا عالم، مش يمكن دي تكون نقطة البداية في خراب علاقة أبويا بزيدان؟
أردفت قائلة بنبرة محبطة:
ده عشم إبليس في الجنة يا قدري، زيدان واكل عجل عمي بكلامه المعسول وعلامه ودماغه الفهمانة، وأكيد عمي مهيتراجعش عن الوحيد المتعلم فيكم لجل عيونك إنتَ ومنتصر وإنتوا حتى مهتعرفوش تفكوا الخط.
أجابها بنبرة مشتعلة غائرة:
وهو بالعلام إياك يا بت ثنية؟
وأكمل بشر:
بكرة أفرجك جوزك اللي مش متعلم دي هيوصل لفين وهيعمل إيه.
لوت فاهها بسخرية وتحركت إلى خزانة الملابس لتخرج له ثيابًا مناسبة لتلك المناسبة المشؤومة بالنسبة لها.
❈-❈-❈
بعد أربعة أشهر من ذلك اليوم.
عصرًا داخل حجرة رسمية، دلفت إليها ابنتيها صباح وعلية، وجداها تجلس فوق فراشها بوجه غاضب محتقن، تجاورها تلك المشتعلة بنار الغيرة.
اقتربت صباح وجلست بترقب بجوار والدتها وتحدثت بنبرة حذرة:
زيدان بيلبس خلجاته في شقته فوق وزمنه نازل لجل ما يروح يجيب عروسته يا أمي، مهتجوميش تستقبليه وتزغرطيله؟
شاحت ببصرها بعيدًا عنها وتحدثت بنبرة جافة:
أني ما جيماش من مطرحي هنا غير لما العروسة تيجي وأستقبلها.
وأكملت بحدة مفسرة:
وده لجل شكلنا قدام حريم النجع، لا أكتر ولا أقل.
أردفت علية بنبرة هادئة في محاولة منها لاستدعاء مشاعر الأمومة لدى والدتها ذات القلب القاسي:
وهيهون عليكي تعملي كده في زيدان بردك يا أمي؟
قاطعتها تلك المشتعلة هاتفة بنبرة غاضبة كي لا تدع الفرصة لحنين قلب رسمية إلى زيدان:
وإشمعنا هي هانت عليا ورضي عليها المذلة قدام أبويا؟
رمقتها علية بنظرة محذرة وأكملت غير عابئة بحديث تلك الحقودة:
ده أنتِ عارفة إن زيدان روحه فيكي يا أمي، وعارفة كمان إن فرحته مهتكملش غير لما تاخديه في حضنك وتطبطبي عليه.
كفاية عليه حضن بت الرجايبة اللي فضلها عليا وكسر كلمتي لجل خاطر عيونها.
كانت تلك جملة حادة نطقت بها رسمية بملامح وجه مكفهرة.
تحدثت إليها صباح بنبرة لائمة:
عاملة في نفسك وفي زيدان كده ليه يا أمي؟
وأكملت:
كل ده عشان اختار الحرمة اللي هتنام في حضنه؟
صاحت بها فايقة بنبرة غاضبة وعيون تطلق شزرًا:
وهو عشان يريح قلبه يكسر كلمة أمه وهيبتها جدام أخوها ومرته.
وتولعاش أكتر ما هي مولعة يا فايقة.
جملة تفوهت بها صباح بنبرة حادة.
فأجابتها بنبرة حادة:
أني مهولعهاش يا صباح، هي مولعة لوحديها يا بت عمتي، ولو إنتِ شايفة إن اللي حصل ده هين، يبقى العيب فيكي.
ده كفاية إن أمي وعمتي لأول مرة بيقاطعوا بعض وكُل ده بسبب بت الرجايبة.
أردفت صباح بنبرة حادة:
كل الغل اللي جواكي ده لازمته إيه يا فايقة؟
وأكملت مفسرة:
بدور واتجوزت من شهر من ابن عمها وأبوي بذات نفسه كان وكيلها، وخالي وسامح زيدان وعذره، وبدور بذات نفسها عايشة مرتاحة مع واد عمها ولا على بالها الموضوع من الأساس.
إنتِ بجا إيه اللي حارج جلبك جوي كده؟
وأكملت بنبرة لائمة:
ده بدل ما تهدي عمتك من ناحية ولدها بتشعليها زيادة وتجوميها عليه أكتر؟
خافي ربنا يا فايقة ده أنتِ عندك ولاد وبكرة هيترد لك فيهم.
رفعت قامتها للأعلى وتحدثت بكبرياء:
أني ولادي هيبقوا رجالة كيف أبوهم يا صباح، مهيعملوش كيف أخوكِ ويفضلوا عشق الحريم والمسخرة على مصلحة العيلة.
نظرت صباح لها بغضب ثم تحدثت إلى والدتها وصمتها الرهيب:
يلا يا أمي جبل ما زيدان يدلي من شقته.
صاحت رسمية بنبرة حادة وملامح وجه قاسية:
خلصتوا لُتكم وعَجنكم الماسخ.
وأكملت بنبرة جافة وهي تشير بكف يدها باتجاه باب الغرفة:
يلا كلياتكم على برة ولما تيجي العروسة أبجوا أدوني خبر لجل ما أطلع أستقبلها كيف الأصول.
نظرت صباح إلى شقيقتها بإحباط وتحركتا للخارج ليستقبلا شقيقهما بخيبة أمل.
❈-❈-❈
بعد ساعتان.
كانت سرايا النعماني تؤج بنساء العائلتين وهن يلتفن حول العروس الجميلة، أما فايقة التي كانت ترمقها بنظرات يتخللها الحقد والغل والغيرة.
دلف هو للداخل بطلعته الرجولية وهيئته الخاطفة للأنفاس وتحرك بقلب لاهث باتجاه عروسه المبغاه.
اقتربت منه والدته مرغمة وأفسحت له الطريق حتى أوصلته لتلك الورد وما أن رآها حتى وقف أمامها متسمرًا مسحورًا بجمالها.
استفاق على حاله حين استمع لصوت والدته وهي تنادي باسمه بنبرة صارمة وكأنها تنبهه وتدعوه للاستفاقة.
حملها برجولة بين ساعديه ولفت هي ذراعيها حول عنقه برقة متشبتة بعنقه بنظرات خجلة، وصعد هو بها الدرج بظهر مفرود أمام عيون الجميع ومنه إلى الممر المؤدي إلى جناحه الخاص بزواجه.
كانت شقيقته صباح بانتظاره وتحدثت إليه بعيون سعيدة:
ألف مبروك يا أخوي.
ثم تحدثت إلى ورد بابتسامة حنون:
ألف مبروك يا عروسة.
أومأت لها ورد وأنزلت بصرها عنها خجلًا حين تحدث زيدان بنبرة رجولية:
عقبال أولادك يا صباح.
وفتحت صباح له باب الجناح على مصرعيه حتى دلف إليه حاملاً عروسه ثم أغلقت الباب سريعًا وأطلقت الزغاريد واتجهت للأسفل.
وقف بمنتصف البهو ونظر إليها بأنفاس متقطعة من شدة جمال تلك الفاتنة، نظر لداخل عينيها وتحدث لتلك المتعلقة برقبته وهي تنظر له خجلًا.
فتحدث زيدان بنبرة حنون ليزيل عنها خجلها:
نورتي حياة زيدان يا روح جلب زيدان، مبروك يا ورد.
ابتسمت خجلًا وأردفت قائلة وهي تنظر للأسفل:
الله يبارك فيك يا زيدان.
اشتعل داخله عندما استمع لاسمه من بين شفتيها المهلكة ولكنهمالك حاله لأبعد الحدود، ثم تحرك بها داخل غرفتهما الخاصة ووضعها بحنان فوق التخت المخصص لهما، واقترب منها وجلس بجانبها ثم مال عليها وأسند رأسها بيده وبدون مقدمات مال على شفتيها ينهل منهما ويشرب من شهد عسلهما المميز.
وبعد مدة ابتعد عنها لاهثًا يأخذ أنفاسه بعمق وينظر إليها بعيون عاشقة، أما ورد التي كان جسدها ينتفض رعبًا وخجلًا منه.
نظر إليها وأمسك كتفيها برعاية وتحدث مطمئنًا إياها:
ليه الخوف وإنتِ بين أحضان حبيبك يا ورد؟
ابتلعت لُعابها وتحدثت خجلًا:
اعذرني يا زيدان، غصب عني والله.
أجابها بعيون عاشقة:
عاذرك يا جلب زيدان من جوه، بس أني عايزك تسيبي لي نفسك وتنسي خوفك وأني هنسيكي في حضني الدنيا كلها.
هزت رأسها بإيماءة خجلة واحتضنها هو ليطمئن روحها ثم تحسس سحاب ثوب زفافها وسحبه للأسفل مزيلاً عنها ثوبها بهدوء.
وبعد مدة طويلة كانت تتمدد بجانبه واضعة رأسها فوق صدره العاري وهو يتحدث بنبرة حنون وأنفاس لاهثة:
ألف مبروك يا ورد، مبروك يا زينة الصبايا.
ابتسمت خجلًا وأردفت قائلة بنبرة عاشقة:
الله يبارك فيك يا زيدان.
وضع يده تحت ذقنها ورفعها ليقابل ساحرتيها الجميلتين وأردف متسائلًا بدلال:
لساتك خايفة من زيدان؟
هزت رأسها بنفي وابتسامة خجولة كسيت ملامحها، ثم دفنت وجهها داخل صدره العريض مرة أخرى.
وأردف هو قائلًا بنبرة حنون:
أوعي تخافي من أي حاجة طول ما حبيبك جارك يا ورد، عاوزك دائمًا كده تدفني حالك جواي وفيا، وأي حد يضايقك أو يزعلك تاجي وتحكي لي طوالي، فاهمة يا ورد؟
هزت رأسها بطاعة وصمت وما زالت مختبئة داخل أحضانه بخجل، فرفع لها وجهها وتحدث بنبرة ملامة مصطنعة:
وبعدين وياكي يا جلب، هتفضلي حرماني من متعة النظر لعينيكي كتير كده؟
ابتسمت ورفعت وجهها وألقت عيناها بعينيه وبدأ حديث العيون يشرح ما بداخلهما وتلاوته، مال على شفتيها وقبلها بشغف وجنون، أما هي فكانت عديمة الخبرة وهذا ما زاده بها جنونًا ورغبة أكثر وأكثر.
بات يزيدها من جنون عشقه المميز طيلة الليل حتى وقعا كليهما صريع النوم والتعب داخل أحضان الآخر.
تُرى ما الذي يحمله الغد لزيدان وورد؟
يتبع..
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الثاني 2 - بقلم روز امين
بعد مرور عشرة أشهر على زواج زيدان وورد، قضتهم ورد في صراعات ومناوشات حادة وخطط محكمة ومدروسة جيداً من تلك الشمطاء المسماة بفايقة، وكل هذا فقط لتجعل الجميع يراها بصورة مغلوطة ولكي تظهر للجميع أنها ليست بالزوجة المناسبة لزيدان النعماني، ولكن دائماً ما كان زيدان يكشف خططها ويقف لها بالمرصاد، بخلاف ذلك كان داعماً وسنداً قوياً لزوجته الرقيقة.
وقت الظهيرة داخل منزل الحاج عتمان النعماني، تجلس الحاجة رسمية فوق أريكتها بوسط بهو منزلها بكبرياء وغرور، تجاورها تلك الشمطاء المسماة بفايقة تتناولان الأحاديث المتبادلة بينهما.
استمعا إلى صوت صياح عالٍ يأتي من أعلى الدرج، إنها حسن، تلك العاملة التي تعمل لديهم بالمنزل منذ الكثير وهي تهرول سريعاً قائلة:
يا ست الحاجه، يا ست الحاجه.
حولت رسمية بصرها لأعلى الدرج وتساءلت بنبرة ساخطة كعادتها:
فيه إيه يا مخبولة إنتِ، خَلعتِني.
نزلت الفتاة ووقفت أمامها تتنفس عالياً وتحدثت بصوت لاهث:
الست ورد تعبانة جوي، وكأنها أكده هتولد، أني سايبة الست نجاة وياها فوق وجيت أقول لحضرتك لجل ما تتصرفي.
وقفت رسمية بقلق وتحدثت على عجالة:
طب اطلعي بلغي مرعي يروح طوالي يجيب جليلة الداية ويستعجلها.
هرولت الفتاة إلى الخارج وتحركت رسمية باتجاهها إلى الدرج، أوقفها صوت فايقة الجهوري التي أردفت بتساؤل:
على وين العزمْ يا عمة؟
توقفت رسمية والتفت إليها لتجيبها:
هطلع أشوفها يا بتي.
انتفضت من جلستها وتحركت سريعاً حتى وقفت قبالتها وأردفت قائلة بنبرة خبيثة كي تجدد إشعال قلب رسمية باتجاه ورد:
هتجَللي من جيمتك وتطلعي لواحدة زي دي؟
وأكملت بنبرة يتغللها الغل والحقد:
دي واحدة عجربة وجليلة أصل وبدل ما تحاول تصلح بينك وبين ولدك خلت العداوة تزيد بيناتكم أكتر من اللولو.
استرسلت بخبث لتذكيرها:
نسيتي جوام لما راحت فتنت لزيدان وجالت له إن فايقة اتعاركت معاي وشندلتني وأمك وقفت في صفها وشتمتني لجل بت أخوها، وزيدان راح اشتكاكي لعمي عتمان، وكانت السبب في إن أول مرة عمي عتمان يعلي صوته عليكي ويهينك قدامنا كلياتنا.
وما أن نطقت تلك الشمطاء بجملتها حتى اشتعل داخل رسمية وتجدد غضبها من تلك المسكينة التي لا ذنب لها سوى أن زيدانها عشقها وبجنون.
ولكنها سرعان ما تغاضت عن غضبها وتحدثت بهدوء وحكمة تليق بمكانتها:
ميصحش يا فايقة، البت لحالها فوق والأصول بتجول إن لازم أقِف وياها وهي بتولد، افرض أمها جت دالوقت، تجول عليا إيه؟
تحدثت إليها فايقة وهي تسحبها من يدها وتتحرك بها إلى الأريكة التي تتوسط البهو:
اجعدي يا عمة وريحي حالك، أول هام هي مش لوحديها فوق، نجاة وياها.
وأكملت بنبرة ساخطة:
وبعدين تلاقي هبابِة مغص وهيروحوا لحالهم، دي بت كهينة وتلاقيها بتجلع كيف عوايدها ولا هتولد ولا حاجة.
واسترسلت مؤكدة بتفاخر:
ودالوقت الولية جليلة هتيجي وهتأكد لك على حديثي دي وتقولي فايقة جالت.
أما عن رسمية فكان بداخلها حرب دائرة ما بين ما يجب عليها فعله وما يمليه عليها ضميرها، وما بين كرامتها وكبريائها اللذان يمنعانها ويقفا بوجهها كسد منيع من معاملة ورد بطريقة تليق بكونها زوجة لنجلها الغالي.
وبالأخير استسلمت لرغبة تلك الشيطانة وهمت بالجلوس بجانبها باستسلام تام وكأنها مسيرة.
بعد مدة أتت جليلة وصعدت على الفور إلى ورد وحاولت معها منذ ما يقرب من الساعتين، ولكن كانت الولادة متعثرة للغاية.
نزلت حسن من جديد إلى رسمية وتحدثت بملامح وجه يشوبها القلق:
إلحقينا يا ست الحاجه، الست ورد تعبانة قوي والداية جليلة بتجول لحضرتك لازم تشيعي وتجيبي لها الحكيم من المركز.
ردت عليها رسمية بنبرة ساخرة:
حكيم إيه اللي عتجولي عليه يا مخبولة إنتِ كمان، من ميتا بنولدوا عند حكما إحنا؟
لوت فايقة فمها وتحدثت بنبرة تهكمية:
اللي يلاجي جلَع ولا يدجلَعش يبجا حرام عليه.
وأكملت كي تزيد من سخط رسمية على ورد:
من حقها بت الرجايبة تعمل أكتر من كده، طالما عارفه إنها مهما تعمل هتفضل أغلى الغوالي عند زيدان النعماني، وخصوصي بعد ما فضلها على صبايا النعماني كلياتهم.
زفرت رسمية بضيق وتحدثت إلى فايقة بنبرة استهجانية محذرة إياها:
اجفلي خاشمك وكفياكي نواح يا حرمة، معيزاش أسمع نفسك واصل.
ارتعبت فايقة من نبرة عمتها الحادة وفضلت الصمت تجنباً لغضبتها التي هي أدري الناس بها.
وقفت رسمية متأففة واتجهت إلى الدرج وصعدت إلى جناح زيدان، تحركت لداخله وهي تتطلع إلى ورد التي تتمدد فوق سريرها وهي تتألم وتصرخ من شدة الوجع المصاحب لمخاض جنينها الأول.
تجاورها الداية جليلة التي تتحدث بكلمات مشجعة لتلك ورد:
اجمدي أومال يابتي، خلاص هانت وإن شاء الله فرجك قريب.
صرخت ورد قائلة بصوتها المجهد:
مجدرش يا خالة جليلة، مجدرااااش، أحب على يدك ساعديني وخلصيني.
يتجاورها في الجهة الأخرى نجاة التي تحدثت بنبرة عطوفة حانية على تلك المسكينة:
اتحملي شوي يا خيتي، دالوقت الحكيم ييجي وتقومي بالسلامة إنتِ وعيلك.
تحركت رسمية إليهن ووقفت تتطلع عليهن ثم تساءلت بنبرة تهكمية موجهة حديثها إلى جليلة:
حكيم إيه ده اللي عايزانا نشيعوا نجيبوه يا ولية إنتِ؟
نظرت إليها جليلة وتحدثت بارتباك من لهجة تلك الساخطه الحادة:
الرحم مجفول يا ست الحاجه والولادة صعبة جوي، والبنية لساتها صغيرة وضعيفة ومش مسعداني ولا مساعدة حالي.
نظرت ذات القلب المتيبس لتلك البريئة وحدثتها بنبرة حادة شبه آمرة:
متتجدعني أومال يا ورد وتساعدي صغيرك لجل ما تخلصي.
أجابتها ورد بتألم:
مجدرش يا مرت عمي، أحب على يدك شيعي لزيدان يجيب لي الحكيم وينده لي أمي.
وأمك هتعمل لك إيه واصل، هتشد لك العيل ولا هتولده مطرحك.
جملة تهكمية تفوهت بها تلك السيدة غليظة القلب معدومة المشاعر.
تحدثت جليلة قائلة بنبرة مفسرة:
يا ستي الحاجه البنية جسمها ضعيف ومجدرش تجاوم معاي أكتر من كده، بجالي أكتر من ساعتين على ده الحال ومافيش فايدة، شيعي لسي زيدان يجيب الحكيم جبل ما حاجة تحصل للعيل جوه بعيد الشر.
لوت رسمية فمها وتحدثت باستنكار رغم هلعها الذي أصابها على جنين ولدها، ولكنها تخبئ مشاعرها خلف ستار ذاك الوجه القاسي:
حاضر يا ست جليلة، هشيع لزيدان يجيب الحكيم أما أشوف آخرتها إيه وياكم.
تحركت ببطء شديد ونزلت الدرج ثم نادت بصوتها المرتفع:
بت يا نجية، إنتِ يا بت.
أتت نجية من المطبخ مسرعة وهي تجيبها على عجل:
نعمين يا ست الحاجه.
أردفت رسمية قائلة بنبرة آمرة:
اطلعي جولي للغفير مرعي يوصل لحد سيدك زيدان عند الطاحونة ويجوله يشيع يجيب الحكيم من المركز لجل ما يولد الست ورد.
أوامرك يا ست الحاجه.
جملة تفوهت بها تلك العاملة وهي تهرول مسرعة إلى الخارج.
نظرت إليها تلك فايقة وهتفت باستهجان:
إنتِ بردك هتمشي على كيفهم وتشيع لزيدان يجيب لها الحكيم يا عمة؟
أجابتها رسمية وهي تجلس بجانبها ببرود ظاهري:
جليلة بتجول الرحم مجفول والولادة صعبة والبت على صرخة واحدة.
لوت فايقة فمها وتحدثت بتهكم:
يعني إنتِ تايهة عن بت الرجايبة وكهنها، تلاقيها بتجلع زي عادتها.
وأكملت بحقد وسخط ارتسما فوق ملامحها ولم تستطع تخبئته:
وابنك طبعاً مهيصدق ويجري يجيب لها الحكيم عشان تكمل جلَعها ومساختها عليه وعلينا، طبعاً مش اتجوزها غصب عنينا كلياتنا ودخلها البيت علينا غصب، من حقها تعمل ما بدالها.
وبعدهالك عاد يا بت ثنية، منجصاش حرقة دم أني.
جملة تفوهت بها رسمية بنبرة حادة جامدة.
أجابتها فايقة بتذمر:
خلاص، هسكت ساكت أهو لجل ما ترتاحي.
جلست رسمية بعقل مشتت وتصارع مميت داخل روحها ما بين واجبها الإنساني الذي يطالبها وبشدة إلى الصعود والوقوف بجانب تلك البريئة المتألمة، وما بين كبريائها وغطرسها التي تمنعها من التنازل عن ما قررته عندما انتوى ولدها معارضتها والتخلي عن ابنة أخاها والزواج من ورد.
وبالأخير انتصرت غطرسها وظلت ماكثة بمكانها.
بعد مرور حوالي الساعة والنصف، دلف زيدان لداخل المنزل على عجالة ويبدو على هيئته الارتباك والتوتر ويجاوره الطبيب.
تفاجأ بوالدته وفايقة تجلسان ويبدو على وجهيهما الراحة والاسترخاء وهما تتناولان مشروب الشاي بكل هدوء.
تحدثت والدته بنبرة باردة مصطنعة:
اطلع مع الحكيم لفوق يا زيدان.
نظر لها متعجباً برودها ثم استفاق على حاله وصعد سريعاً بجانب الحكيم وما أن دلف إلى الداخل حتى استمع لصرخات صغيرته التي أتت إلى الدنيا في التو والحال، وذلك بعد تذوق ورد الأمرين من خلال رحلة ولادتها المتعثرة، حيث فتح الرحم في آخر لحظاته وخرجت الطفلة من عنق رحم والدتها بصعوبة بالغة، وللأسف تسبب لها هذا بنزيف حاد.
التقطت نجاة الطفلة ولفّتها سريعاً داخل كوفرتة كانت مُعدة من ذي قبل، ووضعتها جانباً بإهمال، ثم عادت بنظرها من جديد إلى تلك المتألمة التي تئن بصوت ضعيف مما يدل على مدى تألمها الشديد.
تحرك زيدان سريعاً إلى ورد المتعبة للغاية وتساءل باهتمام ولهفة وهو يشملها بعينيه:
زينة يا ورد؟
أجابته بتألم ودموع:
هموت يا زيدان، إلحقني.
وفي تلك اللحظات دلفت والدتها التي كان قد بعث لها زيدان وأخبرها منذ قليل، ودلفت بجانبها رسمية التي اصطحبتها وهي تنظر إلى الطبيب ولنظراته القلقة.
جرت سعاد على ابنتها تتفحصها بلهفة وتحدثت إلى زيدان:
مشيعتليش من بدري ليه يا زيدان؟
حين تحدث الطبيب الذي أجرى الكشف الطبي على تلك المسكينة بنبرة حادة:
إنتوا إزاي سيبينها تولد في البيت الوقت ده كله، دي كانت حالة ولادة متعثرة وكانت محتاجة مستشفى وولادة بعملية قيصرية.
ثم نظر إلى زيدان وتحدث بنبرة آمرة:
من فضلك جهز لي عربية حالاً عشان ننقل المريضة للمستشفى لأن حالتها صعبة.
تساءل زيدان بنبرة قلقة:
خير يا دكتور، مرتي مالها؟
أجابه الطبيب بوجه عابس:
للأسف، المريضة حصل لها نزيف حاد نتيجة الولادة المتعثرة ولازم تروح المستشفى عشان النزيف يتوقف حالاً، وإلا حياة المريضة هتكون في خطر.
لطمت سعاد وجنتيها ووجهت اتهامها إلى الداية:
نزيف، عملتوا في بتي إيه يا ولية إنتِ، انطقي.
ارتبكت جليلة ونظرت إلى رسمية وأردفت قائلة لتنجي بحالها:
أني مليش صالح، أني جولت الكلام ده للحاجه رسميه من أول ما بدأت في الولادة وهي اللي استهونت بحديثي.
ارتبكت رسمية وتحدثت لتنفي عنها تلك التهمة:
أني استهونت يا ولية إنتِ، أني افتكرتك بتهولي زي عوايدك وجولت تلاقيها بتصرخ عشان بكرية ودالوقت ربنا هيكرمها وتولد وتجوم بالسلامة.
كان تائهاً يفرق نظراته على الجميع بتيه وعدم تصديق، وخاصةً والدته لذِكرِها لتلك المبررات غير المقنعة بالنسبة له.
هتف به الطبيب صارخاً بنبرة جامدة كي يستفيق ويعي لحاله:
هو حضرتك هتفضل واقف كده كتير؟ البنت دمها بيتصفي ومحتاجة تدخل العمليات حالاً.
وكأنه بتلك الكلمات قد فاق على حاله، اقترب عليها ولفها بملاءة التخت وحملها بين ساعديه وتوجه بها للأسفل مباشرةً، وجرت خلفه سعاد ونجاة والطبيب.
أما الداية فهربت سريعاً إلى منزلها وهي تندب حظها العاثر الذي جعلها تشرف على تلك الولادة المتعثرة بعدما كانت تتأمل أن تحظو بمبلغ كبير من النقود نتيجة إشرافها على ولادة زوجة زيدان النعماني، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.
وقفت تنظر في أثر الجميع بشرود وعدم تصديق لما حدث منذ قليل، وأن تلك المسكينة يمكن لها أن تدفع حياتها ثمن غطرستها وعنادها مع ولدها. شعرت بالذنب يتسلل بداخلها ويتأكله وكأنها نار اشتعلت للتو وبدأت تأكل الأخضر واليابس.
وقفت عن التفكير وخرجت من شرودها عندما استمعت إلى صوت ضعيف لطفلتها التي بدأت بالأنين والبكاء لتعلن لجدتها عن وجودها، وكأنها استشعرت وجع وألم والدتها الحنون والتي مكثت برحمها طيلة التسعة أشهر المنصرمة.
حولت بصرها سريعاً ناحية اتجاه خروج ذاك الأنين ووجدته يخرج من طرف التخت، توجهت إليها سريعاً وجدتها تلتف داخل منشفة بإهمال، تفحصتها جيداً وتأكدت من أنها فتاة ولا تدري ما الذي حدث لها حين رأت وجهها الملائكي.
حملتها وأطالت النظر بعينيها المغلقتان، وما أن فتحت الصغيرة عينيها اللتان تلونا بلون الزمرد حتى انشرح صدر رسمية بطريقة عجيبة، وبرغم عدم تقبلها بإنجاب الفتيات إلا أنها وجدت قلبها يتراقص فرحاً من شدة سعادته بمجرد رؤية تلك الجميلة.
جلست بطرف التخت وأمسكت ثياباً كانت موضوعة بجانب الفتاة ومعدة من ذي قبل، وألبستها إياها وأدفأتها جيداً، ثم نظرت لتلك الجميلة ومالت على خدها الناعم وقبلته بحنان ولأول مرة تشعر به طيلة حياتها.
وتحدثت بنبرة حنون:
يا مرحب بالزينة بت الغالي، نورتي الدنيا كلياتها يا جلب جدتك.
نظرت لها الصغيرة بعيون تسُر الناظر لها ثم وضعت إبهامها بفمها وبدأت بمصه وارتفع أنينها من جديد وكأنها تخبرها بمدى جوعها الشديد.
نظرت لها وتحدثت مبتسمة:
جعانة يابت الغالي، يلا بينا ننزلوا تحت وأوكلِك لحد ما تشبعي على الآخر وتجولي كفاية يا جدة.
وأخذت الصغيرة وتوجهت بها إلى الأسفل، وما أن رأت فايقة سعادة وجهها حتى سكن الحزن قلبها وتيقنت حينها أنه صبي، فهي أدري الناس بعمتها وكيف تعشق إنجاب الفتيان وكم تكره حتى مجرد ذكر سيرة الفتيات.
تساءلت بقلب حزين:
هما سابوه إهني، مخدهوش وياهم مع أمه ليه؟
كانت رسمية تحتضن حفيدتها بعناية وكأنها وجدت شيئاً نادراً ترتعب من فكرة فقدانه.
تجاهلت رسمية حديثها وصاحت على حسن قائلة:
حسن، إنتِ يا بت.
أتت حسن مهرولة وأردفت متسائلة باحترام:
نعمين يا ست الحاجه.
تحدثت رسمية وهي تنظر لوجه الصغيرة بانبهار وابتسامة حنون استغربتها حسن وفايقة:
اعملي ينسون وبرديه زين واطلعي لجناح سيدك زيدان هاتي البزازة بتاعة الصغيرة اللي كان شاريها لها أبوها، وحطي فيها الينسون وهاتيه عشان نوكلوا ست البنت.
انفرجت أسارير فايقة وتهللت ملامح وجهها بسعادة تخطت عنان السماء وتحدثت بتشفي:
بت، ورد جابت بت.
صعدت العاملة وهي تهرول ثم نظرت رسمية إلى فايقة وتحدثت بوجه ضاحك:
تعالي يا فايقة ملي عينك برؤية الجمر في ليلة تمامه.
لوت فايقة فمها وتحدثت بنبرة ساخرة:
جمر وليلة تمامه، من ميتا يا عمة وإنتِ بتفرحي لخلفة البنت كده؟
أجابتها وهي تنظر لوجه الطفلة كالمسحورة وتحدثت بتفاخر:
وهي دي أي بنت إياك، دي بت زيدان النعماني على سن ورُمح، جومي هاتي لي كوفرتة من جوة عشان أغطيها لتبرد، جومي يلا.
اشتعل داخل فايقة من حديث عمتها الذي أكمل سخطها على تلك ورد التي اختطفت وفازت بقلب زيدان النعماني وأتت ابنتها لتكمل ذاك السخط.
داخل المستشفى المتواجد بالمركز، يقف زيدان داخل الرواق والقلق ينهش داخله، يتخيل ألف سيناريو وسيناريو وعقله يرفضهم جميعاً وبشدة.
يجاوره قدري ومنتصر والتي بعثت لهما والدتهما لتخبرهما بما حدث وأمرتهما أن يذهبا إلى شقيقهما ويقفا بجانبه وبجانب زوجته.
ويجاورهما أيضاً والد ورد وأشقائها وأبناء عمومتها، ونجاة وسعاد التي كانت تناجي ربها بصوت مسموع ودموع:
نجي لي بتي وخد بيدها يا رب.
تحدث حافظ إلى زيدان بنبرة ساخطة:
وإنتَ كنت فين لما بتي اتصفى دمها في دارك وإنتَ مدريانش؟
أجابه زيدان بنبرة خافتة خجلة:
مكُنتش أعرف يا عمي، أنا سايبها الصبح زينة ومافيهاش حاجة.
تحدث رجب شقيق ورد بتوعد وروشَنة شباب:
أختي لو جرى لها حاجة كل اللي جصر في حقها هيتحاسب وأولهم إنتَ يا زيدان.
نظر له قدري وأردف قائلاً بنبرة حادة متعالية:
اتكلم على جدك إنتَ يا واكل ناسك إنتَ، مين دول اللي هتحاسبهم يا واد الرجايبة؟
صاح حافظ بنبرة جامدة:
رجب مغلطش يا قدري.
وأني بعيد لك حديثه اللي جاله وبأكد عليه، أي حد جصر في حق بتي هيتحاسب حتى لو كانت الحاجة رسمية بذات نفسها.
انتفض داخل قدري غضبًا وكاد أن يتحدث ولكن أوقفه صياح زيدان الذي تحدث بنبرة غاضبة موجهًا حديثه إلى الجميع:
ارحموني يرحمكم ربنا، إيه، هتقلبوها عركة وناسيين إن مرتي جوه بين أيادي ربنا، بدل ما أنتم قاعدين تتخانجوا كده ادعولها إن ربنا ينجيها ويجومها لي بالسلامة.
خجل الجميع من أنفسهم وقاموا بالدعاء لها.
وهنا خرج الطبيب وتوجه إلى زيدان وتحدث بنبرة حذرة:
إنتَ جوزها صح؟
ابتلع لُعابه رعبًا من هيئة الطبيب وهز رأسه بإيجاب، فتحدث الطبيب بنبرة أسى:
للأسف، المريضة حصل لها انفجار في الرحم وده السبب الرئيسي للنزيف الشديد اللي عندها، وعشان نوقف النزيف ده مفيش قدامنا غير حل واحد.
نظر له الجميع بترقب فأكمل الطبيب بأسى:
لازم نعمل عملية استئصال للرحم عشان نوقف النزيف بأسرع وقت.
تلاشت وقفته وكاد أن يختل توازنه لولا قوة بنيانه وصلابة جسده.
حين لطمت سعاد وجنتيها وتحدثت بذهول:
إنتَ بتجول إيه يا دكتور، رحم إيه اللي هتشيله لبتي وهي لساتها في أول عمرها؟
تحدث الطبيب إليها بهدوء:
وحدي الله يا حاجة كله مقدر ومكتوب، نصيبها كده، ادعي لها إننا نلحق نوقف النزيف وتقوم بالسلامة.
أردف والدها قائلاً بترجّي:
شوف حل تاني غير إنك تشيل لها الرحم يا دكتور، البت لساتها صغيرة.
أجابهم الطبيب بنبرة واثقة وحزينة:
لو فيه حل بديل أكيد مكنتش هلجأ لاستئصال الرحم يا حاج، واسترسل حديثه بنبرة عملية: لازم تقرروا حالاً وتمضوا على الإقرار بالموافقة عشان كل دقيقة بتمر فيها خطر على حياة المريضة.
نظر إليه زيدان وأردف قائلاً بنبرة حازمة:
فين الإقرار ده يا دكتور عشان أمضيه؟
نظر إليه الجميع بترقب حين وجه الطبيب حديثه إلى الممرضة قائلاً بعملية:
خديه على المكتب يا أمل ومضيه على الإقرار.
ذهب زيدان مع الممرضة لتوقيعه على الإقرار.
وهمس قدري إلى نجاة متسائلاً:
هي خلفت إيه؟
أجابته نجاة بدموعها الحزينة:
جابت بت.
تحدث منتصر بصوت خفيض محبط:
يادي الورطة، أكده الحاج عتمان هيجوز زيدان يعني هيجوزه.
رد عليه قدري بنبرة ساخرة:
جال يعني لو جابت ولد أبوك مكانش هيجوزه، ده زيدان النعماني، كيف يعيش بعيل واحد سوا كان ولد ولا بت.
أما سعاد فجلست تندب حظ ابنتها العاثر وتضرب فخذيها بكفي يداها بحسرة ودموع.
داخل منزل عتمان النعماني، دلف للداخل بجانب أبيه بعدما التقى به خارج المنزل وقص عليه ما حدث بالتفصيل.
وجد والدته تحمل طفلته بعناية وتطعمها، تحرك إليها بحزن ووجع تملك من داخله.
نظرت إليه وتساءلت باهتمام ولهفة:
كيفها ورد يا ولدي؟
صاح الحاج عتمان موجهًا حديثه إليها بنبرة حادة:
صح يهمك تعرفي أخبارها يا حاجة؟
صمتت خجلًا فأردف هو بنبرة غاضبة لائمة:
يا عيب الشوم عليكِ يابنت عمي، كيف طاوعك جلبك تعملي كده في مرت ولدك الصغير؟
تساءلت بنبرة خجلة:
أني عملت إيه بس يا حاج، كيفها ورد؟
أجابها زيدان بنبرة ملامة وهو يحمل عنها طفلته ويضمها إلى صدره بعناية:
ورد حصل لها نزيف وشالت الرحم يا أمي.
دبت على صدرها بصدمة وهتفت بذهول:
يا مصيبتي، كيف يعني شالت الرحم، يعني مهتخلفش تاني؟
نظر لها بعيون حزينة ووجه لها حديثه بنبرة ملامة:
هي دي أمانتي اللي كنت فايتها لك في دارك يا أمي؟
خجلت من حالها وأنزلت بصرها تنظر أرضًا.
حمل طفلته ونظر إلى وجهها ولأول مرة، اهتز داخله وشعور غريب اجتاح كيانه وهو ينظر لعيناها ذات اللون العجيب.
تحرك بها فتحدثت رسمية بقلب مرتجف من ابتعاد تلك البريئة عن أحضانها:
واخد الصغيرة ورايح بيها على فين يا ولدي؟
أخذ نفسًا عميقًا وزفره بقوة كي يهدئ من روعه كي لا ينفجر بها غضبًا ويغضب الله.
تمالك من حاله إلى أبعد الحدود ثم أردف قائلاً بهدوء:
واخدها لأمها، وأهو على الأجل لما تفوق تلاقي بتها في حضنها لجل ما تنسيها همها التقيل اللي مستنياها.
تحدثت سريعاً وهي تتحرك باتجاهه:
استنى يا ولدي لما أغير خلجاتي وأجي أشيل الصغيرة عنك وأروح معاك أطمن على ورد وأقف وياها.
رد زيدان بنبرة جامدة:
ملوش لازوم تتعبي حالك يا أم قدري.
حزنت من نبرة صوت ولدها المحملة بالملامة.
ثم أردف عتمان أمرًا ولده:
اسمع الكلام يا زيدان وخد أمك وياك لجل ما تقف مع مرتك وأمها، وتشيل عنك الصغيرة وتاخد بالها منها.
توقف زيدان مضطرًا وانتظر والدته حتى انتهت من ارتداء ملابسها وحملت عنه الصغيرة وضمتها لأحضانها بانتشاء غريب وتحركت بجواره.
استقلت السيارة ووصلا للمشفى.
وما أن رأتها سعاد التي مازالت بالخارج تنتظر خروج ابنتها حتى هبت واقفة واتجهت إليها وسحبت الصغيرة من بين يديها وتحدثت بنبرة حادة:
بدل ما أنتِ تاعبة حالك وجاية لحد إهني يا حاجة رسمية، كنتي كلفتي حالك وشيعتي جبتي الحكيم لبتي، يمكن كان لحقها ومكانش حصل لها اللي حصل؟
تحدثت رسمية بنبرة صامدة مصطنعة:
وأني كنت هعرف منين إن كل ده هيحصل يا أم رجب، وبعدين ده قدر ربنا ومحدش يقدر يعاند المقسوم.
أجابتها سعاد بنبرة قوية:
صح قدر ومقسوم يا حاجة، بس بيحصل بيد البشر وجلوبهم الجاسية اللي كيف الحجر.
أردف قدري قائلاً بنبرة صوت جامدة:
احفظي كلامك ومتنسيش حالك وإنتِ بتتحدتي ويا الحاجة رسمية النعماني.
وقف رجب شقيق ورد وتحدث بحده وندية:
مش لما تحفظ إنتَ أدبك الأول وإنتِ بتتحدت ويا أمي.
صرخ بهما زيدان وتحدث بنبرة حادة موجهًا حديثه إلى كلاهما:
أي حد هيعمل مشاكل ويتحدت بكلام ملوش لازمة مش عاوز أشوفه إهني، أني مش ناقص مشاكل ووجع دماغ، كفاية عليا همي اللي أني فيه.
نظر له قدري وحدث حاله بسخط:
يالك من وقح عديم الفائدة والشخصية، أتصرخ بي وتلومني أنا بدلاً من أن تنقض على ذاك الوقح وتلقنه درسًا وتعلمه كيفية الحديث وهو يخاطب أسياده؟ حقًا أنك عديم النخوة.
بعد مرور ساعتان كان يقف بجوارها بغرفة المستشفى التي نُقلت إليها بعد خروجها من غرفة العمليات، وقد بدأت تستفيق وتستعيد وعيها.
فتحت عينيها ونظرت إليه بنظرات منكسرة ألمت داخله ومزقته إربًا، فأقترب منها بطوله الفارع حاملًا الصغيرة وتحدث إليها بوجه بشوش:
قومي يا غالية لجل ما تكحلي عينك برؤية بتنا.
وأقربها أمام ناظريها متحدثًا بانبهار:
بتي كأنها حتة منك يا ورد.
نظرت إليه بضعف حين علمت أنها فتاة وبدون سابق إنذار نزلت دموعها وتحدثت باستسلام وهوان:
خلاص يا زيدان، مهعرفش أجيب لك الولد اللي بتحلم بيه.
ابتسم لها وأردف قائلاً بنبرة هائمة بعينيها:
ومين قال لك إني عايز الولد، أني كفاية علي إنتِ يا زينة الصبايا إنتِ ونوارة حياتي دي.
أردفت قائلة بتساؤل مميت:
يعني مهتروحش تتجوز علي عشان تخلف الولد يا زيدان؟
تحرم علي حريم الدنيا كلياتها بعدك يا زينة الصبايا.
جملة تفوه بها زيدان بعيون عاشقة مطمئنة لحبيبة عمره.
تساءلت بلهفة:
صح حديثك ده يا زيدان؟
أجابها بوعد مؤكدًا:
صح يا روح جلب زيدان.
سألته بقلق:
وأهلك يا زيدان؟
أجابها متلهفًا بنبرة هائمة:
إنتِ أهلي وكل ما ليا يا ورد.
ابتسمت له، وتحرك هو يقرب تلك الجميلة من ورد التي نظرت إلى وجهها الملائكي وتحدثت بابتسامة وعيون مبهرة:
دي زينة جوي يا زيدان، عيونها كيف السما الصافية بعد الدنيا ما تشتي.
ابتسم لها زيدان وتساءل باهتمام:
هنسموها إيه يا ورد؟
صفا، صفا يا زيدان، هكذا تحدثت ورد بعيون مبهرة بجمال طفلتها.
ابتسم لها زيدان ومال على وجنة صغيرته يقبلها بتشهي وتحدث بانبهار:
نورتي حياة أبوكِ يا ست صفا.
ثم نظر إلى ورد ومال على جانب كريزتيها المنتفخة ووضع بها قُبلة حنون يبث لها بها كم أنها أصبحت غاليته ومبتغاه ويبعث في نفسها الاطمئنان.
وبعد مرور أربعة أيام خرجت ورد من المستشفى إلى منزل والدها الذي رفض وبشدة رجوع ابنته إلى منزل عتمان النعماني والمكوث به من جديد وخاصةً بعدما صار من إهمال رسمية لصغيرته وتسببت لها فيما حدث، وأصر على بناء منزل خاص بابنته وهذا ما أزعج عتمان كثيراً وأمر ابنه بعدم موافقته على أوامر حافظ التي أثارت غضبه.
ولكن زيدان أصر هو الآخر على بناء منزل خاص به بزوجته الجميلة ليحميها من همز ولمز الجميع وليضمن عدم جرح مشاعرها من أي شخص كان.
غضب عتمان منه كثيراً وتحدث إليه أمام أهل المنزل:
ماشي يا زيدان، أني هبني لك البيت إهني في الجنينة جُصاد البيت الكبير بس بشرط.
نظر له زيدان بتمعن ينتظر تكملة حديثه. فأكمل عتمان بتجبر:
تتجوز لجل ما تخلف الولد ويصبح لك عِزوة وسند.
نظر له زيدان وتحدث بنبرة صوت هادئة حكيمة، فقد كان يتوقع هذا المطلب ولكن ليس بتلك السرعة:
مهينفعش أجرح ورد يا أبوي، هي ملهاش ذنب في إللي حصل، وأني الحمد لله راضي ومكتفي بيها وبتي.
تحدثت رسمية بنبرة معترضة:
كلام إيه اللي عتجوله ده يا ولدي، هتعيش على حتت البت إياك؟
وتساءلت باستفسار:
واسمك وسيطك وعيلتك، من هيورثه عنيك يا زيدان؟ عاوز تعيش مقطوع وبعد عمر طويل ميبجالكش وريث يشيل عنك اسمك؟
نظر لها بعيون ملامة وأردف قائلاً بنبرة قوية حاسمة:
ربنا جدر لي كده وأني راضي ومسلم بأمر الله، مرتي وبتي كفاية علي من الدنيا وأني معايزش غيره.
نظر له والده بعيون مشتعلة من شدة غضبتها وتحدث بقوة وحزم:
تكون تجارتي وحالي ومالي محرمين عليك لو ما اتجوزت على بت حافظ وجبت لي الحفيد اللي مستنيه منك يا زيدان.
تحدث منتصر إلى زيدان مهدئًا الحال:
اعجل واسمع كلام أبوك يا زيدان.
ومرتي يا منتصر؟
جملة تساءل بها زيدان متعجبًا.
تحدث عتمان بنبرة حادة:
مرتك هبني لها دوار لحالها تقعد فيه هي وبتك معزين مكرمين وإنتَ اتجوز الجديدة في شقتك اللي فوق، وأبقى تعال لها إن شاء الله يومين في الأسبوع.
تحدثت رسمية:
عين العقل يا حاج، وأظن أهل ورد مهيمنعوش الحديث ده، أصلًا محدش هيرضى يتجوز بتهم بعد اللي حصل لها، وهما عارفين كده زين، ولجل كده مهيطلبوش الطلاق ويميلوا بخت بنتهم بيدهم.
نظر إلى والدته وتحدث بتعجب:
وعشان أهلها هيستسلموا للأمر الواجع ومهيطلبوش الطلاق أدوس أنا على مرتي وأدفعها تمن حاجة ملهاش ذنب فيها؟
تحدث قدري ليشعل والده أكثر باتجاه زيدان وينفخ في النار الشاعلة ليزيدها اشتعالاً:
اعجل واشتري خاطر أبوك وكبر حديثه يا زيدان.
نظر زيدان إلى والده وتحدث باحترام:
كلمة أبوي سيف على رقبتي في أي موضوع غير موضوع غدري بمرتي وإني أوجعها بالطريقة المهينة دي.
نظر والده إليه بحدة وتساءل بقوة:
ده آخر كلام عندك يا زيدان؟
أجابه زيدان بنبرة حاسمة:
ومعنديش كلام غيره يا أبوي.
تحدث عتمان إليه بقوة وصرامة:
يبقى من إنهاردة تشوف حالك بعيد عني، وعشان خاطر الناس متاكلش وشي وتجول عتمان طرد ولده وابنته لساتها حتة لحمة حمرا، أني هبني لك بيت إهني في الجنينة، بس مليكش عندي لا شغل ولا أرض، تسيب شغل المحجر والطاحونة من إنهاردة وتسلمه لقدري، وتسعى على رزقك ورزق بتك بعيد عني وعن أملاكي.
انتشى قلب قدري وشعر بروحه تحلق في السماء من شدة سعادته وذلك بعدما استمع إلى قرار والده.
حين حزن قلب منتصر على حال شقيقه وتحدث مترجياً والده:
إهدي يا حاج وخلونا نتفاهموا، الحديث ميجبش كده.
تحدثت رسمية هي الأخرى بنبرة مترجية وقلب يرتجف خوفًا على حال صغيرها:
إهدي يا أخوي عشان خاطري وأدي له وقت يفكر فيه.
تحدث زيدان بهدوء وانكسار:
مفيش حاجة عشان أفكر فيها يا أمي، وكلام الحاج أوامر وسيف على رقبتي، من إنهاردة هسلم قدري دفاتر المحجر والشغل فيه.
وتحرك إلى الخارج تحت اشتعال عتمان وغضبه من عصيان ولده لأوامره وعدم إطاعته، ولكن كان يظن أن زيدان لن يتحمل ابتعاده عن كل مميزاته التي يحصل عليها من العمل مع والده، ولكن خاب ظن عتمان وفشلت حسبته تلك المرة.
فحقاً للعشق حسابات أخرى.
شيد عتمان منزلًا كبيرًا مقابل لمنزل العائلة وأعطت ورد مجوهراتها لزيدان الذي باعها وبدأ بثمنها في تجارة الحبوب والخضروات والتي سريعاً ما نجحت وكبرت تجارته.
ومرت السنوات سريعًا وأصبح زيدان من أكبر تجار الصعيد في الحبوب والخضروات والفاكهة حيث تعرف على أحد المصدرين بالقاهرة الكبرى والذي بدأ يورد له الخضروات والفاكهة الطازجة ويأخذها هذا المصدر ليصدرها خارج البلاد بمبالغ طائلة مما جعل زيدان يجمع ثروة طائلة ويشتري أراضٍ زراعية وأملاك أخرى خاصة به ويوسع من تجارته.
وعاش مع زوجته الحبيبة وصغيرتهما حياة هادئة مليئة بالحب والاحترام.
وهذا ما جعل قدري وفايقة يحقدان عليه أكثر وأكثر ويتمنيا زوال نعمته من بين يديه.
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الثالث 3 - بقلم روز امين
داخل منزل زيدان النعماني
كانت الساعة قد تخطت منتصف الليل.
وتلك الساحرة فاتنة الجمال تجلس خلف مكتبها تُذاكر دروسها لعامها الأخير بالثانوية العامة.
فهذا العام هو من سيحسم مستقبلها الدراسي ويحقق حلمًا عاشت تنسج خيوطه من ذهب.
رفعت رأسها المنكبة فوق كتبها منذ ما يقارب الثلاث ساعات المتواصلة.
وبدأت بتدليك عنقها وتحسسته بتألم.
ثم تحركت بتملل متجهة إلى شرفتها، لتقف بها تشتم رائحة عبير تفتح زهور البرتقال التي يملأ عبقها المكان بأكمله.
حيث الحديقة الواسعة المشتركة بين منزل أبيها وقصر جدها، والمليئة بأشجار البرتقال والمانجو وأيضًا الليمون.
أغمضت عيناها ورفعت رأسها للأعلى، وبدأت بأخذ شهيق طويل حتى امتلأت رئتيها بعبق تفتح زهور البرتقال المحبب لروحها.
وتنهدت براحة ثم بدأت بفتح عينيها تدريجياً.
وبلحظة وبدون مقدمات اتسعت حدقة عيناها بسعادة وهي ترى أمامها معشوقها.
فارس أحلامها منذ نعومة أظافرها، حب طفولتها وبداية صباها.
من تعلمت على يده أبجديات العشق وخطت في عالمه أولى خطوات الغرام.
رجُلها ورجل أحلام يقظتها، فارسها التي تنتظر أن يأتي بحصانه الأبيض ليصطحبها إلى جنة عشقها ومدينة أحلامها الوردية المنتظرة.
نظرت عليه بوله وعيون عاشقة متشوقة، تتأمل ذلك الواقف بشرفته المواجهة لشرفتها، والتي لا يفصل بينهما إلا بضعة أمتار معدودات.
اقشعرّت ملامحها وتسللت الخيبات داخل قلبها الصغير عديم الخبرة، وهي تنظر لذاك الواقف يتحدث بهاتفه ويبدو على وجهه الانسجام والراحة والسلام، غير مبالٍ بالمرة لتلك الشاردة المتلهفة لطلة من عينيه.
وبعد مدة كان قد انتهى ذلك الفارس المغوار المدعو بقاسم قدري عتمان النعماني، الحفيد الأكبر لعائلة النعماني.
والذي تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة، والتحق بالعمل بنفس المدينة.
حيث افتتح له جده عتمان النعماني مكتب للمحاماة وذلك بعد إلحاح منه، لغرض ما داخل نفسه سنكتشفه لاحقاً.
انتهى من مكالمته الهاتفية وهو يتنهد براحة ويبدو على وجهه الاستكانة.
نظر بعينيه يتطلع للأمام، وجدها أمامه.
تقف كحورية من حوريات الجنة، فابتسم لها بهدوء.
نعم، ولما لا وهي صفا النعماني، ابنة الحسب والنسب والتي تمتلك جمالاً يفوق الخيال ورثته عن والدتها.
ابنة أبيها المدللة بل والوحيدة.
نظر لها وابتسم وتحدث بنبرة أخوية:
"أيه اللي مصحيكي لدلوقتي يا صفا؟"
انفرجت أساريرها ورفرف قلبها البريء في السماء معلناً عن شدة سعادته من مجرد خروج حروف اسمها من بين شفتيه وبنبرة صوته الملائكية بالنسبة لها.
تحدثت بخجل زادها إلا حسنًا وجمالاً:
"بذاكر يا قاسم."
"لدلوقتي يا صفا؟" سؤال طرحه قاسم.
أجابته بنبرة مرحة:
"نسيت إني في ثانوية ولازم أجيب مجموع كبير."
ابتسم لها قاسم وتحدث بتذكر:
"أيوه صح، تصدقي كنت ناسيك."
وأكمل بتساؤل:
"وناوية على إيه إن شاء الله يا صفا؟"
هتفت بسعادة وهي ترفع رأسها بشموخ:
"طب إن شاء المولى عز وجل."
ضحك قاسم على طريقتها الطفولية وتحدث بحنان لابنة عمه التي يعتبر حاله مسؤولاً عنها كأخته ليلي:
"ربنا ينولك كل اللي في بالك يا صفا. إنتِ بت حلال وتستاهلي كل خير."
ابتسمت له وأمنت داخل نفسها ودعت الله أن يُمنيها كل ما تتمنى، وأول ما تتمناه هو حضن ذاك الفارس المغوار.
وكفافي تلك الأثناء دلفت لغرفتها والدتها التي نظرت عليها وتحدثت بنبرة متسائلة حادة:
"سايبة مذاكرتك وبتعملي إيه عندكِ يا صفا؟"
ارتبكت وارتعبت أوصالها، واستدارت تنظر إلى الخلف لتلك المستشاطة.
فتحدث قاسم وهو يرفع قامته ويطل برأسه ناظراً لزوجة عمه القوية الشخصية وتحدث:
"كيفك يا مرت عمي، زينة؟"
نظرت له ورد بارتياب وذلك خشية منه على صغيرتها التي لا تفقه شيئاً بعد في الحياة.
ثم ردت عليه بنبرة قوية ودودة:
"الحمد لله يا ولدي، حمد الله على السلامة. مِتى جيت من مصر؟"
أجابها وهي تنظر لرنين هاتفه الذي بمجرد ما نظر به حتى تزين ثغره بابتسامة خفيفة.
ثم نظر بشرود لزوجة عمه وتحدث:
"لساتي جيت من ساعتين، بعد إذنك، هرد على التليفون."
ودلف لداخل غرفته المقابلة لغرفة صغيرتها، حين شدت هي يد طفلتها وسحبتها للداخل بعنف وتحدثت بنبرة حادة وخوف ظهر بعينيها على طفلتها ومستقبلها:
"إيه اللي مخليكي سايبة مذاكرتك وواقفة تتحدتي ويا ابن فايقة يا مجصوفة الرجبه؟"
تلعثمت صفا بالرد وتحدثت بارتياب:
"تعبت من المذاكرة يا أماي، رقبتي وجعتني جولت أريحها شوي وأقف أشم هبابة هوا."
وأكملت بشفاة ممدودة للأمام دلالة على غضبها:
"أجرمت يعني ولا أجرمته؟"
هتفت والدتها بنبرة حادة وضيق:
"ولما هو كده، إيه اللي موقفك تتحدتي ويا ابن فايقة في الوقت المتأخر ده؟"
تحدثت بقوة وشموخ ورثته عن تلك الواقفة أمامها:
"مسموش ابن فايقة يا أماي، اسمه قاسم قدري عتمان النعماني، واد عمي يعني مش حد غريب."
أردفت ورد بنبرة حنون وهي تتلمس وجنة طفلتها التي تعشقها:
"ذاكري يا صفا وشوفي مستقبلك لأن هو اللي باقي لك. أني خايفة عليكي يا بتي، نفسي أشوفك دكتورة قد الدنيا ومشرّفة أبوكِ قدام الناس لجل ما الكل يجول بت زيدان فلحت أكتر من الرجال."
ابتسمت لها صفا وتحدثت بطمأنة:
"ما تقلقيش عليّ يا أماي، إن شاء الله هحقق لك حلمك وحلمي وهبقى دكتورة زي ما طول عمرك بتحلمي."
احتضنتها ورد وتحدثت بنبرة حنون:
"ربنا يحميكي يا بتي وينولك كل اللي في بالك."
***
انتهى قاسم من مكالمته ونزل إلى الأسفل متجهاً إلى الحديقة الخلفية حيث اجتماع شباب العائلة وسهرتهم ككل يوم.
وجلس يتوسط يزن ابن عمه منتصر، وفارس شقيق قاسم.
نظر إليه يزن وتحدث إليه باستفسار مداعباً إياه:
"يا ترى أخبار بنات مصر الحلوين وياك إيه متر؟"
قهقه قاسم وأردف قائلاً بمراوغة:
"واني مالي بيهم يا هندسة، ربنا يكفيني شر حلاوتهم وشقاواتهم ودلالهم الزايد عن الحد."
قهقه الشباب عالياً وتحدث يزن إليه:
"يعني بتعترف إنهم حلوين وبيشدّوك أه."
ضحك وتحدث إليه بنبرة مشدودة:
"بصراحة بقى وعلشان أكون منصف يا يزن، بنات القاهرة ليهم سحر وطلة بتميزهم عن غيرهم. حاجة أكده تفتح نفسك على الحياة وتخليك تحس بالتفاؤل أول ما تشوفهم."
صفق فارس بيداه متحدثاً إلى شقيقه بدعابة:
"حلاوتك بقى يا متر يا مدوبهم."
حين رد عليه يزن معترضاً بنبرة حكيمة:
"دي وجهات نظر يا قاسم. أني عن نفسي بشوف إن البنت الصعيدية مفيش زي عجلها وحكمتها في إدارة الأمور. بشوفها شديدة وجادرة وبيعتمد عليها."
وأكمل مفسراً:
"يعني مثلاً هل بنت القاهرة تقدر على تحمل المسؤولية زي بنت الصعيد اللي متربية على الحزم والشدة؟"
أجابه قاسم بنبرة عقلانية:
"على فكرة يا يزن، الست هي الست في كل مكان. الست خليط من كل شيء وعكسه ومش فارقة هي اتربت ونشأت فين. الفرق بيكون في النضج الفكري وطريقة إدارتها للأمور فقط لا غير. وياما فيه بنات عايشين في القاهرة وما شاء الله عليهم في تحمل المسؤولية والعكس صحيح. ونفس القصة عندي هنا في الصعيد، ياما فيه بنات مرفهين ومش بيعرفوا حاجة عن تحمل المسؤولية وأكبر مثال على كلامي هما بنات الدوار هنا. ليلي أختي ومريم أختك، وحتى صفا بنت عمك زيدان اللي مولودة وفي بقها ملعقة ذهب."
واسترسل حديثه بتساؤل متهكم:
"تفتكر واحدة زي صفا بكل الرفاهية اللي عايشة فيها دي ممكن تتحمل مسؤولية ولا حتى يكون لها فكر واتجاه في حياتها؟ دي مبتخطيش خطوة واحدة برة البيت لوحدها. دي حتى المدرسة السواق هو اللي بيوديها ويجيبها منها. ده عمك زيدان لو طال يعمل لها المدرسة جوه البيت مش هيتردد."
نظر له يزن مضيقاً عينيه باستغراب وتحدث إليه معترضاً:
"إنت شكلك كده عمرك ما اتكلمت مع صفا ولا اتناقشت معاها. يا ابني صفا دي دماغ عبقرية ماشية على الأرض. دي ما شاء الله عليها برغم صغر سنها بس تحسها موسوعة علمية متحركة."
نظر له مبتسماً بطريقة ساخرة فتحدث فارس مؤكداً على حديثه:
"على فكرة يا قاسم كلام يزن عن صفا صح. إني يمكن ما بجعدش وياها كتير بس الكام مرة اللي سمعت كلامها وناقشتها ويا يزن احترمتها واحترمت فكرها صح."
ابتسم لهما وعقله غير مبالٍ بحديثهما.
فعقله يصب كل إعجابه واحترامه فقط على إيناس، شريكته بالعمل وعقلها الواعي البارع في إدارة عملها، وما لها من الحكمة والجرأة حين تقف في المحكمة وتترافع أمام هيئة المستشارين بكل ثقة وهيبة.
***
في صباح اليوم التالي.
فاقت صفا على صوت زقزقة العصافير التي تسكن عشها الموضوع فوق شجرة اليوستفندي المتواجدة أمام شرفتها مباشرة وتأخذ منها بيتاً لها.
تمللت بنومتها وتثاءبت وهي تتمطى بدلال فوق فراشها الوثير الناعم الدال على كم أن حياتها مترفة.
تحركت إلى المرحاض توضأت وخرجت، ارتدت إسدال صلاتها وشرعت بصلاة ركعتي الضحى بخشوع في حضرة الرحمن.
وبعدما انتهت جلست فوق سجادة الصلاة تناجي ربها وتدعو أن يحقق لها أحلامها ويحمي لها أحبائها.
وقفت وارتدت أجمل ثيابها وتسمرت أمام مرآتها تتطلع برضا على حالها، مثلها كمثل أي مراهقة بعمر السابعة عشر.
فقد كانت جميلة حد الفتنة بطولها الفارع وجسدها الذي تطغى عليه علامات الأنوثة الكاملة ووجهها البض المنير، وعيناها التي بلون الزمرد وشفتاها.
واه من شفتاها الممتلئة الكنزة المهلكة لناظريها.
ابتسمت برضا وتحركت باتجاه الدرج ونزلت على عجل.
توقفت، ودلفت داخل غرفة الطعام وتحركت إلى والديها الجالسين حول المائدة ينتظرانها ليشرعا في تناول إفطارهما مع فلذة كبدهما الوحيدة.
تحركت إلى والدها واحتضنته بسعادة وتحدثت بمرحها المعتاد:
"صباح الخير يا أبوي."
بادلها زيدان احتضانها له وقبل وجنتها وتحدث بسعادة:
"يا صباح الفل على أجمل عيون في سوهاج كلها."
ابتسمت لدلال أبيها لها ثم توجهت إلى ورد واحتضنتها وأردفت قائلة بنبرة حنون:
"صباح الخير يا أماي."
أجابتها ورد بنبرة حنون:
"صباح الفل يا صفا، اجلسي عشان تفطري."
تحمحمَت صفا وتحدثت إلى أبيها بنبرة مترجية:
"بعد إذنك يا أبوي، أني حابة أروح أصبح على جدي وجدتي وأفطر وياهم النهارده."
نظر لها والدها وتحدث إليها بمعاتبة لطيفة:
"وتسيبي زيدان يفطر لحاله من غير صفا لياليه؟"
ابتسمت وأجابته بنبرة شقية:
"زيدان كفاية عليه عطره الفواح، هيعمل إيه بصفا ولا غيرها في وجود ورد حياته."
ابتسمت ورد وأردفت قائلة بدعابة:
"ياما أشطرك في الكلام يا بت زيدان، هو أنتِ واكلة عجل أبوكِ من أجل؟"
ضحكت صفا وتحدثت بنبرة مرحة وهي تحتضن والدها بدلال:
"وزيدان على قلبه كلام صفا كيف العسل."
ثم نظرت إلى أبيها وتساءلت بدلال:
"صح يا حبيبي؟"
ردت ورد بنبرة حادة:
"اتحشمي يا بت وإنتِ بتتحدتي ويا أبوكِ."
أجابها زيدان بعيون سعيدة:
"اطلعي منها إنتِ يا ورد وخليني مني لبنتي."
ابتسمت صفا وتحدثت لأبيها:
"معذورة بردك يا أبوي، بتغير عليك يا زينة رجال النعمانية، وغيرة العاشق مرة على جَم."
ابتسم الجميع وانسحبت بعدما أخذت موافقة والدها على الذهاب.
شردت ورد بعد خروج صغيرتها، فأخرجها زيدان من شرودها متسائلاً باهتمام:
"مالك يا ورد، شاردة في إيه؟"
نظرت إليه وأردفت قائلة بنبرة قلقة:
"خايفة على صفا جوي يا زيدان، ما أحبها تتعلق جوي كده ببيت جدهان."
ضيق عيناها وأردف متسائلاً باستغراب:
"خايفة عليها من أهلها؟ طب ده أني عمري ما كنت أتخيل إن أبوي وأمي يتعلقوا بيها جوي كده ولا يحبوها بالشكل ده."
أجابته بنفي وهي تهز رأسها:
"مش خايفة عليها من جدي وجدتها يا زيدان، أني خايفة عليها من حالها."
ضيق عيناها وأردف متسائلاً:
"تقصدي إيه بحديثك ده يا ورد، مفاهمكيش أنا يا غالية."
أجابته بإيضاح:
"بصراحة كده يا زيدان، بتك متعلقة بقاسم واد أخوك قدري."
انفرجت أسارير زيدان وتحدث بتفاخر مداعباً إياها:
"والله جوزها مليح كيف أمها البت دي."
تأففت ورد وتحدثت بنبرة جادة:
"ده وقت هزار بردك يا ورد."
أجابها بتعقل وهدوء:
"خليها على الله يا زينة الصبايا واللي رايده ربنا هيكون. إحنا فين وجواز بتك فين يا ورد."
هدأت قليلاً ثم تناول هو قطعة من الجبن ووضعها بداخل فمها تحت حياءها الذي ما زال مصاحباً لها رغم مرور كل تلك السنوات.
***
داخل سرايا عتمان النعماني.
كان الجميع يجتمع حول مائدة الإفطار العملاقة.
الجد وتجاوره الجدة.
قدري وزوجته فايقة وأولادهما الثلاث عدا قاسم الذي ما زال بالأعلى: فارس، ليلي، عبدالرحمن.
منتصر وزوجته نجاة وأولادهم: يزن، حسن، مريم.
دلفَت تلك الجميلة ذات الوجه الصابح وتحدثت بابتسامتها البشوش ووجهها الضاحك التي ما إن دلفت حتى نشرت طاقتها الإيجابية داخل المكان، فجعلت البعض يسعد والبعض أيضاً يشتعل ناراً وحقداً.
دلفَت تحت نظرات يزن العاشقة لكل ما بها.
تنفس الصعداء ودق قلبه بوتيرة عالية ككل مرة يراها بها.
تحدثت وهي تقترب على جدها تحاوط كتفيه بكفي يداها وتقبله من وجنته التي لا يجرؤ سواها على القيام بذلك التصرف:
"صباح الخير يا جدي."
ابتسم لمدللته الوحيدة والتي تعوضه عن ابتعاد زيدان عن أحضانه كقبل وأردف قائلاً بدلال ونبرة حنون وهو يربت على كف يدها الموضوع فوق صدره:
"يا صباح النور على جمر العيلة اللي لما تهل عليا الدنيا كلها بتنور."
لوت فايقة فمها بصمت تام خشية غضب عتمان.
وتحدثت رسمية بنبرة غائرة مصطنعة:
"وجدتك مالهاش حضن هي كمان ولا إيه يا بت زيدان."
اقتربت عليها وتحدثت بدلال وهي تحتضنها بحنان:
"كيف تجولي كده وإنتِ جلبي من جوه يا جدتي."
بادلته رسمية احتضانها لها ثم أردفت قائلة بتساؤل:
"أبوكِ ما جاش يفطر معانا ليه؟ نسي أمه خلاص."
أجابتها بلباقة ورد دبلوماسي مقنع:
"حد بردك يجدر ينسى أمه يا جدة، هو بس مش هينفع يسيب أمي تفطر لحالها، لكن حضرتك ربنا يزيد ويبارك حواليكي الكثير من الحبايب."
ابتسم لها عتمان وتحدث بإعجاب:
"كلامك زين ومترتب كيف بتوع التليفزيون يا بت زيدان."
"اجلسي كلي يا صفا، واقفه ليه يا بتي." جملة حنون تفوه بها عمها منتصر.
أكدها جدها الذي تحدث بحنان وهو يقتسم بيده جزء من الشطيرة الموضوعة أمامه ويضعها بصحنه وهو يتحدث باهتمام وحب ويشير إليها لتجلس بجواره:
"تعالي اجلسي جاري لجل ما تفتحي نفسي على الأكل."
ابتسمت له وتحدثت الجدة وهي تقف وتفسح لها المجال:
"تعالي اجلسي مكاني عشان ده مكان قاسم."
ابتسمت لها وجلست وجاورتها الجدة تحت استشاطة الجميع، فايقة ومريم وليلي اللتان تغار من معاملة جدهما بكل هذا الود والحنان لتلك الصفا لا غيرها.
تحدثت ليلي التي تكبر صفا بعامين بنبرة محتقنة بالغضب معترضة:
"طبعاً يا جدي، صفا الوحيدة اللي من حقها تجلس جارك وهي اللي هتفتح نفسك على الأكل، إنما إحنا شكلنا كده بنسد نفسك."
تحدثت إليها رسمية بنبرة حادة:
"اتحشمي يا بت واتحدتي زين ويا جدك."
غضبت ليلي من حديث جدتها، أما صفا فقد شعرت بالحرج لأجل ابنة عمها فتحدثت بابتسامة كي تهدئ من ثورتها وتلطف الأجواء:
"أكيد يا ليلي جدي بيحبنا كلاتنا زي بعض، كل الحكاية إنكم موجودين معاه طول الوقت، لكن إني مش موجودة هنا دايمًا."
لم تعرف لحديثها أية اهتمام وحتى لم تكلف حالها عناء النظر لوجهها مما أحزن صفا وأخجلها.
في تلك الأثناء كان يتدلى من فوق الدرج بطوله الفارع وجسده العريض تحت نظرات الجميع، حيث كان يرتدي الجلباب الصعيدي الذي يزيدهُ هيبة فوق هيبته.
مصففاً شعره الفحمي بعناية فائقة.
نظرت إليه ورد وانتفاضة سرت بجسدها بالكامل ككل مرة تراه فيها.
وما كان حال مريم ابنة عمها ببعيد عنها، فقد كانت تعشق قاسم وكان عشقه سببًا في أن لم توفق مريم في تحصيل مجموع عالٍ بالثانوية العامة منذ عامين والتي التحقت بفضله بمعهد خدمة اجتماعية مما أحزن والدتها كثيراً.
تحرك إليهم وتحدث بوجه بشوش:
"صباح الخير."
أجابه الجميع وتحدث الجد بنبرة متسائلة:
"اتأخرت ليه كده يا قاسم؟"
أجابه بنبرة جادة:
"معلش يا جدي، كنت بعمل شوية تليفونات مهمة خاصة بالشغل."
ثم نظر لتلك الجالسة تنظر إليه ببلاهة بفم مفتوح وعيون متسعة مسلطة فوقه بانبهار:
"أزيك يا صفا."
انتفض قلبها عشقاً ككل مرة تستمع لاسمه من بين شفتيه المهلكة لروحها وأجابت بنبرة صوت هادئة:
"الحمد لله يا قاسم، حمد الله على السلامة."
أجابها وهو يسحب مقعداً مقابلاً لها بجانب جده مشيحاً عنها ببصره:
"الله يسلمك."
كانت فايقة تراقب عن كثب نظرات صفا العاشقة لصغيرها وقلبها يتراقص فرحاً لغرض ما في نفسها، سنعلمه فيما بعد.
تحدث إليه الجد متسائلاً باستفسار:
"عملت إيه في القضية بتاعت المحجر يا قاسم؟"
نظر إلى جده باهتمام وتحدث بنبرة واثقة وظهره مفرود:
"اتحددت جلستها الأسبوع الجاي."
وأكمل بنبرة مطمئنة:
"مش عاوز حضرتك تقلق، القضية إني ضمنها في يدي ومتأكد إن الحكم السابق هيُسجَّل وهناخد فيها براءة."
هز له رأسه باطمئنان وأجابه بفخر وثقة:
"من إمتى وأني بقلق من قضية في يدك يا سبعي."
وقفت مريم سريعاً وتحركت وهي تمسك بصحن الطعام وتستعد لسكب البعض منه في صحن قاسم وتحدثت بابتسامة مشرقة سعيدة:
"الفول بالطحينة اللي بتحبه يا قاسم."
أشار لها بيده وتحدث بنبرة باردة دون النظر إلى وجهها:
"مش عايز فول يا مريم، متتعبيش حالك."
ثم نظر إلى طبق صفا وتحدث وهو ينظر بتشهي إلى الشطيرة الموضوعة ذات اللون الذهبي:
"أنا هاكل مع صفا من المشلتت اللي قدامها."
شعرت وكأن روحها تحلق في السماء من شدة سعادتها بمجرد نطقه بتلك الكلمات البسيطة.
وأمسكت بصحنها وبسطت ذراعيها إليه وقدمته قائلة بابتسامة بشوش:
"بألف هنا على جلبك يا قاسم."
ابتسم لها وأمسك الشطيرة واقتسمها بينهما وأخذ نصفها وتحدث لها بابتسامة جذابة أنهت على ما تبقى من صبره المصطنع:
"إني خدت نصها وإنتِ كُلي النص التاني."
ابتسمت خجلاً بينما كان الجد يتابع ما يدور حوله باهتمام وعيون سعيدة وغرض ما في داخل نفسه.
تحدثت الجدة بسعادة وهي تناول قاسم شطيرة كاملة:
"خد يا جلب جدتك فطيرة بحالها أهي، عاوزاك تاكلها كلها لحالك."
ثم نظرت إلى صفا وتحدثت بعيون سعيدة لأجلها وحديث ذات مغزى:
"بس تدي منها حتة لصفا، زي ما خدت من صحنها تحط لها فيه تاني من نايبك."
ابتسم لها وأجابها وهو يقطع جزء كبير من شطيرته ويضعها داخل صحن صفا:
"بس كده، غالي والطلب رخيص يا حجة رسمية."
ووجه حديثه إلى صفا وهي يضع لها قطعة الشطيرة:
"اتفضلي يا ست صفا، بألف هنا."
أما تلك التي ما زالت واقفة ممسكة بطبق الفول والحزن تعمق من داخلها وامتلكه لما رأته من اهتمام مبالغ به لتلك الصفا وتجاهل الجميع لها وخاصة قاسم.
تحدثت إليها فايقة بنبرة ساخرة وابتسامة شامتة:
"اجلسي كملي وكلك يا مريم، مالهاش لازمة وقفتك دي يا نور عيني."
نظرت نجاة إلى فايقة بضيق ثم تحدثت بنبرة غاضبة لائمه لابنتها:
"ادخلي على المطبخ قولي لـ حسن يعمل الشاي لجدك وأعمامك."
نظرت إلى والدتها بغشاوة دموع كسّت على عينيها ثم وضعت ذلك الصحن فوق المنضدة وتحركت للداخل سريعاً.
أمسكت صفا إحدى اللقيمات وغمستها بصحن العسل الأبيض وقربتها من فمها على استحياء وهي تنظر إلى قاسم بنظرات عاشقة ظاهرة للجميع.
تحدث يزن وهو ينظر إلى صفا باهتمام:
"ما تعوزيش أي مساعدة في المنهج يا صفا؟"
ابتسمت له وتحدثت بنبرة رقيقة:
"هشيلك لو وقت عاوزة يا واد عمي."
ابتسم لها وتحدث بسعادة:
"أي حاجة تعوزيها في أي وقت إني تحت أمرك."
نظر له قدري وتحدث بنبرة حادة:
"هنسيبوا شغلنا ونجعدوا ندرس للست صفا إحنا بقى يا باشمهندس."
ارتبك يزن من حديث عمه الحاد وتحدث بنبرة مفسراً حديثه:
"أكيد يعني مش هقصر في شغلي يا عمي."
اشعل داخل ليلي وزاد حقدها على تلك الصفا عندما لاحظت اهتمام يزن بها.
وتحدث فارس شقيق قاسم الموالي له ترتيبياً:
"يزن طول عمره شاطر وبيعرف يوازن أموره زين يا أبوي وأكيد هيعرف يوازن بين شغله ومذاكرته لصفا."
ثم غمز إلى يزن وتحدث بحديث ذات مغزى لكونه الوحيد الذي يعلم بسره:
"مش كده ولا إيه يا يزن."
ابتسم يزن لمداعبة ابن عمه له ثم حول فارس بصره إلى صفا وتحدث بأخوة صادقة:
"وأني كمان تحت أمرك في أي حاجة تحتاجيها يا صفا."
تحدث الجد بنبرة حادة آمرة للجميع:
"كل واحد يخليه في حاله وفي شغله وما يشغلش باله بصفا، صفا أبوها جايب لها أحسن أساتذة في المركز كله."
ثم وجه نظره إلى قاسم غير المبالي بالمرة بما يقال ويتناول طعامه، وأكمل بحديث ذات مغزى:
"ولو احتاجت حاجة تبقى تطلبها من قاسم."
تُهّللت أساريرها وانشرح صدرها بسعادة.
نظر له قاسم وتحدث بهدوء ومجاملة:
"إني تحت أمرها طبعاً يا جدي، بس إني كنت أدبي وصفا علمي علوم، يعني دراستي غير دراستها خالص."
"اسمع كلام جدك يا قاسم، وبعدين إنتِ ما شاء الله عليك محامي جد الدنيا واللي تعرفها محدش يعرفها بعديك." كلمات نطقت بها فايقة وهي تنظر إلى ولدها بتفاخر وكبرياء.
ثم نظرت إلى صفا ونطقت بنبرة تشجيعية مصطنعة:
"عندنا كام صفا إحنا عشان نخلعوها."
نظرت لها نجاة مضيقة العينان متعجبة حديثها ولكنها تعلم خطتها علم اليقين وتحدثت بنبرة ساخرة:
"طول عمرك تعرفي في الأصول زين يا فايقة، وخصوصي ناحية صفا وأمها."
ابتسمت لها ذات القلب الصافي وتحدثت بوجه بشوش:
"تسلمي يا مرت عمي، وتسلموا كلكم، بس إني الحمد لله بفهم زين من المدرسين اللي أبوي جايبهم."
دققت فايقة النظر على ساعديها وتحدثت باستفهام والغل يتأكل من داخلها:
"جديدة الأساور اللي في إيدك دي يا صفا؟"
أجابتها بابتسامة وهي تتحسسهم بسعادة:
"أبوي جابهم لي أول إمبارح من مصر، وجاب زيهم لأمي."
ابتسمت لها نجاة وأردفت قائلة بنبرة حنون صادقة:
"مبروكين عليكي يا صفا، يعيش ويجيب لكم."
اشتعلت النار داخل فايقة وليلي التي تحدثت بنبرة حقودة لم تستطع السيطرة عليها:
"اللي يشوف عمايل عمي ليكي إنتِ وأمك يفتكركم ساحرين له يا جلعة أبوكِ."
حزنت صفا من حديث ابنة عمها التي تنبذها ودائماً ما تتعمد إهانتها وبدون أسباب.
نظرت لها رسمية وتحدثت بحدة:
"وه، إيه الكلام الماسخ اللي بتجوليه ده يا بت، سحر إيه وكلام فارغ إيه، إحنا بتوع الحاجات العفشة دي بردك؟"
وأكملت بنبرة ملائمة:
"ده بدل ما تجولي لبت عمك مبروكين عليكي."
وقفت ليلي وتحدثت بنبرة حادة:
"كفاية جلعتكم ليها ومباركاتكم."
وتحركت للأعلى غاضبة تحت نظرات الجميع.
***
عند الغروب.
كان يجلس داخل غرفته، أمسك هاتفه وضغط على زر الاتصال وانتظر الرد.
بالقاهرة.
داخل شقة متوسطة الحال، كانت تجلس داخل صالة الاستقبال بصحبة أبويها وشقيقها المحامي والذي يعمل معها هي وقاسم داخل مكتب المحاماة الخاص بقاسم.
إنها إيناس، تلك الفتاة التي تصغر قاسم بثلاثة أعوام حيث تعرف عليها من خلال شقيقها عدنان صديقه المقرب بالدراسة.
تعرف عليها وهو بالصف الأخير بكلية الحقوق جامعة القاهرة حيث كانت إيناس طالبة بالصف الأول بنفس الجامعة.
وأعجب بها وبسرعة البرق أوقعته بشباكها صريعاً بغرامها وذلك لاختلافها في نظره عن باقي الفتيات التي رآها طيلة حياته.
وجدت هاتفها يرن معلناً عن وصول مكالمة.
أمسكته وابتسمت حين رأت نقش حروف اسمه تزين شاشة هاتفها.
ابتسمت بغرور ثم وقفت منتصبة الظهر وتحركت نحو غرفتها تحت تساؤل والدتها المبتسمة:
"ده قاسم؟"
ابتسمت لوالدتها وأجابتها دون حياء أو خجلاً من والدها وشقيقها الجالسين:
"آه يا ماما قاسم، عن إذنكم."
ودلفت إلى غرفتها وأوصدت بابها عليها.
أما والدها رفعت عبد الدايم الموظف البسيط بإحدى شركات الغاز فتحدث مستفسراً:
"هي بنتك ما قالتلكش البيه ده هييجي يخطبها رسمي إمتى؟"
ابتسمت كوثر قائلة بتفاخر:
"اصبر يا رفعت، الولد عاوز يعمل اسم لنفسه في عالم المحاماة ويثبت جدارته قدام جده وأهله علشان يكبر في عيونهم، وبعدها هيجيب أهله وييجي يطلب إيدها رسمي."
تحدث عدنان شقيق إيناس بنبرة مطمئنة لوالده:
"متقلقش يا بابا، قاسم حد محترم جداً ويتوثق فيه، ده عشرة أربع سنين دراسة وزيهم شغل في نفس المكتب."
وأكمل بنبرة عملية خالية من المشاعر:
"وبصراحة كده يا بابا، قاسم وفلوس عيلته يستاهلوا الصبر والتأني، إيناس لو اتجوزت قاسم هتتنقل نقلة تانية خالص، واحتمال كمان تنقلنا معاها."
أكدت كوثر على حديثه قائلة:
"عندك حق يا عدنان، إذا كان من الوقت مغرقها في الهدايا الغالية والذهب، وبيديها مصروف شخصي بيكفيها طول الشهر وبتحوش منه كمان، أومال بعد ما يخطبها رسمي هيعمل معاها إيه."
تنهد رفعت وأردف قائلاً بنبرة قلقه:
"مقولتش حاجة يا كوثر، بس أنا خايف لبعد ما كل الناس عرفت إنها خطيبته وخارجة داخلة معاه يسيبها وتبقا خطوبة واتحسبت عليها."
أجابته كوثر بكلمات مطمئنة:
"متقلقش يا رفعت، بنتك ذكية والولد بيحبها ومش هيقدر يستغنى عنها تحت أي ظرف."
تنهد وصمت ليُكمل مشاهدته لإحدى البرامج العلمية التي يشاهدها عبر جهاز التلفاز.
***
أما داخل غرفة إيناس التي نظرت إلى هاتفها بغرور وتحدثت بصوت أنثوي وهي تتمدد فوق تختها وتنظر إلى سقف غرفتها:
"ألو."
أجابها ذاك الجالس فوق تخته بدعابة ولكنة قاهرية:
"أحلى وأجمل ألو سمعتها في عمري كله."
ضحكت بإنوثة زلزلت بها كيانه وأردفت قائلة بنبرة حنون:
"وحشتني أوي يا حبيبي، يلا تعال بقى علشان مش قادرة على بُعادك أكتر من كده."
أخذ نفساً عميقاً وزفره بإستمتاع وتحدث بنبرة عاشقة:
"وإنتي كمان وحشتيني أوي يا إيناس، إن شاء الله هاجي بكرة."
ثم تساءل بنبرة جادة:
"أخبار شغل المكتب إيه؟"
أجابته بنبرة عملية وكأنها تحولت إلى آلة:
"كله تمام، انهاردة كان ميعاد النطق في قضية مهران العيسوي، وكالعادة أخدت فيها حكم بالبراءة."
أردف قائلاً بنبرة فخورة:
"برافو عليكي يا إيناس، طول عمرك شاطرة ويعتمد عليكي."
ابتسمت وأجابته بتفاخر:
"تلميذتك النجيبة سيدي الفاضل."
ضحك برجولة أذابتها وتحدث:
"تلميذة إيه بقى، ده إنتي أستاذة، ما هي اللي تخلي قاسم النعماني اللي عمر ما فيه ست هزت فيه شعرة، ييجي على بوزه ويحب بالشكل ده تبقى أكيد أستاذة."
ضحكت بأنوثة وكبرياء وأكملت وصلة عشقهم.
بعد قليل استمع لدقات فوق الباب فتحدث لها معتذراً:
"الباب بيخبط مضطر أقفل وهكلمك تاني."
أجابته بهدوء:
"أوكي يا بيبي."
أغلق معها وتحدث للواقف خلف الباب:
"ادخل."
دلف فارس مطلاً برأسه قائلاً:
"فاضي نتكلم شوية؟"
ابتسم لأخاه وأجاب:
"ولو مش فاضي أفضي لك حالي مخصوص يا فارس باشا."
ابتسم فارس لمداعبة شقيقه ودلف وأغلق خلفه الباب وأتجه لأخاه ثم جلس بجواره وتحدث:
"أخبار شغلك إيه يا متر."
ربع قاسم ساقيه واعتدل بجلسته وأجابه:
"كله تمام يا فارس، شغل المكتب ماشي كويس جوي، وكل يوم بيكبر عن اليوم اللي قبله واسمي الحمد لله بدأ يتعرف."
ثم أكمل بتساؤل واهتمام:
"المهم طمني عليك إنتَ، ناوي على إيه بعد ما تخلص كلية العلوم السنة دي."
زفر فارس بضيق وأجابه:
"هعمل إيه يعني، هشتغل مع أبوك وأمسك له حسابات المحجر، هو وجدك جرّوا كده وأني ما عليا إلا التنفيذ والطاعة العمياء."
نظر لشقيقه بحزن وتحدث منتقداً استسلامه:
"إيه نبرة الانكسار والاستسلام اللي في صوتك دي؟ ليه متجلسش مع أبوك وجدك وتجول لهم إنك حابب تشتغل في مجالك ويبقى لك كيانك وكاريرك وتستقل بنفسك."
ابتسم ساخراً وأردف قائلاً بنبرة تهكمية:
"ليه، هو إني كنت قاسم عشان يسمعوا كلامي وينفذوه."
أخذ نفساً عميقاً وتحدث بنبرة مستسلمة مفسراً له:
"صدقني يا فارس حتى إني لولا شغلي نفعهم ومسكت لهم كل قضايا المحجر والأرض الزراعية اللي باعوها على إنها أرض مباني ما كانوا فتحولي المكتب في القاهرة ولا سابوني أشتغل في مجالي اللي درسته وحبيته."
وأكمل باستسلام:
"نصيبنا كده يا فارس، ربنا رزقنا بجد متحكم حتى في النفس اللي عنتنفسه، وبيحددهولنا ناخده إمتى وكيف وإزاي."
نظر إليه فارس وتحدث متذكراً بنبرة جادة:
"بمناسبة تحكم جدك في حياتنا، إني من كام يوم كنت داخل لجدك أوضته وسمعته وهو بيقول لجدتك إنه ناوي يجوزك لصفا بعد ما تخلص الثانوية السنة دي."
جحظت أعين قاسم وتحدث ساخراً:
"إني بردك كنت حاسس إنه بيفكر في كده، مش هو بس، دي أمك كمان مبتسيبش فرصة إلا وتحاول تجربني فيها من صفا، بس ده بعدهم، أني مش هتجوز غير اللي اختارها قلبي وعشقها."
وأكمل غاضباً:
"مش هتوصل كمان إنه يختار لي المرة اللي هتنام في حضني؟"
تحدث فارس وهو يحس شقيقه على التمسك بقراره والصمود أمام جبروت ذاك المتسلط المسمى بـ جده:
"جدع يا قاسم، خليك دايماً قوي قدامهم كده لجل ما يخشوك."
نظر قاسم أمامه بشرود.
***
ليلاً داخل منزل زيدان النعماني.
كانت ورد تجهز طاولة العشاء وتحدثت إلى صفا الجالسة في الفراندا تتطلع بعيون معلقة بغرفة فارس أحلامها التي لم تراه طيلة اليوم منذ الصباح.
نظرت إليها ورد وحزن داخلها وهي مشفقة على حال صغيرتها من ذاك العشق المدمر لقلبها الصغير.
وأردفت قائلة بنبرة يائسة:
"صفا، ادخلي صحي أبوكِ لجل ما يتعشى."
لم تجب والدتها لعدم انتباهها لحديثها نتيجة لشرودها.
زفرت ورد وأعادت على مسامعها حديثها مرة أخرى بصياح عالٍ:
"صفاااا."
انتفضت بجلستها وألتفت بجسدها ناظرة إلى تلك الغاضبة وأردفت قائلة بنبرة مرتبكة:
"نعم يا أمي."
تنهدت ورد باستسلام وأعادت عليها الحديث مرة أخرى:
"ادخلي صحي أبوكِ وجولي له إن العشا جاهز."
أومأت لها بطاعة وبسرعة البرق تحركت نحو غرفة أبيها، جلست بجانبه ووضعت أناملها الرقيقة فوق وجنته بحب وهمست بجانب وجهه بنبرة حنون:
"أبوي، أبوي، اصحى يا حبيبي العشا جاهز."
بدأ زيدان بفتح عينيه بهدوء ثم ابتسم لرؤيته لطفلته الجميلة التي تشبه والدتها حتى بنعومتها ورقتها.
أمسك كف يدها وقبلها بحنان، ثم اعتدل وجلس مستنداً بظهره على ظهر تخته، وفتح ذراعه مشيراً لها بدخولها داخل أحضانه.
وما كان منها إلا السعادة البالغة والإنصياع لنداء غاليها والإرتماء داخل أحضان والدها الحانية التي تشعرها بأمان الكون بأكمله.
إرتمت بأحضان وخرجت تنهيدة من صدرها وتحدثت إلى أبيها بنبرة حنون:
"تعرف إني بحبك جوي يا أبوي."
ابتسم زيدان وشدد من احتضانها وقبل وجنتها وتحدث:
"إني بقى حبيتك إنتِ وورد أكتر من حالي وذاتي يا صفا، لدرجة إني اكتفيت بحبكم عن الدنيا بحالها."
خرجت من داخل أحضانه بلهفة وأردفت قائلة باستفهام:
"صح جدي وجدتي كانوا عاوزينك تتجوز على أمي عشان تخلف الولد؟"
ابتسم لها وأردف متسائلاً:
"مين اللي جالك الكلام ده؟"
أجابته بهدوء:
"عمتي صباح هي اللي جالت لي لما سألتها إشمعنى أبوي اللي ليه دوار لحاله دون عن أعمامي كلهم."
أخرج تنهيدة طويلة من داخل أعماقه وأجابها بهدوء:
"دي عوايد وتقاليد يابتي، عندينا في الصعيد هنا الراجل لازم يبقى له ولد يورث اسمه من بعده."
ضيق عينيها وتساءلت مستفسرة:
"وليه حضرتك ما سمعتش كلامهم واتجوزت عشان تجيب الولد؟"
ابتسم لها ونظر داخل عينيها وتعمق بهما وأردف قائلاً بحنان:
"تعرفي يا صفا، البصة في عيونك دول عندي بالدنيا كلها، وبعدين مين اللي جالك إني مجبتش الولد."
وأمسك كف يدها مقبلاً إياه وتحدث بنبرة صادقة حماسية:
"إنتِ عندي بألف ولد يا صفا، إنتِ اللي هتشرفيني وتخليني أتفاخر جدام النجوع كلها وأجول لهم إني أبو الدكتورة صفا النعماني."
ابتسمت له بسعادة وأكمل هو بترجي:
"بس إني ما عايزكيش تزعلي من جدي وجدتك لجل السبب ده يا صفا، عاوزك تعذري تفكيرهم يا بتي."
تدلفت لداخل أحضانه وشددت منها وأردفت قائلة بنبرة صادقة:
"أكيد عمري ما أزعل منهم وخصوصي إنهم بيحبوني جوي ويمكن أكتر واحدة في أحفادهم كمان."
وابتسمت وأردفت بنبرة حنون:
"طبعاً بعد قاسم."
ابتسم بعدما استمع إلى ذكرها لحبيبها بتلك النبرة الحنون وتساءل بتخابث:
"وإشمعنى قاسم يعني اللي جبت سيرته؟"
خرجت من داخل أحضانه وتحدثت بنبرة سعيدة حماسية:
"عشان هو المفضل عند جدي وجدتي، ده جدي بيكبره وبيستشيره في شغله أكتر ما بيستشير عمي قدري وعمي منتصر."
ابتسم لها وكاد أن يجيبها لولا دلوف تلك الغاضبة التي أردفت بصياح غاضب:
"إني بعتاكي تصحي أبوكِ عشان العشا ولا تقعدي في حضنه تدلعي وتتمسخري عليه؟"
مدت شفتاها الكنزة بغضب مصطنع وتحدثت تشتكي لأبيها:
"شايف يا أبوي، ماطيجانيش أقعد جارك وأنام في حضنك."
حاوط زيدان وجنتها بكف يداه برعاية وتحدث إليها بدعابة:
"أعذريها يا صفا، الغيرة على الحبيب مرة بردك يا بتي."
وضعت ورد يدها في خصرها كحركة اعتراضية على حديثه وتحدثت بنبرة معترضة متذمرة:
"غيرة، على مين إن شاء الله الغيرة دي؟"
اتسعت حدقة عيناه وتحدث معترضاً:
"عليا يا بت الرجايبة، ولا زيدان النعماني ما يستاهلش تغيري عليه؟"
ضحكت صفا وانتفضت من جلستها وتحركت باتجاه الباب وتحدثت بدعابة:
"أطلع إني منها بقى، بيتهيأ لي إني كده عملت اللي عليا."
نظرت لها ورد وأردفت قائلة بغضب مصطنع:
"وزيادة يا بت بطني."
ضحكت صفا وخرجت وتحرك زيدان متجهاً إليها، كادت أن تخرج تلك الغاضبة ولكن يده سبقتها إلى الباب وأوصدته ثم شدها إليه بعنف، إرتطمت على أثره بصدره العريض، لف ساعديه حول خصرها الممتلئ بعض الشيء وألصقها بجسده بشدة وتحدث بنبرة ملامة:
"بجى مبقتيش بتغيري على زيدان يا ورد؟"
نظرت له وتحدثت بنبرة ملامة متذمرة:
"مش إنت اللي واخد بتك في حضنك ونسيت بيه حضن ورد."
ابتسم بتفاخر ثم تساءل:
"عتغيري عليا من بتك؟"
أجابته بحدة وغيرة قاتلة ظهرت بعينيها:
"وأغير عليك من الجلابية اللي بتلبسها يا جلب ورد من جوه."
اشتعل داخله من نظرة عينيها العاشقة ونبرة صوتها الهائمة، مال على شفتاها ووضع لها قبلة شغوفة أطال بها وبث لها من خلالها مشاعره المتوهجة التي لم تهدأ يوماً منذ أن رآها صدفة بحفل زفاف صديقه.
☆ ويا حلوها من صدفة☆
إنجرف وراء مشاعره وبات يتذوق قبلة تلو الأخرى بشغف وهيام، شدد من احتضانه لضمتها، شعرت بانجراف مشاعره باتجاه آخر.
تمللت داخل أحضانها قائلة بضجر:
"زيدان."
أجابها هامساً بجانب أذنها بنبرة مسحورة أذابت كيانها:
"عيون زيدان وجلبه."
ابتسمت لدلاله وكلمات عشقه وأردفت قائلة بنبرة حنون لتذكره:
"صفا برة مستنيانا على العشا."
أجابها وهي يشرب من شهد شفتاها المميز:
"مجادرش يا زينة الصبايا، وحشاني ومجادرش أبعد."
أبعدته بساعديها بشدة وتحدثت بنبرة هائمة:
"لو وحشاك جيران، إنتَ واحشني أربعة وعشرين، بس بالعجل يا زيدان، تعال نتعشا مع صفا وبعدها ندخلوا أوضتنا وأدوقك شهد ورد ورحيجها اللي بتعشق منها يا واد النعماني."
ابتسم لها وتحدث بطاعة:
"ماشي يا زينة الصبايا، بس بشرط."
أجابته بهيام:
"أؤمرني يا ضي عيني."
أجابها بنبرة مشتاقة:
"ما صبرش غير وقت العشا وبس، وبعدها تتصرفي مع بتك، فهماني يا ورد؟"
ابتسمت له خجلاً وهزت رأسها بإيماء ثم تحركا للخارج معاً إلى غرفة الطعام وجلس ثلاثتهم حول مائدة الطعام المليئة بخيرات الله عليهم.
وما أن أشرعوا بتناول الطعام حتى استمعوا لصوت جرس الباب ليعلن عن ضيف.
فتحت العاملة الباب وجدته قاسم فتحدثت:
"يا أهلاً وسهلاً يا سي قاسم، اتفضل."
تحدث قاسم إليها متسائلاً:
"عمي موجود يا صابحة؟"
استمعت هي من الداخل لصوت معشوقها، انتفض داخلها واشتعلت وجنتيها وتحول لونهما إلى اللون الوردي الداكن.
لاحظته ورد وتنهدت بأسى على حال صغيرتها التي لم تكن تريد لها هذا المصير أبداً.
أردف زيدان منادياً عليه بنبرة صوت مرتفعة:
"تعالَ يا قاسم."
دلف قاسم خلف العاملة وألقى عليهم السلام:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
وأردف قائلاً بنبرة معتذرة:
"إني شكلي كده جيت في وقت مش مناسب."
أردفت ورد التي وقفت وتحدثت بنبرة حنون:
"حديث إيه اللي بتجوله ده يا ولدي."
وسحبت له مقعداً وتحدثت بنبرة ودودة:
"اجلس يا ولدي اتعشى ويا عمك."
نادَت بصياح على العاملة:
"صابحة، هاتي طبق نظيف من عندك لقاسم بيه."
تحدث قاسم بنبرة خجلة:
"ملوش لزوم يا مرت عمي، إني هستنى عمي في الجنينة على ما تخلصوا عشا، عشان واحشني وعاوز أجلس وياه شوية."
حدق به زيدان وتحدث ملاماً له:
"جري إيه يا قاسم، هي الجعدة في مصر لوحدك نسّتك الأصول والعادات ولا إيه، مالك يا واد بقيت بخيل كده."
تحدثت صفا بدعابة لتحثه على الجلوس:
"شكله كده مش عاجبه وكل أم صفا يا أبوي."
نظر لها مضيق العينين مستغرباً شقاوتها الجديدة عليه وتحدث بدعابة:
"طب ليه كده يا بت عمي، بجا متجيش غير منك إنتِ؟"
ابتسمت بشقاوة وجلس هو وتحدث باحترام:
"ده حتى نفس مرت عمي معروف في العيلة كلها إن مفيش زيها."
جابته وهي تناوله قطعتان كبيرتان من اللحوم وتضعها داخل صحنه:
"تسلم يا ولدي، يلا مد يدك وسمي الله."
وقام زيدان بوضع فخذة كبيرة من لحم البط اللذيذ داخل صحنه.
كانت تبتسم وهي تراه محدق العينين لكل ما يوضع أمامه في وجبة عشائه التي بالتأكيد لم يتناول منها كل هذا.
تناول الجميع العشاء تحت سعادة صفا التي وصلت لعنان السماء وقضت معظم الوقت في استراق النظر إلى وجه قاسمها.
***
ليلاً داخل غرفة صفا.
انتهى اليوم وصعدت لغرفتها، كانت تتمدد فوق تختها شاردة في طيف حبيبها تتساءل مع حالها، كيف سيكون شكل مستقبلها معه وهل حقاً سيكون من نصيبها كما لمحت لها جدتها رسمية من ذي قبل.
تنهدت بحنان وباتت تحلم بحياتها معه حتى وقعت صريعة للنوم.
ترى ما المستقبل الذي ينتظر صفا؟
يتبع..
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الرابع 4 - بقلم روز امين
صباح اليوم التالي.
خرجت من باب منزلها لتستقل السيارة التي خصصها لها زيدان بسائقها لتكون تحت أمرتها طيلة الوقت، كي تذهب إلى المدرسة لاستخلاص بعض أوراق الثانوية العامة المطلوبة منها.
انتفض داخلها بسعادة عندما وجدته يخرج من باب المنزل وتجاوره فايقة بملامح حزينة وهي تودع صغيرها.
أمسك قاسم رأس والدته مقبلاً إياه وتحدث بنبرة حنون: "وبعدين معاكِ عاد يا أماي، هو أني كل مرة همشي متنكد عشانك كده؟"
جففت فايقة إحدى دمعاتها الهاربة منها وتحدثت بنبرة حزينة صادقة: "غصب عني يا قاسم، مجدرتش أتعود على بعادك عن حضني يا واد جَلبي."
في حين تحدثت ليلي التي اقتربت وارتمت داخل أحضان شقيقها لتودعه: "يا أما ده بقى له 8 سنين هيسافر، المفروض تبقي اتعودتي على كده يا أم قاسم."
قبل وجنة شقيقته وأردف قائلاً بحنان: "خلي بالك من نفسك يا ليلي وذاكري مليح، عشان كلية التجارة صعبة ومحتاجة مذاكرة وتركيز عالي."
أومأت له رأسها بهدوء.
نظرت فايقة تتطلع أمامها، اتسعت عيناها فرحاً عندما وجدت تلك العاشقة المتسمرة بوقفتها بجانب السيارة، وهي مسلطة بصرها بإعجاب على قاسم، بنظرات مغرمة هائمة لعاشقة يظهر عشقها كوضوح الشمس أمام أعين الجميع.
ابتسمت داخلها بتشفي وشعرت بالارتياح، وعلى الفور قامت بالنداء عليها لِتزيد من تسليتها: "مش هتيجي تسلمي على قاسم قبل ما يعاود على مصر يا صفا؟"
همس قاسم إلى والدته بنبرة معاتبة: "وبعدين معاكِ عاد يا أماي، مهبطليش اللي بتعمليه ده؟"
أجابت صغيرها بنبرة هادئة متصنعة للبراءة: "وأني عملت إيه عاد يا ولدي، الحج عليّ اللي بالدم لبنت عمك لجل ما تيجي وتسلم عليك قبل ما تعاود على مصر."
ضحكت ليلي وتحدثت بنبرة ساخرة: "مهتضيعيش وقت إنتِ خالص يا أمي."
رمقتها بنبرة غاضبة وهتفت قائلة: "اسكتي ساكت وخليكي في خيبتك يا حزينة."
كانت هناك من تتطلع عليهم من شرفتها التي تعتلي وقفتهم، بلهفة وعيون حزينة وقلب يتمزق ألماً لأجل ما تستمعهُ وتراهُ أمام أعينها، إنها مريم، إحدى ضحايا عشق ذاك القاسم الصارم.
أما تلك العاشقة التي ابتسمت ببشاشة وجه وانتفض داخلها بسعادة من حديث زوجة عمها المشجع لها، وتوجهت بتمهل إلى وقفتهم وهي محتضنة ذلك الملف إلى صدرها ببراءة وتحدثت إلى قاسم بنبرة رقيقة: "توصل بالسلامة إن شاء الله يا قاسم، متبجاش تتأخر علينا كده."
ابتسم لها قاسم وأردف قائلاً بنبرة هادئة: "إن شاء الله يا صفا، خلي بالك من نفسك وذاكري مليح لجل ما تفرحي عمي بيكي."
أنار وجهها وتحدثت بطاعة جذبت بها انتباهه ولكنه نفض رأسه سريعاً من تلك الأفكار: "حاضر يا قاسم."
ابتسمت تلك اللعوب وتحدثت إلى ولدها: "ناول رقم تلفونك الجديد لبنت عمك عشان لو احتاجت منك حاجة في مذاكرتها تكلمك يا قاسم."
نظر لوالدته بعيون ملامة، لا يدري لما تقوم بكل تلك الأمور وهي تعلم علم اليقين أنه لن يتزوجها، حيث كان قد أخبرها هو من قبل عن معرفته لانتواء خطة جده بأن يزوجه من صفا وأخبرها أيضاً بأنه لا يراها إلا كليلى شقيقته.
تحدثت صفا على استحياء حين رأت تلعثم قاسم وانزعاجه: "بلاش يا مرت عمي، معيزاش أشغله وأعطله عن شغله."
هتفت فايقة بنبرة متلهفة: "واه، حديث إيه اللي عتقوليه ده يا بنتي، إنتِ بس اشغليه براحتك و"زينة الشباب" على جَلبه حديث صفا كيف العسل."
ثم حولت بصرها إلى ولدها وتساءلت بلؤم: "مش كده بردك يا قاسم؟"
نظر قاسم لوالدته مستغرباً أفعالها وتحدث مجبراً وهو يبتسم لابنة عمه كي لا يحزن قلبها البريء: "أكيد طبعاً يا أمي."
كانت تشعر بروحها سارحة في ملكوتها الخاص من حديث زوجة عمها الذي يحمل الكثير والكثير من المعاني.
ابتسمت بسعادة مفرطة لم تستطع التحكم في إخفائها وتحدثت بنبرة تكاد تصرخ من فرط سعادتها: "تسلم يا قاسم ويخليك ليا."
ثم ارتبكت وتحمحمت مصححة جملتها: "قصدي يخليك ليا."
رَمقتها فايقة بنظرة انتصار وابتسمت بخبث.
وهنا استمعت صفا إلى صياح والدتها التي نادت عليها بنبرة محتقنة تحمل الكثير والكثير من القلق: "سايبة السواق واقف ملطوع كل ده وإنتِ واقفة عندك بتعملي إيه يا صفا؟"
ارتبكت وارتعب داخلها وحولت بصرها لتلك الغاضبة تنظر عليها بعيون زائغة.
حين أردفت فايقة قائلة بنبرة سعيدة ووجه مبتسم شامت: "جري إيه يا سلفتي، مالك هبيتي في البت خلعتيها كده على الصبح؟"
ثم أكملت بابتسامة خبيثة: "أني اللي ندهت عليها لجل متسلم على واد عمها قبل ما يعاود على مصر."
نظرت لها ورد وحدثت حالها بغيظ: "بما تفكرين وتخططين أيتها الماكرة الحقودة؟ تري ما تلك الكارثة التي تخطين بإيقاع صغيرتي الساذجة بها أيتها الملعونة؟"
وأكملت باستماسة داخل نفسها: "لن أسمح لكِ بإيقاع ابنتي داخل شباكك أنتِ وزوجك الحقود، أعلم علم اليقين أن قاسم يختلف كلياً عن حقدكما، ولكن يكفي أنه ولدكم، فهذا وحده كفيل بألا يشفع له عندي مهما مر العمر."
حولت صفا بصرها إليهم من جديد وتحدثت إليه بنبرة حزينة وعيون ناظرة أسفل قدميها: "توصل بالسلامة يا واد عمي، بعد إذنكم."
وتحركت سريعاً إلى سيارتها واستقلتها تحت أعين ورد التي تحدثت بنبرة جامدة إلى قاسم: "توصل بالسلامة إن شاء الله يا ولدي."
أجابها قاسم باحترام: "الله يسلمك يا مرت عمي."
تحركت سيارة صفا منطلقة لخارج البوابة الحديدية الخارجية، وتلاها قاسم الذي استقل سيارته بجانب السائق وتحرك بها متجهاً إلى مطار سوهاج ومنه إلى مطار القاهرة.
ألقت ورد نظرة غاضبة على فايقة ثم استدارت معاودة لداخل منزلها بشموخ.
ابتسمت فايقة بشماتة وتحركت هي الأخرى إلى الداخل، في حين اقتربت منها ليلي التي كانت شاهدة على تلك المسرحية الهزلية.
وتحدثت ليلي إلى والدتها بعدم استيعاب: "نفسي أدخل جوة دماغك وأعرف إيه اللي هيدور جوهوا يا أماي،" وأكملت بتساؤل حائر: "منين مهتيجيش سيرة ورد وفي نفس الوقت بتحاولي بكل قوتك تجربي بنتها صفا من قاسم أخوي؟"
ابتسمت فايقة وأجابت صغيرتها بنبرة يملؤها الغل: "ده تخطيط واعر وشغل عالي على كبير، يصعب على الصغيرين اللي زيك يفهموه يا بت بطني."
وأكملت بنبرة تهكمية وهي ترمقها بنظرة غاضبة: "خليكي إنتِ في مذاكرتك في الكلية الخايبة بتاعتك اللي دخلتيها بمجموع الشؤم اللي جبته بالعافية."
ودلفت وتركت ليلي التي زفرت بضيق من حديث والدتها المتهم عليها.
***
أما بشرفة مريم التي تنهدت بأسى وروح محبطة من ما رأت بعينيها واستمعته بأذنيها منذ قليل، وما أن التفت بجسدها حتى فزعت واتسعت حدقة عينيها حين رأت والدتها تقف بوجهها، تربع ذراعيها وتضعهما فوق صدرها.
هتفت مريم بصياح بنبرة مرتعشة من هول الصدمة: "خلعتيني يا أمي، فيه حد بيدخل يتسحب على حد كده؟"
كانت ترمقها بنظرات غاضبة وأردفت قائلة بنبرة ساخرة: "أجيب لك طاسة الخضة لجل ما تخطيها يا عين أمك؟"
ابتلعت مريم لُعابها من طريقة والدتها المتهمة فتساءلت باستفسار مترقب: "إيه اللي حصل يا أمي لمسخرتك على دي؟"
أجابتها نجاة بنبرة حادة: "صح معرفش حصل إيه يا مريم؟ حصل إنك بتقللي من قيمتك وترخصيها مع ولد فايقة."
انتفض جسدها وابتلعت لُعابها رعباً من حديث والدتها المفاجئ وأرادت الإنكار كي تنجي بحالها من بطش تلك الغاضبة، فهتفت بنبرة زائفة وإنكار: "كلام إيه اللي عتقوليه ده يا أمي، وأني مالي ومال قاسم؟"
خرجت من بين ابتسامة مهمومة وأردفت قائلة بنبرة حزينة: "بس إني مجبتش سيرة قاسم يا مريم."
تنهدت بأسى ثم اقتربت على صغيرتها وأمسكت يدها وتحركت بها للداخل حتى وصلتا إلى التخت وجلستا، أخذت نفس عميق وزفرته وتحدثت بهدوء: "اسمعيني زين يا بتي وافهمي حديثي صح لجل ما تحفظي كرامتك ومتهينهاش على الفاضي."
واسترسلت حديثها العاقل: "عمك قدري ومرته مهيسبوش مال عمك زيدان يخرج من بنات أكفوفهم، وهيعملوا المستحيل لجل ما يجوزوا قاسم لصفا."
"يعني تنسي اللي عتفكري فيه ده لأنه مهيحصلش واصل، أول هام زي ما جلت لك اللي ناوي عليه عمك ومرته، وتاني هام إن قاسم مهيفكرش فيكي ولا شايفك جدامه من الأساس، ولا كمان بيفكر في صفا ولا شايفها."
جملة حادة غاضبة هتفت بها مريم.
فأجابتها نجاة: "صح هو مهيفكرش فيها، بس عمك ومرته بيفكروا وهما دول الأهم، ده غير إن جدتك لمحت لي قبل سابق إن جدك بيفكر يدي صفا لقاسم لجل ما يكون مطمن عليه."
تنهدت بأسى حين رأت غشاوة الدموع المتكونة داخل عيني صغيرتها الحزينة، فتحدثت بنبرة مهمومة: "يا مريم إني خايفة عليكي من خيبة الأمل، إنتِ لسه صغيرة ومهتتحمليش وجع خيبة الأمل وكسرة النفس يا بتي،" وأكملت برجاء وهي تمسك بكف ابنتها: "لو كنتِ غالية عليكي صح خرجي الموضوع ده من دماغك واصل."
قالت كلماتها وتحركت إلى الخارج، في حين ارتمت بجسدها تلك العاشقة الصغيرة وأجهشت بالبكاء الذي تحول إلى نوبة بكاء مريرة.
❈-❈-❈
بعد حوالي ساعتين.
كان يتحرك داخل رواق مكتب المحاماة الخاص به يخطو بخطوات واثقة تتسم بالرجولة والجاذبية لكل من يراه، متوجهاً إلى غرفة مكتبه. وصل لها وخلع عنه حلته وعلقها فوق العلاقة الخاصة بها، وشمر أكمام قميصه وكاد أن يجلس إلا أنه استمع إلى طرقات فوق الباب. وقبل أن يأذن للطارق بالدخول وجد الباب يفتح وتدلف عبره تلك الجميلة بطولها الفارغ وجسدها النحيل، إنها إيناس ذات الوجه الجميل ظاهرياً، حيث لا تظهر ملامح وجهها بوضوح وذلك بفضل مساحيق التجميل التي تضعها فوقه بكثرة، وشعرها الأسود الحريري الذي يهفهف خلف ظهرها حيث أنها تركت له العنان ليتنفس ويرفرف بحرية خلفها.
ابتسم لها بسعادة، أما هي فتحركت إليه والتصقت به بلهفة مفرطة وكادت أن تقبل وجنتيه لولا ساعديه الذي وضعهما وكانت كالسد المنيع، وابتعد عنها وهو يزفر بضيق وتحدث بنبرة صوت غاضبة معنفاً إياها: "وبعدين معاكي يا إيناس، أنا كام مرة نبهت عليكي وقولت لك بلاش الحركات اللي بتعمليها دي، ومع ذلك مصرة عليها مع إنك عارفة ومتأكدة إنها بتضايقني وبتخرجني عن شعوري."
تأففت بتملل وأجابته بضجر: "وأنا كام مرة قولت لك إني مبعملش كده غير معاك إنتَ وبس، وإن المفروض إن ده شيء يسعدك ويحسسك أنا قد إيه بحبك وبتوحشني لما بتغيب عني."
ضيق عينيه مستغرباً حديثها وتساءل ساخراً: "وسيادتك عايزة تعملي كده مع مين تاني يا هانم؟"
ثم أردف قائلاً بنبرة غاضبة مشيراً بسبابته إليها مهدداً إياها: "إيناس، لأخر مرة هنبهك وهقول لك الموضوع ده ما يتكررش تاني، مش عايز أغضب ربنا أنا، عايز علاقتنا تبقى محترمة وفي إطار الشرع عشان ربنا يبارك لنا في حياتنا."
تنهدت وظهر الحزن فوق ملامحها فتحدث هو مفسراً ردة فعله بنبرة أهدأ قليلاً: "يا إيناس من فضلك حاولي تفهميني، أنا عارف إن نشأتنا وتربيتنا مختلفة عن بعض، بس أنا عايزك تتطبعي بطبعي عشان لما نتجوز ونروح الصعيد محدش ينتقد أفعالك وميحسوش إنك مختلفة عنهم."
ثم نظر إليها وأردف قائلاً بنبرة حنون كي ينسيها حزنها الذي أصابها من ردة فعله العنيفة: "فهماني يا حبيبتي؟"
ابتسمت له وتحدثت بسعادة وكأن شيئاً لم يكن: "ومين غيري يفهمك يا قاسم، أنا بس مش عايزك تحبها علينا أوي كده، أنا بحبك وإنتَ بتحبني وهنتجوز، يبقى إيه المانع لما توحشني أحضنك وتحضنيني،" وأكملت بلا مبالاة: "أنا مش شايفة إن الموضوع يستدعي كل غضبك ده؟!"
أجابها وقد تملك الغضب من ملامحه من جديد أثر حديثها المرفوض بالنسبة له: "المانع إنه حرام يا أستاذة يا بتاعت الشرع والقانون، لا والمصيبة إنك شايفة إن الموضوع عادي ولا يستدعي الغضب."
وأكمل بنبرة تحذيرية ولهجة صعيدية لم يستطع التحكم بها: "اسمعي يابت الناس، أنا بطبعي مبحبش أعيد حديثي مرتين، لكن معاكِ بعيده كتير وده شيء بينرفزني وبيخرجني عن شعوري، فعشان نبقى متفقين من أولها كده، حكاية قربك مني وإنك تبقي عايزة تحضنيني أول ما تشوفيني دي تنسيها خالص، وكمان شعرك ده لازم تداريه وتتحجبي،" وأكمل بضجر وملامح وجه مشمئزة: "أنا معرفش أصلاً هافتح أهلي كيف بزواجنا بشعرك ده."
أجابته بنبرة هادئة كي تمتص غضبته: "ما أنا قولت لك قبل كده يا قاسم، لما تقرر تفتح أهلك وتخطبني وقتها هبقى ألبس الحجاب."
وأكملت بحزن اصطنعته لحالها كي تستدعي تعاطفه: "وياسيدي لو قربي منك ولهفتي عليك وإنك بتوحشني لما بتبعد عني بيضايقك أوي كده، خلاص، أوعدك إني مش هرخص نفسي وأرميها عليك تاني."
وأكملت بطاعة أثارته: "ها، فيه حاجة تاني مضايقاك في تصرفاتي وعايزني أغيرها؟"
وضع يده فوق شعر رأسه وسحبها للخلف ثم أخذ نفس عالياً وزفره كي يهدئ من روعه وتحدث بنبرة صارمة وملامح وجه مبهمة: "إيناس، أنا عايزك تلبسي الحجاب من انهاردة، إيه رأيك لو ننزل أنا وإنتِ بعد مواعيد المكتب وأشتري لك كل اللبس اللازم عشان الحجاب؟" وأكمل بلهجة صعيدية وابتسامة كي يقنعها ويهون عليها صعوبة الخطوة بالنسبة لها: "إنتِ هتتجوزي صعيدي يا بت، والصعيدي بيحب مرته وبيعيش عليها ومش هيجيب على رجولته إن شعرة واحدة تبان منها قدام الخلق كده."
ضحكت بأنوثة مقصودة واجابته مضطرة: "حاضر يا عم الصعيدي الحمش، بس ياريت بقا تسرع بخطوبتنا عشان بابا بدأ يتضايق من الموضوع ورجع يكلمني فيه تاني."
أجابها بهدوء: "حاضر يا حبيبتي، صدقيني قريب جداً هافتح جدي بالموضوع."
استمعا إلى بعض الطرقات ودلف شقيقها عدنان بعدما أذن له قاسم بالدخول وتحدث وهو يقترب من قاسم محتضناً إياه بحفاوة: "حمد الله على السلامة يا متر، نورت القاهرة."
ربت قاسم على ظهره قائلاً: "الله يسلمك يا عدنان."
ثم اتجه قاسم خلف مكتبه وجلس فوق مقعده المخصص له وجلس كل من عدنان وإيناس متقابلين بالمقاعد.
فتساءل قاسم بنبرة جادة: "طمنوني يا أساتذة، إيه أخبار القضايا اللي عندنا؟"
أجابته إيناس بنبرة عملية واثقة: "كله تمام يا قاسم، مش هتصدق مين طلب إن مكتبنا يمسك له القضايا الخاصة بشركته."
نظر لها منتظراً تكملة حديثها فأكملت هي بابتسامة فخر: "عزت الباجوري صاحب شركات النقل الشهيرة في البلد."
اتسعت حدقة عينيه وتحدث مستفسراً بسعادة: "عزت الباجوري بذاته،" أومأت له بسعادة فأكمل هو بنبرة حماسية: "دي خطوة مهمة جداً وبتأكد لنا إن مكتبنا بقاله اسم وسيط بين مكاتب المحاماة."
وافقه الرأي وتحدث عدنان متباهياً: "إنتَ مستهون بمكتبنا وبشغلنا إحنا الثلاثة ولا إيه يا متر؟"
أجابه قاسم بدعابة: "بصراحة كنت، بس الباجوري غير لي نظرتي خلاص."
ضحك ثلاثتهم واكملوا حديثهم الخاص بالعمل.
❈-❈-❈
عند الغروب.
داخل الفيراندا الخاصة بسرايا عتمان.
كان يجلس فوق مقعده بمفرده ينتظر رسمية التي دلفت لصنع مشروب شاي العصاري لكلاهما.
خرج زيدان من منزله يتطلع إلى الحديقة، وقعت عيناه على والده الجالس بمفرده، انتعش صدره من أثر رؤياه التي تنعش روحه وتطمئن قلبه، فبالرغم من تقدم زيدان بالعمر إلا أنه ما زال أبيه يمثل له حصن الأمان بالنسبة له.
تحرك إلى أبيه بخطوات مهرولة ووقف أمامه على استحياء وتحدث بنبرة صوت مرتعشة: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كيفك يا أبوي؟"
أما عتمان الذي ما إن استمع إلى صوت نجله الحبيب الذي ما زال الأقرب إلى قلبه برغم كل ما جرى، لم يستطع رفع عينيه، متلاشياً النظر لداخل عيني صغيره، وذلك كي لا يضعف أمامه وينتفض واقفاً ويسحبه لداخل أحضانه كي يشبع جوع قلبه.
تمالك من حاله بصعوبة وعاد إلى إدراكه راسماً الجمود فوق ملامحه وأردف بصوت جاحد بارد أجاد تقمصه: "الحمد لله."
ابتلع غصة مريرة من معاملة والده له التي لم تتغير يوماً برغم مرور كل تلك السنوات الطويلة.
ضل واقفاً بإحراج حتى خرجت والدته تحمل بين كفيها حاملاً موضوع عليه كأسين من الشاي.
تحدثت بلهفة حين رأت من كان مدللها وحبيبها القريب إلى قلبها: "العوافي يا زيدان."
انتفض داخله حين استمع إلى صوت من كانت يوماً تنثره بالحنان والدلال، أما الآن فقد تغير الوضع كلياً ولم يرا منها إلا الجحود الظاهري والغضب.
أجابها بنبرة حنون: "يعافي بدنك يا حاجة."
تحدثت إليه بهدوء عكس ما يدور داخل قلبها من ثورة عاطفية: "واقف ليه كده، أُقعد اشرب الشاي مع أبوك."
نظر إلى والده الذي يشيح عنه ببصره وينظر أرضاً بوجه مبهم، فتحدث بنبرة صوت بائسة: "معايزش أضايجكم بوجودي، بالإذن."
كلمة قالها بنبرة حزينة قطعت أنياط قلبي والداه، وكاد أن يتحرك لولا صوت عتمان الذي تحدث بنبرة متلهفة: "اجعد اشرب الشاي وياي يا زيدان."
التفت بجسده بلهفة وتحرك عائداً من جديد، جلس مقابلاً لأبيه حين هتفت رسمية بصياح حاد: "حسن، يا حسن."
أتت العاملة وما أن رأت سيدها الحنون الذي يشملها ويرعاها دائماً ويقوم بإرسال الأموال لها كي يعينها على المعيشة وأسرتها: "العوافي يا سي زيدان."
ابتسم لها بحنان وأجابها: "الله يعافيكي يا حسن."
تحدثت إليه رسمية: "اعملي شاي لسيدك زيدان يا حسن."
أجابتها العاملة بنبرة حماسية: "من عيوني يا ستي الحاجة، أحلى كوباية شاي لسي زيدان."
هز لها رأسه وأردف بشكر: "تشكري يا حسن."
تحركت لتدلف قطع طريقها ذاك السمج عديم الذوق موجهاً حديثه إليها: "اعمليلي كوباية شاي يا بت وهاتي لي معاها أي حاجة حلوة تتاكل."
ردت بضيق على حديث ذاك الذي دائماً ما يحدثها بحدة ودائماً ما يقلل من شأنها: "حاضر يا سي قدري."
تحرك وجلس ثم نظر لشقيقه ببرود متحدثاً: "كيفك يا زيدان؟"
أجابه زيدان بهدوء: "الحمد لله يا أبو قاسم."
ثم تحدث إليه كي يحرق قلبه ويجدد الاشتعال بينه وبين والديه، وكي لا يدع فرصة بينهم للتصالح النفسي وصفاء نفوسهم: "لسه معاند ومعايزش تريح قلب أمك وأبوك وتتجوز وتجيب لهم حتة عيل لجل ما يورث اسمك؟"
نظرت له رسمية وتحدثت بنبرة متلهفة: "ربنا يهديك يا ابني وتريح قلبي عن قريب لجل ما أطمن على نسلك وأشوف لك ولد قبل ما أموت."
تنفس بصوت عالي كاظماً غيظه من مكر أخيه الذي يعلم جيداً مغزاه وتحدث بنبرة متمالكة احتراماً لأبيه: "كل واحد منا بياخد الأربعة وعشرين قيراط بتوعه كاملين يا أمي، وأني الحمد لله ربنا اداهم لي في بنتي ومرتي وتجارتي، ألف حمد وشكر على نعمته."
رمقه عتمان بغضب وزفر بضيق معلناً بهذا عن عدم تقبله لحديثه.
وما إن استمع إلى زفير أبيه وعلم بمدى غضبه حتى انتفض من جلسته واقفاً وتحدث منسحباً باعتذار: "بالإذن إني عشان ورايا مشوار مهم."
وانسحب سريعاً تحت سخط عتمان ورسمية عليه وذلك لعدم انصياعه لرغبتهم في أن يرى بناظريهما طفلاً ذكراً له ويرتاح قلبيهما.
أما ذاك المتشفي الذي جلس بارتياح واطمئنان بعد ذهاب ذاك المدلل سارق أحلامه مثلما دائماً يلقبه بينه وبين حاله.
❈-❈-❈
بعد مرور خمسة أشهر.
داخل قصر الحاج عتمان النعماني.
كان يجلس في بهو قصره هو وزوجته وولده قدري وزوجته فايقة يحتسون مشروب الشاي المحبب لديهم جميعاً.
وفجأة استمعوا إلى زغاريد عالية تأتي من الخارج ويبدو أن مصدرها من منزل ولده المقابل.
تحدث الحاج عتمان باستغراب: "منين جاية الزغاريد دي؟"
لوت رسمية فمها وهتفت بنبرة ساخرة: "جايه من ناحية دوار بت الرجايبة،" وأكملت بتشفي وغل: "على الله يكون ولدي نصفني وبرد ناري واتجوز وهيجيب لي الواد اللي بحلم بيه."
تحدثت إليها فايقة بنبرة ساخرة: "اللي ما عملها والدنيا دينا يا عمة، هيعملها دلوقتي؟"
ثم هبت واقفة وهي تتحرك ناحية الباب بفضول: "قال إيه يا خبر بفلوس..."
لم تكمل خطواتها إلا ووجدت تلك صفا صاحبة الوجه الصافي البريء وهي تدلف للداخل بفرحة عارمة وعلى وجهها ابتسامة توحي إلى شدة سعادتها وهي تتحدث إلى جدها: "نجحت يا جدي، طلعت الأولى على محافظة سوهاج كلها."
ابتسم لها جدها وتحدث بسعادة لسعادتها: "مبروك يا بتي."
دلف زيدان مصطحباً ورد في محاولة منه بإذابة جبل الجليد الذي يفصل بينهم، وتحدث زيدان بسعادة إلى أبيه ووالدته: "شفتوا صفا عملت إيه، طلعت الأولى على المحافظة كلها."
وقفت رسمية تحتضن صغيرة ولدها وتحدثت: "ألف مبروك يا غالية، ألف مبروك."
ثم وجهت حديثها إلى زيدان قائلة بحديث ذات مغزى: "مبروك يا زيدان، عقبال ما أبارك لك على الخبر الزين اللي هيفرح قلبي بجدم."
نظرت لها ورد والحزن خيم على وجهها، فبرغم مرور تلك السنوات الطويلة إلا أن والدة زوجها لم تكل ولم تمل من عرض فتيات على زيدان من أجل الزواج بإحداهن حتى يجلب لها الحفيد الذكر التي تتمناه لنجلها الحبيب، وبالتالي علاقتها سيئة للغاية بورد لتوهمها أنها هي التي تؤثر وتضغط عليه كي لا يتزوج وينجب الذكر المنتظر.
اقترب زيدان من ورد ولف ذراعه حول كتفها محاوطاً إياها برعاية وتحدث إلى والدته: "وهو فيه أكبر من كده خبر يفرح القلوب يا أمي؟"
تحدث عتمان إلى ورد كي يطيب خاطرها: "مبروك يا بتي، عجبال ما تجوزيها وتفرحي بيها."
أجابته ببشاشة وجه: "في حياتك وفي خيرك إن شاء الله يا عمي."
هز رأسه وتحدث مبتسماً: "تعيشي يا بتي."
ثم حول بصره إلى زيدان وتحدث بنبرة جادة: "اتصل على قاسم يا زيدان وخليه يقدم لها في الكلية بتاعته."
نظرت إليه جدها وتحدثت بتصحيح: "بس إني إن شاء الله هدخل كلية الطب يا جدي."
نظر إليها عتمان وأجابها بهدوء: "مهينفعش يا صفا، أني رايدك تدخلي الكلية اللي اتخرج منها قاسم، ليا غرض في كده."
ابتسمت فايقة وصوبت بصرها إلى ورد بتشفي وشماتة.
أما ورد التي نظرت إلى زيدان وطالعته بنظرات مرعبة، فتحدث زيدان إلى والده: "كيف يعني مهينفعش يا أبوي، البت طالعة الأولى على المحافظة وكمان هي نفسها تبقي دكتورة."
تحدثت رسمية وهي تنظر إلى صفا بحنين وابتسامة: "اسمعي كلام جدك يا صفا، جدك بيحبك ورايد لك الخير، وحديثه ده فيه خير كتير جوي ليكي."
نظرت صفا إلى والدها وكأنها تستنجد به، كاد زيدان أن يتحدث.
دَق عتمان الأرض بعصاه وتحدث بنبرة حادة: "خلاص يا زيدان، إني جلت كلمتي في الموضوع وانتهى الأمر."
وأكمل أمراً وهو يتجه إلى حجرته: "تعالّ وراي إنتَ وقدري، عايزكم في موضوع."
دلفت ثلاثتهم للداخل، أما رسمية التي اتجهت إلى صفا المذهولة وأخذتها داخل أحضانها وتحدثت: "تعالي في حضن جدتك يا زينة الصبايا."
أما فايقة التي نظرت إلى ورد وهي تطالعها بنظرة شامتة متعالية وتحدثت بابتسامة ساخرة: "مبروك لصفا يا ورد، عقبال جوازها."
طالعتها ورد بنظرات حارقة وتحدثت بحدة: "الله يبارك فيكِ يا سلفتي."
نظرت إلى ابنتها وتحدثت بنبرة جامدة: "يلا بينا على بيتنا يا صفا."
خرجت صفا من أحضان جدتها وتحركت بجانب والدتها بتيه وشرود وصدمة، غير مستوعبة ما حدث حولها منذ قليل.
***
أما بالداخل تحدث عتمان إلى زيدان كي يطيب خاطره: "متزعلش حالك يا زيدان، أنا كمان زيك يا ولدي كنت حابب صفا تدخل الطب وتبقي دكتورة جد الدنيا،" وأكمل بتساؤل وهو يهز رأسه بتريس: "بس هو ينفع إن الحرمة تبقي أعلى من راجلها في العلم؟"
ضيق زيدان عينيه مستغرباً حديث والده فأكمل عتمان بنبرة صادقة شعر بها زيدان: "تعرف يا زيدان، أنا مخافش على حد في الدنيا دي كلها جد ما أنا خايف على صفا،" وأكمل مهموماً ينظر أسفل قدميه: "إكمن يعني ملهاش أخ تتسند عليه، وعشان كده أنا اخترت لها راجل زين وشديد، لجل ما يكون سندها وحمايتها من غدر الزمن."
نظر لوالده وتحدث باعتراض: "بس إني بنتي لسه صغيرة على الكلام ده يا أبوي، وبعدين ليه نكسروا نفسها ونهد أحلامها."
تحدث قدري إلى زيدان متلهفاً: "لا صغيرة ولا حاجة يا زيدان، البت زينة وجسمها شديد يتحمل الجواز والخلفة."
ثم حول بصره إلى أبيه وأردف قائلاً بنبرة خبيثة مع أنه يعلم علم اليقين من هو العريس المنتظر: "يطلع مين ده اللي أمه داعية له اللي جرت تدي له صفا يا أبوي؟"
تحدث إليه عتمان باستحسان: "هو ده السؤال الزين اللي لازم يتسأل دلوقتي يا قدري، العريس اللي اخترته لصفا ربّاية يدي، قاسم ولدك، سَبْعي وسبع العيلة كلها."
انفرجت أسارير قدري وتحدث بلهفة ظهرت بعينيه استغربها زيدان: "يا زين ما اختارت لابني يا أبوي."
ثم حول بصره إلى زيدان وتحدث بنبرة زائفة: "وأني وولدي هنتجوزها بالذهب يا زيدان، صفا تستاهل الدنيا بحالها."
نظر له زيدان وتحدث بعرفان: "تشكر يا قدري، بنتي اتجوزها بالذهب وأديها لقاسم عن طيب خاطر."
ثم نظر لأبيه قائلاً بنبرة مهمومة: "بس إيه المانع إن صفا تتجوز قاسم وفي نفس الوقت تدخل كلية الطب؟"
تحدث إليه الجد بهدوء: "والله لو قاسم وافق كده يبقى أنا كمان معنديش أي مانع."
هتف قدري مسرعاً باعتراض: "مهينفعش يا أبوي، كيف يعني ابني هيوافق إن مرته تبقي أعلى منه؟"
"ملكش صالح إنتَ يا قدري، أنا هتصل بقاسم وأشوف رأيه إيه،" جملة قالها الحاج عتمان بنبرة صارمة.
❈-❈-❈
ليلاً.
داخل غرفة قدري وفايقة.
كانت تجلس فوق مقعدها الهزاز الخاص بها تتمايل فوقه بدلال وتستمع بسعادة إلى قدري وهو يقص على مسامعها ما دار بينه وبين أبيه وشقيقه.
هتفت بنبرة متلهفة وهي تمسك بهاتفها: "يبقى أنا لازم أتصل بقاسم حالاً وأنبهه قبل ما جده يكلمه ويأثر عليه ويخليه يوافق."
وأكملت بفحيح: "وساعتها بت الرجايبة هتتفرد وتشوف حالها علينا أكتر وأكتر لما بنتها تبقي دكتورة جد الدنيا."
أجابها قدري بابتسامة رجل منتصر: "أني مفارقش معايا لت الحريم بتاعكم ده،" وأكمل بنبرة مليئة بالحقد: "أني كل اللي فارق معايا إن ابني يتجوز صفا وكل اللي جمعه زيدان طول السنين اللي فاتت من أموال وأراضي يصب في النهاية في حجر قاسم وحجري."
أطلقت ضحكة باتساع وأردفت قائلة بنبرة متشفية: "طب دي أكتر حاجة مكيفاني في الموضوع كله هي إن جرى زيدان وشجاه طول السنين اللي فاتت واللي جايه كمان هاخده قاسم ويهتني بيه، وبنته هتبقي تحت يد قاسم ويديه."
وأكملت بغل وغيره: "وده اللي كان مصبرني وحماني من جهرت قلبي كل ما كنت أشوف تجارته بتكبر وعيشته هو والحرباية اللي اسمها ورد بترتاح كل مادا أكتر وأكتر."
اقترب منها وحاوط خصرها وتحدث برغبة ظهرت بعينيه: "طب طالما فرحانة كده ما..."
لم يكمل جملته لنفضه ذراعيه وابتعدها عنه سريعاً كمن لدغتها عقرب وأردفت قائلة بنبرة تحججية: "وده وقت مسخرة بردك يا قدري،" وأكملت مفسرة بنبرة زائفة: "بقولك لازم نكلموا الواد لجل ما ننبهه قبل ما جده يسبقنا ويكلمه، تجولي أبصر إيه ومدرك إيه."
رمقها بنظرة ساخطة تلاشتها هي ثم بادرت سريعاً بالضغط على زر الاتصال وانتظرت إجابة ولدها.
❈-❈-❈
كان يجلس هو وإيناس حول إحدى الطاولات يتناولان وجبة عشائهما داخل إحدى المطاعم الشهيرة بالقاهرة.
استمع لرنين هاتفه نظر بشاشة هاتفه الموضوع أمامه فوق المنضدة، وجدها والدته فابتسم إلى إيناس وتحدث باعتذار: "معلش يا حبيبتي دي أمي ولازم أرد، لأني لو مردتش هتفضل تتصل ومش هترتاح غير لما تسمع صوتي."
ابتسمت له بمجاملة وأردفت قائلة: "أوكي يا حبيبي ولا يهمك."
ضغط زر الإجابة ورد قائلاً بهدوء: "كيفك يا أمي؟"
أجابته وبعدما اطمأنت عليه أخبرته بما قرره جده وأمرته باستماة بألا يوافق على التحاق صفا بكلية الطب وإلا ستغضب عليه.
كان يستمع لها بهدوء تام غير متفاجئ بالمرة، ولما يتفاجئ وهو كان يستشعر وينتظر ذاك القرار منذ الكثير.
انتظر حتى انتهت من حديثها بالكامل، ثم أجابها بنبرة تهكمية: "والله عال، طب والله كتر خيره جدي إنه تعب حاله وياخد رأيي في كليتها،" وأكمل بنبرة غاضبة: "الظاهر كده إن جدي مبقاش عامل لوجودي أي حساب، ده جرّر عني وأدى كلمته لعمي من غير حتى ما يستشرني ولا ياخد رأيي، ولا كأنه الموضوع يخصني."
تحدثت فايقة بتملل: "اسمع يا قاسم عشان تريح حالك وتريحنا معاك، موضوع جوازك من صفا ده محسوم أمره وأني وأبوك موافقين، وإنتَ كمان لازم توافق لأنه فيه خير كتير ليك ولينا كلياتنا."
أجابها بتملل وضجر: "بصي يا أمي ومن الآخر كده، أنا مليش صالح بلعبة القط والفار اللي بينك إنتِ وأبوي وبين عمي ومرته، وياريت بقا تخرجوني من مشاكلكم وحسباتكم دي كلها، لأني مش هبقى طرف فيها حتى لو على رقبتي."
هتفت فايقة بنبرة غاضبة: "كنك اتجننت يا قاسم."
جذب قدري الهاتف منها وتحدث بنبرة حادة تنم عن مدى غضبه: "جري إيه يا قاسم، منشف راسك ومهتسمعش الكلام ليه يا ولدي، جدك جلت كلمته وجرّر إنك الوحيد اللي هتقدر تصون بت عمك وتحميها من غدر الزمان، وإحنا لازم نطيعوه لأن قراره ده فيه خير كتير ليك."
أجابه قاسم بنبرة حادة: "يروح يجوزها لفارس أخوي ولا حتى ليزن واد عمي منتصر، لكن أنا مهكونش تابع لرأي حد، ومهتجوز غير واحدة يشاور عليها قلبي قبل عيني."
نهرَهُ قدري قائلاً بنبرة صارمة: "إياك يا واد تفكر حالك كبرت عليا وفيك تعصي أوامري وأوامر جدك، ده إنتَ تبقى غلبان قوي يا واد فايقة، ولازم تعرف إن الجوازة دي لو متمتش كيف ما أنا عايز لا إنتَ ولدي ولا أعرفك،" وأكمل مهدداً بصياح: "وأني وجدك هنتبروا منك ومليكش عندنا لا ورث ولا دية، ومن الصبح تفضي الشقة اللي إنتَ قاعد فيها والمكتب والعربية، أظن ما إنتَ خابر إنهم باسم جدك يا حزين."
وأغلق الهاتف في وجهه دون إضافة حرف آخر، ودون إعطاء ولده حق الرد.
تأفف قاسم، فتساءلت تلك التي توقفت عن تناولها للطعام وجلست تتسمع عليه وتراقب حديثه وانفعالات وجهه.
وتساءلت باستفسار بنبرة مرتعشة: "فيه إيه يا قاسم، إيه اللي حصل خلاك تتنرفز أوي كده؟"
زفر بضيق ومسح على وجهه في محاولة منه لضبط النفس وأجابها بلكنة صعيدية: "مفيش حاجة يا إيناس، حكاية ملخبطة كده ويا جدي وهحلها قريب إن شاء الله."
تحدثت باستماسة وفطنة: "أرجوك يا قاسم متخبيش عليا واحكي لي إيه اللي حصل، أنا قدرت أفهم من كلامك مع مامتك إن الموضوع يخص جوازك، وأظن ده موضوع يخصني زي ما يخصك بالضبط، فلو سمحت ياريت تحكي لي اللي حصل وتحطني معاك في الصورة."
فاستسلم قاسم بالآخر وتنهد وقص على مسامعها كل ما دار بينه وبين أبيه من خلال تلك المحادثة.
انتهى من سرد التفاصيل ونظر لها يترقب ردة فعلها على ما قام بقصه على مسامعها.
أما إيناس ف...
يتبع..
•
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الخامس 5 - بقلم روز امين
وما أن انتهى قاسم من سرد التفاصيل حتى نظر إليها يترقب ردة فعلها على ما قام بقصه على مسامعها منذ قليل.
أما إيناس فظلت تستمع إليه بملامح وجه مبهمة، ثم تحدثت بتعقل ومنتهى هدوء:
"طبعاً التصرف الوحيد اللي المفروض إني أعمله حالياً هو إني أقويك وأقول لك متوافقش على قرار جدك مهما حصل."
واسترسلت حديثها بتعقل وهدوء استغربه قاسم:
"لكن أنا عمري ما هعمل كده يا قاسم لسبب واحد."
وأكملت بنظرات هائمة مصطنعة:
"لأني بجد بحبك وأهم حاجة عندي هي مصلحتك حتى لو كانت على حساب جرح مشاعري."
أخذت نفسًا عميقًا وشبكت كفي يديها وقامت بوضعهما أمامها فوق المنضدة، ثم أردفت قائلة بنبرة جادة عملية:
"خلينا نتريس ونتكلم بالعقل يا قاسم. أنا من خلال حكمي على شخصية جدك اللي كونته بناءً على كلامك اللي أنت حكيته لي عنه قبل كده، أقدر أؤكد لك إنه مينفعش حد يقف قدام قراراته ويعترض على كلامه."
وأردفت بأسى:
"وللأسف، من الواضح كده إنه أصدر قراره بخصوصك وانتهى الأمر."
وأكملت بنبرة تهديدية:
"لازم تعرف يا قاسم إنك لو عارضت جدك أنت الوحيد اللي هتخسر."
وأكملت بدهاء وحكمة:
"جدك شخص ذكي وعنيد لأبعد الحدود، عشان كده لازم له تخطيط صح عشان تتقي شره وغضبه، وعشان كده لازم تلاعبه بذكاء وتحبك له قصة معقدة تقدر من خلالها تقنعه برفضك للجوازة دي وبكل بساطة."
ورفعت سبابتها في الهواء وأكملت:
"وإلا مصيرك هيكون زي مصير عمك زيدان اللي أنت بنفسك حكيت لي عنه، وقلت لي عقابه كان قد إيه قاسي لمجرد بس إنه مسمعش كلامه واتجوز على مراته، وساعتها أنت كمان هتخسر كل حاجة زيه بالظبط."
كان ينظر إليها بتيه مشتت العقل والكيان، صدقًا معها كل الحق.
أكملت هي بذكاء لإرعابه والضغط على عزيمته:
"عمك زيدان الحظ كان حليفه، وتجارته اللي بدأها من تحت الصفر كبرت بسرعة البرق. لكن إحنا يا حبيبي مش مستعدين نجازف بمستقبلنا اللي عملناه ونخسر حقك وحق أولادنا اللي هييجوا بالسهولة دي."
ضيق ببن عينيها وتساءل عن ما تقصد بحديثها ذاك:
"أنا مش فاهم إنتِ تقصدي إيه بالظبط بكلامك ده يا إيناس؟ إنتِ عايزاني أتجوز صفا؟"
فأجابته بذكاء وخُبث:
"عايزاك لما جدك يسألك عن موضوع دخول بنت عمك كلية الطب تقول له إنك موافق ومعندكش أي مانع. واتحجج بتأجيل الجواز لبعد البنت ما تخلص كليتها."
وأكملت وهي تشيح بيدها بلامبالاة:
"قول له إنك خايف على مصلحتها وخايف كمان من إنها متعرفش تركز في دراستها بسبب الجواز، وده طبعًا بسبب إن دراسة الطب صعبة جدًا ومحتاجة تركيز عالي، وإستحالة ده هيتحقق بعد الجواز."
وأكملت بدهاء مُحكم:
"ووقت الجواز اللي هو بعد ما تكون خلصت جامعتها، هييجي يطلب منك إنك تحدد ميعاد الفرح عشان تتمم جوازك منها."
وأبتسمت ساخرة وأردفت بغرور:
"وساعتها بقا هترمي له القنبلة الكبيرة اللي هتزلزل عرشه وتخليه واقف قدامك وهو متكتف."
وأكملت وهي ترفع قامتها لأعلى وتمثل التأثر:
"هتقف قدامه وتفاجئه وتقول له بكل تأثر وعيون حزينة، أنا حقيقي آسف يا جدي، كان نفسي أنفذ لك أوامرك، بس أنا لما راجعت نفسي كويس لقيت إني مش قابل على رجولتي ولا كرامتي إني أتجوز واحدة تعليمها وتصنيفها المجتمعي أعلى مني."
وأكملت بتأكيد:
"وأكيد وقتها هيقتنع بكلامك ويشوفه مظبوط جدًا، وبكده تكون خلصت نفسك من التدبيسة السودة دي وطلعت منها بدون أي خسائر."
كان يستمع لها بذهول واشمئزاز، هز رأسه برفض تام وأجابها بإستنكار:
"أنا لا يمكن طبعًا أوافق على الكلام الفارغ ده. دي خطة دنيئة وأساسيتها بتعتمد على الغش والتلاعب، وأنا عمري ما كان ليا في الأساليب الرخيصة دي وإنتِ عارفه كده كويس."
تفت بنبرة تعقلية:
"مش أحسن ما يحرمك من ورثك ويسحب منك المكتب اللي عملهولك بفلوسه؟ وقتها يا متر مش هنعرف حتى نأجر شقة نتجوز فيها؟"
وأردفت قائلة بنبرة صارمة:
"دي حرب من أجل البقاء يا قاسم والحرب خدعة، وجدك هو اللي ابتدى بحربه الباردة وبالتهديد بسحب كل امتيازاتك."
أجابها رافضًا بقوة:
"متحاوليش تقنعيني بحاجة ضد مبادئي وعمرها ما هتحصل. أنا لو عملت اللي بتقوليه ده هحتقر نفسي كل يوم ألف مرة."
وأكمل بملامح وجه مشمئزة:
"إزاي أغش بنت بريئة زي صفا وأدخلها في لعبة قذرة لمجرد إني أنول رضا جدي وأطلع من الموضوع بدون خسائر؟"
وأردف متعجبًا بنبرة لائمة:
"للأسف يا إيناس، إنتِ فكرتي إزاي نتلاشى ونتجنب الخسارة المادية، لكن نسيتي تحسبي خسارتي المعنوية والأخلاقية."
وأكمل بإشمئزاز من حاله:
"أنا لو فعلاً عملت في بنت عمي كده مش هقدر أحترم نفسي وأبص لانعكاس شكلي تاني في المراية."
ابتسمت بجانب فمها وأردفت قائلة بنبرة ساخرة:
"إنتَ ليه محسسني إن بنت عمك دي هتحبك وتتعلق بيك وياحرام هتتصدم وتتوجع وتتقهر لما سيادتك تقرر تسيبها؟"
واكملت بإستهجان:
"دي مجرد بنت صغيرة يا قاسم. يا ابني دي واحدة جايبة مجموع طب، يعني من الآخر كده موس مذاكرة."
وأكملت بإستخفاف لمشاعر صفا:
"بمعني أدق دحاحة ومعندهاش وقت للمشاعر أصلاً، ولسه كمان لما تدخل كلية الطب وتتسحل فيها، دي مش هيبقى عندها وقت تفتكر فيه حتى اسمك."
وأكملت بدهاء لإقناعه:
"ثم إنتَ ليه بتبص على الموضوع من ناحية إنك بتأذيها. بص له من الناحية الإيجابية، وهي إنك الشخص الوحيد اللي هتقدر تساعدها في تحقيق حلمها."
ضيق عيناه مستغربًا حديثها فأكملت هي مفسرة:
"تقدر تقولي لو إنتَ رفضت موضوع جوازك منها هيكون مصيرها إيه؟"
وأكملت بذكاء:
"خلينا أنا أقول لك اللي هيحصل. ببساطة كده جدك هيجوزها لأخوك أو ابن عمك زي ما أنتَ بنفسك لسه قايل ده لبباك في مكالمتك معاه. يعني البنت حلمها هيضيع ويتدمر يا قاسم. وتحقيقه أصبح في إيدك أنت وبس."
وأكملت بتأكيد لتنويم ضميره:
"يعني زي ما أنت هتستفيد هي كمان هتستفيد وأكتر منك كمان."
ظلت تتحدث إليه وتبرر له شرعية مخططها الأناني الخالي من أي أخلاق، وبدأ هو باقتناعه بصحة حديثها رويدًا رويدًا. وبرغم عدم موافقته على تلك الخطة إلا أنه لم ير لها بديلاً كي يخرجه من تلك الحفرة التي وضعه بها عثمان بتحكماته وتسلطه وتجبّره. وهذا إذا أراد الخروج من عباءة جده وتحكماته.
نفض رأسه من تلك الأفكار ثم تحدث بتساؤل جاد كي يجعلها تستفيق من غفوتها تلك:
"طب خليني فقدت عقلي واتزاني ووافقتك على خطتك المجنونة دي، تعرفي ده معناه إيه يا أستاذة؟"
قطبت جبينها وانتظرت باقي حديثه فأكمل هو بنبرة معترضة:
"معناه إننا مش هنتجوز غير لما صفا تخلص كليتها واللي هي سبع سنين. إنتِ متخيلة يعني إيه هنقعد من غير جواز سبع سنين؟"
وأكمل لينبهها:
"يا إيناس إنتِ عندك 23 سنة، يعني بعد سبع سنين هيكون عندك 30 سنة، إنتِ مدركة للجزيئة دي؟"
تنهدت وتحدثت بهدوء وهي تفكر بأمواله وأموال جده الطائلة التي ستظفر بها مؤخرًا وتحيي بها حياة الأميرات بعد معاناتها التي عاشتها من قبل:
"للأسف يا حبيبي، مفيش في إيدينا حل تاني، لازم نصبر ونتحمل عشان ننول رضا جدك علينا."
نظر لها مطولاً متعجبًا لأمرها ثم هز رأسه بنفي وأردف قائلاً بنبرة قوية رافضة:
"إنسي التخاريف اللي قولتيها دي كلها يا إيناس. أنا لا يمكن أعمل كده في عمي اللي طول عمره بيعاملني على إني ابنه اللي مخلفهوش."
وأكمل بقوة وإصرار ظهر بمقلتيه:
"أنا هروح لـ جدي وهواجهه بكل قوتي ويعمل اللي عاوز يعمله."
تفت بنبرة غاضبة مستوحشة:
"وهتسيب له المكتب اللي ليك خمس سنين بتبني فيه يا قاسم؟ هتقف تتفرج على حلمك وشغلك وتعب السنين وجدك بيهده لك قدام عينك؟"
"هنبدا مع بعض تاني من الصفر وهنبني روحنا بروحنا." جملة قالها قاسم ليطمئن روحها.
صاحت به بغضب وكأنها تحولت إلى غول:
"وأنا مش موافقة يا قاسم. أنا مش مستعدة أجوع وأبدأ من الصفر تاني."
أمسكت كف يده الموضوع فوق المنضدة واحتضنته برعاية وتحدثت وهي تتوسل لعينيه:
"صدقني يا قاسم أنت مش قد الجوع والعوزة، مش هتقدر تستحمل. اسألني أنا."
وأكملت بغشاوة دموع صادقة تكونت داخل مقلتيها:
"مالك بالجوع والعوزة إنت يا ابن الذوات، إنت واحد مولود وفي بقه معلقة دهب. تعرف إيه إنت عن الجوع يا قاسم، عارف يعني إيه يبقى نفسك في الحاجة ومتطولهاش، نفسك في أكلة حلوة ومتقدرش تاكلها لأن ببساطة معكش تمنها."
وأكملت بدموع حقيقية وقلب يتمزق:
"أنا تعبت كتير أوي في حياتي مع أهلي يا قاسم. دوقت العوز والحوجة والجوع، ومصدقت إني خلصت من الشعور ده ونسيته من وقت ما اشتغلت وكبرت معاك."
وشددت على يده بقوة وأردفت بتوسل ودموع تقطع أنياط القلب:
"أرجوك يا قاسم متخلنيش أعيش التجربة المرة وأدوق العذاب ده تاني، أرجوك."
كان ينظر لها بقلب مفطور لأجلها، تعاطف معها لأبعد الحدود وأردف قائلاً وهو يحسها على التوقف عن نوبة البكاء المريرة التي دخلت بها:
"اهدي يا إيناس من فضلك وبطلي عياط."
ثم نظر حوله يتطلع إلى الأشخاص المحيطين به داخل المطعم وهم يترقبون وينظرون بأعينهم إلى تلك المنهارة.
ثم أردف متعاطفًا:
"الناس بتبص علينا. من فضلك اهدي وأنا هعمل لك كل اللي إنتِ عايزاه."
انتفض داخلها بسعادة وتساءلت بلهفة:
"بجد يا قاسم، يعني هتكلم جدك وتقوله إنك موافق؟"
كان يشعر بتمزق وحرب شرسة دائرة بداخله، حرب بين الضمير والبقاء. وللأسف انتصر داخلة حب الذات مثله مثل كثير من البشر إلا من رحم ربي.
دقق النظر إليها بتشتت وهز رأسه بإيجاب متحدثًا بهدوء وتردد:
"حاضر يا إيناس، حاضر."
ضحك وجهها بسعادة وتحدثت بنبرة شاكرة وكأنها تحلق فوق السحاب من فرط سعادتها:
"ربنا يخليك ليا يا حبيبي."
ابتسم لها ابتسامة خافتة تدل على عدم راحته ثم أكمل عشائهما بتشتت وعاد هو إلى سكنه الفخم بعد أن أوصلها لمسكنها.
***
داخل منزل زيدان.
كانت تجلس بغرفتها تبكي بحرقة قلب، حزن عميق أصاب داخلها جراء أحلامها التي تسربت من بين يديها وتبخرت بين ليلة وضحاها. وخصوصًا بعدما استنجدت بوالدها وطلبت منه العون والوقوف بوجه جدها ومحاولة إقناعه، فأبلغها زيدان أن جدها ما زال يفكر في الأمر وبالتالي عليها ألا تقلق. ولن يبلغها بالتأكيد حديث أبيها عن انتوائه لخطبتها من قاسم.
أما بحجرة زيدان، كانت تجاوره تختهما وهي تبكي وتنتحب وأردفت قائلة بمرارة:
"أني مجدارة أفهم لحد دلوقتي كيف طاوعك جلبك تكسر فرحة بنتك وتوافق أبوك على حديته ده."
وأكملت بصياح وعدم تقبل للوضع:
"كيف يعني مستقبل بنتي وتحديد مصيرها يتحط في يد قاسم؟"
تنهد بألم متحدثًا إليها ليهدئ من روعها:
"متسبقيش الأحداث وتجري البلا جبل وجوعه يا ورد. قاسم راجل صح ومحترم وعقله واعي وأكيد هيوافق إن صفا تقدم في كلية الطب."
أجابته سريعًا بتيقن:
"ده لو كان الجرار جراره ومن راسه يا زيدان."
وأكملت بتساؤل حزين:
"فكرك يعني قدري وفايقة هيسيبوه يوافق بالساهلة دي ويخلوني أفرح ببنتي؟"
أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه لتيقنه من صحة حديثها، ثم تحدث بقوة وتمرد ظهر بعينيه:
"لو اللي بتقولي عليه دي هتوصل لتكون أنا اللي هقف في وش المدفع وهحمي بنتي بكل قوتي."
وأكمل بنبرة حزينة:
"حتى لو كانت دي هتبقى النهاية بيني وبين أبويا."
نظر بعينيها وأخبرها مؤكدًا:
"عايزك تتأكدي إن عمر مهخلي بنتي تتكسر وأبوها لساه عايش على وش الدنيا."
ثم نظر أمامه وأكمل بنبرة بها جبروت مدفون:
"ما عاش ولا كان اللي يذلك ويكسر فرحتك يا بت زيدان."
ثم التفت لتلك المنتحبة وسحبها وأدخلها لداخل أحضانه بحنان.
وأردف قائلاً بهدوء:
"اطمني واهدي يا حبيبتي وحاولي تنامي لك شوية لجل ترتاحي. عيونك دبلت من كتر البكا."
لم تنطق بحرف بل ظلت تبكي ويواسيها هو حتى غفت بين أحضانه ودثرها داخل الغطاء بإحكام وغفى بجانبها بعد تفكير دام لساعات، وذلك جراء حزنه الشديد على ما حدث لابنته وشعوره بالضعف المهين أمام صغيرته وهو يقف مكتوف الأيدي أمام ضياع مستقبلها وقبوله لأوامر والده بكل رضوخ وخنوع. ولكن كفا، لم يسمح لحاله بالرضوخ ولا بالاستسلام بعد. هو فقط سينتظر إجابة قاسم على جده، وإن لم تكن بالإجابة المنصفة والعادلة لصغيرته، قسماً سيحرق الأخضر واليابس لأجل عيناي تلك صفا.
***
بنفس التوقيت.
دلفت مريم إلى مسكن عمها قدري بعدما استقبلتها فايقة، وتحركت مباشرة باتجاه غرفة ليلي المتواجدة داخل مسكن والدها، حيث أن كل رجل منهم يحتضن ابنته داخل مسكنه الخاص للتأكد من حمايتها. أما الشباب فلكل منهم غرفته المستقلة بالطابق الثالث عدا قاسم التي تتواجد غرفته والمسكن المخصص له بعد الزواج بالطابق الثاني.
دلفت مريم إلى غرفة ليلي وجدتها تجلس فوق تختها، ممسكة بقنينة طلاء الأظافر وتضع منه فوق أظافر قدميها وهي تتمايل وتتراقص بجسدها بتناغم وتماشي مع عزف الموسيقى التي تستمعها من جهاز سماع الموسيقى الموضوع بجانبها.
جلست مريم بجوارها بوجه عابس وتحدثت بنبرة يكسوها الحزن:
"رايحة جوي وعمالة ترقصي وكمان بتحطي مانيكير."
ضحكت بتشفٍ وأجابتها بنبرة حقودة وهي ترفع حاجبها:
"ومالُيش أرقص ليه؟ واللي كان نفسي فيه حصل، وبنت ورد شوكتها اتكسرت، ووجعت على جدور رقبتها واتذلت بعد ما كانت عايشة لنا في دور الدكتورة وشايفة حالها علينا هي وأمها من دلوقتي."
تنهدت مريم بضيق وتحدثت بنبرة مهمومة:
"أني خايفة جوي يا ليلي. مطمنانيش لحديت جدي اللي جاله النهارده."
وأكملت بتساؤل قلق:
"إشمعنى يعني اختار لها تدخل الكلية اللي اتخرج منها قاسم بالذات؟"
ضحكت ليلي وأجابتها بنبرة ساخرة:
"معرفش صح ولا مقدرتش تنطقيها يا مريم. دي حاجة باينة كيف عين الشمس. جدي جرّ يجوّز صفا لقاسم."
ارتعب داخل مريم واكفهرت ملامحها في حين تحدثت ليلي قائلة باطمئنان:
"بس أني ما يعزاكيش تقلقي. بنت ورد ماهيش في دماغ أخوي قاسم من الأساس."
ولا أنتِ كمان. وأطلقت ضحكة ساخرة استفزت بها مريم.
أردفت مريم قائلة بتمني:
"بس أني حاسة إن جدي غرضه من كده حاجة تانية."
ضيق ليلي بين حاجبيها وتساءلت مستفسرة:
"وتطلع إيه الحاجة التانية دي يا أم العريف؟"
أخذت نفسًا عميقًا وزفرته وأردفت قائلة بهدوء:
"كلياتنا عارفين زين كيف جدي بيحب قاسم وبيعتبره كيف ولده مش بس حفيده الكبير. وجدي ما يرضاش حد مني أنا نعلّي على مجموع قاسم، ولجل كده بالخصوص هو ما رضاش إن صفا تبقى دكتورة وأعلى من حفيده البكري."
وأكملت بارتياح واطمئنان لا تدري من أين مصدرهما:
"وزي ما كلنا عارفين العادات هنا زين. الحفيد الأكبر بيتجوز الحفيدة الأكبر سنًا. وأكملت بابتسامة هائمة ارتسمت على محياها وهي تشير على حالها بسعادة: واللي هي أنا يا ليلي، مش صفا كيف ما قلتي."
نظرت لها ليلي وفي لحظة دب الرعب داخل صدرها، انتفض قلبها واكفهرت ملامح وجهها بعبوس وتحدثت بنبرة مرعبة:
"دي تبقى وجعة مربربة لو جدي طلع بيفكر كده صح."
ابتسمت مريم وأردفت قائلة بنبرة ساخرة:
"وقتها الاحتمال الأكبر إن صفا هتكون من نصيب يزن أخوي، عشانها يعني وحيدة وجدك مهيطلعش من عمك زيدان بره البيت."
وما أن دلت بدلوها بتلك الكلمات حتى تحول وجه تلك ليلي للغضب التام وتحدثت بفحيح وشر:
"الله في سماه لو جدي عمل كده، لولع لهم في بت ورد وهي لابسة فستان فرحها. وبدل ما تبقى ليلة دخلتها هخليها لهم ليلة خروجها."
***
ظهر اليوم التالي.
وبالتحديد داخل غرفة الحاج عتمان.
كان يجلس فوق تخته يفكر بشرود. قاطع شروده دلوف رسمية إليه وجلوسها بجانبه وبعد مدة تحدث هو إليها:
"بقولك إيه يا رسمية، أني كنت بفكر في موضوع كده شاغل بالي بقى له فترة ووصلت فيه لحل زين، بس محتاج لك وياي لجل ما يتم."
تمردت عليه بلهفة وطاعة:
"عيني يا حاج، أمرني يا أخوي."
ابتسم لها وأردف قائلاً بحنو:
"تسلم عينك يا بت الأصول."
وأكمل وهو مطأطئ الرأس بنبرة حزينة:
"أني ماهخبيش عليكي يا رسمية، أني بقى لي فترة ضميري بيأنبني لجل اللي عملته في زيدان زمان. كيف جدرت أحرمه من مالي وأحرم خيري عليه هو وبنته ومرته؟"
وأكمل بنبرة متألمة وعيون منكسرة:
"كيف سمحت لحالي أقعد آكل على السفرة ولمم عيالي وأحفادي حوالي وأعزهم وأغلاهم مجاعدش جاري؟ كيف حرمت صفا من إحساسها بالدفء وسط أهلها وناسها، كيف جدرت أحرمها من إنها تحس بعزوتها وتفتخر بيهم؟"
تأثرت رسمية بحديثه حتى أن دموعها العزيزة الأبية انفرطت وزرفت رغما عنها.
وتحدثت لترفع عنه كاهل حزنه:
"هون علي حالك يا ولد عمي، اللي حصل حصل والعند والشيطان دخلوا بيناتنا وفرجونا عن ولدنا."
تنهد مهمومًا ثم أخذ نفسًا عميقًا وزفره وتحدث بنبرة جادة:
"لجل كده أني فكرت ولجيت حل زين يعدل الميزان، وفي الوقت ذاته ما يجللش من كرامتي ويهز كلمتي اللي جلتها قبل سابق."
تساءلت بترقب:
"حل إيه ده يا حاچ؟"
نظر لها بتمعن قائلاً:
"أني عايزك تكتبي العشرين فدان اللي ورثتيهم عن عمي الله يرحمه لصفا. وأنا هكتب لك غيرهم من أرضي من غير ما حد يدري، وبكده أبقى رضيت ربنا وسكت ضميري اللي ماهيريحنيش واصل. وأديت لزيدان حقه في ورثتي من غير ما أرجع في تهديدي ليه."
وأكمل:
"وأني هبقى أحط لصفا قرشين باسمها في البنك لجل ما أضمن لها مستقبل زين وأكون وفيت بديني في حق زيدان للآخر."
نظر إليها مترقبًا قرارها فهتفت رسمية بإستحسان:
"عين العجل يا ولد عمي، كلامك زين."
اطمأن بموافقتها وهز لها رأسه وهتف قائلاً:
"ناوليلي التلفون ده لجل ما أتصل بقاسم وأخليه يجي بكرة عشان أخبره بموضوع جوازه من صفا وأخد رأيه في الكلية اللي هي ريداها."
أطاعته وأخذ هاتفه وتحدث إلى قاسم وطلب منه الحضور في الصباح الباكر، وكالعادة أطاعه قاسم باحترام.
***
في الصباح الباكر.
توجهت صفا إلى الخارج بعدما قررت عدم الاستسلام والرضوخ للأمر المفروض عليها. ذهبت متجهة إلى أمام المسجد المجاور لمنزل والدها كي تشتكي له همها بحكمه صديقًا مقربًا لجدها ويحترمه عثمان كثيرًا ويقدره.
طلبت العون منه والتدخل والذهاب إلى جدها لمحاولة إقناعه كي يسمح لها بالالتحاق بكلية الطب وتحقيق حلمها بأن تصبح طبيبة وتداوي جراح المرضى وتسكن آلامهم بفضل الله. وبالفعل انصاق الشيخ إلى رغبتها وذهب على الفور إلى منزل جدها للتحدث إليه.
تحدث الحاج عتمان إلى الشيخ حسان بنبرة صوت موقرة لهذا الشيخ الجليل وذلك بعدما استمع منه لطلبه:
"خطوتك تعز علي يا شيخ حسان، وعشان كده أني هقول لك على اللي في دماغي ومش هداريه عليك."
وأكمل بنبرة محملة بالهموم:
"إنت خابر زين إن صفا وحيدة وما لهاش ضهر يحميها بعد أبوها. وأني بعد ما فكرت زين لقيت إن قاسم ولد قدري ولدي هو الوحيد اللي أقدر ائتمنه على صفا وأموت وأني مطمئن عليها."
وأكمل مفسرًا:
"وزي ما أنت خابر إن قاسم محامي جد الدنيا، بس برضه صفا لو بقت دكتورة هتبقى أعلى مني. وأنت أدرى الناس بعوايدنا هنا، لازم الراجل منا يبقى أعلى من مراته في كل حاجة."
وأكمل مبررًا بابتسامة هادئة:
"أومال كيف يا سيدنا الشيخ ربنا قال في كتابه العزيز، الرجال قوامون على النساء."
تحدث شيخ المسجد باحترام بعدما أعطى له المجال من الانتهاء من حديثه:
"أولاً ربنا يبارك في عمرك وعمر أبوها وتفضلوا سندها بعد ربنا يا حاج عتمان. وأكمل معترضًا: ولو إن البنت المتربية صح بتبقى سند لحالها وسواعة لأهلها كمان. ثانيًا بقى إحنا فاهمين القوامة اللي ربنا سبحانه وتعالى ذكرها غلط وبنفسرها على مزاجنا."
وأكمل مفسرًا بهدوء واستكانة:
"ربنا سبحانه وتعالى لما قال في كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم. كان يقصد جلالته إن الراجل يسعى لمصلحة الست ويحميها ويقوم على خدمتها في الأمور اللي فيها مصلحة ليها. وأظن يا حاچ عتمان إن مفيش مصلحة أكتر من إن صفا تبقى دكتورة وتخفف عن أهل بلدها آلامهم وأوجاعهم."
وأكمل بذكاء كي يستدعي حماسه:
"ده إني كمان طامع في كرم أخلاق حضرتك إنك تبني لها مستشفى في النجاع هنا لخدمة أهل بلدك لجل ما تطيب جراحهم وتداويها بيد بنتنا صفا."
نظر له وقد شعر بأهمية ما نطق به وتحدث بإعجاب واستحسان:
"والله حديثك زين يا شيخ حسان ويستاهل التفكير. وأني إن شاء الله هكلم قاسم وأشوف رأيه إيه وربنا يعمل اللي فيه الصالح للجميع."
همهم الشيخ حسان بالوقوف وهو يتحدث بانسحاب:
"إن شاء الله يا حاچ."
استأذن أن يوقف عتمان وأردف قائلاً بإستماتة:
"والله ما يحصل ولا يكون قبل ما تتغدى وياي. ده أني دابح خروف وجدي عشان مجيء قاسم من مصر ولازم حضرتك تشرفني وتتغدى وياي."
وبعد جدال طال استسلم الشيخ الجليل وانصاق لرغبة عتمان وانتظر يتسامران لحين وجوب وجبة الغداء.
***
أما داخل منزل زيدان.
دلف يزن بعد الاستئذان وجد والدته تجلس بجانب زوجة عمه وتربت على كتفها في محاولة منها لتهدئتها مما أصابها من خيبة أمل وصدمة جراء ما حدث بالأمس.
حدث يزن لزوجة عمه لاهتمام:
"صفا وينها يا مرت عمي؟"
أجابته بدموعها:
"حابس حالها في أوضتها من وقت اللي حصل. دمعتها مفارقتش خدها وما داقش للزاد طعم من عشية."
غلى الدم بعروقه وشعر بغصة مريرة اقتحمت صدره جراء ما حدث لصغيرته. شعر بحاجته الملحة في أن يصعد إليها ويحتضنها والآن كي يضمد جراح قلبها النازف. لو كان الأمر بيده لشَق صدره لنصفين وأدخلها بين ضلوعه كي يخبيها عن عيون البشر والعالم بأسره.
حدث حاله بتألم وهو ينظر للأعلى بمرارة:
"آهٍ وآهٍ عليكِ صغيرتي، لو كان الأمر بيدي لأختطفتكِ من ذاك العالم الذي لا يمت لأرواحنا السابحة بصلة ولا يشبهها، وفررتُ بكِ حيث الخلود، لنحيي حياة تليق بقلوبنا وأرواحنا الحالمة. ما أصعب أن يشعر المرء بالعجز والإنكسار أمام امرأته. آهٍ عليكِ وآهٍ على غاليّتي."
انتابه شعور سيء وتملك منه الغضب. تحدث بنبرة غاضبة حادة:
"أني هروح أتحدت ويا جدي وهقول له إن اللي بيعمله فينا ده حرام وأكبر ظلم كمان، وإنه بكده بيخنقنا وبيقتل أرواحنا وبيدمرها، وإننا خلاص ماهنسكتش على الظلم والافتراء ده أكتر من كده."
التفت ناحية الباب وكاد أن يتحرك إلى الخارج. انتفضت نجاة من جلستها وجرت عليه وأمسكته من ذراعه وتحدثت بتوسل:
"رايح فين يا يزن؟ اعجل يا ولدي بدل ما يغضب عليك ويخرجك من الدار كلها، وساعتها ماهتلاقيش مكان يلمك يا حزين."
نفض ذراعه من يد والدته وتحدث بروعة شباب:
"سيبيني يا أمي أروح له وأواجهه بحجيته المرة وأعريه قدام روحه."
وقفت ورد وتحركت إلى يزن سريعًا وهي تجفف قطرات دمعاتها وتحدثت إليه:
"اسمع حديث أمك يا يزن واستهدي بالله يا ولدي. اصبر لحد ما نشوف جدي هيقول إيه في الاجتماع اللي عاملهولنا عشية دي."
ابتسم بجانب فمه ساخرًا وتحدث:
"فكرك هيغير رأيه في موضوع صفا؟ جدي عتمان ده جبروت ماشي على الأرض وما هيتراجعش عن قراراته إلا أما حد منا يقف في وشه ويواجهه من الغيبوبة اللي حابس حاله وحابسنا وياه فيها دي."
تنهدت السيدتان تهدئه بكلماتهما وبالكاد اقتنع وهدأ قليلاً، ثم ذهب إلى أبيه في إحدى الأراضي الزراعية كي يشرف على العمال ويتابع جنيّهم للثمار.
***
في المساء اجتمع جميع أفراد العائلة في بهو منزل الحاج عتمان بناءً على رغبته وذلك ليستمعوا إلى قراراته المهمة التي اتخذها بشأن أحفاده الأغوال.
كانت رسمية تجلس وسط زوجات أولادها وجميع أحفادها إلا من صفا ووالدتها التي بعثت لهما حسن لتخبرهم أنه وجب عليهم الحضور وذلك حسب أوامر عتمان.
أما الحاج عتمان فكان داخل حجرته الخاصة بصحبة أبنائه الثلاث حيث كان يخبرهم بما اتخذه من قرارات بشأن أحفاده كتحصيل حاصل ليس إلا، فهكذا هو عتمان النعماني وهذة هي شخصيته المتجبرة.
دلفت صفا بجانب والدتها مطأطأة الرأس حزينة لما آلت إليه من انهيار حلمها الذي تبخر بين ليلة وضحاها بعدما كان أقرب إليها من حبل الوريد.
نظرت ورد إلى وجوه الحاضرين المترقبة والقلق والتوتر يسيطران على ملامحهم جميعًا، إلا من تلك الجالسة براحة وابتسامة نصر تظهر فوق ملامحها، إنها فايقة لا غيرها.
ألقت ورد التحية على الحضور فردها الجميع.
انتفض يزن من جلسته واقفًا وتحدث إلى تلك التي انتفخ وجهها من كثرة بكائها المتواصل:
"كيفك يا صفا؟"
لم تستطع رفع وجهها إليه واكتفت بهز رأسها وهي تنظر أرضًا بانكسار وردت بنبرة خافتة:
"الحمد لله."
احترق داخل ليلي من ذاك الاهتمام وتلك اللهفة التي رأتها داخل عيني حبيبها بل ومتيم روحها والذي تعتبره ملكية خاصة. تمالكت من حالها لأبعد الحدود كي لا تطيع أفكارها الشاذة التي تطالبها بإلحاح بالوقوف على الفور والتحرك لتلك المشعوذة وجلبها من شعر رأسها والبطح بها أرضًا كي تبرحها ضربًا وتشفي منها غليلها.
تحدثت رسمية إلى ورد باحترام ولكن من الداخل مازالت تكن لها غضبًا وكرهًا لظنها طيلة الوقت أنها هي من حرمتها من أن تسر بصره وتسعد قلبها بذكر لزيدانها الغالي قبل أن توارى الثري وتذهب عن هذا العالم ويفنى جسدها، وكان ذلك بفضل وشي تلك الأفعى المسماة بفايقة لها، والتي وشى لها طيلة الوقت بأحاديث كاذبة كي تزيد من كره رسمية لورد وتجعلها تحقد عليها أكثر.
تحدثت إليها رسمية قائلة بنبرة احترام:
"اجعدي يا ورد."
وأكملت وهي تفتح ذراعيها على مصرعيهما لاستقبال غاليتها وتحدثت مبتسمة:
"تعالي في حضن جدتك يا بت الغالي."
تحركت إلى جدتها بساقين بطيئتين وما أن جلست بجانبها حتى سحبتها رسمية لداخل أحضانها وربتت على ظهرها بحنان.
مما أشعل غضب ليلي ومريم وهما تنظران لها باحتقان وغيره.
خرجت من بين أحضان جدتها ونظرت إلى رسمية وتحدثت بنبرة توسلية:
"لو أني غالية عندك صح كيف ما بتقولي كلمي جدي وقنعيه يتراجع عن قراراته ويخليني أقدم في كلية الطب."
أجابتها رسمية وهي تبتسم وتنظر إلى قاسم الجالس بملامح وجه محتقنة بالغضب مكفهرة:
"موضوع كلية الطب دي مبقتش في يد جدي خلاص، بقت في يد حد تاني."
نظر له يزن وتملك الرعب من داخله حين فهم مغزى حديث جدته وهي تنظر بعينيها إلى قاسم وتحدثت بحدة:
"تقصدي إيه بحديثك ده يا جدتي؟ وليه من الأساس جدي رافض دخول صفا كلية الطب؟"
نظرت له فايقة وأجابته بابتسامة ساخرة لعلمها ما يكنه ذاك يزن داخل قلبه البريء لتلك صفا:
"اتجل وأصبر على رزقك يا يزن، متبقاش مسرع كده."
أما ليلي التي تحدثت إلى صفا بنبرة شامته كي تنتقم منها:
"يا خسارة تعبك وسهر الليالي اللي راحوا على الفاضي يا صفا."
وأبتسمت وأردفت ساخرة:
"يظهر إن كلية الطب ملهاش نصيب تفتخر وتتشرف بدخولك ليها يا بت عمي."
ابتسمت فايقة بشماتة أما الجدة فرمقت ليلي بنظرة نارية أرعبتها ففضلت الصمت خشية إثارة غضب جدتها أكثر.
وحزنت ورد على ما أصاب صغيرتها من خيبة أمل وشماتت أصحاب النفوس الضعيفة بها.
أما قاسم فكان جالسًا يغلي داخليًا وخصوصًا بعد حديث والديه إليه وتهديده بأن يقبل بكل ما يقال من جده وحديث إيناس أيضًا الذي يراه غير أخلاقي بالمرة ولكن ما بيده ليفعله، فقد وضعه جده للمضي قدمًا داخل هذا الطريق بعد أن سلبه عتمان حق الاختيار.
خرج عتمان أمام أنجاله فوقف الجميع احترامًا وتقديرًا له، جلس برأس الجلسة وأشار إليهم بالجلوس.
تحدث بوقار وجبروت لا يليق إلا به:
"طبعًا كلكم خابرين زين إنكم عزوتي اللي طلعت بيها من الدنيا دي وأني بتمنى أشوفكم أحسن الناس."
هز الجميع رأسه بطاعة وموافقة فأكمل هو:
"وزي ما أنتوا خابرين زين إن عوايد النعمانية بتمنع نزوّج بناتنا بره العيلة والعكس، عشان كده أني قعدت مع أبهاتكم واتفقنا على اللي أني شايفه صح ومقبول وفي صالحكم كلياتكم."
نظر إلى قاسم وتحدث بابتسامة هادئة قائلاً:
"نبدأ بحفيدي الكبير العاجل، زينة شباب النعمانية، وعشان كده اخترت له أغلى الغوالي على قلبي."
ثم حول بصره إلى صفا الباكية الحزينة وأكمل:
"صفا الغالية."
وفجأة توقفت عن البكاء وانتفض داخلها بسعادة واتسعت عيناها غير مستوعبة ذاك الخبر التي انتظرته منذ أن أصبحت شابة وفهمت معنى العشق. ولكن برغم تلك الفرحة تظل فرحتها ناقصة غير مكتملة.
وأكمل الجد وهو ينظر إلى يزن الذي يكاد يصرخ ويعترض على انتساب معشوقته لغيره. ولولا رعبه من جده لو قاطع حديثه لصرخ وأسرع إليها وجذبها إلى صدره بحماية أمام الجميع وليحدث ما يحدث، لكنه تمالك من حاله وفضل أن ينتظره حتى يفرغ ما بجعبته دفعة واحدة وبعدها سيعترض.
وأكمل عتمان:
"والباشمهندس يزن زينة الشباب هيتجوز ليلي."
نظرت له ليلي بسعادة لم تستطع مداراتها.
أما تلك مريم التي نزل خبر خطبة قاسم وصفا على قلبها ومسامعها كصاعقة كهربائية زلزلت كيانها بالكامل فنظر لها جدها وتحدث:
"وست البنات مريم هتتجوز من فارس."
نزلت تلك الجملة لتكمل على ما تبقى من صبرها وتماسكها الهش فبدأت ببكاء مرير استغربه جميع الحضور، وجحظت عين فارس وكان أول المعترضين، وذلك لعشقه الجارف لابنة خالته حين تحدث بنبرة غاضبة:
"ومين قال لحضرتك إني رايد أتجوز دلوقتي ولا رايد أتجوز من الأساس يا جدي؟"
نظر عتمان إليه وتحدث بنبرة ساخرة:
"هتترهبن إياك يا واد قدري؟"
وتلاه يزن الذي تحدث بنبرة معترضة:
"وأني كمان موافقش على الطريقة المهينة اللي هتعاملنا بيها دي يا جدي، يعني إيه متاخدش رأينا في الحريم اللي هنعيش وياهم وهنكملوا وياهم باقي حياتنا؟"
ثم نظر إلى صفا وتحدث معترضًا:
"وليه صفا بالذات تختارها لقاسم، ليه متكونش من..."
نظرت له بعيون متسعة وقاطع حديثه عتمان بضيق وهو يدق بعصاه الأرض ناهراً إياه بعنف:
"ما شاء الله عليك يا ابن منتصر، كبرت يا ولد وطلع لك حس وعتعليه على جدي وتراجع في قراراتك."
نظر قدري إلى منتصر وتحدث مستغلاً الوضع لصالحه كعادته:
"متشوف ولدك وتوعيه وتعلمه كيف يحترم جده ويوقره يا منتصر."
تحدث منتصر بتلبك وهو ينظر إلى يزن بنظرات تحذيرية معتذرًا لأبيه:
"يزن ميقصدش يا أبوي، ما عاش ولا كان اللي يراجع حديثك، كلامك وقراراتك سيف على رقابنا كلياتنا."
زفر عتمان بغضب ثم نظر إلى قاسم وتحدث بحده:
"وإنتَ يا قاسم، ماهتعترضش إنتَ كمان على حديث جدك الخرفان؟"
نظر قاسم لأبيه فرمقه قدري بنظرات تحذيرية فحول قاسم بصره مرة أخرى إلى جده وأجابه بنبرة صوت حادة وملامح جامدة خالية من أي تعبير يدل عن ما بداخله:
"العفو يا جدي، أني موافق على كل اللي حضرتك تؤمر بيه."
طار قلب تلك العاشقة وحلق بالسماء.
حين ابتسم الجد وتحدث بتفاخر:
"عفارم عليك يا قاسم، عمرك مخيبت ظني بيك."
تفاخر قدري ورفع قامته لأعلى وتحدث لإرضاء والده:
"اومال يا حاچ، قاسم ده راجل صح، ترباية يد الحاج عتمان بصحيح."
تنهد زيدان مهمومًا وتحدث إلى أبيه متسائلاً بجدية:
"وموضوع جامعة صفا يا أبوي؟"
نظر الجد إلى قاسم وتحدث بابتسامة:
"موضوع كلية صفا أصبح في يد قاسم، جولت إيه يا قاسم؟"
تنفس عاليًا وبدا على وجهه علامات الضيق ثم حول بصره إلى تلك الحابسة أنفاسها تترقب جوابه وتحدث بهدوء:
"قدمي في الكلية اللي إنتِ رايدها يا صفا، أني عمري ما هقف عقبة في طريق تحقيق أحلامك."
اتسعت عيناها بذهول وأردفت متسائلة بنبرة سعيدة غير مستوعبة:
"صح موافق يا قاسم؟"
لا يدري لما شعر بالخجل من حاله لإقباله على المشاركة في خداع تلك الملاك البريء، ولكن ما بيده، ألا لعنة الله على الظالمين، فابتسم بمرارة وأجابها:
"صح موافق يا صفا."
ابتسمت ورد ونظرت بعيون سعيدة إلى زيدان الذي تخطت سعادته في ذاك الوقت عنان السماء والجد والجده لم يكن حالهما بأقل منهما سعادة.
أما تلك فايقة التي انتفضت بجلستها كمن لدغها عقرب وهي تنظر إلى قاسم بنظرات ذات معنى ومغزى وتطالبه بأن ينفذ ما أمرته به.
وأردفت قائلة بنبرة كسي عليها الغل والغضب والتي لم تستطع مداراتهما عن أعين الجميع:
"موافق كيف يعني يا قاسم، موافق إن مراتك تبقى أعلى منك في العالم؟"
ظهر الضيق على ملامحه من حديث والدته المصره على أن تهدم لصفا أحلامها لمجرد معاندتها لزوجة عمه وإفساد سعادتها بابنته.
تحدث موجهًا حديثه إلى والدته بحنق وبرود:
"يا أمي الدنيا اتغيرت ومبقاش حد بيبص على الطب والهندسة على إنهم أعلى من باقي الكليات لمجرد إنهم بيجيبوا من مجموع أعلى، وبعدين الطب مهنة سامية وده حلم صفا من زمان."
وأكمل صادقًا:
"يبقى ليه أخنق حلمها وأضيعه لمجرد فرد السيطرة والهيمنة الذكورية الكذابة."
نظر عتمان إليه بإعجاب وتحدث معظمًا إياه:
"طلعت راجل صح يا قاسم وأثبت لي إن اختياري ليك إنك تبقى سند وظهر لبنت عمك كان في محله صح."
صدق زيدان على حديث والده:
"عندك حق يا أبوي، تسلم وتعيش يا قاسم."
وأكملت ورد على حديثهما بتأكيد قائلة بنظرات يغلفهما الشكر والعرفان:
"ربنا يبارك فيك ويحميك لشبابك يا ولدي."
نظرت الجدة بسعادة إلى صفا التي لم تعد معهم إلا بجسدها فقط، أما روحها فقد سرحت في السماء هائمة من شدة سعادتها فقد تلقت للتو خبر تحقيق أسعد حلمين كان يراوداها في صحوها قبل منامها.
وتحدثت الجدة مهنئة غاليتها ومدللتها:
"مبروك يا نور عين جدتك، مبروك يا دكتورة."
وقعت الكلمة على قلبها فزادت من شدة سعادته التي ارتفعت ووصلت إلى عنان السماء وأجابتها بفرحة:
"الله يبارك في عمرك ويخليكي ليا يا جدتي."
ابتسم داخله لسعادة الجميع التي رآها بعيونهم وخصوصًا صفا، وقد خففت سعادتها تلك من شعوره المميت بالذنب تجاهها.
أما تلك فايقة التي أشرفت على إصابتها بذبحة صدرية عندما استمعت إلى لقب، دكتورة.
نظرت لذاك قدري بنظرات تحذيرية كي يتدخل ويمنع تلك المهزلة، فتحمحم قدري بعدما قرر التدخل كي يرحم حاله من الدخول داخل جولة نكدية مؤكدة لا محال من تلك الغاضبة ذات الطابع القوي المتجبر.
وأردف قائلاً لقاسم وهو يغموره بنظرات ذات معنى ليحسه على التراجع الفوري:
"كلام إيه اللي بتقوله ده يا قاسم، كيف يعني تقبل إن مراتك تبقى دكتور وتشتغل في المستشفيات وتتحرك بين الرجال وتنهشها عيون اللي يسوى واللي ما يسواش؟ لو إنتَ قابلها على حالك أنا ما قبلها على مرة ولدي."
جملة قوية تفوه بها قدري مهددًا بها ولده.
تراخت عضلات جسد فايقة بجلستها بعد حديث قدري القوي الذي نزل على صدرها وأثلجه ونظرت إلى قاسم تترقب جوابه.
وليس فايقة وحدها هي من ترقبت جوابه، بل الجميع أصابهم صمت تام ينتظر إجابة قاسم بنعم أو لا.
أما صفا التي ارتاعت واهتز داخلها وبدأ الرعب يتسلل لقلبها البريء وهي تنظر إلى قاسم بنظرات مترجية متوسلة زلزلت داخله.
يتبع..
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل السادس 6 - بقلم روز امين
كانت نظرات الجميع مُسلطة فوق ذاك القاسم لانتظار نطق كلماته الأخيرة في تحديد مستقبل تلك المسكينة.
تنهد قاسم ونظر إلى صفا ووجه حديثه إليها بقوة بنبرة جادة: "أول ما يفتح موجع التنسيج جدمي فيه، وچهزي ورق التجديم وأني بنفسي اللي هجدم لك في الچامعة يا دكتوره."
أطلقت تنهيدة حارة بعد كتم أنفاسها الذي دام الكثير وهي تنتظر تحديد مستقبلها، وكأنها تقف خلف القضبان وتنتظر نطق الحكم عليها، وذلك بفضل تلك العادات العقيمة البالية التي عفا عنها الزمن. وبرغم ذلك ما زال إلى الآن من يلتزم بها ويطبقها في حياته بكل حذافيرها، وخصوصًا أصحاب النفوذ والمال خشيةً على خروج أموالهم الطائلة التي جمعوها على مدار سنوات نتيجة الشقاء والتعب. فلذلك يصعب الأمر عليهم أن يفرطوا بها ويسلموها لأشخاص غريبة بكل هذه السهولة.
هكذا هو تفكيرهم البالي.
انتفضت فايقة بجلستها وتحدثت بنبرة صوت غاضبة: "حديت إيه اللي عتجوله ده يا قاسم؟"
نظرت لها ورد وكادت أن تتحدث باعتراض لولا حديث عتمان الحازم الذي أخرص الجميع وأعلم كل شخص حدوده التي يجب ألا يتخطاها: "كأنك اتجننتي ونسيتي حالك يا مرة، عتعترضي كمان على حديث الرجالة إياك؟"
ارتعب جسد فايقة وأخذ بالانتفاض من صوت عتمان الجهوري الغاضب، وابتلعت كل ما في جوفها من حديث جراء نظرته الثاقبة فوقها.
ثم أكمل بنبرة صارمة مخيفة: "طب إيه رأيك بقى إني كنت مجرد دخول صفا للطب، وسألت قاسم بس لجل أعرف رأيه، وحتى لو رفض كنت بردك هدخلها وهتبقى دكتورة غصبن عن الكل."
ثم نظر إلى صفا وتحدث إليها بنبرة حنون: "فكرك كنت هتخلي عنيكي بعد ما رفعتي راسي وشرفتيني وغلبتي ولاد المحافظة كلها؟ ميتا كنت هتخلي عنيكي إني يا بت زيدان؟"
اتسعت عيناها باستغراب لحديث جدها، وابتسمت له بسعادة حين أكمل هو: "مش بس كده يا صفا، ده أني نويت بأمر الله أبني لك مستشفى هنا في النجف وأجهزها لك بكل اللي تحتاجيه من أجهزة، وهبدأ فيها من الأسبوع الجاي وإن شاء الله على ما تخلصي كليتك تكون جهزت."
ثم حول بصره إلى قاسم وتحدث بثناء مستحسنًا قراره: "عمرك مخيبت ظني فيك يا قاسم."
ابتسم لجده بجانب فمه ونظر مهمومًا إلى صفا وفرحتها العارمة، واحتقر حاله لأجل خداعه الغير نبيل لتلك البريئة.
واشتعل داخل فايقة وزادت نار حقدها على ورد وزيدان اللذان لم تسعهما الفرحة حين استمعا لحديث عتمان.
أما صفا التي نظرت إلى جدها بإندهاش وجرت عليه وجثت فوق ركبتيها وهي تميل برأسها وتقبل كفي يداه بسعادة وتحدثت: "ربنا يديمك فوق راسي ويخليك ليا يا جدي."
ربت على ظهرها بحنان وأردف قائلاً بملامة مصطنعة ودعابة جديدة عليه استغربها الجميع: "رايحة تشتكيني للشيخ حسان يا بت زيدان؟"
خجلت وأنزلت بصرها أرضًا وتحدثت بنبرة هادئة: "ينقطع لساني لو فكرت إني أشتكيك في يوم لحد يا جدي، أني بس كنت محبطة وروحت له وأني عشمي في وجه الله كبير إنك تسمع مني، وده لأني عارفة إن مقداره عندك كبير وبتجدره."
ابتسم لها وأردف قائلاً وهو يربت على ظهرها بحنان قائلاً: "يا زين ما اخترتي يا دكتورة."
وقفت مريم بعدما طفح بها الكيل، وتحدثت إلى جدها بجرأة لم تعهد عليها من قبل: "خلاص كده يا جدي، فرحت الست صفا واطمنت عليها زين؟ اخترتها لقاسم اللي أنت متأكد إنها موافجة عليه ومرَحبة، وكمان دخلتها الكلية اللي هي عاوزاها وهتبني لها مستشفى بحالها، كده يبقى كله تمام."
وأكملت وهي تنظر إلى جدها وجدتها بنظرات ملامة: "ما هي أهم حاجة عندك أنت وجدتي راحة الأستاذة صفا ودلالها، وإن شاء الله يولعوا الباقي. ومش مهم عاد الباقي إذا كان اختيارك ليهم عاجبهم ولا حارِق قلوبهم، مين إحنا عشان نفكر في راحتنا ويشغلك رضانا؟!"
تحدثت إليها منتصر بلهجة شديدة: "اخرصي يا بت، والله عيب، مين ميتى وإنتِ بتتكلمي قدام جدك بقلة الحيا دي؟"
شدت حياة ابنتها من يدها وأجلستها بجوارها وتحدثت بنبرة مرتعِبة: "اجعدي يا مجنونة، كأنك ناوية على موتك النهاردة."
وقف يزن هو الآخر وأردف قائلاً بنبرة معترضة: "يخرص ليه يا أبوي، عشان بتقول الحقيقة وبتطالب بحقها كبني آدمة؟ طب إيه رأيك إن أني كمان مش موافق على جوازي من ليلي."
نزلت كلماته تلك على قلب ليلي أحرقته، وبدون مقدمات نزلت دموعها بألم كاد يمزق صدرها الأسود.
"كلام إيه اللي هتجوله ده يا باشمهندس؟" جملة تفوه بها الجد مستغربًا حديث يزن.
وقف فارس متشجعًا من موقف مريم ويزن وأردف قائلاً بشجاعة واعتراض: "أني كمان مش موافق على جوازي من مريم يا جدي، أني بحب بت خالتي ورايدها وجدتي عارفة كده زين."
تحدث الجد بنبرة جدية محاولًا امتصاص غضب أحفاده وإرغامهم على تقبل الواقع بصدر رحب: "بت عمك أولى بك يا ولدي، بكرة هتشكرني على اختياري وتجولي كان عندك حق يا جدي، وأدي أبوك وعمك قدري قدامك أكبر دليل على حديثي ده."
أجابه يزن بندية: "وليه مذكرتش حكاية عمي زيدان، مهو اعترض ورفض جوازين العيلة وأهو قدامك أهو، بيحب مراته وبيعشقها ومبسوط مع عيلته وعايش أحسن عيشة، مش مجرد حياة روتينية زي اللي عايشينها أبوي وعمي!!"
استشاطت فايقة من ذكر يزن لسعادة ورد وزيدان التي تجعل نارها تشتعل، فأرادت أن تحرق روحيهما وأجابته فايقة بنبرة ساخرة: "عيلته؟ هي فين عيلته دي يا يزن؟ طب ده حالة عمك زيدان وعِجَاب ربنا ليه لازم يكون درس ليكم وعبرة عشان تسمعوا كلام أهاليكم وتعرفوا إن اللي هيعارض أهله هيكون مصيره زي عمكم زيدان."
نزلت تلك الكلمات على قلب ورد أحرقته، أما زيدان الذي انتفض بجلسته وهب بها هادرًا: "وياتري إيه هو بقى عِجابي يا ست فايقة اللي حضرتك شيفاه ده؟"
أجابته بنبرة خبيثة: "هو أني بس اللي شيفاه يا واد عمي، ده العيلة كلها بتتحدث وبتجول إن ربنا عاجبك وحرمك من خلفة الواد عشان عصيت أمك ومسمعتش كلامها وكسرت قلب خيتي الغلبانة بدور."
نظرت لها رسمية بنظرات حارقة تحثها على الصمت، ولكن فايقة لم تهتم بتلك النظرات التحذيرية.
أجابها زيدان بفخر واعتزاز وهو ينظر لتلك الجالسة بحنان: "لو عِجاب ربنا كله بالشكل ده يبقى ياريت حياتي كلها تبقى عِجاب."
وأكمل بعيون محبة وهو يتبادل النظر بين أبناء شقيقاه بفخر واعتزاز ونبرة صادقة: "وبعدين مين اللي جالك إن ربنا مرزقنيش بالواد، ده أني عندي بدل الراجل اللهم بارك أربعة."
تحدث قدري بتشفي وحقد ظهر بنبرة صوته: "بس مش من ضهرك وصلبك يا واد أبوك."
نزلت الجملة على قلب زيدان وورد أحرقته.
"قدري، احفظ لسانك اللي عم يقطر سم على أخوك إنت ومراتك ده، ما عزيزش أسمع صوتك إنت وهي لحد الجعدة دي ما تخلص." جملة شديدة اللهجة تفوه بها الحاج عتمان بنبرة غاضبة وعيون محذرة تطلق شزرًا.
كاد قدري أن يتحدث فأخرسه حديث عتمان قائلاً: "جولت معايزش أسمع صوت حد فيكم، ويلا الجميع على مكانه."
تحدث قاسم إلى جده قائلاً بهدوء: "بعد إذنك يا جدي أني عندي طلب."
وقف الجميع عن الحركة ونظروا إلى قاسم بترقب لحديثه، فأذن له جده فتحدث قاسم: "مفيش جواز هيتم غير لما صفا تخلص جامعتها، ما عزيزش أشغلها عن مستقبلها، كلية الطب تجيلها ومحتاجة مذاكرة كتير والجواز أكيد هيشغلها ويشتت تركيزها."
هتف والده باعتراض فهو ينتظر ذاك الزواج بفارغ الصبر ويتمنى حدوثه البارحة قبل اليوم حتى يطمئن على استيلاء صغيرته ووضع يده على ثروة زيدان التي تضخمت مؤخرًا بشكل مبالغ فيه مما أثار جنونه.
قدري باعتراض: "إنتَ واعي للي بتقوله ده يا قاسم، على حد علمي إن الطب دي خمس سنين."
قاطعه قاسم بنبرة باردة وتصحيح: "سبعة يا أبوي، الطب البشري اللي صفا ناوية تدخله دراسته سبع سنين."
دبت فايقة بيدها فوق صدرها بذهول وتحدثت: "يا مصيبتي، إنتَ عاوز تموت عيالك في ضهرك يا واد قدري، ده أنت عندك خمسة وعشرين سنة وحط عليهم سبعة يبقى اتنين وتلاتين، هتخلف وتربي عيالك متى يا حزين؟"
وبعد معارضة وجدال طال بين الجد والجده وقدري وفايقة مع قاسم، رُضخ الجميع لرأي قاسم بعد تصميمه وموافقة صفا على رأيه. وبعد مناوشات قرر الجد زواج مريم وليلي ويزن وفارس بعد خمس سنوات أي قبل زواج قاسم وصفا بعامين وذلك بعدما فشل بإقناع حفيده الأكبر بإتمام زواجه معهما.
وانفض الاجتماع بعدما حقق آمال البعض وجعلهم يحلقون في السماء من فرط سعادتهم، مثل صفا وليلي وقدري وفايقة. أما البقية فقد تحطمت أحلامهم أمام جبروت ذاك عتمان المستبد.
❈-❈-❈
بعد مرور مدة قصيرة من الوقت كان قدري يجتمع بقاسم وفارس داخل حجرته الخاصة وتجاوره تلك الغاضبة التي تحدثت بنبرة حادة ملامة إلى قاسم: "هو ده بردك اللي اتفقنا عليه يا قاسم؟ أني مجلتلكش متوافقش على دخول بت ورد للطب مهما حصل، كده تفرح ورد وتشمتها فيا يا ابن بطني."
كان يستمع لها بعيون مستغربة بشدة من حالة الغضب المسيطرة عليها وتحدث بعناد: "وأني جلتلك قبل سابق تخرجيني من شغل الحريم بتاعك إنتِ ومرت عمي دي يا أمي، لاني عمري ما كنت هكسر خاطر صفا، وكفاية قوي إني سمعت كلامكم ووافقت جدي على جراراته اللي لا يقبلها عقل ولا منطق ولا حتى ترضي ربنا، لجل بس ما أرضيكم."
وأكمل ليهدئ من روع والدته: "وأظن حضرتك سمعتي بودانك كلام جدي لصفا وهو بيقول لها إنه كان مجرد موافقته، يعني موافقتي كانت بالنسبة له ليس إلا تحصيل حاصل."
وأكمل فارس بهدوء: "كلام قاسم صح يا أمي وياريت بقى تريحي حالك وتبطلي حديث في الموضوع ده، وبعدين أني مش فاهم إنتِ ليه كارهة إن صفا تدخل الطب وتحقق حلمها بالشكل ده."
أجابته بنبرة حقودة: "ده لو كان حلمها هي يا خيبان، ده حلم العجوزة اللي اسميها ورد عشان تتنطط علينا وتتفشخر ببتها الدكتورة."
صاح قدري هادرًا إياها بحده بعدما طفح الكيل من حديثها العقيم: "ما بكفياكي عاد يا فايقة، مهنخلصوش منه الموضوع ده ولا إيه؟"
وأكمل بنبرة غاضبة من بين أسنانه: "أني اللي قاهر قلبي هو شرط ابنك المنيل اللي جاله لجده، جاله إيه متهتمموش الجوازة إلا لما السنيورة تخلص كليتها."
وأكمل بحده: "عنها ما خلصت ولا اتشنلت على دماغ اللي جابوها، تجبرني ليه أستنى على فرحتي بيك وبجوازك كل السنين دي؟"
تنهد قاسم وظل يستمع لتوبيخ والديه بصمت تام وذلك لعدم قدرته البوح لهما بما يدور بعقله وأنه فقط يوهمهما بموافقته الواهية ولكن بينه وبين حاله ينتوي بألا يتمم تلك الزيجة التي لا تعني له شيء على الإطلاق.
❈-❈-❈
داخل شقة رفعت عبدالدايم والد إيناس.
كانت تخبرهم بما قررت هي وقاسم، فتحدث والدها بحده: "إنتِ اتجننتي يا إيناس، عاوزة تقعدي سبع سنين تستني المحروس لحد ما يتفك سجنه اللي بناه بنفسه مع بنت عمه، بقي بالذمة ده كلام ناس عاقلين؟"
أجابته كوثر بنبرة طامعة: "ده هو ده العقل بعينه يا رفعت، إنتَ عارف نصيب قاسم من ثروة جده قد إيه؟"
أردف الأب قائلاً بنبرة قلقة: "وإنتِ كنتِ ضمنتي إن جده هيوافق إنه يسيب حفيدته كده بسهولة بعد ما يركنها جنبه سبع سنين بحالهم؟"
أجابته إيناس بنبرة جادة في محاولة منها لإقناعه: "أولًا يا بابا قاسم هو اللي مستني جنبها مش هي، ثانيًا حجة قاسم هتبقى قوية وجده مش هيقدر يجبره يعيش مع واحدة هو شايفها أعلى منه."
وأكملت بعدم ضمير: "ثالثًا بقى وده المهم، مش يمكن ربنا يكرمنا وجده يتوفى في السبع سنين دول وقاسم يورث ووقتها ميكونش محكوم من حد ويبقى حر نفسه ونتمم الجوازة من غير أي مشاكل."
تحدثت والدتها بتمني: "يااااه يا إيناس لو ده يحصل، ده تبقى اتفتحت لنا طاقة القدر."
تحدث رفعت بنبرة قلقة ساخطة: "يا ناس افهموني، أنا قلقان على بنتي وده من أبسط حقوقي."
أجابته كوثر بطمأنة: "متقلقش يا رفعت وطمن بالك، بنتك طول عمرها شاطرة وحساباتها متخرش المية أبدًا."
وأكملت وهي تنظر إلى إيناس بتفاخر: "وبعدين الولد بيحبها ومبيقدرش يستغني عنها ليوم واحد، وأكيد هيعمل أي حاجة نطلبها منه عشان بس ينول الرضا."
❈-❈-❈
داخل غرفة يزن.
كان يجوب داخلها ذهابًا وإيابًا بغل ونار الغيرة تنهش صدره، فقد تسرب اليوم حلمه العالي من بين يديه وذلك بفضل تحكمات جده.
دخلت والدته إليه وتحدثت بتهدئة: "وبعدهالك عاد يا يزن، أني مش جلتلك من زمان تشيل موضوع صفا ده من راسك، أني كنت خابرة إن جدك حاجزها لقاسم وكام مرة جدتك لمحت بالكلام جدامي لجل ما أوعيك لأنها عارفة إنك عاشقها."
أردف قائلاً بنبرة حادة واعتراض: "قاسم مبيحبهاش يا أمي، الله وكيلك ما بيحبها ولا رايدها، قاسم وافق بس لجل ما يرضي عمي قدري اللي كلنا خابرين زين إنه طمعان في ثروة عمي زيدان، بس صفا مفرقاش معاه من الأساس، محدش بيحبها ولا هيخاف عليها زيي."
تحدثت إليه بدموع ونبرة حنون: "يا ولدي ارحم حالك وانسىها وريح بالك وريح قلبي معاك، صفا مش مقسومة لك ولا هي من نصيبك، وأكملت كي تهدئ من غضبه: وليلي ست البنات كلها، هي بس محتاجة اللي يجرس على ودنها شوية وهتبقى زي الفل، ارضى بنصيبك يا وليدي، وأكملت بيقين كي تؤثر عليه: وإن شاء الله ربنا هيحليها في عينك ويزرع عشقها في قلبك وبكرة تجول أمي جالت."
نظر إليها بتألم ظهر بعينيه وأردف قائلاً بوجع: "مش بيدي يا أمي، عشق صفا تملك من قلبي وعقلي، مش شايف غيرها قدامي."
"تنساها يا ولدي، كم من عاشق جاب له فات حبيبه ونسي وكمل حياته، الحياة مبتجفش على حد يا ضي عيني."
نظر لوالدته بنظرات يملؤها الانكسار والرضوخ المخجل، فتحركت إليه بتألم لأجل حزنه وسحبته بين أحضانها وربتت على ظهره بحنان كي تخفف عنه حزنه الذي أصابه من ضياع فتاة أحلامه من بين يداه على يد جده المستبد.
وخرجت من حجرته إلى حجرة مريم واستها مثلما واسى شقيقها ونصحتها بأن ترضى بما كتبه الله لها وسيعوضها الله بالتأكيد على صبرها.
❈-❈-❈
أما تلك الصفا التي ذهبت مع والديها إلى منزلهم وسعادة الدنيا تحوم حولها وتستقر داخل قلبها البريء، وقفت بشرفتها تترقب خروج قاسم كي تكحل عيناها برؤيته البهية، ولكن للأسف خجلها ولم يخرج أبداً. وبرغم هذا لم تترك مكانها على أمل التلاقي.
أما عند زيدان الذي تحدث إلى ورد مبتسمًا بسعادة: "أهو أني بعد موقف قاسم النهارده وموافقته على دخول صفا للكلية وكمان تأجيله للجواز لحد ما صفا تخلص، أقدر أموت وأني مطمئن عليها وعليكي."
ارتعبت أوصالها وشهقت برعب مردفة: "بعد الشر عليك يا سيد الرجالة، متقولش كده يا حبيبي، ربنا يطول لنا في عمرك ويبارك فيك وتجوزها وتجوز عيالها كمان."
نظر لها بعيون عاشقة وتساءل بعيون هائمة: "خايفة عليا يا ورد؟"
أجابته بهيام: "لو مخفتش عليك يفضل لي مين أخاف عليه يا نبض قلبي."
ثم تنهدت بأس قائلة بنبرة تحمل الكثير من الهموم: "بس أني معرفش إني ليه قلقانة كده يا زيدان، قلبي مش مطمن لجوازة صفا من قاسم، دايما جوايا إحساس بحاول أكذبه إن الجوازة دي هتكون سبب الحزن لبتي مش سبب سعادها وهناها زي ما كلياتكم فاكرين."
أردف زيدان قائلاً بنبرة استيائية: "أباااااي عليكِ وعلي نكدك اللي بتعشجيه زي عينيكِ، ده بردك كلام تجوليه في يوم زي ده؟"
نظرت إليه وبدون سابق إنذار نزلت دموعها دون استئذان، اشتعل صدره نارًا عندما رأى دموعها التي تنزل على قلبه العاشق تكويه وتؤلمه.
انتفض من جلسته وتحرك لمقعدها وجذبها من يدها لتقف قبالته وأدخلها سريعًا لداخل أحضانه وتحدث وهو يمسح بيداه فوق ظهرها بحنان ويهدئها: "مالك بس يا ورد، فيكي إيه يا بت قلبي، ليه البكا عاد في يوم زي ده؟"
وأكمل مفسرًا: "المفروض تبقي أسعد واحدة النهارده، بتك وهتدخل الكلية اللي طول عمرها بتحلم بيها وجدها هيبني لها مستشفى بحالها، واتحجزت للراجل اللي بتتمناه وبتعشقه، بالذمة فيه أكتر من كده فرحة."
خرجت من بين أحضانه تنظر لعينيه بتألم ظاهر للكفيف، وحاوطت وجهه بكفيها برعاية وأردفت قائلة بنبرة حنون مستسلمة: "اتجوز يا زيدان، اتجوز لجل ما تجيب الواد وصدقني إني مهزعلش منك."
اتسعت عيناه بذهول وأردف قائلاً بنبرة متعجبة: "صح مهتزعليش لو خدت واحدة غيرك جوة حضني؟"
وأكمل باتهام وتعجب ونظرة حزن عميقة ظهرت بعينيه: "للدرجة دي بتعاني يا ورد؟!"
هزت رأسها سريعًا تنفي عنها اتهامه الباطل وأردفت قائلة بنبرة مستسلمة: "للدرجة دي شارياك يا جلب ورد من جوة، للدرجة دي عشقك وعاشجة رضاك ومصلحتك، لدرجة إني بعتحمل وجع قلبي وناري وغرتي وأني بتخيلك نايم في حضن غيري لجل بس ما تجيب الواد اللي نفسك فيه ومحدش يعايرك تاني ولا يجرحك بكلمة عفشة."
أجابها بنبرة حادة مستفهمة: "ومين كان جالك إني نفسي في الواد؟ ولو صح نفسي فيه هقعد لحد دلوقتي من غيره ليه؟"
زفر بضيق ليخرج ما أصابه من غضب جراء حديثها، ثم أحاط وجهها بكفيه ونظر بحنو داخل عينيها وأكمل حديثه بنبرة حنون: "يا ورد أني اكتفيت بحبك إنتِ وصفا عن الدنيا كلها، ليه مجدرش تفهمي إن عشقك غناني وكفاني ومعاوزش غيرك في حياتي!!"
أمسكت بتلابيب جلبابه بشدة وتملكت وتساءلت بجدية وحدة: "لسه بتشوفني حلوة يا زيدان، لسه أنا زينة الصبايا في عينيك الكحيلة يا واد النعماني؟"
ابتسم بهدوء وتحدث بنبرة هائمة: "وهتفضلي زينة الصبايا في عيوني لأخر يوم في عمري، حتى لو كان عندك 100 سنة وشعرك شاب وملامحك جعدت وكرمشت، بردك هشوفك زينة صبايا الكون بحاله."
ودقق داخل عينيها وتحدث بهيام قائلاً: "عارفة ليه يا ورد؟"
نظرت له بتمعن وحنان منتظرة تكملة ترياقه لها فأكمل هو: "عشان أني حبيت روحك يا ورد، روحي عشقت روحك قبل الزمان بزمان، شفتك بأحلامي قبل ما أشوفك قدامي يا غالية، أني عشجان لروحك مش جسدك، وده يفرق كتير قوي يا ورد."
ابتسمت بسعادة بالغة وتحدثت بتملك وهي تشدد من مسكتها لتلابيب جلبابه: "ربنا يخليك ليا يا زيدان، تنك كده اعشق فيا على طول، مع عزيزش عشقك يجل أبداً لجل ما أموت من غرتي يا سيد الرجال."
ابتسم لها وأردف قائلاً بمداعبة ليخرجها من تلك الحالة: "يدك يا بت، هتخنقيني بمسكة يدك القوية دي، إيه، للدرجة دي بتموتي على زيدان وبتعشقيه يا بت الرجايبة؟"
ابتسمت وأجابته بشقاوة وهي تشدد من مسكتها لتلابيبه: "وأكثر يا ابن النعماني، وأكثر من الدرجة دي بكتير، ولو في يوم فكرت بس تبص لمرة غيري هقتلك بيدي دي وأقتل حالي وياك."
قهقه عاليًا برجولة ثم مال بجذعه وحملها بساعديه القويتين واتجه بها إلى تختها ليضعها عليه بقوة وشراسة متحدثًا بغمزة من عينيه مداعبًا إياها: "على العموم كله هيبان دلوقتي، وعشقك القوي اللي بتتحدثي عليه لزيدان هيظهر ويبان."
ابتسمت له خجلًا وغاصا داخل عالمهما الخاص بهما.
❈-❈-❈
بعد يومين.
في القاهرة، وبالتحديد داخل منزل رفعت عبدالدايم.
تتوسط إيناس جلسة والديها فوق الأريكة، وبالمقعد المقابل يجلس قاسم مرتدياً حِلته الكاملة التي جعلت منه وسيمًا للغاية، ويجاوره عدنان الذي تحدث مستفسرًا: "بس إنتَ مش شايف إن سبع سنين كتير أوي يا صاحبي، إنتم كده بتضيعوا أحلى سنين عمركم في الانتظار."
أجابته إيناس بنبرة معترضة: "مش كتير ولا حاجة يا عدنان، السنين بتمر في لمح البصر."
ثم وجهت بصرها إلى قاسم وتحدثت بنعومة دون خجل من والدها أو شقيقها: "وبالنسبة لأجمل سنين عمرنا، فهي لسه جايه، مش كده ولا إيه يا قاسم؟"
نظر لها بتعجب جراء جرأتها والتي لم تعجبه إطلاقًا، فهو شأنه شأن أي رجل شرقي، يفضل دائمًا المرأة الخجول ويثيره ضعفها. ولكن مع إيناس اختلف الأمر، فقد عشقها وانطلق سهم عشقها التي صوبته عمدًا نحوه ببراعة فائقة واخترق قلبه عديم الخبرة الذي لم يعِ ويفهم بعد، وانتهى الأمر، أو هكذا هو تخيل وتوهم!
وجه رفعت حديثه إلى قاسم بنبرة توجسية: "متأخذنيش يا ابني في اللي هقوله، بس أنا أب ومن حقي أطمن على بنتي وإنتَ لازم تعذرني في ده."
وأكمل بتساؤل: "أنا إيه اللي يضمن لي إن بعد ما تقعد بنتي جنبك سبع سنين، جدك يوافق إنك تتمم جوازك منها؟"
أردف قاسم قائلاً باحترام: "أنا طبعًا عازرك في تفكيرك ده يا عمي لإنك متعرفش رجالة النعمانية كويس، أنا كلمتي عقد وسيف على رقبتي، وطالما وعدت يبقى مش هيمنعني من التنفيذ إلا الموت."
ابتسمت كوثر في داخل نفسها وتحدثت بنبرة صادقة: "طولة العمر ليك يا حبيبي، ربنا يبارك في عمرك وتتجوزوا وتتهنوا، بس أنا عاوزة أطلب منك طلب."
"تفضلي حضرتك." جملة تفوه بها قاسم.
تحدثت كوثر كعادتها معه بنبرة ناعمة ساحبة إياه لداخل عالمها الناعم: "الأمر لله وحده يا حبيبي، طبعًا زي ما إنتَ شايف إيناس بنتي ماشاء الله زي القمر، وأكملت بتفاخر وغرور وهي ترفع رأسها عاليًا بشموخ: جسم ورسم وجمال ودلال، وخطابها مش قادرة أقولك قد إيه، وأكملت مهولة من حديثها كثيرًا: لدرجة إن مفيش يوم بيعدي غير لما بيتقدم لها فيه عريس."
ابتسم بجانب فمه ساخرًا لعلمه بكذب تلك الشمطاء، وأكملت كوثر حديثها: "وطول ما هي مفيش في إيدها دبلة خطوبة هيفضل يتقدم لها عرسان."
الآن علم المغزى الحقيقي جراء حديثها المبالغ.
تحدث إليها بنبرة عقلانية: "أنا فاهم قلق حضرتك ومقدره جدًا، بس لازم حضرتك تقدري ظروفي أنا كمان، أنا عمري ما هقدر حاليًا أفاتح أهلي في خطوبة وأظن إن أنا شرحت لكم ظروفي قبل كده."
هتف عدنان بحماس وذكاء: "طب أنا عندي حل للموضوع ده."
نظر له الجميع وهم يترقبون باقي حديثه فأكمل هو بابتسامة منتصر: "أنا شايف إن قاسم يشتري لإيناس شبكتها ويلبسها لها على الضيق ما بينا ونعزم قرايبنا القريبين جدًا مننا، وبكده نكون عرفنا الناس إن إيناس اتخطبت وفي نفس الوقت معملناش مشاكل لقاسم مع أهله هو في غنى عنها."
ابتسمت إيناس وتحدثت بسعادة وهي تنظر لشقيقها بتباهي: "برافو عليك يا عدنان، فكرة حلوة جدًا."
وافقتهم كوثر الرأي وتحدثت إلى قاسم: "أهو صاحبك حلها لك أهو يا قاسم."
أجابها قاسم بمداعبة وهو ينظر إلى عدنان بوجه بشوش: "عدنان ده حبيبي، نردها له في مشكلة في جوازته إن شاء الله."
ضحك الجميع عدا ذاك الرفعت الذي لم يعجبه الأمر من الأساس، ويشعر بريبة منه ولكن بما يفيد اعتراضه أمام جبروت كوثر وأبنائها وضعف شخصيته هو.
❈-❈-❈
بعد يومان.
أصطحب زيدان صفا وورد وذهب بهما إلى القاهرة كي يجلب لصفا ثيابًا خاصة للجامعة من بعض دور الأزياء الشهيرة بالقاهرة، ويمكثون يومان بشقته الخاصة المتواجدة بإحدى الأحياء الراقية والتي جلبها زيدان خصيصًا كي يصطحب غاليتيه بها لغرض التنزه من الحين للآخر.
أبلغ زيدان قاسم أنه وعائلته بالقاهرة فقام قاسم بعزيمتهم واصطحابهم لأحد المطاعم العائمة المتواجدة داخل النيل لتناول الطعام في أجواء مبهرجة.
كانت تتحرك بجانبه بسعادة داخل المطعم ويسبقها والديها، وصلوا إلى المنضدة التي احتجزها لهم قاسم، جلس الجميع حول المنضدة وجاء النادل بعد قليل وقد أعطا لهم قائمة الطعام واختاروا ما أعجبهم بها وانصرف النادل.
وتحدث زيدان ناظرًا إلى قاسم: "عرفت إن تنسيق الجامعات فتح النهارده يا قاسم؟"
نظر له وأردف قائلاً بنفي: "لا يا عمي، أول مرة أعرف منك."
ثم حول بصره إلى صفا وتساءل: "قدمتي يا صفا ولا محتاجة مساعدتي؟"
أجابته بهدوء: "حاولت أول ما قمت من النوم بس السيستم كان مسقط من كتر الضغط عليه وموقع التجديم مفتحش معايا، إن شاء الله أول ما أروح البيت هحاول أقدم ويارب السيستم يكون اتظبط."
أردفت ورد قائلة بنبرة مثقلة بالهموم: "أني معرفش بتعملي إيه في المدينة الجامعية وبتخدمي حالك كيف، ده أنتِ عمرك ما غسلتي طبق، كيف بتغسلي هدومك وتنظفي أوضتك لحالك؟"
تحدثت إليها زيدان لتطمئنها: "ومين جالك إني هسيبها تهين حالها، ده أني بعون الله هجهز لها أوضتها بأحدث الأجهزة وهجيب لها غسالة أوتوماتيك لجل ما ترتاح الزينة بت أبوها."
ابتسمت لأبيها وتحدثت بنبرة حنون: "ربنا يبارك لي في عمرك يا حبيبي ويخليك لصفا."
أما ذاك الجالس الذي نزل عليه حديثهم كالصاعقة الكهربائية وذلك لرعبه من فكرة تواجدها بالقاهرة واحتمالية علمها بخطبته من إيناس.
تحدث بنبرة مرتبكة: "وهي صفا إيه اللي هيجيبها جامعة القاهرة بس يا مرة عمي، ما عندها جامعة سوهاج، وأهي تبجى جارك وتنام كل ليلة جوة حضنك."
ضيقت عينيها باستغراب وأردفت بنبرة معترضة: "جامعة سوهاج إيه بس اللي هروحها يا قاسم، إنتَ عاوزني أبقى جابة المجموع ده كله وأقدم في جامعة سوهاج؟ وبعدين مفيش وجه مقارنة بين جامعة القاهرة وجامعة سوهاج."
تحدثت ورد إلى قاسم: "أني كمان جلت لها نفس كلامك ده يا قاسم بس زي ما أنتَ واعي لدماغها الناشفة."
ثم نظرت إلى زوجها مبتسمة وتحدثت بمداعبة: "راسها طالعة ناشفة كيف أبوها بالظبط."
ابتسم زيدان لمداعبة معشوقته، وتحدث قاسم إلى صفا في محاولة خبيثة منه لإقناعها بتغيير رأيها: "أني خايف عليكِ من هنا يا صفا، العيشة هنا ومعاملة البشر صعبة قوي مهتقدريش عليها، مهتعرفيش تتكيفي ويا زميلاتك في السكن وخصوصًا إن عمر ما سبق لكِ مخالطة الأغراب."
وأكمل بكذب كي يرعب ورد على طفلتها ويجعلها تخضع لرأيه: "البنات هنا حلنجيات ولونيين وإنتِ بت ناس ومتربية، أخاف تطبعي بطبعهم ويغيروكي يا صفا، وإن كان على الدراسة فأحب أجُل لك إن مفيش أي اختلاف بيناتهم."
بدا الهلع على ملامح ورد التي تحدثت إلى قاسم مؤيدة: "عندك حق والله يا ولدي، ده أني بشوف بلاوي في التمثيليات عن بنات الجامعة هنا في مصر."
ثم حولت بصرها إلى صغيرتها وتحدثت باعتراض: "خلاص يا صفا، إنتِ قدمي في جامعة سوهاج زي ما قاسم جالك، وأهو السواق هيوصلك كل يوم ويستناكي لحد ما تخلصي محاضراتك ويعاودك على البيت تاني."
اعترضت على حديثهما بشدة ولكن استطاع ذاك الخبيث أن يقنعها إلى حد ما بعدما تحدث عن غيرته عليها وعدم اطمئنانه لمكوثها هنا بمفردها.
بعد مدة جاء النادل إليهم ووضع لهم الطعام وبدأ الجميع يتناولونه بشهية عالية عدا تلك الصفا التي بدأ العد التنازلي لمستوى أحلامها.
بعد الانتهاء من الطعام بدأ قاسم بالحديث عن عمله موجهًا حديثه إلى عمه ثم انتقلوا إلى السياسة وكل هذا تحت تملل صفا وحزنها من عدم اهتمام قاسم بها ولا حتى تكليف حاله عناء النظر إلى وجهها.
وقفت بهدوء وتحركت إلى سور الباخرة المتحركة، ثم وضعت يدها عليه لتتشبث به.
تطلعت إلى مياه النيل بمظهرها الخلاب وحركة الباخرة تداعبها وتدللها في مشهد خطف أنفاسها واستولى على بصرها.
وبرغم وجود كل هذا الجمال من حولها إلا أن الحزن كسي ملامحها الجميلة وجعلها تبدو وكأنها امرأة تخطت الستين من عمرها وتمكنت من ملامحها الأحزان بفضل هموم الزمان.
تحرك إليها شاب يبدو عليه أنه في منتصف العقد الثالث من عمره ووقف بجانبها ولكن مع مراعاة احترامه لبعد المسافات، تطلع بإنبهار إلى جمالها وسحر عينيها وهالتها الغريبة التي استحوذت على بصره وجذبته لينساق إليها دون أدنى إدراك منه.
وأقسم بداخلة أنه لم يرى بسحرها يومًا، وأكثر ما كان يميزها بعينيه هو صفاء روحها الذي طغى على ملامحها الخارجية مما جعل لها قبولًا في قلب وعقل من يراها من الوهلة الأولى.
كانت تنظر للأمام في اللاشيء سارحة بأحزانها لبعيد، حتى أنها لم تشعر بوجوده بجوارها ولا حتى لملامحها التي انكمشت مؤقتًا من شدة حزنها على بدء العد التنازلي لتنازلها ورضوخها أمام انكماش أحلامها وتقلصها رويدًا رويدًا.
تحدث حتى يخرجها من صمتها وتيهتها وكي تنتبه لصوته لكي يحظى بطلة ذاك الملاك إليه... "مش لايق عليكِ الحزن يا صافيه."
انتبهت إليه وبسرعة البرق حولت بصرها إليه باستغراب ثم حولت بصرها سريعًا إلى والديها وقاسم ووجدتها منشغلين عنها بالحديث ولا يشعرون حتى بوجودها.
فابتسم هو وأجابها بهدوء ونبرة صوت مريحة لمسامعها... "إهدي من فضلك ما فيش داعي للقلق، على فكرة أنا مش بعاكسك صدقيني، ولا حتى من طبعي إني أكلم حد معرفوش وأتطفل عليه."
وأسترسل حديثه بإنبهار ظهر بعينيه... "لكن معاكِ الوضع مختلف، أنا كنت قاعد في حالي وفجأة وأنا بستكشف المكان عيوني وقعت عليكِ وإنتِ واقفة، ما أعرفش ليه ملامحك خطفتني، شفت جواكِ صراع وتمرد على وضع مفروض بالنسبة لك وإنتِ مش قادرة تعترضي ولا تغيريه!"
وأسترسل حديثه العميق... "شفت روحك وهي بتحاول بكل قوتها تزيل خيوط العنكبوت اللي معششة ومتشابكة حواليكي ومقيدة حركة فكرك وإنطلاق روحك وعقلك."
نظرت إليه باستغراب فأكمل وهو يمد يده ويستعرض أمام ناظريها محرمة ورقية كانت بيده ويعطيها إياها، نظرت بما تحتويه وحينها لم تستطع الصبر على الصمت أكثر.
اتسعت عيناها بذهول حين رأت وجهها منقوشًا عليها بالرصاص بمنتهى الدقة والحرفية، ولكن ما أثارها أكثر أنها رأت دموعًا تنزف من رسمتها وملامحها وكأنها تصرخ مستنجدة بأحد.
نظرت لرسمته بانبهار وحدثت حالها... "ما هذا يا إلهي، إنه إبداع بكل المقاييس، كيف له أن يطبع ملامحي بكل ذاك الإتقان وكأنه يعمل عليها منذ أيام وليست من بضعة دقائق فقط."
ثم نظرت له وأخيرًا خرج صوتها المميز بعذوبته ورقته وأردفت قائلة بنبرة مبهرة: "حضرتك مبدع يا أستاذ، إزاي جدرت تطبع ملامحي بالإبداع ده كله في الدقايق الجليلة دي، اللي يشوف الرسمة يفتكر إنك شغال عليها من أيام، حقيقي برافو عليك."
تمعن النظر بوجهها وأردف قائلاً بتفهم: "صعيدية؟"
وأكمل بيقين وهو يميل رأسه قائلاً بتأكيد: "كده أنا عرفت سبب القيود اللي محاوطة روحك وخانقاكي، العادات البالية والتقاليد اللي عفا عليها الزمن ولم يعفو عنها البشر."
ابتسمت له وأردفت قائلة بنبرة هادئة: "كلامك كيف الشعر بيدخل على القلوب بيمسها ويزلزل كيانها، وأكملت بمرارة ظهرت بنبرة صوتها الحزين: بس في نفس الوقت بيعريها قدام روحها وريها حقِيقَتها المرة."
كاد أن يجيبها لكن أجبره على الصمت هجوم ذاك الشرس الذي اقتحم هدوئه وسلامه النفسي بعنف شديد وهو يجذبها من ذراعها ويخبيها خلفه ويتحدث لذاك الغريب بلكنة قاهرية: "إنتَ إزاي يا حضرة تسمح لنفسك تقتحم وقفتها بالطريقة الرخيصة دي؟"
"إهدي من فضلك يا أستاذ وخلينا نتكلم كأشخاص متحضرة." جملة قالها ذاك الغريب بنبرة هادئة متعمقة أحرقَت قلب قاسم وأشعرته بهمجيته المفرطة.
ولكن استشاط داخله أكثر من برود وهدوء ذلك الدخيل المتداخل وأجابه بنبرة تهكمية ساخرة: "نعم يا أخويا، نتكلم كأشخاص متحضرين، هو أنا أعرفك منين أصلاً عشان نتكلم؟"
وأكمل باتهام بشع: "إنتَ مجرد واحد رخيص متحرش جاي تضحك على عقل عيلة صغيرة عديمة خبرة بكلمتين مستهلكين حافظهم من فيلم ساقط."
نزلت كلماته المهينة لشخصها على قلبها أحزنته وقررت التدخل بعدما أهان ذاك المتحضر بتلك الطريقة المنحطة ووصمه بوصف لا يليق بعقله وفكره الراقي التي لمسته من خلال حديثها القليل معه.
تحركت من خلفه ووقفت بجانبه كتفًا بكتف وتحدثت بنبرة حادة لصوت غاضب: "أولاً يا أستاذ قاسم أني مش عيلة صغيرة ولا عديمة خبرة زي ما أنتَ وصفتني!! أني يمكن سني صغير لكن عقلي كبير وواعي وبقرأ كتب يمكن حتى معدتش على خيال سيادتك ولا سمعت حتى عنها."
نظر لها بغضب تام فأكملت وهي تشير إلى ذاك الغريب باحترام: "ولا الأستاذ المحترم ده يستاهل الوصف البشع اللي سيادتك وصفته بيه، الأستاذ فنان محترم وشخص راقي يستحق كل التقدير."
وكادت أن تكمل لولا أصمتها بصوته الهادر وهو يحدثها بعيون تطلق شزرًا: "وأيه كمان يا صفا هانم، الله الله، ده أنتِ عاجبك بقى تلزيق البيه فيكِ والمسخرة اللي بتحصل دي."
اتسعت عيناها بذهول أثر حديثه المهين، وتحرك زيدان وورد عندما لاحظا تصاعد الوضع وتصاعد وتيرة صوت قاسم وغضبه الذي ظهر فوق ملامحه.
تحدث زيدان بنبرة حادة وهو يأخذ صغيرته ويسحبها لداخل أحضانه برعاية وحنان: "فيه إيه يا قاسم؟"
وأكمل بنبرة صارمة: "ومال صوتك عالي على صفا كده؟"
تحدث بنبرة حادة وجسد يظهر عليه علامات التشنج والغضب: "الهانم زعلانة مني وبتلومني عشان بوصف البيه اللي اقتحم وقفتها ومعملناش أي حساب، بالمتحرش."
أما ذاك الغريب الذي وقف يتطلع لذاك المتجبر الباطش وهو يفرض سيطرته ويمارس سلطته وهيمنته على تلك المسكينة دون أن يعطيها حتى حق الرد.
خرجت من داخل أحضان أبيها وتحدثت بدفاع وإنكار وهي تشير إلى الغريب: "محصلش يا أبوي، الأستاذ فنان ولما لقاني واقفة لوحدي رسم صورتي على المنديل ده وجه بكل ذوق واحترام عشان يقدمه."
لينظر ليدها الممدودة بالمحرمة وبدون أدنى تفكير جذبه من يدها بعنف وغيرة وألقاها داخل مياه النيل وتحدث بحدة أصمًا إياها: "مش بقول لك عيلة صغيرة وعديمة خبرة."
ثم نظر لعيناها بحدة وتحدث باستهزاء: "دي طريقة جديدة لمعاكسة الساذجين أمثالك يا أستاذة."
وجه الغريب حديثه إلى زيدان بعدما رأى دموع وتشتت صفا الروحي وهي تنظر إلى المحرمة التي جذبتها الأمواج وبدأت بتمزيقها تمامًا مثل روحها المشتتة، الممزقة، التائهة.
الغريب: "صدقني يا أفندم الأستاذ بيقول كلام محصلش، واللي الأنسة صفا بتقوله هي الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة، ونظر داخل عينيه وأكمل برجاء: ياريت حضرتك تخلي بالك من بنتك وتراعي روحها أكتر من كده!"
ثم انسحب بهدوء عائدًا إلى طاولته مع استغراب زيدان من حديثه الغريب!
حول بصره لابنته التي تزرف دموعها بقهر وهي تنظر لتلك المحرمة بعدما ذابت وتلاشت ملامح وجهها المرسوم بها.
شعر بغصة تقتحم صدره وتحرك إليها واحتضنها وتحدث إليها بهدوء وبنبرة حنون: "تعالي نروح له وأخليه يرسمك من تاني، بس المرة دي على لوحة وأني هبروزها لك بماية الذهب وأعلقها عندي في الصالون."
نظرت له بدموعها فأكمل وهو يجفف لها دموعها بأصابع يده الحنون: "ولا تزعلي حالك يا جلب أبويا."
هزت رأسها يمينًا ويسارًا مما جعل قطرات دموعها تتناثر هنا وهناك بشكل يقطع أنياط القلب.
وتحدثت بصوت واهن حزين: "ضاعت حلاوة اللحظة يا أبوي، مبقاش ينفع خلاص."
أما قاسم فكان يستمع إلى حديثها بقلب حزين لأجلها، فقد وعى لحاله للتو وشعر أنه حقًا قد أزادها على تلك الصغيرة فتحدث بنبرة جامدة: "متزعليش مني يا صفا، أني خايف عليكِ يا بت عمي."
حزنت عندما استمعت لنطقه لابنة عمه وقد تيقنت بتلك اللحظة أنها لم تكن له سوى "إبنة عمه وفقط".
سحبتها والدتها بألم رآه زيدان وحزن لأجله ولصحة حديثها عن أن تلك العلاقة هي بداية حزن صغيرته البريئة.
وتحدثت ورد بنبرة حزينة: "يلا بينا نقعد يا بتي."
تحركت بجانب والدتها وجلست بمقعدها ونظرت لتتطلع على ذاك الغريب، ولكن من العجيب أنها لم تجده، باتت تحرك عينيها هنا وهناك وتجوب بها المكان للبحث عنه ولكن دون فائدة، وكأنه كان سرابًا وانتهى.
أكملت جلستها شاردة ناظرة لمياه النيل تحت نظرات ذاك المتجبر الباطش ولكن بقلب حزين متألم لألمها.
انتهت الرحلة النيلية ورست الباخرة وأخذ زيدان ورد وصفا داخل سيارته المستأجرة وذهب بهما بعد رفضه لحديث قاسم الذي عرض عليه أن يذهبوا بصحبته إلى أي مكان آخر حتى يلهو صفا ويهون عليها حزنها ويكون بمثابة اعتذار على ما بدر منه وأزعجها، ولكن رفض زيدان كل محاولاته حفاظًا لكرامة صغيرته.
يُتبع..
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل السابع 7 - بقلم روز امين
تحرك زيدان عائداً بزوجتهِ وصَغيرته إلي شقتهم المتواجدة بمنطقة مدينة نصر.
وبمجرد أن خطت أقدامهم للداخل، حتي هرولت صفا سريعً مُتجهه إلي غرفتها وأوصدت بابها عليها وبدأت بالبكاء المَرير الذي إحتجزته طويلاً رٌغمً عنها.
وذلك كَي لا تٌحزن والديها وأيضاً إمتثالاً لكرامتها التي تأبي الإنكسار.
فيكفي ما أٌهُدر مِنها اليوم علي يد من يُفترض حبيبها ورجٌل أحلامها.
بكت بشدة علي ما شعرت به اليوم من إهانات من ذاك القاسم التي كانت تتوقع أن يٌسمعها أحلا كَلمات الغَزل والغرام مثلما قرأت برواياتها الحَالمة التي تعشقها.
وأيضاً ما تُشاهدهٌ في بعض الأفلام الرُومانسيه الراقية الفِكرّ والخالية من آية مَشَاهد خَادِشه للحياء.
والتي تٌشاهِدُها بصُحبة والِدتها وذلك كي تُراقب ورد ما تحتويه ما تُشاهدة طِفلتِها.
حَلٌمت وحَلٌمت بالإهتمام وبأن ينظر لداخل عيناها ويُسمعها أرقي كلمات الغزل.
ولكن، متيّ كان التَمني طائِع لرغباتِنا؟
أما زيدان، الذي كان يتهرب من نظرات ورد المُتفحصة له والمُدققة لرصد ردة فِعله علي ما بدَرَ من إبن شقيقهُ.
ويضل السؤال قائماً: ما بيدة ليفعله؟
أحقاً يستطيع أن يقف بوجه أبيه هذة المّرة أيضاً ويعارضه ويُنجي بعزيزة أبيها من ذاك الحُزن الذي ينتظِرُها؟
لا والله لن يفعلها، وخصوصاً أنه يَعلمُ عِلمْ اليقين آن إبنتَهُ تعشق ذاك القاسم حتي بعد كُل ما فعلة.
وجدها أكِيدُ من ذاك، ولِذا إختار لها فارِسُها كي تظفر به وتنعم.
لِذا فإذا تدخل سيكون هو الطرف الخاسِر داخِل تِلك المُعضِلة.
كل ما أستطاع فعله هو أن سحب ورد لداخل أحضانهْ حتي يُضمد لها جِراح روحِهَا التي أصَابتِها جَراء حُزن وآنكِسار صغيرتِها بتلك القسوة أمام أعيُنها.
وبعد مرور حوالي ساعة، كان قد تركَها زيدان مُتعمداً كي تَهدئ وتُخَرج كُل ما في صَدرِهَا حتي تستريح.
دقَ بابِ حُجرتِها فأذنت له ودلف للداخل.
إنشق صدرهُ لنصفين حين وجدها تجلس القُرفِصَاء فوق تختِها وعيناها مُنتفخة، حمراء جراء كَثرة بُكائها الحَار.
تحرك إليها بهدوء وجاورها الجلوس.
ثم أمسك كف يدها وأحتضنهُ برعاية وشدد من ضَمته حتي يَبِثُ لها الطمأنينة.
ونظر داخل مِقلتَيها وأبتسم بخفوت.
بادلتهُ إبتسامتهِ بأخري مُنهزمة.
تحمحم كي يُنظف حَنجرته وتحدث إليها مُتسائلاً بهدوء:
جَدمتي في التَنسِيج؟
هزت رأسها بنفي فأكمل هو مُسترسِلاً بنبرة قوية:
جَدمي في چَامعة القاهرة يا صفا.
قطبت جبينها وأمالت رأسِها بهدوء بنظرة إستفهامية فأكمل هو بنبرة قوية مُساندة:
مِن اليوم وطالع رايدك تشوفي مُستجبلك فين وتُرمَحي وراه رَمح.
معيزكيش تعملي حِساب لأي حد مهما كانت غلاوتُه ومِجدارة عِنديكِ.
عاوزك تُحطي مُستجبلك ودراستك في أولوياتك.
وزي ما آنتِ جولتي إن الدراسة في چامعة القاهرة هتعلي من شأنِك ومن تصنيفك.
وأكمل بنبرة قوية ليُطمأن روحها:
وإوعاكِ في يوم تخافي ولا تِجلَجِي طول ما أبوكي عايش وفي ضهرك.
وأكمل بإبتسامة حانية:
ولا زمن تِعرفي إنك غَالية وعَالية جَوي يا سِت أبوكي.
إبتسمت بسعادة وتحدثت بإمتنان وهي ترفع كف يدهُ إلي فَمِها و تُقَبٍلُها بحنان:
ربنا يبارك لي في عُمرك وتِفضل دايماً سندي ومِنور حياتي يا ابويا.
تنهد عَالياً براحة ثم إستطرَدَ حديثهُ قائلاً كي يُخرِجُها من حُزنها الذي أصابها:
صفا، أني معيزكيش تزعلي من قاسم.
قاسم راچِل صِعيدي ودمُه حُر.
مطَاجِش يشوفك واجفه مع راچِل غريب عَنيكي.
متنسيش كَمان إنك بجِيتي تُخصِية ولازمن يِغير عَليكِ ويخاف.
هزت رأسها بتفهم لكن مازال قلبها مليئًُ بالخيبات والندبات التي لم تُمحيَ بمُجرد إستماعها لبعض الكلمات من عزيزها.
وقفَ مُنتصِب الظَهر وتحدث بإبتسامَتهِ الخَلابة التي تأسِرُ قَلب بِنت أبِيها:
يلا إفتحي المَوجَع وجَدمي حالاً في طِب القاهرة يا دَكتورة.
إنتفضت من جلستها بسعادة وبلحظة كانت تُلقي بحالِها داخل أحضان غَاليها وكأنها ترمي إليه ألامُها وما يُؤرِقُ روحِهَا.
شدد هو من ضَمَتِها وكأنهُ بتلك الضمة قد سحب عنها كامِلُ حُزنها، فهكذا هو الأُب يا سادة.
فليرحم الله من كان قِطعةً من قلبي، وبرحِيلهُ ذهب الأمَانُ من قلبي إلي أخر الدَهرِ.
❈-❈-❈
صباح اليوم التالي داخل مدينة سوهاج.
ذهب يزن إلي أراضْ جدهِ الواسعه ليلتقي والده الذي يٌشرف علي العمال وهم يحصدون محصول الذرة في موسمهٌ الصيفي من كل عام.
وجد أباهُ جالسً فوق مقعدةٌ تحت المَظله التي تحجُب عنهْ أشِعة شمس شهر أغسطس الحادة، واضعً بعض الدفاتر أمامهٌ فوق تلك المنضدة الخشبية الموضوعه أمامه.
إقترب من جلسة أبيه وتحدث بإحترام:
السلام عليكم يا ابويا.
نظر له مٌنتصر بإستغراب لتواجدهٌ بتلك الساعة حيث يجب أن يكون بصحبة جدهِ وهو يٌسلم محصول ثمار البرقوق للمشتري.
وتحدث مٌنتصر بإستغراب وتعجب:
يزن، بتعمل أية إهني يا ولدي وفايت چِدك لحاله مع الناس اللي بيشتروا المحصُول؟
أجابهٌ صغيره بإختصار:
الناس مَشوا يا أبوي، چِدي معجبوش السعر وما أتفجوش.
مع إن عمي قدري كان هيتچنن وشويه وكان هيميل علي يد چدي ويحب عليها لجل ما يتمم البيعه، بس چدي صمم علي رأية ومشاهم من الچنينة.
تنهد مٌنتصر بصدرٍ مٌحمل بأثقال الهموم من أفعال أخيه الذي يعلم علم اليقين أنهٌ علي إتفاق سري خبيث مع مشتري المحصول ليُبخس من ثمنه ويأخذ هو فارق السعر في الخفاء ليضعهٌ في حساباته البنكيه هو و زوجته والذي يُخفيها عن الجميع.
ولكن لسوء حظه، فقد وقع خطاب إستعلامي كان مبعوث له من البنك ليعُلمهٌ كيف أصبح حسابه هو و زوجته.
وبالصدفه وقع هذا الخطاب في يد مٌنتصر بعدما كذب علي ذاك المندوب وأخبرهٌ أنهٌ قد راح.
حيثُ أن قدري كان قد أخبرهم من ذي قبل بأنه لا يٌريد أية خطابات إستعلامية تصل إلي منزله، ولكن لسوء حظة فقد تغيرت إدارة البنك وجرت هذة اللخبطة.
نظر يزن إلي أبيه مٌستغربً حزنهٌ الذي أصابه فجأة وتساءل ليطمئن علي عزيزٌ عينه:
مالك يا أبوي، أيه اللي غَيِر وشك فجأة إكدِه؟
أجاب ولده بمراوغة كي لا يكشف الوجه السئ لأخيه أمام يزن:
مفيش يا ولدي، جولي يا باشمهندس، كُت چاي لية وعاوز أيه؟
تنفس يزن عالياً ثم زفر براحة وتحدث بنبرة حذرة:
عاوز أتحدت ويَا حضرتك في موضوع مهم يا أبوي، بس عاوزك تفهمني زين وتجدر كلامي وحالتي.
تضيق مُنتصر عيناه وتحدث بنبرة قلقة:
فيه أيه يا ولدي، إنطج جَلجلتني.
نظر لوالده بتمعن ثم أجابهٌ بشجاعة:
أني رايد أتچوز من صفا بِت عمي يا أبوي، مرايدش ليلي أني، معحبهاش يا ابويا.
تنهد الوالد بأسي وتحدث بإستسلام مُهين:
خلاص يا يزن، جُضي الأمر وچِدك أصدر أوامرة خلاص.
إنفعل يزن وأردف قائلاً بنبرة حادة:
حُكم قراقوش هو ولا حكم قراقوش؟
وأكمل بإعتراض:
مين إدي السُلطة لچدي إنه يُحكم ويتحَكَم في مصِيرنا وجلوبنا كيف ما يحلالُه، بأي حَج يُحكُم علي جَلبي بالإعدام ويُجبُرني أعيش مع واحده وأني جَلبي مِلك لغيرها.
تنهد مٌنتصر بأسي لحالة ولدهٌ البكري وعزيزهٌ وهو يري تشتت ومعاناة روحهٌ من تجبر چده.
وأردف قائلا بنبرة حنون كي يٌسيطر بها علي غضب نجلهِ الحبيب:
فيه حاچات أشد من العِشج يا ولدي، مع الأسف يا يزن، العادات والتجاليد هي اللي بتحكُمنا.
إحتد وجه يزن وأردفَ قائلا بحدة وغضب:
ملعون أبوها التجاليد دِي اللي تخليني أنسى عِشج عُمري وأدفن حَالي في حُضن مَرّه مرايدهاش.
وكأن إكتب علي أموت وأني لسه علي وش الدِنيي وحُضن ليلي يُبجا كَفني ومَجبرتي.
صاح مٌنتصر بوجة ولدهِ بحده وتحدث ناهراً إياه:
إتحشم يا واد وإنتَ بتتكلم علي بِت عمك، وبعدين مين اللي جال لك إن صفا هترضي بيك يا حزين؟
صفا رايده قاسم، وچدك وچدتك عارفين إكده زين وعشان إكده إختاروها هي بالذات دونً عن غيرها لقاسم.
أجاب والده مفسراً:
وقاسم مريدهاش يا أبوي، قاسم بيحب واحده مصراويه وأني سِمعته بودني دي وهو بيكلمها وبيحب فيها في التلفون من الچنينة، صدجني يا أبوي قاسم مرايدهاش.
تحدث إليه أبيه بيقين:
قاسم شاب، مال وجاه ورچوله الله أكبر، وعايش في الغربه لحالة وأكيد البنات حواليه يَامَا.
وأشار بيده مُقللاً من الحديث:
أهو بيسلي نفسيه وبيسلي وحدته في مصر، لكن لما توصل للچواز أكيد هيختار البِت اللي تِليِج له وتشَرِفه جِدام عِيلته وبلده، والدليل علي حديتي دِي إنه وافج چدك علي جراراته ومعصهوش ولا أعترض زييك.
تحدث يزن بيقين من داخله:
متخدعش حالك بكلام حضرتك عارف حجيجته زين يا أبوي، كلنا عارفين إن سكوت قاسم وموافجته علي جَرارَات چِدي ما هي إلا طاعة عامية لتهديدات وضغط عمي قدري عليه.
كُلنا خابرين زين إن عمي قدري طمعان في مال عمي زيدان اللي لمُه بشَجاه وتعبه طول السنيين اللي فَاتت، عمي قدري ومَرته حسبوها صٌح، يجوزوا صفا لقاسم ويستولوا علي شجا عمي.
تنهد الأب لعلمهِ وتيقنهُ من صحة حديث صغيره ولكن ماذا عساهٌ أن يفعل أمام جبروت أبية وتحكماتة الشديدة المٌتعصبة.
فاتخذ من الصمت ملاذاً له.
❈-❈-❈
في مساء اليوم التاليكانت تجلس داخل غرفتها حزينة شاردة تفكر فيما فعلة ذاك القاسم، عديم القلب، فاقد المشاعر والإحساس والتي لم تشعر من جانبهِ إلي الآن أية مشاعر إيجابية بإتجاهها.
فاقت علي طرقات تٌقرع فوق بابها بخفة.
سمحت للطارق بالدخول فدلفت والدتها وتحدثت لِتُخبرها بهدوء:
قاسم برة ورايد يشوفك يا صفا.
حَزِن داخلها حين إستمعت إلي ذكر إسمة فتحدثت إلي والدتها بنبرة حزينه ومازالت مُستكينة بجلسَتِها فوق فراشها بإستسلام:
معوزاش أشوف حد.
تنهدت ورد وتحدثت إلي صغيرتها بإصرار:
جومي غيري خلجاتِك وإطلعي له يا صفا، قاسم شكلة جاي يعتذر لك عن اللي حٌصل مِنيه عَشيه.
تنهدت بأسي وأطاعت والدتها وأرتدت ثوبً هادئً وتحركت للخارج.
وجدته يجلس بجانب أبيها، ولا تدري ما الذي أصابها حين رأته، إنتفاضة إجتاحت جسدها بالكامل بمجرد رؤيتها لعيناه، فبرغم يأسها الشديد الذي تسبب لها به، وبرغم حٌزنها وغضبها منه إلا أنها بمجرد فقط ظهورهٌ أمامها تنتابها مشاعر جياشة تجتاحٌ كيانها بالكام.
وقف سريعً عند رؤيتها وأمال بجزعهِ إلي تلك المنضدة الموضوعة أمامه وألتقط من فوقها تلك الباقة الرائعة المكونه من زهور البنفسج التي تٌبهج النفس وتبثٌ بها سعادة.
حمل الباقة وأقترب عليها وأردف قائلاً بإبتسامة خَلابة وهو يمد يدهٌ بتلك الزهور كآعتذاراً صريح لما بدر مِنهُ ليلة البارحة:
كِيفك يا صفا؟
نظرت إلية بعيون مٌتسعة، مذهولة، سعيدة وقلبٍ ينبُضُ بشِدة ويكادٌ يخرج من بين ضِلُوعها ليرتمي داخل أحضانة ويَسعَدُ بدفأهِ.
وأسترسل هو مٌبتسمً وهو يٌعطيها الزهور:
أني أسف يا صفا، حَجك علي، وصدجيني أني مكُنتش أجصُد أزعلك ولا أتسبب لك في نزول دمعة واحده من عيونك الغالية.
كانت تنظر إليه فاتحة فاهها ببلاهه وهي تستمع لكلماتهِ الرقيقة التي لم ولن تتوقعها منه حالياً وبالتحديد أمام مسمع ومرأي من والديها.
طار داخلها وشعرت بزلزلة عنيفة تسري بداخل شرايينها.
بسطَت يداها ناحيتهُ وأخذت منه باقة الزهور وبدون إدراك قربتها من أنفِها لتشتمَ عبيرها بإستمتاع ثم آحتضنتها وتحدثت بنبرة سيطرت عليها السعادة:
مُتشكرة يا قاسم.
إبتسم تلقائياً حين لَمحَ علي محياها كل تلك السعادة التي إرتسمت بلحظات من مُجرد تصرفهُ البسيط ذاك.
ثم تحرك قليلاً ومال ليلتقط إطاراً كبيراً كان يضعه بجانب الأريكة وتحدث إليها بنبرة حنون:
غمضي عِنيكي يا صفا.
نظرت إلي والدها الجالس يترقب ما يحدث وآبتسامة حانية تملكت من ثَغرة وزينتة لتزيدهُ وسامة.
أشار لها زيدان بأهداب عيناه بأن تفعل، فآبتسمت وأغمضت عيناها بالفعل بعدما أخذت الإذن من عزيزُ عيناها.
نظر قاسم إلي عمه وشكرة بعيناه وبدأ بنزع الغطاء الورقي من فوق الإطار.
وتحدث إلي صفا:
ودالوك يَلا فَتِحِيهُم.
أفتحتهما بالتدريج وإذ بشهقة سعيده مذهولة تخرج من أعماقها وهي تري أمامها Portrait (بورترية) مرسومً لها بإتقانٍ شديد جعلها تشعُر وكأنها تٌحلق في السماء بجناحين من نور.
وكان قاسم قد هاتف عمه بعد عودته إلي سكنه وطلب منهُ أن يبعث لهُ صورة شخصية لصفا كي يذهب بها إلي رسام ويجعلهُ يخُط لها برسمة كتعويضً منه علي ما فعل.
نظرت إلي مقلتيه وألتقا بعيناها وإذ برعشة تُصيب جَسده من تلك النظرة ولا يدري بما يُفسرها هو.
نفض من داخله ذاك الشعور سريعً وتخلص منه بحِدة ورفض.
وتحدث إليها مُتسائلاً بنبرة جادة:
أيه رأيك يا دَكتورة؟
إشتدت سعادتِها من مُجرد ذِكرهِ لها للقب دكتورة التي تعشقه وطالما حَلُمت بإستماعهِ من الجميع وخصوصاً هو.
وتحدثت بسعادة:
كُل دِه عِمِلته علشاني يا قاسم؟
أجابها بهدوء وصدق:
زعلك غالي علي يا صفا، ومجدرش أشوفك زعلانه مني وأجَف ساكت إكدة، ياريت أكون جِدرت أكفر عن ذنبي معاكي وحاولت ولو بسيط أعوضك عن الرسمة إياها.
أجابته قائلة وإبتسامة جذابه إرتسمت علي محياها:
وأني كفاية عليا كلامك دِه يا قاسم، محا لي كل حُزني اللي صابني.
تحدثت ورد إلي قاسم بإبتسامة سعيدة ناتجة من سعادة طفلتها الوحيدة:
إجعد يا قاسم ويا صفا، وأني هروح أعملكم أحلا عشا فيكي يا مصر.
تحدثت إليها قاسم بإعتراض لطيف:
متتعبيش حالك يا مرت عمي.
ثم حول بصرةُ إلي عمه وتحدث بإحترام:
أني بعد إذن عمي هاخد صفا ونتعشا برة وكمان هعزمها علي سِينما بعد العشا تعويضً مني عن اللي حُصل إمبارح.
إنتفض داخلها ونظرت تترقب موافقة أبيها بقلبٍ مٌتلهف.
نظر لها زيدان وكاد أن يعترض إمتثالاً لنظرات ورد القلقة لكنه تلاشي كٌل الإعتبارات في سبيل سعادة طفلته التي رأها بعيناها.
وتحدث بإبتسامة حنون:
وماله يا قاسم، صفا معاك هتُبجَا في أمان كَنها معاي بالظبط.
إبتسمت لأبيها وتحدثت بلهفة وسعادة بلغت عنان السماء:
أني هدخُل أچيب شنطتي وهاچي حالاً.
______
بعد مدة كانت تتحرك بجانِبه داخل المطعم وتوقفت حين أشار لهما الموظف المسؤل عن إدارة المكان عن موقع المنضدة الخاصة بهما.
وقفت تنظر إلية وإنتظرت أن يسحب لها المقعد لتجلس كما تري في أفلامها وكما صور لها خيالُها الحَالم.
لكنهٌ أحبَط عزِيمتِها وجلس علي مقعدة بمنتهي البرود حتي قبل أن تجلس هينظر لها وتحدث بنبرة باردة:
واجفة ليه يا صفا، متُجعدِي.
إستفاقت علي حالها ورجعت بخيالها لأرض واقعها المرير.
هزت له رأسها بإيمائة وآبتسامة كاذبة تٌخفي خلفها أهاااات من خزلات وصفعات تتلقاها منه مؤخراً واحدة تلو الأخري.
جلست وجاء إليهما النادل وأملاه كلاهما ما يٌريد من الطعام بعدما قررت صفا أن تأكل مثل حبيبها.
ذهب النادل ونظر هو لشاشة هاتفة وبدأ بمراسلة أحدهم تحت نظراتها المُستعجبه.
إستشاطت من أفعاله الغير مٌرضية لكبريائها ولشخصيتها القوية التي لم يَرَها بَعد.
فتحدثت بنبرة حاده بعض الشئ وملامح مُقتضبة:
مكَانِش ليها لزوم خروچِتنا دي طالما مشغول للدرچة دي.
ضيق عيناه مٌستغربً حدة نبرتها وملامحها الطفولية التي ظهر عليها الغضب بطريقة مٌضحكة.
إبتسم لها كي يٌهدئها وتسائل بهدوء:
زعلتي إياك؟
اخذت نفسً عميقً واجابتة بنبرة قوية لائمة:
مبحبش حد يهمل وچودي ويتلاشاني ويهين كرامتي.
إتسعت عيناه وتحدث إليها مستغربً بدٌعابة:
كٌل دِه أني عِمِلته بمسكتي للتَلفون؟
أجابته بنبرة حزينة تملكت من صوتها:
مسكتك للتلفون اللي مستهون بيها دِي معناها كبير جَوي عِندي يا قاسم.
وأكملت بعبرة خنقت صوتها:
بعد إكدة لو مش حابب تُجعد وياي متُبجاش تضغط علي حالك.
شعر بطعنة داخل صَدرِة لأجل حٌزن تلك البريئة ولام حَالهٌ وأنبها علي خِداعِةِ لتلك المِسكينة التي يعلم أنها تكنٌ له معزة خاصة.
ولكنهٌ نفض من عَقلةِ فكرة عشقها له وأقنع حاله أن ما يحدث معها ما هو إلا مجرد إعجاب وتعلق من فتاة مراهقة ساذجة فاقدة للخِبرة بشخص إبن عمها لا أكثر.
أغلق هاتفه ووضعهٌ فوق المنضدة بإهمال وتحدث بإبتسامة:
وأدي يا ستي التَلفون اللي مزعلك.
وأكمل بإهتمام كي يٌزيل عنها حٌزنها:
بس أني معايزكيش تاخدي الأمور بحساسية إكدة يا صفا، زعلتي وكبرتي الموضوع علي الفاضي.
وأكمل مٌبرراً بصدق:
كُل الحكاية إني كنت براسل زبون عِندي علي الواتس عِنديه جضيه وأتحدد مِيعاد چلستها السبوع دِي وكُنتَ بخبرُة عِنيِها مش أكثر.
نظرت له ومازالت تكشيرة وجهها موجودة فتحدث هو بدعابة:
خلاص بجا عاد، يلا إبتسمي وريني الضحكة الحِلوة لست البنات.
إبتسمت له وأنار وجهها وضل قاسم يتحدث معها بإهتمام حتي اتى النادل بالطعام وانزلهٌ وبدأو بتناوله.
وبعد الإنتهاء ذهبا سوياً إلي السينما وقضت معه أسعد ليلة بحياتها حيثُ غمرها بإهتمامه ك تكفير منه عن ما أقترفهُ بحقِها.
وبعدها أوصلها إلي منزلها و ودعها و عادَ إلي محل إقامته.
❈-❈-❈
في اليوم التالي داخل محافظة سوهاج.
مازال زيدان وورد وصغيرتهما بالقاهره.
جمعت الچَده قدري ومٌنتصر وزوجتيهما وأنجالهما.
وقد إتفقت بوقتٍ سابق مع عتمان أن لا يأتي علي الغداء ويبقا بحديقة الفواكة، كي يُعطي لها فرصة إخبارهم بإنتوائها لإكتتابها بالعشرين فدان التي تملكٌهما إلي صفا.
نظرت لها فايقة وتحدثت بنبرة حاده لائمة:
بس اللي بتجولية دِه إسميه ظٌلم يا عمه، إشمعنا صفا اللي تكتبي لها العشرين فدان ورثتك، أيه، ملكيش أحفاد غيرها إياك؟
وأكملت ليلي ونار الغل تنهش بصدرها:
كُل حياتكم بجت ظلم وإفتري، مفيش علي الحِچر غير الست صفا وچلعها الماسخ، حتي في الورث وشرع الله هتخالفوة لچل عيونها!!
أخرصتها الچده بصياحٍ عارم:
إخرصي يبت وإتحشمي وإنتِ بتتحدتي وياي، شرع أيه اللي هخالفه يا مجصوفة الرجبة إنتِ.
وأكملت بتجبر وعِناد:
ورثتي وهديها لبت زيدان، أيه اللي يزعلكم في إكده مفهماش؟
تحدثت مريم بنبرة مُعترضة تأكيداً علي حديث ليلي:
هو اللي يجول الحَج في البيت ده تخرصوة؟
وأردف يزن بنبرة جاده وذات معني ومغزي:
خلي بالك يا چَدة، إنتِ بتصرفك دِه مبتفديش صفا، لا، إنتِ بإكدة بتأذيها أكتر وإنتِ مدريناش!!
وتلاهٌ مٌنتصر الذي تحدث مٌعترضً:
اللي بتِعمليه دِه غلط وحرام شرعاً يا أماي.
نظرت إليهم الچده بنظرات ثاقبة وتحدثت بنبرة حادة وهي تتنقل النظر بين الجميع:
لما أنتوا فيكم إلسنه إكده وبتعرفوا الحلال والحرام متحددتوش وأعترضتوا ليه لما زيدان أبوه حرمه من ورثته زمان، ولا عشان ده كان عيصب في حِچاركم سَكتوا وطرمختوا علي الموضوع؟
أجابها مٌنتصر مذكراً إياها:
مين اللي سكت يا أماي؟
وأكملَ ليٌذكرُها:
كام مّرة أني حاولت أتدخل وأصلح بين أبوي وزيدان، بس إنتِ أكتر واحده أدري بأبوي وبدماغه الناشفة، أبوي بجرارة ده خالف شرع ربنا، بلاش تخالفيه إنتِ كَمان بعملتك دِي يا حاچة رسمية.
تحدثت فايقه بتأكيد بنبرة حاده:
كلام مٌنتصر صٌح يا عمة، ده غير إن زيدان إتعاجب لأنه غِلط وخالف عادات وتجاليد العيله وحرم نفسه وحرمكم من الواد اللي عيشيل إسمة وإسم أبوة من بعديه، ولجل إكده إتحرم من ورثتُه.
وأسترسلت بنبرة معاتبة:
لكن إحنا وأحفادك بتعاجبينا وتحرمينا من خيرك ليه؟
كان يجلس يبتسم من داخله علي قرار والدته والذي يصبُ داخل مصلحتهٌ هو وولدهٌ البكري.
فقد زين لهٌ الشيطان أفكارة بأن يجعل قاسم يستغل عشق صفا له بعد زواجهما ويٌجبرها علي التنازل لهٌ بالعشرين فدان.
ثم بعد ذلك يجعل قاسم يتنازل هو الأخر له عن تلك الورثه التي طالما حلٌمَ بها مِراراً، والتي ستكون رُمانة الميزان بالنسبة له، وستحقق لهٌ حٌلمة بأن يٌصبح ذو مال وجاة يُعادل جاة ومال زيدان.
نظر لتلك الغبيه التي أثارت غضبتة وتحدث بهدوء عكس ما يدور بداخلة ليهدأها ويجعلها تنظر لذاك القرار من جهة آخري:
وإنتِ إية اللي مِزعِلِك جوي إكده يا فايقة، هي صفا دي مش هتُبجا مرت ولدك وكُله عيصُب في الآخر في حِچرة وحِچر ولاده؟
إتسعت حدقة عيناها منتبهه لصحة حديثهُ التي كانت تغفل عنه، وبلحظة تحول غضبها الداخلي إلي سعادة لا توصف من شدة جشعها.
وضع مٌنتصر ساقً فوق الأخري وتحدث بتعجب ساخراً وهو يحُك ذقنهِ بيده:
هي بجت علني إكده يا قدري؟
ضيق عيناه لشقيقهٌ وتساءل بعدم إدراك لمعني حديثه:
أيه هي اللي بجت علني دي يا واد أبوي؟
أجابهٌ بحده:
الطمع يا قدري، الطمع اللي مالي عنيك في مال زيدان ومال بِته!!
وقفت الچده وتحدثت بحده لتٌنهي ذاك الصراع الدائر بين ولديها:
بكفياكم عاد يا ولاد عِتمان، هي حَصلت كمان إنكم تتعاركوا جُدامي؟
وأكملت بنبرة صارمة:
جراري أخدته وخُلص الحديت، العشرين فدان هكتبهم لصفا وهبلغ قاسم إنهاردة يعملي بيهم عَجد تنازل ليها.
وأسترسلت حديثها بتفسير صارم:
وأني إن كنت ببلغكم فده لجل ميكون عنديكم خبر، مش عشان تشاركوني جراري وتحاسبوني عليه.
وأكملت بحدة وصرامة:
يلاااا كل واحد يتكل علي الله ويشوف مصالحه، وإنتِ يا فايقه إنتِ وحياة، خدي البنِته وأدخلوا المطبخ جهزوا العشا للرچالة.
وتحركت إلي حُجرتها وتركت الجميع كٌلٍ ينظر للأخر بغضبٍ عارم لو خرج من داخلهم لأشعل في المنزل بأكملة.
تحدث مٌنتصر إلي قدري بعيون تٌطلق شزراً:
لعِبتها صُح إنتَ ومرتك يا قدري، بس خلي بالك زين، لأني بعد إكده أني هجف لك بالمرصاد ومش هنولك اللي في بالك واصل.
وتحرك للخارج وتلاه يزن الغاضب وبشدة.
وأنفض الإجتماع وتحرك كٌل إلي وجهته.
نظر فارس إلي والديه بحزنٍ عميق وتحرك لأعلي متجهً إلي غرفته.
❈-❈-❈
كان يجلس داخل مكتبه الخاص يدرس بعض القضايا المهمة بإهتمام.
دَلفت إليه إيناس بعدما دقت بابه للإستئذان.
إقتربت وجلست أمامه فوق المكتب بوضعية مٌثيرة ووضعت ساقً فوق الأخري بدلال وتحدثت:
وحشتني.
إبتسم لها بخفوت وأردف قائلاً بنبرة خالية من أية مشاعر:
وإنتِ كمان.
تنفست بهدوء وتساءلت:
عمك وبنته رجعوا لسوهاج ولا لسه هنا؟
أجابها مهمومً وهو يتنفس الصعداء:
حچزت لهم رحلة بكرة الساعة عشرة الصبح.
تنفست الصعداء وأردفت قائلة بضيق:
أخيراااا، ده أنا من وقت ما جم وأنا مش عارفة أتلم عليك يا قاسم، كل يوم يا خارج معاهم يا إما بتزورهم في شقتهم، بجد حاجة تُخنق.
أجابها بتملل ونبرة حادة أربكَتها:
خلاص يا إيناس، قولت لك هيسافروا بكرة وقفلي بقا علي الموضوع ده.
وأكمل مُهدداً:
وتاني مرة ما تتكلميش عن حد من عيلتي بطريقتك المُستفزة دِي لاني مش هسمح لك بكدة.
تلبكت من حدته وبلحظة قررت إعادته إلي عالمها من جديد فتحدثت بنبرة أنثوية مٌهلكة:
إنتَ زعلت مني علشان بغير عليك يا قاسم؟
تحدث إليها بنبرة حادة وعيون غاضبة متسائلة:
بتغيري عليا من مين يا إيناس، من صفا؟
صفا العيلة الصٌغيرة اللي إنتِ مٌتأكدة من جواكي إني عمري ما شفتها ولا هشوفها غير إنها أختي الصغيرة؟
أخذت نفسً عالياً ثم تحدثت بهدوء وهي تتلمس ذقنهِ النابت بدلال إنثوي مٌثير:
طب ممكن حبيبي يهدي شوية.
ثم تابعت بأسي مصطنع:
علشان مش بحب أشوفك زعلان.
إنتفض من جلسته ووقف وأمسك يدها وأبعدها سريعً بحدة عن ملامسة وجهه وذلك كي لا يدع الفرصة للشيطان بأن يتملك منه بعدما إرتعش جسدة بلذة من ملامستها تلك،، وذلك طبيعي أن يحدث لأي ذَكراً عندما تُلامسهُ أنثي بكل ذاك الدلال.
تحدث متحمحمً بالصعيدي بعدما فقد سيطرته من تصرفاتها التي تستشيطة غضبً:
وبعدين وياكِ يا بِت الناس، مهطبتليش إسلوبك الغريب دِه؟
وأكمل بنبرة حاده:
ده أني لولا إني عارفك زين وعارف أخلاجِك كٌت جُولت عليكي واحده لعبيه ومش تمام.
إتسعت عيناها بصدمة من كلماته المهينة ووقفت سريعً تنظر إليه وتحدثت بغصة مؤلمة:
إنتَ بتقولي انا الكلام ده يا قاسم؟
وتساءلت بعيون مٌلتمعه بالدموع:
وليه؟ علشان بحبك وحابة نتقرب من بعض وناخد علي بعض أكتر قبل الجواز؟
وأكملت بعيون عاشقه:
أنا بحبك يا قاسم ونفسي نعيش سِننا ونتمتع بحياتنا اللي إنتَ مضيقها علينا وحارمنا من كل مٌتعها.
وأكملت بتذمر:
مش كفاية إننا لا بنسهر ولا بنسافر مصايف سوا، ده حتي ممنوع عليا أسهر معاك وتاخدني في حضنك ونرقص سوا زيي زي أي بنت في سني مخطوبة وبتحب خطيبها ونفسها تحس معاه بلذة الحياة.
تنفس عالياً وأجابها بهدوء كي لا يحتد عليها مجدداً ويرتفع رنين صوته ويخرج لأسماع الخارج من الموظفين والعملاء:
وأنا قٌلت لك قبل كده إن كل الكلام ده بِدع وحرام وأنا عمري ما هسمح لنفسي أعمل حاجة تغضب ربنا مني ويكون فيها هلاكي.
أجابته بطريقة تفكيرها المتحرر المخالفة لشرع الله وإتباعها لخطوات الهوي والشيطان:
وأيه بقا اللي بنعمله يغضب ربنا يا متر، إحنا مخطوبين يعني أي تقارب يحصل بينا عاد.
ينظر لها بعيون مستغربه حديثها وتحدث إليها ساخراً:
إنتِ متأكدة من كلامك ده يا حضرة المحامية يلي دارسة شريعة وقانون.
أجابته بثقة مُتبجحة:
ما لا يٌدرك كله لا يٌترك كله يا قاسم، دينا نفسه بيقول كدة.
أجابها بحده:
بلاش تخدعي نفسك وتفسري الدين علي هواكي يا إيناس، الحلالٌ بين والحرام بين يا بنت الناس.
ودي أخر مرة هنبهك وهقولك الكلام ده، الموضوع ده لو إتكرر تاني إنسي إتفاقنا وكل واحد فينا يروح لحاله.
وقف بعيداً وأشار لها بيده إلى الباب:
والوقت إتفضلي علي مكتبك لأن عندي شغل كتير محتاج أخلصه.
إبتلعت لعابها وتحركت إلي الخارج بعدما إنتوت تغيير خطتها مع قاسم كي لا تستدعي غضبهُ من جديد ويضطر هو لتنفيذ تهديدة لها.
❈-❈-❈
بعد يومان داخل محافظة سوهاج.
كانت تجلس بداخل حديقة منزل العائلة ترجع برأسها للخلف ساندة علي ظهر المقعد بمظهرٍ يجذب، تنظر بإسترخاء إلي السماء تتأمل عظمة الله في صنعه.
قاطع شرودها يزن الذي إقترب عليها ينظر إلي كٌل إنشٍ بوجهها بإشتياقٍ جارف لحبيبته الصغيرة وجمالها البارع الذي تفنن الله سبحانة وتعالي في صُنعه وإبداعهُ.
دق قلبهٌ بوتيرة عالية وأبتلع لعابهٌ من شدة إشتياقة.
وتحدث إليها كي تتطلع إليه بمقلتيها الساحرة وتنعش روحه وتعطيها دفعة أمل:
كيفك يا صفا.
إعتدلت سريعً وهي تٌعدل من جلستها ثم نظرت إليه وتحدثت إلية بإبتسامة ساحرة ونبرة رقيقة:
الحمدلله يا يزن.
سحب مقعداً وجلس بجانبها وتساءل بإهتمام:
إنبسطي في القاهرة يا صفا؟
تهللت أساريرها وتغيرت معالم وجهها للسعادة وتحدثت بنبرة حماسية وعيون لامعة:
جوي يا يزن، قاسم عزمنا علي الغدا علي مطعم عايم في النيل، وتاني يوم عزمني علي العشا برة و وداني بعدها سينما.
وأبوي أخدني لمكتبة كَبيرة وإشتريت مِنيها مچموعة كُتب جيمة جوي، هبجا أديك مِنيهم كِتاب تجراه، متوكدة إنه هيعچبك جوي.
كانت تتحدث بعيون سعيدة ونبرة حماسية أحبطت ذاك العاشق الذي تساءل بهدوء:
إلا جولي لي يا صفا، إنتِ أية رأيك في موضوع خطوبتك من قاسم دِي؟
إرتبكت وتلونت وجنتيها باللون الأحمر الداكن من شدة حيائها، وتحدثت علي إستحياء:
أبوي وچدي موافجين وأكيد هما أدري بمصلحتي مني.
نظر لها يزن وتهللت أساريره حين أجابته هكذا ظناً منه أنه لا فرق لديها بين قاسم او غيره وسألها باهتمام ولهفة:
أفهم من إكدة إنك مش فارج معاكي تكوني مخطوبة لقاسم أو غيره يا صفا؟
تلبكت وارتبكت بجلستها ولم تدري بما ستُجيبه وفجأه إستمع كلاهما إلي صوت فايقه الحاد وهي تقترب عليهما، حيثُ أنها كانت تنظر من شرفه غرفتها فوجدت يزن يقترب من جلسة صفا ولأنها خبيثة وذكية ومُلمة بحال الجميع كانت تراقب تصرفات ونظرات الجميع عن كثب وفي صمتٍ تام، تيقنت بفِطنتها عشق يزن الجارف إلي صفا، ولهذا سبقته بخطوة وحدثت عَمتها عن رؤيتها صفا زوجة مناسبة لولدها البكري قاسم، ولكنها تفاجأت بأن عتمان كان قد قرر مُسبقاً إنتوائة لزواج قاسم من حفيدته وذلك كي يحفظها ويحميها من غدر البشر وتقلبات الزمن.
جن جنونها عندما غزت أفكارها بأن يحاول يزن اللعب علي قلب تلك البلهاء عديمة الخبرة ويجعلها تتخذهُ حبيبً بديلاً عن ذاك القاسم الذي ييبس رأسه ولا يستمع إلي نصائح والدته ويقترب أكثر من تلك المراهقة ويستحوذ علي تفكيرها وجميع حواسها أكثر وأكثر.
جرت الى الاسفل بجنون لتمنع يزن من الاعتراف لها بعشقه.
تحدثت بنبرة حادة إلي يزن:
سايب عمك لحاله في الأرض مع الانفار و واجف عنديك بتعمل أية يا يزن؟
نظر لها بضيق وتحدث بحده مُماثلة:
جري أية يا مرت عمي، مالك فتحة لي تحجيج إكدة ومحسساني إني تلميذ خيبان وأتظبط وهو هربان وعم ينط من سُور مدرسته؟
ثم أني خلصت شغلي اللي مطلوب مني وجيت علي البيت أريح راسي شوي، ولا يكونش منعوا الراحة إهني واني مدريانش.
إبتسمت بجانب فمها بطريقة ساخرة وتحدثت بحديث ذات مغزي:
ممنعوهاشي ولا حاچة يا يزن، بس اللي ممنوع إنك تحاول تلعب وتِغَير في ترتيبات اللُكبار، وجتها هتكون بتغلط غلط كَبير جوي مش بس في حجك، لاء، ده في حج أبوك كَمان، ودي لوحديها فيها عجاب كبير جوي يا واد الأصول.
إستشاط داخله من تلك الأفعي الرقطاء التي تتحرك داخل عقول الجميع وتبثُ سُمها داخل افكارهم دون رَدعٍ من أحدهم.
إبتسمت له بسماجة ثم حولت بصرها لتلك الواقفه لا تفقه شئ مما يحدث أمامها ويرجع ذلك إلي شِدة برائتها.
وتحدثت إليها بنعومة كالأفعي:
أني كنت لسه داخله عنديكم يا صفا عشان أبلغكم إن قاسم هياجي كمان يومين وهندلوا معاه أني وإنتِ وأمك للمركز لجل ما ننجوا شبكتك يا عروسة.
نزلت كلماتها تلك علي قلب تلك العاشقة أنعشتها واعطتها دافع للحياه، ظهرت قمة السعادة علي وجهها وصمتت خجلاً ثم نظرت فايقة إلي يزن الذي تملك الحزن من داخلة عندما رأي كل تلك السعادة علي وجه هذة البريئة وتأكد حينها أنها تريد ذاك القاسم لا غير.
وجهت فايقة حديثها ذات المعني إلي يزن قائله:
شفت يا يزن فرحت بِت عمك بخبر شبكتها جد إية؟
واكملت بنبرة شبه أمرة:
چهز حالك إنتَ كمان عشان جدك أمر إن إنتٓ وفارس هتدلوا بكرة المركز وتنجوا شبكت عرايسكم.
في تلك الأثناء خرجت ورد كي تبحث عن إبنتها، إرتعبت أوصالِها حين رأتها بصُحبة تلك الحية، تحركت سريعً إلي وقفتهم، حين أبلغتها تلك الشٕمطاء لأوامر عِتمان وأن عليها التأهب، وتركهم يزن بقلبٍ مُنكسر وتوجة للداخل.
❈-❈-❈
كان يتحرك بقلبٍ مُنكسِر وخيبة أمل أصابته جراء ما رأهُ من سعادة داخل عيون صفا، ناراً شاعلة بجسدة بالكامل، مُتجةً إلي الدَرج ومنهُ إلي حُجرتهِ.
وجد من توقفهُ بنِدائَها العالي وتُسرع إلية بخطواتها حتي توقفت أمامهُ وتحدثت بنبرة سعيده حماسية:
كَيفك يا يزن، عِرفت إن چِدك أمرّ بإننا ندلوا كِلياتنا للمركز بكرة لجل منجوا شبكتنا أني ومريم؟
نظر لها بنصف عين وأردف قائلاً بنبرة ساخرة:
مبروك عليكي، بس أُبجِي خُدي چِدك وياكي لجل ما يكمل أوامرة ويختارلك شبكتك بنفسية.
حزنت وأقشعرت ملامحُها بعبوس وتحدثت بنبرة حزينة:
أني عارفه إنك معتحبنيش ولا كُت رايدني من الأساس.
واكملت بنظرة حاقدة:
وخابرة كَمان مين اللي كانت السبب في إكدة.
وأسترسلت بنبرة حماسية:
بس أني ريداك وعشجاك يا يزن وهعمل كُل چُهدي لجل ما أخليك تعشجني وتريدني كيف ما أني عاشجة تُراب رچلي.
نظر لها مستغربً تبجُحِها وعدم حيائها وتحدث إليها بنبرة فظة:
ماتتحشمي يا بِت، چيباها منين البچاحة اللي إنتِ فيها دي؟
إبتسمت لهُ بسعادة وأردفت بنبرة عاشقة:
إنتَ عتسمي عِشجي ليك بچاحة؟
أنقذهُ من تلك الحية صوت فارس الجَهوري الذي يتدلي من فوق الدرج حيثُ تحدث بنبرة حادة:
واجفة عِنديكي بتعملي إية يا بِت.
رفعت بصرها للأعلي تُطالع شقيقها وتحدثت بنبرة باردة:
كُت ببلغ يزن بإننا هندلوا بكرة كلياتنا علي المركز لجل ما نشتري شبكتنا.
وما ان إستمع ذلك الفارس حتي إشتعلت النيران بجسده هو الأخر وتحدث إليها ناهراً إياها:
شبكة الندامة عليكِ يا بَعيدة، غوري إنچري علي المطبخ إعملي كُباية شاي.
نظرت لذاك اليزن وتحدثت بنعومة:
وإنتَ يا يزن، تحب أعمل لك إية؟
نفض جلبابهُ بغضب وأردف ساخراً:
عايزك تعتجيني لوجة الله يا ليلي، تعرفي تِعمليها دي؟
إبتسمت إلية وكأنها لم تستمع إلي توبيخها وأردفت قائله بنبرة هائمة:
هعمل لك شاي وَيَا فارس وأطلعهولك في البرَاندا.
قالت كلماتها وأنسحبت مُتجهَ إلي المطبخ بعدما نظرت إلية وتنهدت بحرارة.
إقترب فارس من يزن وأمسك كتفهِ وتحدث بنبرة ساخرة وهي ينظر لتلك التي تتحرك بدون خجل:
ياتري عِملت إية في دُنيتك يا حَزين لجل ما ربنا يبتليك بالبلوة السُودا دي؟
أجابهُ بإقتضاب:
إتولدت في العِيلة الهَم دِي، هو دِه ذنبي الوحيد اللي شكلي إكدِة هعيش اللي باجي لي من حياتي لجل ما أكفِر عنية.
تنهد فارس بأسي وتساءل بجدية:
هنعملوا إية في المُصيبة اللي حَطت فوج روسنا دي يا يزن؟
أجابهُ بنبرة بائسة مُحبطة:
أني خلاص مبجاش فارج لي، ليلي بجت شبه غيرها.
ثم نظر لهُ وتحدث بنبرة مُتألمة:
صفا طلعت رايده قاسم وعشجاة يا فارسيُتبع..
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الثامن 8 - بقلم روز امين
8=الفصل الثامن
مرت السنوات السَبع سريعً علي أبطالنا سريعً ، حاول خِلالُها قاسم جاهداً علي أن يبتعد عن مرمي عيون صفا قدر المُستطاع كي يجعلها تناساه وسط زحمة دراستها الصَعبة وآنشغالها لكنهُ كان مخطئً وبشدة ،،
فمتي ڪان للحبيب أن يُنتَسي بمجرد الإبتعاد عن النظر ، فوالله ما زادها البُعد إلا ناراً وآشتياقَ
إنغمست هي الآخري ووضعت كُل طاقَتِها في دراستها،، ولكنها كانت حزينة ومُستغربة لتجاهله المُتعمد لها،، حيثُ أنه لم يعرض عليها طيلة السنوات السَبع بأن يُخرجها من حبستها داخل المدينة الجامعية ولو لمرةٍ واحده ويرفه عنها ثُقل دراستها
ولكنها أرجعت ذلك التجاهل والإبتعاد إلي غضبة الشديد الذي أصابهُ حين عَلم أنها قدمت اوراقها في چامعة القاهرة متجاهلة قرارهُ بخصوص جامعة سوهاج
أما هو فأبعد حالهُ عن النجع مُتعمداً قدر المُستطاع وأنغمس في دوامة العمل التي لا تنتهي حتي أصبح مكتبةُ من أكبر وأشهر مكاتب المحاماة في العاصمة بأكملها،، وذلك بمساعدة عدنان وإيناس التي غيرت من خِطتها تمامً في معاملتها مع قاسم وأصبحت مثلما يُريد،، او هكذا أوهمته،،
فقد أصبحت شخصية أكثر عملية،، ذات خُلق ظاهري فقط أمامهُ وأرتدت الحجاب وإلي حدِ ما أصبحت ملابِسها مقبولة ومُرضية بالنسبة له
تزوج يزن من ليلي وفارس من مريم مُنذُ عامان تحت ضغط كبير من جِدهما ،، رُزق فارس ومريم بطفلة رائعة الجمال أسمياها جميلة تيمُناً بجمالها الخَلاب،، وعاشا معاً وحاولا كلاهما جاهدان بتناسي الماضي والعيش من جديد لأجل طفلتهما،، والحقُ يُقال الطرفان لديهما الإستعداد للتجاوب وإعطاء حالهما فرصة آخري للحياة،، ولكن،، هل حقاً سيستطيعا التغلب علي نسيان الماضي ؟
أما يزن وليلي فلم يُرزقا بأطفال إلي الأن تحت حُزنها وحُزن والدتها وسعيهما بشتي الطرق لتحصُلا علي مُرادهما ،، وراء الأطباء تارة،، وتارةٍ أخري تسعي كلاهما إلي الدجالين والمشعوزين أملاً في حدوث الحمل كي تضمن بقائها مع حب العمر يزن الذي يحاول مِراراً أن ينسي صفا بليلي التي تعشقه،، ولكنها وللأسف ورثت من والدتها الغباء والتعالي،، حيثُ دائما ما تغار عليه من صفا وتفتعل المشاكل معهُ بسببها
وما زاد الطين بَله وأشعل نيرانها أكثر هو أن جَدها أسند إليه مُهمة الإشراف علي بناء المَشفي الخَاص بصفا،، وهذا ما جعل يزن وصفا يقتربا أكثر وخلق بينهما فرصً للحديث والتواصل أكثر وكان هذا سببً كفيلاً ليستدعي غيرتها المجنونه وأشعالها
وقد أسند الجَد تلك المُهمة إلي يزن بعدما تأكدت ظنونة التي طالما انكرها داخلهُ بإتجاة قدري بأنه خَائن للأمانة التي أسندها لهُ،، وذلك بعدما أتي إلية تاجر فاكهه وخضروات كبير وأخبرهُ علي إستحياء أن قدري قد طلب منه بأن يأتي إلي عتمان ويطلب شراء المحصول بأقل من الثمن المستحق وهو سيقنع والدهُ بأن هذا هو السعر الحالي ،، وأن يدفع التاجر الفارق لقدري مع بعض الخصم للتاجر ،، ولسوء حظ قدري أن التاجر كان يمتلك ضميراً مُستيقظً
❈-❈-❈
وجاء يوم ظهور النتيجة،، تصفحت موقع الجامعة وكالعادة حصُلت علي بكالوريوس الطِب بدرجة إمتياز كعادتها طيلة السنوات السَبع المُنصَرمة بجامعة القاهرة
وبرغم سعادتها الهائلة التي لم يضاهيها مثيل إلا أنها حَزُنت بشدة لعدم إكتراث قاسم وإهمالهُ حضور يومً مميزاً بالنسبة لها كهذا أو حتي مهاتفته لها كي يطمئن عليها وُيشاركها فرحتها
كل الشواهد كانت تؤكد أنه لم ولن يعشقها يومً ولكنها تغاضت عن شعورها ذاك وحاولت جاهدة أن لا تصدق حَدسِها وعقلها الواعي الذي دائماً ما يلحُ عليها بإصرار طيلة الوقت ويأمرها بأن تتنازل عن ذاك العشق المُدمر لروحها ،،
ولكن يضل السؤال،، متي كان للعقل سلطان علي قلوب العاشقين
اخبرت والداها عن تخرجها بتفوق كعادتها مما أسعدهما حتي انهما باتَ يطيران من شدة سعادتهما، وتحركت متجهه إلي المَشفي بعدما هاتفت دكتور ياسر وأخبرته أنها بطريقها إلية كي تُشرف علي تجهيزات المَشفي التي سيفتتحها جدها ويُسلمها إدارتها عن قريب إحتفالاً بتخرُجها
دلفت إلي ساحة المشفي تستقل سيارتها الفارهه التي أهداها لها والدها عندما حصلت علي درجة الإمتياز في السنة الرابعة تحت إعتراض عتمان علي قيادتها للسيارة بنفسها ومخالفتها لعادات النجع وتقاليدةُ الصارمة التي تمنع ان تقود فتاه سياره بنفسها ،، ولكنهُ كالعادة سُرعان ما تراجع عن قرارة عندما لمح حُزنها بعيناها الجميلة والتي دوماً ما يضعف أمامها،، وأيضاً تحت إلحاح زيدان وإصرارة
ترجلت من السيارة تحت انظار ذاك الطبيب الشاب الذي كان مُعيدها بكلية الطب جامعة القاهرة ولكنها رأت به مشروع شريِكُ ناجح لها بالمَشفي،، وتحدثت معه واقنعته بأن يتفرغ للمشفي ويعاود معها إلي سوهاج ويستقر بها ،،
وبالنسبة لتعينهُ بالجامعة إقترحت علية بأن يتقدم بطلب أنتداب لجامعة سوهاج ،، ببداية الحديث رفض عرضها بحزمٍ شديد ولكنها أغرتهِ براتبٍ شهري عالي ونسبة من الأرباح سنوياً فوافق علي الفور،، كونِها فُرصة عظيمة لشاب مِثلهِ طموح في بداية مشواره العَملي
وبالفعل أتي إلي النجع مُنذُ أكثر من شهر وأستقر به وبدأ بالتجهيزات بمساعدة يزن
تحدث دكتور ياسر البالغ من العمر ثلاثةُ وثلاثون عاماً والذي يمتلك من المقاومات الرجولية ما يجعلهُ شابً وسيمً ويستطيع جذب أي آنثي تقع عيناها عليهِ عدا تلك العاشقة مُتيمة قاسِمُها : يا أهلاً وسهلاً بحضرة الزميلة العظيمة
وأكمل وهو يُشير ببداه مُداعبً إياها : خلاص يا طالبتي النجيبة،، بقيتي دُكتورة وزميلة رسمي
أنار وجهها وسعادة الدُنيا إرتسمت فوق ملامحها الرقيقة وتحدثت بنبرة سعيدة : كُله بفضل الله ثم وجفتك وياي يا دَكتور ياسر
أجابها مُعترضً : بلاش إنكار الذات اللي إنتِ فيه ده يا صفا ،، محدش وصلك للي إنتِ فيه ده بعد ربنا غير طموحك وتفوقك وإجتهادك و إصرارك العظيم علي النجاح
أجابته بشكر وآمتنان : مُتشكرة ليك چوي يا دكتور ،، ودالوك يلا بينا ندخلوا المستشفي لجل ما نشوف اللي ورانا ونچهز للإفتتاح اللي هيكون في أجل من شهر إن شاءالله
ودلفا معاً للداخل يتفقدان العُمال وهم يعملونَ علي قدمٍ وساق بأوامر حازمة من يزن المُكلف بمباشرة الأمر بأوامر من جده عتمان
❈-❈-❈
عند الغروب توجهت للعودة إلي منزلها من جديد
دلفت إلي حديقة المنزل وصفت سيارتها بحرفية عالية ثم تدلت وكادت أن تُدلف إلي منزل أبيها لولا صوت يزن الذي صَدح من خلفها مُحدثً إياها قائلاً بنبرة صوت سعيدة : مبروك يا دَكتورة ،، عُجبال الماسيجتير والدكتوراة ويكونوا كالعادة بإمتياز
إستدارت بجسدها تنظر إليه بإبتسامة واسعة وأردفت قائلة بنبرة شاكرة : الله يبارك فيك يا باشمهندس
إقترب منها وتحدث إليها بنبرة حماسية : أظُن إكدة معادلكيش حِجة عَاد ، الإمتحانات وخلصناها والبكالوريوس وأخدناه بدرچة إمتياز مُرتفع ،، عاوزك من بكرة تفضي لي حالك لجل ما تتابعي وياي تچهيزات المستشفي،، خلاص الأجهزة علي وصول،، بكرة أو بعدة بالكَتير وتوصل
أجابته بنبرة هادئة : إن شاءالله من بكرة رِچلي علي رِچلك
واكملت بدُعابة : وإوعاك تكون فاكر إني مكُتش متابعة التچهيزات ،، أني كُنت بتابع كل الخطوات مع دَكتور ياسر ،، وحتي الأچهزة اللي هتوصل بكرة إختارتها وياه
تحدث إليها مُشيداً بذكائِها : بصراحة يا صفا إختيارك لدَكتور ياسر في إنه يشرف علي تچهيزات المستشفي بنفسية كان إختيار موفق ورائع،، الراچل ساعدني كَتير ده غير إنه وفر لنا وجت ومچهود في المشاوير اللي كنا هنروحها للشركات اللي بتورد الأچهزة دِي،، ده غير إنه بمعارفه إختار لنا أفضل الأسعار الموچودة في السوج
أردفت قائلة بإمتنان : دَكتور ياسر حد شاطر جداً وطموح لابعد حد ،، أول ما دخلت الكُلية كان هو لساته متعين مُعيد من سنتين،، والحجيجة كان مُميز چِداً وظاهر من بين كل زمايلة ،، فضلت مراجبة تصرفاته ونشاطاته المُشرفة في الكلية من بعيد لحد ما أتوكدت إنه إنسان صادق وعلي خُلق ،
وبعدها عرفته عليا وجولت له علي جرار چَدي الخاص ببني المستشفي،، وعرضت علية في إنه يجدم علي إنتداب لچامعة سوهاچ وياجي يشرف علي تچهيزاتها جنب شغله في الجامعة،، وكمان يتعين إهني في المستشفي العام ، لحد ما أني أخلص،، بس هو رفض بشدة
وأكملت وهي تضحك : بس أني أغريته بالمرتب اللي مهيلجهوش في أي مستشفي إستثمارية في القاهرة بحالها
إبتسم لسعادتها وتحدث بإطراء علي ذكاءها : خطوة موفجة يا صفا ، إنتِ كُنتي محتاچة واحد فاهم لجل ما يساعدك في التچهيزات وفي نفس الوجت مخلص وأمين
تحدثت إلية بتفكر : إيوا صُح يا باشمهندس جبل ما أنسي ،، عاوزاك تجعد وياه لجل ما تختاروا الدَكتورة الچديدة اللي هتتعين في تخصُص أمراض النسا ،، هو معاه ال C.V الخاصة بيهم
ومن بين حديثهما الشائِق إستمعا كلاهما إلي صوت تلك الغاضبة التي صدح من خلفهما وهي تتحدث إلي زوجها بنبرة حادة : ولما أنتَ إهني في السرايا معتردش علي مكالماتي لية يا يزن ؟
نظر إليها مُستغربً حدتها ونبرتها العالية وأردف قائلاً بتبرير : تلفوني عاملة Silent من لما كُنت مع العمال في المُستشفى الصُبح ونسيته
ثم تابع حديثهُ مُنتقداً إسلوبها الحاد : وبعدين حِسك عالي ليه ؟
و مالك داخلة فيا زي الجطر الجشاش إكده لية
نظرت إليه وتحدثت بضيق وبنبرة معاتبة : أني زي الجطر يا يزن ؟
وكادت أن تُكمل لولا مقاطعت صفا التي تحدثت بلين : صلوا على النبي وإهدوا إكدة يا چماعة
لم تُكمل حديثها وأبتلعته بجوفِها وذلك لحِدة تلك المُقاطعة لها التي تحدثت إليها بنبرة حاقدة : خليكي في حالك وحياة أبوكي و وفري نصايحك الخيبانة دِي لنفسك،، وكفاية إن كُل خِناجَاتنا ومشاكلنا بسببك
بسببي أني؟
جملة تساءلت بها صفا بتعجُب وذهول ظلُ وهي تُشير بسبابتها علي حالها
فأجابتها هي بصياحٍ حَاد : إيوة بسببك وبسبب مُستشفي الهَم اللي واخدة وجت جوزي كلياتُه لدرچِة إني معرفاش أجعد وياه ساعتين علي بعض
نهرها يزن قائلاً بحدة : وبعدهالك عَاد يا ليلي، مهتزهجيش منيه حديتك المَاسخ دِي ؟
وتحدث وهو يُشير إليها بيده للأمام : مَشي جِدامي علي فوج، صفا مذنبهاش حاجة في إنها تُجف وتِسمع خناجاتنا وحديتنا التافة دِي
تحدثت صفا إلي يزن قائله بهدوء : معلش يا يزن هحرمك من مَرتك عشر دجايج بس هنتكلموا فيهم لحالنا وبعدها تطلع لك علي طول
نظر إليها وتحدث بطاعة ونبرة حنون أثارت جنون تلك الليلي وأشعلتها أكثر من ناحية صفا : إنتِ تؤمري يا دَكتورة
وأكمل مُنسحبً : بعد إذنك
بعد صعُودهُ لدرجات سُلم المنزل ربعت ليلي ساعديها ووضعتهما فوق صدرها وتحدثت بنبرة رخيمة : خير،، جولي اللي عِندك وإنچزي عشان مفضيالكيش أني
تحملت صفا نبرتها السخيفه وامتصت حُزنها من تلك المعاملة التي طالما تُعاملها بها وإلي الآن لم تَعي ولا تجد سببً مُقنعً لتلك المعاملة،،
تنهدت بأسي وتحدثت بنبرة هادئة : حاضر يا ليلي،، مهأخركيش
وأكملت بنبرة جادة عملية : أني طلبت من دَكتور ياسر إنه يسأل لي علي دَكتور نسا وتوليد زين وهو كتِر خيرة جاب لي إسم دَكتور في القاهرة إسمة كَبير جوي ،، ولما سألت عليه زين لجيتَه ماشاء الله شاطر چداً في مجالة،، و كان سبب في إن ربنا رزج سِتات كَتير بالخِلفة بعد سنين كَتير خدوها چري من دَكتور للتاني
وما كان من الآخري إلا أنها شنت عليها حربً هجومية حادة قائلة بنبرة حادة : وإنتِ مالك يا جِلفة بالموضوع دِه،، تتدخلي ليه في اللي مايخصكيش ،، مالك إنتِ إن كُنت أخلف ولا ما أخلفش
تراجعت للخلف من شدة هَلعها من هجوم تلك المجنونه وتحدثت مُفسرة : مالي كِيف يعني يا ليلي،، إنتِ ويزن ولاد عمي يعني كِيف إخواتي بالظبط ، وحجكم عليا إني أساعدكم في حل مشكلتكم خصوصاً إنها في نفس مجالي وإني بسهوله اجدر أوصل للي يجدر يساعدكم
رمقتها بنظرات نارية وتحدثت بنبرة شاعلة : تِعرفي يا صفا ،، أني لو دخولي للچنة هياجي من ناحيتك ويكون لك يد فية يُبجا بلاها ومعيزهاش
إتسعت أعين صفا وأردفت بتعجب : للدرچة دي،، لية ده كلة يا بِت عمي ؟
عِمِلت لك إيه أني أستاهل علية مُعاملتك وكلامك دِي ؟
أجابتها بحدة وغلٍ دفين : أصل المحبه والكُرة دُول بياچوا من عند ربنا ،، وإنتِ سبحان الله ربنا وضع كُرهك في جلبي من وجت ما كُنا عيال صِغيرين بنلعبوا في الچنينة ،،
وأكملت بغلٍ وحقدٍ ظهر بعيناها : من يوم يومي وأني اطيج العَمَا ولا أني أشوفك جِدامي
واسترسلت حديثها وهي تُشير بسبابتِها بنبرة محذرة : إسمعي زين يابِت إنتِ ، حياتي أني وچوزي خَط أُحمَر بالنسبة لك، تِبعدي عنينا وإوعاكِ تفتحي المُوضوع ده مع أي حد تاني وبالخصوص يزن ،، وإبعدي عن يزن أحسن لك بدل ما أحُطك في دماغي وأكَرِهِك في عِيشتك وأخليها لك چُهنم الحَمرا
وأكملت بتأكيد : فَهماني يا بِت ورد؟
كانت تستمع إليها بإستغراب تتساءل حالها بحيرة ،، لما كل هذا الكُرة،، ماذا فعلتُ لكِ لأجني كل ذاك الحقد والكرة من قلبكِ المُحملُ بالسواد أيتها الحَمقاء
دققت النظر إليها ثم هتفت بنبرة قوية : طول عُمرك وإنتِ بتندهي لي بِبِت ورد وكأنها وصمة عَار وشتيمة ولا عِيبة في حَجي ،، بس اللي متعرفهوش إني بحس بكياني وجِيمتي لما حد بيجول لي يابِت وَرد
وأكملت بقوة وشموخ ورأسٍ مرفوع بكبرياء : صُح أني بِت ورد وليا الشرف يا بِت فايقة ، بِت ورد اللي ربتني أحسن تربية وطلعتني نفسي سويه،، مش واحدة مريضة زيك ودايرة اوزع كُرهي وحِجدي علي الناس من غير أسباب إكدة
ردت عليها ليلي وتحدثت بحقد : أني مش مچنونه لجل ما أكرهك من غير أسباب يا دلوعة أبوكي ،، أسبابي واعرة،، واعرة جوي بس أحب أحتفظ بيها لنفسي
وأكملت بعيون مشتعلة : ودالوك إخفي من وشي وإياك تنسي الكلام اللي جولتهولك من شوي ،، ده لو خايفة علي حالك وعاوزة تتِجِي شَري اللي منتيش حِملُه
وتحركت للداخل تحت نظرات صفا المتعجبه التي تحدثت بصوتٍ مسموع لأذنيها : ربنا يشفيكي من حقد جلبك اللي هينهي عليكي يا بِت عمي
وأنسحبت خُلفها لداخل منزل جدها
دلفت للداخل وجدت أمامها نجاة زوجة عمها التي إبتسمت في وجهها بسعادة وتحدثت إليها مُهنئة : ألف بركة يا دَكتورة،، عُجبال الچواز يا بِتي
إبتسمت لها وتحدثت بحنان : يبارك في عُمرك يا مرت عمي
ثم تساءلت : چِدي وينه ؟
أجابتها وهي تُشير بسبابتِها إلي باب الحُجرة : چدك جاعد في المُندرة وَيّا عَمك مُنتصِر ،، إدخُلي لهم
تحركت بالفعل ودلفت بعد الإستئذان وقبلت يد جدها الذي تحدث بنبرة فخورة : يا مَرحب بالزينة اللي شَرفِتني وبَجَت دَكتورة جَد الدِنيي
إبتسمت له وأجابتهُ بنبرة سعيدة : كُلة بفضل ربنا وبفضل تشجيعك ليا يا چدي
ثم تحركت لعمها وتحدثت بإحترام وهي تمد يدها لمصافحته : كيفك يا عمي ؟
أجابها بنبرة حنون وعيون مُحبة : كيفك إنتِ يا زينة البنات
أجابته : الحمدلله يا عمي،، بخير
وجلست بجانب جدها تُحدثهُ وتُخبرهُ إلي أين وصلت تجهيزات المَشفي ،،
دلفت جدتها التي تحدثت بسعادة : مَبروك يا دَكتورة
وقفت سريعً ومالت بقامتها علي كف يد جِدتها لتقبله ثم تحدثت : يبارك في عُمرِك يا چَدة
تحدث إليها عمها مُنتصر قائلاً : أظن ما آن الأوان لجل ما نفرحوا بيكي بجا يا دَكتورة
رد عليه عِتمان وهو ينظر لخجل وأبتسامة غاليته : خدتها من علي طرف لساني يا مُنتصر،، چهزي حالك يا ست العرايس عشان فرحك علي واد عَمك بعد سِبوعين
وأكمل : و أني هكلم قاسم بالليل لجل ما يچهز حاله هو كمان
ثم نظر لزوجته وتحدث بأمر. : وإنتِ يا حاچة رسمية ،، چهزي حالك إنتِ وفايقة والحريم وشوفوا اللي لازم للفرح،، وجهزوا الشُجة عشان العزال هياچي كمان يومين
كانت تشعُر بأن ساقيها لم تَعُد قادرة علي حِملها ،، أرادت أن تصرخ وتدور حول حالها من شدة سعادتها،، كم تمنت في تلك اللحظة لو أن لها جناحان،، لطارت وحلقت وتراقصت بين السّحاب كي تُشاركها العصافير متغنية بزقزقتها
❈-❈-❈
داخل مسكن فارس الذي كان يجلس غُرفته قابعً علي سريرةُ يقرأ كُتيبً بيدة
دلفت مريم إلية حاملة طفلتها التي بالكاد تُكمل شهرها السادس وتحدثت بإقتضاب : هو آنتَ مهتزهجش من الجَعدة لحالك إهني يا فارس ؟
وضع كُتيبهُ جانبً فوق الكُومود وأشار بيدة إلي طِفلتهِ الجميلة التي ما إن رأته حتي بسطت يداها مُشارة إلي عزيزِ عيناها
إلتقطها فارس وسُرعان ما أدخلها بأحضانه وبات يُزيدها ويُنثر عليها قُبلاتهُ الحنون بلهفة وشوق وسعادة وكأنهُ وجد العوض داخل حُضن صغيرتهُ
ثم نظر لتلك التي تضُم شفتيها بحُزن وتساءل ساخراً : مالك يا مريم علي المسا ،، جالبة خِلجتك لية إكدة ؟
أجابته بإقتضاب : زهجانة يا فارس ،، نفسي أخرُج من السجن دي ونسافر لحالنا لأي مكان نتفسحوا فيه
قطب جبينهُ فأكملت وهي تُجاورهُ الجلوس : تعالَ نسافر مصر ونُجعد لنا جَد إسبوع في شُجت عمك زيدان،، نفسي أتفسح وأروح السينما يا فارس، نفسي أشوف دُنيا غير دنيتنا المجفولة دي
أجابها بعدم إهتمام لحالتها : ما آنتِ خابرة زين أني مفاضيش يا مريم ،، إبجي روحي مع عمك زيدان لما ياچي يسافر هو وصفا ومرته
أجابته بنبرة حادة : مبرتاحش وَيَا صفا وإنتَ عارف إكدة زين ،، الكام مرة اللي سافرتهم وياهم كُت بحس حالي مخنوجة وممرتحاش،
أردف بنبرة حادة معاتبً إياها : يادي صفا اللي حطاها فوج راسك وزاعجة إنت وليلي ،، البت في حالها ومبتجربش منيكم ،، مالكم بيها سبوها في حالها
حزنت من طريقته الحادة معها وتحركت إلي الشُرفة ووقفت بها تاركة إياه بصحبة إبنته والذي بدأ بمداعبتها وملاطفتها تحت ضحكاتها العالية التي تُعبر عن مدي سعادتها المفرطة
❈-❈-❈
دلفت إلي منزلها عائده من منزل جدها بقلبٍ وروحٍ هائمة،،وجدت والدتها تَخرج من المطبخ فتساءلت بنبرة لائمة : كُل دِه تأخير يا دَكتورة ؟
أبوكِ مداجش الوَكل وجاعد مستنيكي لجل ما يتغدا وياكي
أردفت قائله بذهول : جاعد لحد دالوك مستنيني،، ده المغرب جَرب يأذن يا أماي
تحدثت إليها ورد علي عُجالة : طب يلا إندهي لأبوكي من الأوضة علي ما أچهز السُفرة أني وصابحة
أطاعت والدتها وتحركت إلي حُجرة أبيها،، وقفت وطرقت بابها بهدوء،،
إستمعت إلي صوت أبيها قائلاً : إدخلي يا دَكتورة
دلفت وطلت برأسها وأبتسامة خلابه ظهرت علي محياها وتحدثت لذاك المُمسِك بهاتِفهِ يتصفحهُ : وكيف عِرفت إن أني اللي علي الباب مش أمي
إبتسم لها وأردف ساخراً : عشان إنتِ الوحيدة اللي عتخبطي علي الباب جَبل ما تُدخُلي يا جلب أبوكي ،، لكن أمك عتدفع الباب دَفع كيف المُخبرين لما يَاچو يجفِشوا المُچرم وهو مُتلبس بچرِيمته
أطلقت ضحكة عالية وتحدثت وهي تقترب علية : طب ولما حضرتك صَاحي وجاعد علي التلفون،، حابس حالك إهني لية،، مجعدتش في البراندا في الهوا ليه يا أبوي
أجابها مُفسراً : ما آنتِ عارفة أمك،، عطيج العمي ولا تطيجش تشوفني ماسك التَلفون وجاعد علي الفيس بوك
عتحبك وتغير عليك يا زينة الرچال ،، جملة قالتها صفا مفسرة
أجابها بهدوء : علي أية بس يا بِتي،، هو أني عَاد فيا حاچة لجل ما تغير عليا بيها
تحدثت بإستهجان : إنت زيدان النُعماني زينة رچال نجع النُعمانية كلياتهم ،، وعتفضل إكدة ،، معتشوفش حالك في المراية إنتَ إياك ؟
وأكملت بتفاخر : طب ده أني صحباتي لما شافوك معاي لما چيت لي الچامعة مصدجوش إنك أبوي ،، جالولي يابخت أمك بيه
قهقه عالياً ثم جلست بجانبة وتحدث هو مُتسائلاً بنبرة جادة : أخبار تچهيزات المُستشفي إية ؟
أجابته بنبرة عملية : الأچهزة اللي جِدي مُتكفل بيهم هيوصلوا وهيتركبوا بُكرة إن شاء الله
وأكملت : أما بجا أچهزة غرفة العناية المُركزة اللي حضرتك إتبرعت بيها هتوصل بعد إسبوع ،، وكمان الأجزخانة اللي حضرتك عِملتها جِدام المستشفي لغير الجادرين،، الدَكتور ياسر جال لي إن شركات الأدوية هتوصل جبل الإفتتاح بيوم وتچيب المطلوب كِلياته
وأكملت بإمتنان : ربنا يچعلة في ميزان حسناتك يا حبيبي ويعطيك ويزيدك من فضلة
إبتسم لها وتحدث مُتمنياً : تسلمي يا بِتي،، ربنا يجعلها فتحة خير عليكي إن شاءالله
أردفت مُكملة : تسلم يا أبوي،،. چدي جَال لي أخلي الكَشف لأهل النچع الغير جادرين مجاناً،، وكمان النچوع اللي حوالينا أي حد هياجي يكشف ويجول إنه غير جادر هيكشف من غير مايدفع حاچة ،، لكن سعر الكشف للجادرين هيكون عادي
وتحدثت وهي تقف لتحِسهُ علي التحرك للخارج : أمي زمناتها چهزت السُفرة ،، يلا بدل ما تِطُب علينا ووجتها مهنخلصوش
إبتسم لها وتحرك إلي الخارج ليتناول غدائةُ وسط حبيبتاه ومبتغاه من الحياة
❈-❈-❈
إقتحمت ليلي حُجرة والدتها وتحدثت إليها بنبرة مُتذمرة : وبعدهالك عَاد يا أماي،، عتفضلي سيباني لحد مِيتا وموضوع الخِلفه مِعلج إكدة ؟
خليتي سيرتي لبانة في حَنك اللي تسوي واللي متسواش وچرأتي العالم الرِمَم عليِا
هتفت بها فايقة بنبرة مستفسرة : خَبر إية يا بِت خلعتيني ،، مالك داخلة شايطة ومشعلِلة كِيف البوتچاز إكدة
اجابتها بنبرة غاضبة : عايزاكي تشوفي لي حل ،، لازمن تَاجي معاي بُكرة عِند الشيخ مصيلحي لجل ما يعمل لي عمل تاني بدل الخيبان اللي عِملهولي ومچابش نتيچة دِي
تنهدت فايقة بأسي وتحدثت بنبرة مهمومة : والله شكل كسرتي هتكون علي يدك إنتِ يا ليلي ،، شكلك إكدة عتشمتي فيا كِلاب العيلة والنچع كلياته
حزنت ليلي وأمتلئت عيناها بعبرات الدموع ،، فتحدثت إليها فايقة كي تُطمئنها : إهدي يا بِت ،، لسه بكير علي البُكا والنواح يا حزينة
أني هروح وياكي بكرة للمحروج اللي إسمية مصيلحي ولو العمل بتاعه مجابش نتيچة هروح ل أبونا الجَسيس ،،
وأكملت بإشادة : عيجولوا اللي يتوه فيها الكُل عيخلصها هو بجعدة واحدة
إتسعت أعيُنها ببريق أمل وتحدثت بنبرة حماسية : ولما هو واصل إكدة ساكته كُل دِه وسيباني ألف علي الدچالين والنصابين و وصفاتهم اللي هتچيب أچلي دي لية ،، ولا الدكاترة اللي هروني شكشكة وهروا معدتي من الأدوية اللي من غير فايدة
أجابتها بشرود : كِل شي بأوانه يا بِتي،،كل شي بأوانه
❈-❈-❈
مساءً
كان يتحرك داخل رواق مکتبه الذي أصبح من أشهر وأكبر مكاتب المحاماة في العاصمة ويرجع ذلك لذكاء قاسم الخارق بمجاله وأيضاً مساعدة إيناس وعدنان له ، كانت تخرج من مكتبها المخصص لها بجوار عميل هام للغاية لتوصيلهُ كنوعٍ من التقدير والإحترام له
نظرت لذاك الذي يتحرك داخل الرواق أتياً عليها بطلتهِ وهالته الساحرتان ، وقف مقابلاّ لها كي يُرحب بالعميل الذي تحدث إليه بتقدير : أكيد أنا حظي من السما إنهاردة علشان شفتك يا قاسم بيه
إبتسم له قاسم ومد يدهُ ليصافحةُ بحفاوة قائلاً بتِرحاب : مُهاب باشا،، أنا اللي زادني شرف إني إتشرفت برؤية معاليك يا سعادة الباشا
وأكمل بتساؤل : أتمني تكون سعادتك راضي عن شغلنا المتواضع بالنسبة لقضايا شركتك في الفترة الآخيرة
إبتسم الرجل وتحدث إلية : كل الرضا يا متر
وآسترسل حديثهُ بإطراء وإعجاب : الحقيقة إني لازم أعترف إن شغل مكتبك ممتاز ويعتبر إنت وباقي فريقك من أكفئ الناس اللي تعاملت معاهم في مجال المُحاماة في مصر كلها ،
وأكمل مُتذكراً : وبالمناسبة أحب أهنيك علي قضية كارم عبدالسلام اللي شاغلة كل الوسط،، لدرجة إن الناس اليومين اللي فاتوا ملهمش سيرة غير في الكلام عنها ،، وعن مرافعتك اللي كانت عالمية والبراءة اللي جبتها له بعد المؤبد الحَتمي اللي كان لابسة بالتأكيد
ثم حول بصرهِ إلي إيناس وتحدث بإطراء مُشيراً إليها بتعظيم : وطبعاً ده الطبيعي لما يكون وراء رجل عظيم زيك إيناس رفعت عبدالدايم
إبتسم قاسم وأقتربت إيناس من وقوف قاسم وأردفت قائلة بشكر : ميرسي يا أفندم علي المجاملة الرقيقة دي
ثم نظرت إلي قاسم وتحدثت بإعجاب وإطراء : بس الحقيقة أنا اللي محظوظة إني أكون شريكة قاسم النعماني في الشغل وكمان في الحياة
ضل الجميع يتبادلن المجاملات وبعد مدة تم توديعه ثم تحرك قاسم بصحبتها إلي داخل مكتبه الخاص
وبمجرد دخولهما تحدثت هي بعملية : عندك مقابلة مع سليم النحاس كان نُص ساعة بالظبط
كاد أن يرد عليها قاطعةُ صوت رنين هاتفهُ الشخصي ليعلن عن وصول مكالمة من أحدهم
نظر لها وأردف قائلاً : دي أمي
أجابته بعملية كعادتها : طب رد عليها شوفها عاوزة أيه؟
وبالفعل ضغط على زر الاجابة وتحدث الى والدته باحترام : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أزيك يا أمّا،، أخبارك إيه
على الطرف الأخر ردت عليه فايقه وهي في قمه سعادتها لإقتراب تحقيق حُلمها التي عاشت تُنسج خيوطهُ بين يديها : أني بخير يا ولدي، حبيت أفرحك وأخبرك إن شهاده صفا بانت إنهاردة الصُبح وچِدك جال إنه هيكلمك عَشِية لجل ما يحدد ويَاك معاد الفرح وتشوفوا وَيَا بعض هتتمموه مِيتا
أغمض عيناه و زفر بضيق وأخذ نفسً عميقً ثم وضع كف يده فوق شعره وسحبه للخلف بشدة في حركه تدل على مدى غضبه وضيقة و تحدث إليها بلا مبالاة : بعدين يا أمّا ،، إجفلي دالوك ونتكلم بعدين في الموضوع دِه
أجابته فايقة مُستغربه مدى حِدة صوته وتحدثت إليه بحنق وضيق : إيه هو اللي بعدين دِه يا قاسم ؟
وأكملت بتعجب : أما آنتَ أمرك عچيب صحيح ،، بجول لك چِدك عايزك لجل ما تتكلموا في تمام زواجك علي بِت عمك اللي إنتظرناه من سبع سنين علي نار،، تجوم تجول لي بعدين
هُنا لم يستطع تمالك حاله وأرتفعت نبرة صوته بحده وغضب قائلاً : جُلت لك بعدين يا أمّا ورايا شغل مُهم ومش فاضي أنا للكلام الفارغ ده
ردت فايقة بصدمه : كلام فارغ ؟
هو أية ده اللي كلام فارغ يا قاسم ، بكلمك عن فرحك اللي مستنياه بفارغ الصبر بجالي ياما وإنت تجول لي كلام فارغ ؟
وأكملت متساءلة بذكاء : مترسيني علي اللي في دماغك وتجول لي ناوي علي أية يا وَاد بطني ؟
أجابها بحدة ونبرة صريحة : أرسيكي يا أم قاسم ، أنا مش هتچوز صفا حتي لو إنطبجت السما علي الأرض، لأني بحب واحدة زميلتي في المكتب وهتچوزها والكلام ده أنا هاجي بنفسي وهجوله لچِدي وللچميع
وبعد إذنك مُضطر أجفل السكة علشان ورايا شغل كَتير وحضرتك معطِلاني عَنيه
وأغلق الهاتف تحت ذهول فايقة التي نظرت إلي قدري الذي دلف للتو من باب الحُجرة وتساءل بإهتمام : بتتخانجي ويا مين في التلفون علي المسا يا فايقة ؟
تحدثت إلية ومازالت تنظر بهاتفها بذهول : تعالّ شوف المُصيبة اللي وجَعت وحطَت فوج روسنا يا قدري
إتسعت عيناه وشعر برجفة تسري بجسدة وهو ينظر لهيئتها المُخيفة التي تشير بوجود كارثة كُبري بالفعل : مُصيبة أية يا مّرة كفانا الشر
أجابته بتقطيم : ولدك البكري ، حضرة المحامي العاجل المُحترم اللي دماغة توزن بلد
وبدأت تقص عليه ما دار بينهما تحت ذهول قدري وإستشاطته وغليانه من أفعال نجله الذي يريد الإطاحة بحلمه في أن يستحوذ علي أملاك زيدان أجمع
❈-❈-❈
أما عند قاسم الذي حَزن داخلة لأجل صفا وما سيعود عليها من ذاك الخبر
جلست إيناس فوق مقعدها واضعة قدمً فوق الأخري وتحدثت بهدوء : إهدا من فضلك يا قاسم وخلينا نرتب الكلام اللي هتقوله لجدك علشان ما يغضبش عليك ويعمل معاك زي ما عمل مع عمك
أجابها بحده ونبرة رافضة لحديثها : أنا لا هرتب كلام ولا هتكلم مع جدي من أصله واللي حابب يعمله يعمله
وأكمل بنبرة حزينه : أنا كل اللي فارق معايا في الموضوع ده هي صفا ومشاعرها اللي ممكن تتأذي
نظرت إليه بضيق وغيرة ولولا علمها بأنه لا يَكِن لها أية مشاعر لغضبت ولاشعلت الحوار بينهما
وأكمل هو بنبرة عاقلة : أنا هسافر سوهاج حالاً وهتكلم مع صفا وهقولها إنها تستاهل حد أحسن مني وهخليها هي بذات نفسها اللي تروح لجدي وتطلب منه فسخ الخطوبة
أردفت إيناس مُتساءلة بنبرة قلقة : وتفتكر إن جدك هيسمع لها وفعلاً هيوافق علي فسخ الخطوبة بالسهولة دي؟
أجابها بيقين وتأكيد : جدي هيتفهم الموقف وخصوصاً إنه هيبقا طلب صفا ، هو صحيح جدي راجل صعب وصارم وشديد وبيفرض أوامرة علي الكل من غير نقاش،، لكن بييجي لحد صفا ويقف ،، دايماً بيعاملها بلين وبيحاول يرضيها علي قد ما يقدر ، وأكبر دليل علي صحة كلامي ده هو تراجعه في موضوع دخولها كلية الطِب بعد ما كان رافض
ضيقت عيناها بإستغراب وتساءلت بإهتمام : وإشمعنا يعني صفا هي اللي جدك بيعاملها بالطريقة اللينة دي ؟
نظر لها بتعمق وأردف قائلاً بشرود : تعرفي إن طول عمري بفكر في إجابة للسؤال ده،، إشمعنا صفا هي الوحيدة اللي جدي بيعاملها بالطريقة الرحيمة دي دونً عن كُل أحفادة
وجهت سؤالها إليه : وياتري لقيت لسؤالك ده جواب ؟
هز رأسه بإيماء وأردف قائلاً : بعد حيرة وتساؤلات كتير أخيراً لقيت السر لإجابة سؤالي في عيون جدي
نظرت إلية بإستغراب مضيقة العينان فأكمل هو : لقيت إجابتي لما شفت جدي الراجل القاسي الحكيم اللي طول الوقت نظرت عيُونه صارمة وتشبة عيون الصقر في حدتها وشرها وقسوتها،،
واللي هي هي في نفس الوقت أول لما بيشوف عمي زيدان داخل علينا بلاقي فيهم حب وعطف وحنان عمري ما شفتهم وهو بيبص لأي حد فينا،،
وأكمل بشرود : وكأنه إتحول وبقا راجل تاني أنا ما أعرفهوش ،، ساعتها بحس إنه نفسه يجري عليه وياخدة في حضنه بس كبريائة وعِنده ودماغة الصعبة هم اللي بيمنعوة من إنه يعمل كدة
نظرت إليه وتساءلت : بس اللي أنا فهمته منك إن علاقة جدك بعمك عمرها ما رجعت تاني زي زمان من بعد ما عَصا أمرّة
أومأ لها بإيجاب : ده اللي ظاهر لينا كُلنا وحتي لعمي زيدان نفسه،، برغم إني مُتأكد من جوايا إنه سامحه وقلبه صفي من ناحيته
وأكمل وهو ينظر أمامهُ بشرود : يمكن خايف من نظرات الكُل ليه ولومهم لما يلاقوا كبيرهم اللي عمرة ما رجع في كلمه قالها أو أصدر حُكم ورجع تاني فية،،
أو يمكن خوف مثلاً من إنة لو سامحه يبقي كدة بيدي مبرر وفرصة لباقي العيلة إنهم يتمردا علي قراراته ويعصوها
وآسترسل حديثهُ بتأكيد : بس اللي أنا متأكد منه هو إن جدي بيعامل صفا المعاملة اللي كان نفسه يعاملها لعمي زيدان،، يعني لما بياخدها في حُضنه ويضُمها جامد بحس إنه بيضم عمي زيدان وبيحضنه هو ،،
جدي بيعوض حرمانه من إبنه في صفا ،، واكبر دليل علي كلامي ده الأرض اللي جدتي كتبتها لصفا،، واللي انا متأكد من جوايا إن جدي هو اللي طلب منها تعمل كده علشان يرضي ضميرة ناحية إبنه اللي كبريائة مانعه من إنه يعلن للكل إنه سامحه وعفا عنه ويرجعه تاني لحضنه زي زمان
تحدثت إلية بإستغراب : بصراحه يا قاسم من كتر كلامك عن جدك وتفكيره الغريب ده إبتديت أخاف منه وأستغربه في نفس الوقت
أخذ نفسً عميقً ثم زفرهُ و وقف وتحدث إليها وهو يُلملم اشيائهُ الخاصة من فوق المكتب : أنا لازم أسافر الوقت حالاً سوهاج علشان أتكلم مع صفا وأنهي الموضوع مع جدي
تحركت إليه وتحدثت بنبرة تحذيرية : أوعي تتهور وتخسر جدك ورضاه عليك يا قاسم
نظر إليها مستغربً حديثها ثم تحرك للخارج
❈-❈-❈
تحرك بسيارته متجهً إلي مطار القاهرة الدولي وفي طريقهُ قرر أن يُهاتف صفا كي تنتظره وينهي معها تلك الحكاية التي أرهقت كيانه وأشعرته بالدُونيه وعدم الإرتياح طيلة السنوات السَبع الماضية
وما أكد داخلة شعور أنه يمضي بالطريق الصحيح هو زيجات فارس ويزن وتعاستهما وروتينية حياتهما التي يحياها كُلً منهم مع شريكة الذي فُرض علية جَبراً،، فصمم اكثر علي أن ينأي بحالهِ وصفا من تلك الزيجة التي لم يجني كلاهُما منها غير التعاسة كالبقية
أمسك هاتفهُ وضغط علي زر الإتصال برقم تلك التي كانت تجلس بالفرندا الخاصة بمنزل والدها ، تنظر أمامها بشرود وحزن لأجل عدم تقدير ذاك الحبيبُ لها،، إستمعت إلي رنين هاتفها يصدح معلناً عن وصول مكالمة، نظرت بشاشته وإذ برعشة قوية تغزو قلبها وتهز جسدها بالكامل وزُين ثغرها بأجمل إبتسامة لأرق عاشقة
وبلحظة كانت ضاغطه علي زر الإجابه وهي تتحدث بنبرة حزينة مُنكسرة : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تنهد وحزن داخلة لنبرتها الحزينة وأجابها : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، كيفك يا صفا وكيف أخبارك
أجابته بمعاتبة لطيفة : تهمك أخباري صُح يا قاسم ؟
أجابها بنبرة صادقة : طبعاً تهمني وربي شاهد يا صفا،، أني عارف إنك زعلانه علشان مكلمتكيش وباركت لك علي التخرچ
وأكمل مفسراً بنبرة زائفة كي لا يُحزنها : بس غصب عني،، الشغل في المكتب كتير جوي اليومين دول وعندي كام قضية مهمين شاغلين دماغي وجلساتهم جربت وواخدين كل إهتمامي
حزنت من داخلها علي حديثهُ الرسمي معها والذي تتبعه معها منذ أن تمت خطبتهما إلي الآن وأردفت قائلة بنبرة مستسلمة : ربنا يجويك يا متر
شكرها ثم تحدث بنبرة مُترددة : صفا،، أني چاي سوهاچ بعد ساعتين إكده إن شاءالله ،، عِندي كلام يُخصك ولازمن تسمعية مني
إستغربت نبرة صوته المُرتبكة وأردفت مُتسائلة : كلام أيه دي يا قاسم اللي عاوز تكلمني فيه ؟
أجابها بنبرة صارمة : لما أچي هتِعرِفي يا صفا ،، المُهم عاوزك تستنيني في الچِنينة من ورا لجل ما نتكلموا براحتنا وأجول لك علي كُل اللي جواي
أغلقت معه الهاتف وتساءل داخلها عن ماذا يريد منها قاسم في ذاك الوقت المُتأخر ؟
يُتبع..
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل التاسع 9 - بقلم روز امين
أغلقت صفا الهاتف مع قاسم وبدأت بالتفكير فيما يريده.
وما هو ذاك الموضوع الهام الذي لا يريد لأحدٍ منهما الاستماع إليه؟
نفضت عن عقلها تلك الأفكار المتشائمة التي شوشت على تفكيرها.
والتي بالطبع لم تصل ذروتها إلى انتواء لفض الخطبة، فهذا الحدث لم يخطر حتى ببالها.
صعدت للأعلى، وارتدت أجمل ثيابها، ونثرت عطرها الفخم الأنثوي بسخاء.
وانتظرت حضوره داخل شرفتها، وكُلها أمل بعدما مَنّت حالها وأكدت لها بأن احتمالية حضوره هو اعتذاره عن عدم مجيئه منذ الصباح.
لكي يكون معها وهي تتلقى خبرًا طال انتظاره.
وقبل انتهاء مدة الساعتين، كان يدلف لداخل الحديقة بسيارته الخاصة.
والتي يضعها داخل جراج خاص بجانب المطار، ويستقلها كل مرة ليتحرك بها عائدًا إلى نجع النعماني.
دون اللجوء إلى أحد وعدم إزعاج شقيقه فارس بالأخص.
رأته من شرفتها فأر تعش جسدها وكالعادة ثار عليها قلبها وانتفض.
أشار لها بأن تنزل إليه وتلحق به إلى الحديقة الخلفية حسب اتفاقهما.
هرولت سريعًا إلى الأسفل وتحدثت إلى والدتها التي كانت تجلس تنتظر حضور زوجها المتواجد خارج المنزل إلى الآن بصحبة أصدقاء له.
أردفت قائلة بعيون لامعة ببريق العشق مما أغضب ورد.
والتي دائمًا ترى أن ذاك القاسم لم يكن يومًا يستحق تلك الصافية وعشقها البريء:
"قاسم وصل يا أماي، أني رايحة أشوف عايزني في إيه."
زفرت ورد وتحدثت بحنق وضيق:
"أني مفهمش مجاش إهني ليه واتحدت وياكي في اللي عاوزة؟"
وأكملت بنبرة ساخطة ساخرة:
"عايتكلم في أسرار حربية إياك؟"
ابتسمت صفا لوالدتها وأردفت قائلة بهدوء مقدرة خوفها الدائم عليها:
"خلاص بقى يا ورد، ماتبجيش حَمْجِيّة إكدة."
وتحركت.
أوقفها صوت ورد الدائم القلق على صغيرتها والتي لا تأمن عليها سوى مع حالها وزيدان وفقط لا غير:
"صفا."
استدارت لتنظر إليها من جديد.
فاسترسلت ورد حديثها بعيون محذرة لصغيرتها التي مهما مر بها العمر ستظل تراها أمامها ابنة السبعة أعوام:
"خلي بالك من نفسك."
هزت رأسها لوالدتها ونظرت لها بامتنان وتحركت إلى الخارج.
وبعد قليل، كانت تقف أمامه بحالة يرثى لها.
آهٍ وآه لو يدري ذاك الفاقد الحدس والبصيرة بما يفعله بتلك الصافية في كل مرة يظهر بها أمامها بمظهره الرجولي ذاك وتراه فيها عيناها.
لخر ساجدًا تحت قدميها ليطلب ودها وغرامها المشهود.
أما تلك العاشقة، فشعرت بسخونة تصاحبها رعشة تسري بداخل جسدها وتتخلل أوردته بالكامل لينتفض ويثور عليها.
انتفض أيضًا قلبها وثار صارخًا، ولولا حبها لله والخشية من غضبه عليها بجانب تربيتها الحسنة.
لرمت حالها داخل أحضان متيم روحها وسارق قلبها وليكن ما يكن.
حبيبها الأبدي والمالك الروحي، قاسمها، والتي أقسمت بداخلها بألا تكون لغيره من الرجال.
وكيف ومنذ نشأتها وهو بعيونها كل الرجال.
تحدث إليها بملامح وجه حائرة لا تدري من أين تبدأ:
"كيفك يا صفا؟"
أجابته بانتفاضة داخلها ونبرة صوت مرتبكة، وهي القوية الأبية مع الجميع عداه:
"الحمد لله يا قاسم، حمد الله على السلامة."
أومأ لها بعدم اكتراث بحديثها، وذلك لشدة توتره وتشتت عقله فيما هو قادم عليه.
وكيف سيخبرها بذاك القرار دون المساس بمشاعرها وجرح كبريائها الأبي.
فتحدث مشيرًا إليها بالجلوس فوق المقعد المقابل له، وذلك بعدما جلس هو متخطياً قواعد اللباقة والبروتوكول:
"اجعدي يا صفا."
جلست وتحمحم هو منفضًا حنجرته كي يخرج صوته بإيضاح.
كم اكتشف أن الأمر ليس بالهين على الإطلاق كما كان يتوقعه، ولكن ما حدث هو العكس.
أخرج صوته بصعوبة وتحدث:
"عرفتي إن جِدك طلب مني أجي عشان نتفق على ميعاد نتمموا فيه الفرح؟"
وما أن قال جملته تلك، حتى اشتعلت وجنتا تلك الجميلة لتزداد وهجًا وجمالاً فوق ما هي عليه.
وتحدثت على استحياء وهي تنظر أرضًا:
"أيوه عرفت، جدي قال لي من شوية لجل ما أجهز حالي وأشوف اللي ناقصني وأكمله."
وأكملت بنبرة سعيدة خجلة لتخيلها أنه يسألها عن وضعها وهل هي مستعدة للزواج:
"وأني ضبطت مواعيدي وأجلت افتتاح المستشفى لبعد الفرح إن شاء الله."
ونظرت لداخل عيناه وأردفت قائلة بنبرة خجلة:
"يعني تقدر تقول إني جاهزة."
يا لكِ من نقية بريئة خلقت وسط عالم استفحلت به الأنانية.
نزلت كلماتها على قلبه الحزين كنارًا أشعلته.
تألمت روحه المتأرجحة وحزن لأجلها حتى أنه كاد أن يتراجع بحديثه، ولكنه استقوى بحاله على حاله وتماسك ونظر لداخل عيناها.
وتحدث إليها بنبرة صارمة قوية كي يتخلص من ذاك العبء الثقيل دون رجعة:
"بس أني مش جاهز يا صفا."
نظرت إليه بعدم استيعاب.
فأكمل هو ليجهز على ما تبقى من أحلامها الوردية التي دق بها وبكل جبروت أول مسمارًا بنعشها:
"أني ما رايدش الجوازة دي يا صفا."
وأكمل وهو يرفع كتفيه بعيون أسفة متألمة:
"مجادرش."
اتسعت عيناها بذهول مما استمعت وتشتت ذهنها بعدم استيعاب.
وحدثت حالها: قاسم، ماذا تعني بتلك الكلمات ضائعة المعالم؟
ماذا تريد أن تبلغني؟
أنا لا أفهمك ولم أستوعب مغزى حديثك، أو هكذا أوهم حالي.
وأمالت برأسها متوسلة:
"لا قاسم أرجوك، لا تثبت لي شكوك حدسي التي طالما لازمتني وطاردتني حتى بأحلامي وتؤكدها لي.
لا تفعل بي هذا كي لا تصبح قاتل.
رحماك بقلبي الضعيف، رحماك!"
كان ينظر إليها ويرى تمزق روحها وتشتت عقلها الرافض للتصديق.
ولكن ماذا عساه أن يفعل.
ياليت جدهما لم يفعل بهما هذا.
لو لم يفعل لكان عفاها وعفاه حرج اللحظة وهولها.
فأكمل مرغمًا متحاملًا على حاله:
"أني عارف إن الكلام اللي هقوله دي صعب عليكي استيعابه، بس أني بقولهولك بدل ما أغشك واغش حالي وياكي، وبدل ما تسمعيه من حد غيري ويجرحك."
استرسل حديثه بجبروت متغاضيًا قلب تلك العاشقة لينتهي مهمته الصعبة:
"أني عمري ما حبيتك ولا شفتك مرتي اللي بحلم أخدها في حضني وأكمل وياها اللي باقي من حياتي يا صفا."
وقعت جملته الحادة كصاعقة كهربائية على قلبها العاشق.
وأكمل هو بجبروت غير مبالٍ بتلك المنكسرة:
"طول عمري واني بشوفك كيف ليلي أختي بالضبط."
وأكمل مستنكرًا:
"كيف يعني في يوم وليلة أختي تبقى مرتي؟ ده جنان، اللي عايزه جدي ده اسميه جنان."
وأخيرًا قررت الخروج من صمتها وتساءلت لائمة بنبرة صوت ضعيفة لأنثى منكسرة:
"ولما هو إكدة وافقت ليه على الكلام من الأول يا أخوي؟"
شعر بغصتها وغضبها واستشعر بين نبراتها إلقاء اللوم عليه.
فتحدث مفسرًا موقفه السابق:
"مكانش قدامي حل تاني غير إني أمثل إني موافق عشان جدي يرضى يدخلك كلية الطب، وتبقى دي حجتي بعد كده إني أفركش الخطوبة وأقول له إني مش قابل على حالي أتجوز واحدة أعلى مني في المستوى التعليمي."
ابتسمت له بمرارة وتحدثت بخيبة أمل:
"قال وأني من خيبتي وغبائي كنت فاكرة إنك خايف عليا وقلبك على مصلحتي."
أجابها بهدوء بنبرة عملية قاسية:
"وليه تبصي لها من الناحية العفشة دي؟ بصي للموضوع من الناحية الإيجابية وبصي على الاستفادة اللي خرجتي بيها منه."
نظرت إليه باستغراب من كم البرود والأنانية التي يتحدث بها.
وتساءلت ساخرة:
"ويا ترى بقى إيه هي الاستفادة العظيمة اللي حضرة المحامي الكبير شايف إني خرجت بيها من الخطة العبقرية دي؟"
أجابها بهدوء متغاضيًا عن طريقتها الساخرة من حديثه وذلك تقديرًا لما أصابها من حديثه غير المتوقع بالنسبة لها:
"إنك بقيتي دكتورة يا صفا."
وأكمل بتأكيد:
"خلينا نتكلم بصراحة، أني وإنتِ عارفين زين إن لولا موافقتي مستحيل جدي كان هيوافق على دخولك للطب."
وأكمل مصارحًا إياها بنبرة واثقة:
"وسيبك من كلامه الزين اللي طيب به خاطرك لما قال لك إن موافقتي كانت تحصيل حاصل بالنسبة له.
إنتِ خابرة زين إن لو حطيت العقدة في المنشار وجلت له إني مش موافق إن مرتي تبقى أعلى مني كان مستحيل يوافق."
وأكمل مشيرًا إليها مذكرًا إياها بفضله:
"ومكنش زمانك الدكتورة صفا النعماني."
تحدثت إليه بنبرة ساخرة:
"لا والله كثر خيرك يا واد عمي."
وأكملت بتساؤل ذكي:
"طب وياترى إيه السر ورا الاعترافات الليلية اللي حضرتك جاي تتحفني بيها دلوقتي؟"
أردف قائلًا متحملًا غضبها وحدتها بالحديث:
"كلامي ليكي ليه سببين مهمين يا صفا، أولهم هو إنك غالية عندي قوي وحبيت تعرفي الموضوع مني لجل ما أفسر لك اللي حصل صح وننفصل بهدوء والنفوس متشيلش من بعضيها.
وتاني سبب هو إني محتاج مساعدتك لجل ما تقوي موقفي جدام جدي وأني بكلمه."
وأكمل معتذرًا مبررًا لها تصرفاته:
"متزعليش مني يا صفا، إنتِ ست البنات وألف شاب يتمنى ظفرك.
بس مش أني اللي هجيب على رجولتي إن حد تاني يختار لي المرة اللي هتنام في حضني.
ولا أني اللي هسمح لحد يحولني لفارس ويزن."
ابتسمت له ساخرة.
وأكمل هو بتبجح:
"أنا عاوزك تجولي لجدك إن إنتِ اللي ما يعانيش.
وطبعًا لأنه بيحبك هيوافق على رغبتك دي."
وأكمل بصدق:
"وكمان عشان شكلك يبقى زين جدام العيلة كلها لما يعرفوا إن إنتِ اللي طلبتي الفسخ مش أني."
ضحكت ساخرة وتحدثت من بين صرخات قلبها المتألم:
"لا والله كثر خيرك مرة ثانية."
وأكملت بحدة بعدما استشفت من حديثه بفطنتها احتمالية وجود أنثى أخرى بحياته:
"بس أني بقى مستغنية عن كرم أخلاق سعادتك وميهمنيش إن العيلة الكريمة يجولوا عليا ابن عمها فاتها قبل الفرح بأسبوعين."
وأكملت بنبرة حادة معادية مهينة وكأنها تحولت لقطة شرسة:
"ودلوقتي عاوزاك تروح لجدك كده كيف الشاطر وتجول له الكلام اللي لسه جالتهولي حالا وتحل بنفسك الرابطة السوداء اللي وجعت حالك ووجعتني وياك فيها."
اتسعت عيناه ذهولًا من قوتها وسخافتها بنفس التوقيت وتحدث بحدة واتهام:
"هو ده آخر معروف اللي عملته معاكِ؟ عاوزاني أقف لحالي في وش جدي وأعاديه عشان أبقى زيدان الثاني؟"
ضحكت ساخرة وأردفت قائلة بحدة بعدما نالت بذكائها ما سعت إليه عندما استدعت غضبه كي يفرغ ما بجعبته:
"أيوااااا، خليك صريح وراجل وجول إنك خايف من غضب جدك عليك ومن حرمانك من النعيم اللي إنتَ عايش فيه في جنة النعماني يا متر."
وأكملت باتهام صريح بنبرة حادة:
"إنتَ قعدت مع حالك وجلت أما أستغفل بت زيدان الساذجة وأصدرها في وش المدفع ويا جدها، وهي كده كده مغضوب عليها هي وأبوها ومهيفرجش وياهم لعنة غضبه من جديد، أهم حاجة تنأي بحالك من غضب النعماني الكبير."
وأكملت وهي ترمقه بنظرة احتقارية مهينة لرجولته:
"تصدق كنت فاكرك راجل صح عندك مبادئ وكرامة وبتعرف تواجه، بس شكلي كده طلعت بغش في تقييمي ونظرتي للناس."
حاظت عيناه من حديثها المثير للغضب والمهين لرجولته، ورد عليها بانفعال شديد واصفًا إياها:
"إنتِ قليلة التربية والظاهر كده إن عمي زيدان معرفش يربيكي زين، ويظهر كمان إني كنت مغشوش فيكي وفي البراءة الكدابة اللي رسماها على وشك، للأسف، أني كنت واخد فكرة غلط عنيكي، بس طلعتي عكس ما كنت مفكراك."
ضحكت بنبرة عالية وأجابته ساخرة:
"قصدك يعني عشان مطلعتش مغفلة وساذجة كيف ما كنت مفكرني؟"
وأكملت بتحدي مهين:
"هدي أعصابك يا متر، على العموم أني هعمل بأصلي وهطلع أرحل منك وأروح لجدى وأحلك من رابطتي السوداء دي."
وأشارت بيدها إليه وتحدثت بنبرة ساخرة:
"زين كده يا متر، أظن كده نكون خالصين ومعدلكش عليا جمايل."
وتحركت تحت اشتعال جسده وذهوله من تلك التي كان يعتقدها ملاكًا، ولكنه اكتشف كم هي قوية قاسية القلب حادة الطباع سليطة اللسان.
وكأنه يتعرف عليها ويكتشفها من جديد.
أسرعت ودلفت على عجل لداخل السرايا، حتى أنها كادت أن تصطدم في ذاك الحسن ابن عمها منتصر والذي هو بنفس عمرها.
تحدث إليها بتعجب:
"مالك يا صفا، وشك متغير ليه كده؟"
لم تعر لحديثه اهتمام وأكملت طريقها.
وجدت جميع العائلة يجلسون وينظرون إلى شاشة التلفاز الضخمة بتركيز، عدا الجد.
نظرت إلى الجدة وتساءلت بنبرة حادة ووجه لا يبشر بخير:
"جدي وينه يا جدتي؟"
أجابتها الجدة مستغربة حالتها:
"بيصلي العشا في أوضته."
أردفت قائلة وهي تتحرك وتطرق باب حجرة جدها:
"طب أني داخلة له أسأل."
سألتها الجدة باستفسار:
"مالك يا دكتورة، فيه حاجة حصلت إياك؟"
لم تعر لحديث جدتها اهتمام ودلفت سريعًا عندما استمعت لصوت جدها بالسماح وقامت بغلق الباب خلفها.
وقفت أمامه وهو يختتم تسبيحاته وتحدثت هي بنبرة صارمة وملامح جامدة:
"أني عايزة أفسخ خطوبتي من قاسم يا جدي."
نظر إليها مستغربًا غير مستوعب ما تفوهت به بعد.
أما بالخارج، فكان الجميع يتبادلون النظر مستغربين حالة تلك الصفا وغضبها الظاهر.
تحدثت ليلي وهي تنظر إلى والدتها بنبرة ساخرة:
"مالها دي كمان داخلة في وشها زي القطر ولا معبرة حد؟"
نظر لها يزن وتحدث إليها بنبرة تحذيرية أسكتتها:
"ليلي، اقفلي خاشمك."
بالكاد أنهى جملته وتفاجأوا بدلوف ذاك الذي لم يختلف كثيرًا عن سابقته.
وتساءل بنبرة حادة وكأنه يعيد ذاك المشهد ويكرره:
"جدي وصفا وينهم يا جدتي؟"
وقفا قدري وفايقة التي دب الرعب بأوصالها وبدأت بربط الخيوط ببعضها وتيقنت أن ذاك المتهور قد نفذ حديثه المجنون وتحدث إلى صفا عن فسخ الخطبة.
تحدثت على عجل بنبرة مرتبكة:
"قاسم، إنتَ جيت ميتا من مصر؟"
أجابها بتحدي وهو ينظر داخل عينيها وكأنه يؤكد لها شكوكها:
"وصلت من حوالي ساعة."
ثم نظر إلى جدته التي تحدثت إليه بتساؤل:
"خبر إيه يا قاسم، إنتَ بتسأل على جدي ووشك ميطمنش، وبت عمك دخلت له قبل منك بنفس الوش الغضبان، أيه اللي حصل يا ولدي؟"
تحرك لباب الغرفة غير مبالٍ بنداءات الجميع وأسئلتهم المستفسرة.
أسرعت رسمية ودلفت خلفه وأغلقت الباب منعًا لدلوف الآخرين.
نظرت فايقة إلى قدري وهي تبتلع رُعابها أما هو فقد وصل لذروة غضبه من ذاك العنيد عديم العقل والتفكير الذي شبهه وهو يتجه إلى هدم أحلامه وأطماعه التي خطط لها منذ الكثير، بحصان عربي أصيل يرمح داخل سباق بكل ما أوتي له من قوة.
همست مريم بجانب أذن زوجها فارس باستفسار:
"هي إيه العبارة يا فارس؟"
أجابها وهو يفرك ذقنه بأصابعه وينظر إلى الباب مدققًا بشرود في أثر شقيقه:
"مخبرش يا مريم، بس الموضوع شكله واعر قوي وهيجلب بسواد على دماغ الكل."
أما منتصر الذي وجه حديثه إلى ذاك الثنائي المرعب الواقفان ينظران بشرود إلى باب الحجرة يحبسان أنفاسهما بذعر وكأنهما تسمرا بوقفتيهما:
"ما تقعد يا قدري إنتَ ومراتك، مالكم نزل عليكم سهم الله كده وكأن وصل لكم خبر عزيز غالي؟"
رمقه أخاه بنظرة نارية هاتفا بضيق:
"منتصر، أني ما ناقصني تقطيعك ده، بكفاني اللي أني فيه يا واد أبوي."
ابتسم بجانب فمه ساخرًا وفضل الصمت مترقبًا القادم باستمتاع.
أما قاسم فقد دلف للداخل وجد عتمان يجلس وتقف أمامه تلك الغاضبة.
رمقها بنظرة نارية، ثم حول بصره إلى جده وألقى السلام عليه محاولًا التماسك ولو قليلاً.
رده له الجد، ثم أقبل عليه ومال بجذعه الفارع على يده مقبلًا إياها باحترام قائلًا:
"كيفك يا جدي."
تحدث الجد بنبرة صارمة حادة:
"حمد الله على السلامة يا قاسم."
أجابه باحترام:
"الله يسلمك يا جدي."
تحدثت رسمية كي تلطف الأجواء:
"حرمً يا حاجة."
أجابها وهو يضع مسبحته بجواره في هدوء ما يسبق العاصفة:
"جمعًا إن شاء الله يا حاجة."
ثم نظر إلى ذاك الثنائي اللذان يرمق كلاهما الآخر بنظرات نارية لو خرجت لفحمت كلاهما بوقفته وتحدث مستفسرًا:
"أيه اللي حصل يا قاسم، مزعل بت عمك ليه؟"
كاد أن يتحدث قاطعته تلك الغاضبة التي أردفت بقوة وشموخ:
"لسه مِتخلجش اللي يقدر يزعلني يا جدي، أني اللي ما يعانيش أكمل في الجوازة دي."
خبطت رسمية صدرها بيدها واتسعت عيناها بذهول وأردفت:
"يا حومتي من الباب للطاق كده يا دكتورة، جملة تساءل بها الجد بذكاء."
ثم أكمل بتساؤل ساخر:
"صَحيتي من النوم لجيتي حالك ما يعانيش تكملي؟"
تحدثت الجدة إليها باستغراب:
"أيه اللي حصل لحديتك دي يا جلب جدتك؟"
وأكملت مستشهدة:
"ده أنتِ لسه النهاردة الفرحة ما كانتش سايعاكي وجدك بيبلغك إنه حدد ميعاد الفرح بعد أسبوعين."
أجابه هو بديلاً عنها بملامح وجه مبهمة:
"ده قرار مشترك أخدناه إحنا الاتنين يا جدي."
وأكمل بوجه عابس:
"الحقيقة أني بجالي مدة واني بحارب إحساسي الرافض وبحاول أتقبل الموضوع بس خلاص، مجادرش أتحمل أكتر من كده."
وأكمل مفسرًا بنبرة زائفة:
"مجبلهاش على نفسي إن مرتي تبقى أعلى مني في المستوى التعليمي يا جدي."
ضيق الجد بين حاجبيه وتحدث بامتعاض:
"بس مكنش ده حديثك لما خيرتك قبل ما بت عمك تدخل الكلية من سبع سنين."
أجابه بنبرة زائفة:
"مكنتش فاكر الموضوع هيُبجا صعب عليا كده، في الأول كنت فاكر الموضوع عادي، بس لما الجواز قرب ودخلنا في الجد لقيت حالي مجابلش."
كانت تستمع إليه وقلبها يتمزق.
قطب الجد جبينه وأردف قائلًا بنبرة هادئة لا تبشر بخير:
"يعني إنتَ بعد ما كنت بت عمك جارك سبع سنين والمركز كله عرف إنها محجوزة لك، والنَجع كله عرف إن دخولك عليها كمان أسبوعين."
وأكمل بابتسامة ساخرة:
"جاي دلوقتي وبكل بساطة تجولي مدرش إيه وأبصر إيه، متعجل حديثك أومال يا واد."
رفع رأسه وتحدث لائمًا:
"مش أحسن ما أتجوز واحدة ما رايدهاش وأقعد في الصف مع فارس ويزن."
وأكمل معللًا:
"وبعدين بقول لحضرتك مجادرش، مجابلهاش على رجولتي أني."
أجابه الجد بنبرة باردة:
"والله دي غلطتك من الأول وعليك إنك تتحملها لحالك."
"معناته إيه حديثك ده يا جدي؟" جملة تساءل بها قاسم مستفسرًا بعيون غاضبة.
فأجابه الجد بنبرة صارمة:
"معناته إن فرحك على بت عمك الأسبوع الجاي ومعايزش كتر حديث."
اتسعت عيناه غضبًا وهتف بنبرة حادة رافضة:
"هتجوزهالي بالغصب إياك؟ جولت لك ما رايدهاش، مهتجوزش أني بالطريقة دي."
"نزلت كلماته على قلبها المسكين أشعلته فتحدثت ثائرة لكرامتها:
"وأني كمان ما يعانيش الجوازة الشوم دي."
وأكملت وهي تميل رأسها في حركة توسلية مستعطفة إياه بنبرة لحوحة:
"الله يرضى عليك يا جدي توافق وتخلص الموضوع ده لجل ما تريح لي قلبي."
"لو كان في قلبك غلاوة ليا صح كيف ما بتقول ريحني وخلصني منه."
لأن قلبه لأجلها ولكنه حارب شعوره بالضعف الدائم أمامها ورسم على وجهه الجدية وأجابها باقتضاب:
"مش كل حاجة هتطلبيها هتستجاب يا دكتورة، وأوعي تفكري إني عشان ما رايدش أزعلك يبقى هتمشي على كيفك وتعملي اللي يحلالك."
أجابته بقوة ورفض:
"لا هو عاوزني ولا أني عاوزاه يبقى بعجل مين نتمموا الجواز."
وقف مستندًا بعصاه وتحدث ناهراً إياها بحدة:
"والله عالي يا بت زيدان، جيه اليوم اللي حتة عيلة زيكِ تقف جدامي وتراجعني في قراراتي كمان.
إوعاك عقلك يغشك ويجول لك إنك بقيتي دكتورة وفيكي تعصي أوامري."
أجابته بنبرة غاضبة:
"كل شيء بالغصب والخناق إلا الجواز بالاتفاق يا جدي."
وأكد على حديثها قاسم الذي تحدث باقتضاب:
"الموضوع منتهي بالنسبة لينا إحنا الاتنين يا جدي، مناقشتنا دي مجرد تحصيل حاصل ليس إلا."
"وأظن أني جولت لحضرتك إني مهكونش يزن ولا فارس."
وكأن بجملته تلك قد سكب مادة سريعة الاشتعال فوق نارًا شاعلة فزادت شعلتها وتوهجت.
صاح عتمان بنبرة عالية تنم عن وصوله لذروة غضبه من ذاك الثنائي العنيد:
"يعني إيه الكلام ده يا وااااد، رايد توصل لي إن رأيي ملوش قيمة عندك؟"
دلف قدري سريعًا مقتحمًا الباب عندما استمع إلى صياح والده الهادر وتحدث مستفسرًا بنبرة مرعبة:
"خير يا أبوي، أيه اللي حصل؟"
ثم نظر إلى قاسم محذرًا إياه بعينيه الغاضبة.
استشاط غضب عتمان عندما رأى منتصر وفايقة وفارس.
الكل دلف للداخل ليرى لما صوت الجد الغاضب.
نظر للجميع وتحدث بنبرة صارمة آمرة للجميع:
"الكل يطلع بره، سيبوني لحالي وياهم."
تحدث قدري إلى أبيه بنبرة راجية:
"خليني وياكم يا أبوي لجل ما أهدي بيناتكم وأعرف إيه اللي مضايجك كده."
رمقه عتمان بنظرة نارية وتحدث ناهراً إياه بنبرة عالية:
"جولت لك الكل يطلع برة."
تحرك الجميع إلى الخارج حتى رسمية التي قررت الخروج لتهدئة الوضع خارجيًا وأغلقت خلفها الباب.
وتحدث عتمان ناظرًا لكلاهما بحدة كنظرات الصقر الذي يترقب الهجوم على فريسته:
"اسمع يا واد منك ليها، لو معاملتي اللينة وياكم خلتكم تحسوا إن ليكم قيمة وتعرفوا تقفوا قصادي وتعصوني وأني هقف أتفرج عليكم مكتوف تبقوا غلطانين."
ثم نظر إلى قاسم المستشاط من ذاك المقلل من شأنه والهادر لكرامته أمام تلك القوية وتطلع إليه وتحدث بملامح جامدة:
"إوعاك يا ابن قدري يكون شيطانك وزك وجال لك إنك خلاص كبرت وبقالك اسم وسيط وتِقدر تقف جدام جَدك الراجل الخرفان اللي كبر ومهيعرفش يحكم عليك."
وأكمل بحدة:
"لااااا، ده أنتَ تبقى غلبان قوي يا صغير ومعارفش مين هو عتمان النعماني."
ثم حول بصره إلى تلك الغاضبة الثائرة لكرامتها وتريد التخلص من تلك الخطبة التي استنزفت من كرامتها بما فيه الكفاية:
"وإنتِ يا بت زيدان، شكل علامك الكبير خلاكي تحسي إن ليكي قيمة وتجدري تقف في وش عتمان وتجولي له لا."
دَق بعصاه الأرض بطريقة أرعبتهما وتحدث إليهما وهو يشير إليهما بملامح مهددة:
"من الآخر كده، أني خارج برة عشر دقايج مفيش غيرهم لجل ما تتشاوروا فيهم وتتفقوا، وهرجع تاني أسمع ردكم الأخير، يا تقولوا موافقين ودخلتكم تبقى الأسبوع الجاي بدل اللي بعديه."
ونظر إلى قاسم وأردف مهددًا:
"يا تطلع من هنا على فوق تلم خلجاتك وكل اللي يخصك ومعايزش أشوف وشك في النجع كله بعد كده."
وأكمل بملامح وجه محتقنة بالغضب:
"ومش بس كده يا واد قدري، قبل ما تخطي برجلك برة السرايا هكون مكلم البنك وناجل كل مليم باسمك فيه في حسابي المشترك اللي بيناتنا وهقفله خالص بعدها، والشقة والمكتب معايزش أشوفك فيهم وتفضيهم من حاجتك وهبيعهم من بكرة، وكمان العربية تسيب مفتاحها وعقدها قبل ما تخرج من هنا."
احتقنت ملامحه بالغضب وتحدث بحدة:
"طب الشقة والمكتب باسمك، فلوسي وعربيتي اللي جايبهم بشقايا وشغلي تاخدهم ليه؟"
صاح عتمان بحدة وغضب:
"فلوس مين وشغل مين يا واااد، إوعاك تكون صدقت حالك، ده أنتَ من غير فلوسي كان زمانك مرمي في أي مكتب بتاع محامي صغير ولا ليك لازمة ولا حد سمع عنيك من الأساس."
وأكمل بحده مشيرًا بسبابته إلى حاله بتفاخر:
"أني اللي عملتك وعملت لك قيمة بين الخلق بفلوسي، المكتب اللي في المنطقة الراقية والعربية اللي جبتهم لك أول ما اتخرجت هما اللي عملوك بني آدم وخلولك قيمة يا ناكر الخير يا واكل ناسك."
"في شرع مين تاخد شقايا وتعب وجري السنين؟" جملة تساءل بها قاسم باعتراض وذهول.
أجابه بقوة وجبروت:
"في شرع عتمان النعماني يا وااااد."
ثم نظر لتلك المنكمشة على حالها تستمع لما يقال فاغرة الفاه بارتياب وقلب يرتجف وتحدث إليها بحدة مماثلة:
"وإنتِ يا بت زيدان، يا تطلعي من هنا وإنتِ موافقة على واد عمك ومسلمة بكلامي، يا تعملي حسابك إن مفيش خروج من البيت بعد النهاردة والمستشفى اللي جهزتها لك هقفلها وأقلبها فرن للعيش البلدي."
وأكمل أمرًا بجبروت:
"وتجهزي حالك لأن الأسبوع الجاي هتبقي دخولك على حسن واد عمك منتصر."
حاظت عيناها بذهول وأردفت متسائلة بعدم استيعاب:
"حديث إيه اللي بتقوله يا جدي؟"
أجابها بحدة:
"اللي سمعتيه ومعايزش كلمة زيادة."
"أني خارج برة وزي ما جولت، هما عشر دقايق وهدخل لكم علشان تبلغوني نويتوا على إيه."
وتحرك للخارج صافقًا الباب خلفه تحت ذهولهما واشتعال جسديهما من أفعال ذاك المستبد عديم المشاعر.
❈-❈-❈
قبل قليل داخل منزل زيدان.
دلف لداخل غرفة المعيشة وجدها تجلس فوق المقعد والقلق والتوتر يتسللان إلى ملامحها ويتملكان من قلبها.
فتحدثت هي بعد إلقائه التحية:
"اتأخرت ليه كده يا زيدان؟"
أجابها وهو يخلع عنه عباءته ويضعها فوق المقعد المجاور لها استعدادًا لجلوسه:
"ما إنتِ عارفة الجعدة ويا الصحاب هاكل الوقت وكل ما نحس على روحنا غير والوقت سارقنا."
تحدثت هي بنبرة متوترة:
"طب قبل ما تقعد اطلع شوف صفا في بيت جدها ولا لاء."
نظر إليها وسألها باستغراب:
"يعني إيه أشوفها هناك ولا لاء؟"
وهتف بحدة بالغة متسائلًا حين لاحظ توترها:
"بنتك فين يا ورد؟"
تحدثت إليه بارتياب وتلبكت بالكلمات:
"قاسم كلمها من ياجي ساعتين وجال لها إنه جاي في الطريق وعاوز يتحدث وياها لحالهم في موضوع مهم، وطلب منها تستناه في الجنينة اللي ورا، راحت له ولما استعوجتها روحت أنادي لها ملجتش حد في الجنينة واصل."
طمأن قلقها حين وجد الرعب يدب بأوصالها وتحرك متجهًا إلى سرايا والده ودلف للداخل وجد الجميع يجلسون والقلق والحيرة عنوان وجوههم.
ووجد والده يخرج من حجرته صافقًا بابها بغضب فتحدث إليه بتساؤل وخيفة:
"صفا مجاتش إهني يا أبوي؟"
تحدثت إليه والدته لتطمئنه وهي تشير على حجرتها الخاصة:
"بنتك جوة ويا قاسم يتحدثوا ويا بعض وهيطلعوا بعد شوية."
نظر إليها باستغراب وتحدث بنبرة حادة غاضبة:
"وبنتي وقاسم يقعدوا لحالهم في أوضة مقفول عليهم بابها ليه يا أمي؟"
تحدث إليه عتمان بنبرة حادة:
"جرا لك إيه يا زيدان، معناته إيه حديثك الماسخ ده، كأنك اتجننت إياك، ما أني كنت وياهم ولساتني خارج قدامك وأني اللي قافل عليهم الباب بإيدي."
وأكمل بهدوء ليطمئن ولده:
"وبعدين قاسم دي تربية يدي واضمنه برجبتي، ومحدش في الدنيا كلها هيخاف على صفا جدي."
ابتلع ما في جوفه من حديث خاص بتلك الجزئية ثم تساءل باستفهام:
"طب ممكن يا أبوي أعرف بنتي جوة مع قاسم يتحدثوا في إيه؟"
أجابه عتمان بهدوء ونبرة زائفة وهو يجلس فوق مقعده المخصص له:
"مفيش حاجة، قاسم وصفا اختلفوا على ميعاد ومكان الفرح وأني رضيتهم وسبتهم مع بعض لجل ما يجروا ويحددوا الميعاد المناسب ليهم هما الاتنين."
وأكمل وهو يشير إلى جانبه تحت استشاطة قدري وغيرته التي لم تهدأ يومًا برغم كل ما حدث:
"إهدي يا زيدان وتعالّ اجعد جاري."
جلس بجانبه وتحدثت رسمية بارتباك:
"هخلي حسن تعمل لكم شاي."
أما فايقة التي انسحبت للأعلى سريعًا كي تحدث ولدها وتمنعه من تهوره قبل أن يخسر كل شيء ويفقدهم مخطط العمر في لحظة غباء منه.
❈-❈-❈
داخل غرفة الجد.
وقفا يتطلعان بشرود خروج الجد من الغرفة فتحدثت هي بعدم استيعاب وتيه:
"حد يقول لي إن اللي حصل من شوية ده كابوس مزعج وملوش أي أساس من الصحة وهينتهي أول ما أقوم من النوم."
أجابها ذاك المستشاط:
"الكابوس ده إحنا عايشينه من ساعة ما اتولدنا في مملكة الرعب دي، بس وصل لذروته معانا لحد ما خلاص قرب يخنقنا جوة دايرته المقفولة."
وتحدث إليها بنبرة متسائلة جادة:
"هنعملوا إيه دلوقتي؟"
رمقته بنظرة غاضبة ولو كانت النظرات تقتل لخرجت سهامها الحادة وقطعته أربًا وأنهت عليه في التو واللحظة، وأردفت قائلة بنبرة ساخرة:
"السؤال ده تسأله لحالك يا ملك الخطط والمؤامرات."
وأكملت وهي تنظر إليه باشمئزاز:
"اجعد مع حالك وفكر وياها زين على الله تطلع لنا بمؤامرة جديدة تخلصنا من المصيبة اللي حطت فوق راسنا دي."
رمقه بنظرة غاضبة وتحدث إليها مهددًا بسبابته:
"اقفلي خاشمك خالص ومعايزش أسمع لك صوت واصل بدل ما أرتكب فيكي جناية ويحسبوها عليا نفر."
نظرت له بذهول سرعان ما تحول إلى نظرة غاضبة وكادت أن توبخه لولا استماعها لصوت هاتفه الذي صدح.
نظر لشاشته وجدها والدته فرفض استلام المكالمة.
كررت فايقة الاتصال مرة أخرى.
وهنا تأكد أنه لن يتخلص من ذاك الإزعاج إلا إذا استجاب لها.
ضغط زر الإجابة وأردف متسائلًا بضيق:
"خير يا أمي، بتتصلي ليه دلوقتي؟"
تحدثت بحدة وصرامة:
"اسمعني زين يا قاسم ومعايزكش تراجعني في الكلام عشان متاخدش بالها.
وأوعاك تفسر الكلام جدام بت ورد عشان متاخدش بالها."
وأكملت أمرًا:
"وافج على جوازك من صفا يا قاسم وإلا هتخسر كل حاجة.
وأولهم رضاي عليك، الله الوكيل لو ما اتجوزتها ليكون قلبي وربي غضبانين عليك ليوم الدين."
رد عليها بنبرة حادة:
"إنتِ عارفة معناه كلامك ده إيه يا أميا."
أجابته بهدوء:
"معناه نجاتك وفوزك بكل حاجة يا ولدي."
وأكملت لإفاقته كي يعي على ما هو مقبل عليه:
"بس لو نفذت اللي في دماغك وعاديت جَدك وعاصيت أوامره، هتبقى زيدان الثاني يا حزين."
أجابها بعناد:
"وماله لما أبتدي طريقي من جديد، كفاية إني هكون حافظت على اللي باقي لي من كرامتي ومهنتهاش."
صاحت بنبرة غاضبة:
"طريق إيه اللي بتبديه من الأول وإنتَ عديت الواحد وثلاثين سنة يا حزين؟"
"إوعاك تكون فاكر حالك إنك هتشتغل وتلم ثروة وتُبقى زي عمك زيدان، ده أنتَ تبقى بتحلم يا ابن قدري."
وأكملت بتفسير:
"جدك لما طرد عمك زيدان وهو طلع اشتغل لحاله كان لسه شاب في أول عمره، وكان عنده البيت و وياه صِيغة مرته اللي باعها وشرا بها طريقه، والزمن كان غير الزمن."
وأكملت لتحسه على التراجع:
"إوعاك تكون فاكر إن زيدان النعماني بقى كده بين يوم وليلة، لا يا عين أمك، ده داج المر هو ومرته وشافوا أيام أسود من جرن الخروب على ما وصلوا للي هما فيه ده، دول ساعات ما كانوش بيلقوا الرغيف الحاف لجل ما يسدوا بيه جوعهم، وبرغم إن جدك كان شايف حاله بعنيه بس ولا مرة قلبه حن واتراجع عن قراره."
"اقفلي يا أمي دلوقتي الله يبارك لك." جملة نطقها قاسم بامتعاض وتملل.
"فصاحت هي بصوتها العالي: مهقفلش قبل ما تسمعني زين وأبلغك رسالة أبوك ليك، أبوك بيقول لك تطلع دلوقتي لجدك وتجوله إنك موافق على جوازك من بت عمك وأوعاك تجيب سيرة البت المصرية نهائي، وابوك بيقول لك لو بتحبها قوي كده ولسه رايدها هو هيروح وياك مصر ويجوزها لك بس بعيد عن جدك وعمك زيدان."
"إيه اللي بتقوليه ده يا أمي، إنتِ عارفة من جواكي إني لا يمكن أعمل كده."
كانت تنظر إليه بتتمعن تترقب حديثه مع والدته تعي جيدًا من داخلها أن حديثهما يخصها.
على الجهه الأخرى كادت فايقة أن تتحدث قاطعها دلوف قدري الذي لم يستطع صبرًا الانتظار والمجازفة، وصعد للأعلى كي يملي على ولده ويوجهه بفعل اللازم.
وأردف لائمًا إياه بنبرة حادة تنم عن وصوله لذروة غضبه:
"اسمعني زين يا قاسم، أني عارف إنك عملت اللي في دماغك وجولت لجدك إنك ما يعانيش صفاء."
وأكمل مهددًا إياه:
"وزي ما عقدتها بيدك إنتَ بردك اللي بتحلها، قدامك حل من اتنين ملهمش ثالث، يا تطلع دلوقتي لجدك وتجوله إنك راجعت حالك وموافق على جوازك من بت عمك وبعدها هقعد وياك ونرتب لموضوع جوازك من البت زميلتك دي من غير ما حد يدري بينا."
وأكمل بحده مهددًا إياه:
"يا إما تنسى نهائي إن ليك أب وأم وحتى إن مت هوصي إخواتك إنك مت مشيش في جنازتي ولا حتى تاخد عزاي، سامعني يا واد."
وأغلق الخط بوجهه دون إعطائه حق الرد تحت ذهول قاسم واحتراق روحه وتشتت عقله.
تحدثت فايقة بنبرة مرعبة:
"فكرك هيعمل اللي جولت له عليه، ولا هينفذ اللي في دماغه ويوكس حاله ويوكسنا معاه؟"
أجابها بشرود:
"يا خبر بفلوس."
ثم تحرك للأسفل مهرولًا لينضم إلى الجميع من جديد بعد أن انسحب مبررًا صعوده لدلوف المرحاض.
أما قاسم الذي وقف مشتت الذهن، ينظر إلى تلك الجالسة والغضب والضيق يتملكان من روحها ويظهران فوق ملامحها.
تحرك ووقف مقابلًا لجلستها وتحدث قائلًا:
يتبع..
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل العاشر 10 - بقلم روز امين
أنهى قاسم حديثه مع والدته وأغلق الهاتف بحدة. وقف مشتت الذهن، تائه. نظر لتلك الجالسة التي تهز بساقيها، والغضب والضيق يتملكان من جسدها وروحها. زفر بضيق، ثم وضع كف يده على شعره وأرجعه للخلف بضيق، في حركة تنم عن مدى غضبه وتشتت روحه.
تحرك ووقف مقابلًا لجلستها وهتف متسائلاً:
"هنعمل إيه في الكارثة اللي وقعنا فيها دي يا دكتورة؟"
وقفت مقابلة له برأس شامخ وتحدثت بنبرة قوية حادة:
"أنا عن نفسي، بعد كل اللي حصل بينا ده وسمعته منك، مستحيل أوافق على جوازك. حتى لو انطبقت السما على الأرض."
استشاط داخله من طريقتها المستفزة لرجولته وأردف ببرود ليحرق روحها:
"الحال من بعضه. أنا كمان ما أطيقش أبص في وشك بعد اللي سمعته منك وطولت لسانك عليَّ."
وأكمل بنبرة عملية متغاضيًا:
"بس كيف ما بيقولوا رجال السياسة، المصالح بتتصالح."
"وأنا مش عايزة ومستغنية عن أي مصلحة تجيني من ناحيتك." جملة نطقتها بغضب.
"وتتجوزي حسن؟"
جملة استفسارية نطق بها قاسم.
أجابته بقوة وثقة في غير محلها:
"كيف يعني يجوزني لحسن ويقعدني في البيت؟ سايباك؟"
"أبويا هيقف له وهيمنعه من إنه يعمل فيا كده."
ابتسم ساخرًا وأجابها:
"يا ريتها كانت سايبة يا دكتورة."
وأكمل مشيرًا بكفاه بحركة دائرية:
"دي كيف الدايرة المحكومة وإحنا جواها ومجيدين بزنازير من حديد مقفولة بإقفال نحاس ومفتاحها في يد عثمان النعماني، مفيش غيره."
وأكمل مفسرًا:
"ولو مفكرة إن عمي زيدان هيمشي كلمته على أبوه ويخرجك تشتغلي غصبن عن عينيه، تبجي غلبانة قوي ومتعرفيش جبروت عثمان النعماني واصل لوين."
وأكمل مذكرًا:
"جدك كلمته بتمشي على مأمور المركز بذات نفسه يا صفا، والكل بيعمله ألف حساب وحساب. ولو بصيتي للموضوع القديم وعدم موافقة أبوكي على جوازه على أمك وإنه مرضيش وخرج منبوذ من العيلة، وفاكرة إنك بسهولة هتعملي زيه، أحب أقول لك إن الموضوع هنا مختلف كليًا. أبوكي راجل ورفض الجواز، كيف كان هيجبر راجل ويجبره على حرمة هو مرايدهاش."
وأكمل بتعقل:
"لكن وياكِ الوضع مختلف. إنتِ بنت وعندك 25 سنة، وولد عمك فاتك قبل الفرح بأسبوعين. تفتكري مين هيغلطوا لما يجوزوا بنت ولده الوحيدة لابن عمها عشان يحميها من كلام الناس الماسخ، وكمان يحمي مالها ومال أبوها من الطامعين؟"
تطلعت إليه باستغراب وأردفت بتعجب:
"كيف بتِقدر تغير رأيك ومبادئك ما بين اللحظة والتانية كده؟"
أجابها بثقة:
"العالم كله بيغير خططته ومبادئه في السنة الواحدة آلاف المرات. عايزاني أنا أثبت على موقفي قدام طوفان النعماني ولعنته؟ وبعدين ما أنا لسه جايلك اهه يا دكتورة، المصالح بتتصالح."
تنهدت باستسلام وظهر اليأس على ملامحها لعلمها صحة حديثه وكم أن لعثمان وضعًا وسلطة داخل المركز بأكمله.
فتحدث هو إليها محاولاً إقناعها ورضوخها للأمر الواقع:
"جدك قفلها كيف الدومنة وحولها لحرب، وفي الحرب البقاء بيكون للأقوى. يعني حربنا وياه انكتب عليها الخسارة حتى من قبل ما تبتدي. بس لو فكرنا بذكاء ممكن نعدي منها بسلام. أنا شايف إننا لازم نوطي للريح ونسايس أمورنا وياه عشان نطلعوا بأجل الخساير."
"تقصد إيه بكلامك ده؟" جملة تساءلت بها باستفهام وجبين مقطب.
فأجابها بدهاء:
"أنا وإنتِ لازم نوافق على جوازنا زي ما جدك أمر، وإلا هنخسر كل شيء بنيناه طول السنين اللي فاتت."
"مهيُحصُلش حتى لو على جُثتي." جملة تفوهت بها بشموخ وعناد وكبرياء.
لم يدري لما غضب من داخله، لكنه تجاهل شعوره. وتحدث إليها بهدوء اصطنعه بصعوبة:
"ارمي خلافاتنا على جنب وحكمي عقلك وشوفي الخساير اللي هتطولنا لو رفضنا يا صفا."
واسترسل حديثه في إشارة منه على حاله:
"أنا هخسر مكتبي وشقتي وعربيتي وكل الفلوس اللي تعبت فيها طول العشر سنين اللي اشتغلتهم من بعد ما اتخرجت. ده غير اسمي اللي هيتهز وبرستيجي اللي هيتساوي بالأرض لما أسيب مكتبي وأروح أأجر مكتب في مكان بسيط على قد فلوسي."
ثم أكمل وهو يشير إليها:
"وإنتِ وتعب السبع سنين جامعة اللي هيترمي على الأرض وكأنه محصلش من الأساس، وحلم المستشفى اللي هيتبخر قدام عينيك وكأنه سراب."
وأكمل مؤكدًا:
"وبردك هتتجوزي غصبن عن عينيكِ من حسن ولد عمك منتصر، وأبوكي مهيقدرش ينطق بحرف قصاد جبروت جدك اللي إنتِ خابرة زين."
وأكمل حديثه بعقلانية:
"وطالما كده ولا كده هتتجوزي غصب، يبقى العقل بيقول تتجوزيني وتاخدي الامتيازات الكثيرة اللي هتحصلي عليها لو الجوازة دي تمت."
"بس أنا خلاص، مبقيتش عايزة. ومهقدرش أعيش وياك وأعاشرك وأنا مطيقاش حتى أبص في وشك." جملة قوية نابعة من داخلها هتفت بها صفا.
فأجابها بضيق من طريقتها الحادة التي استفزته:
"وأنا اللي أموت عليك إياك؟ ما الحال من بعضه يا بنت عمي."
وأكمل ليخيفها ويحثها على التراجع:
"على العموم، أنا هقول لجدّي إني موافق. وانتِ حرة في جرارك، بس استحملي بقى العواقب لحالك."
رمقته بنظرة اشمئزاز ثم صمتت لتفكر بعدما أقنعها بحديثه المخيف. ثم تحدثت بقوة:
"وأنا موافقة، بس عندي شرط."
ضيق بين حاجبيه متسائلاً:
"شرط إيه ده؟"
أجابته بقوة وشُموخ أنثى جُرح كبرياؤها على يد من تيم قلبها بعشقه اللعين:
"جوازنا يبقى صوري. متلمس شعرة واحدة مني، ولا هيكون لك حكم عليا لحد ما ربنا يحلها من عنده ونلاقي حل يخلصنا من الربطة السودة دي."
وأكملت بنبرة ساخرة:
"وأظن إن دي شيء مش هيضايقك ولا حتى هيفرق وياك."
من يدري لما ثار داخلة لذاك الشرط العجيب ولهجتها الحادة، وتساءل ساخرًا:
"طب وهو ده كلام ناس عاقلين بردك يا بنت الناس؟"
أجابته بقوة وتأكيد:
"دي هو ده كلام الناس الزين اللي بتفهم. أنا مش عاوزاك، ولا أنت كمان رايدني. يبقى لازمته إيه نخدعوا روحنا وندخلوا في علاقة عجيبة وكدابة؟"
نظرت إليه بتمعن وترقب شديد لإجابته.
قاطع إجابته دخول الجد الذي دلف لحاله بعدما منع زيدان وقدري من الدخول معه. وقف الجد أمامهما بجبروت وتحدث بنبرة صارمة متسائلاً:
"فكرتوا زين في كلمتين؟"
نظرت هي إلى ذاك قاسم متسائلة بعينيها عن موافقته من عدمها لشرطها الحاسم. فأومأ لها بعينيه دليلاً عن الموافقة بشرطها الصعب.
شعرت بخيبة أمل حينها، وحدثت حالها:
"أبهذه البساطة توافقني شرطي المميت لروحي؟ لهذا الحد لم أكن أعني لك شيئًا على الإطلاق؟ كنت أتأمل رفضك لشرطي لأشعر بتمسكك بي ولو حتى قليلاً."
أما هو فنظر إلى جده وتحدث بنبرة قوية وعيون مبهمة:
"تِقدر حضرتك تعمل تجهيزاتك اللازمة للفرح."
استكان داخل عثمان بعدما شعر براحة اجتاحت كيانه بالكامل، ولكنه أخفى شعوره واحتفظ به لحاله. ثم تحدث قائلاً بنبرة صارمة:
"حيث كده، اعملوا حسابكم إن الفرح الخميس الجاي مش اللي بعديه."
ارتبكت بوقفتها وتحدثت بتلبك:
"ولازمته إيه الاستعجال ده؟"
أجابها بهدوء:
"خير البر عاجله يا دكتورة، وكمان عشان تبدأي من أول الشهر الجديد تجهزي لافتتاح المستشفى."
وأكمل بتفاخر وابتسامة كي يسترضاها ويخفف عنها حزنها الذي أصابها من حدته معها ويزيل التوتر الذي أصاب علاقتهما:
"أنا إن شاء الله ناوي أعمل لك افتتاح سوهاج، كلياتها هتتكلم عني وهعزم لك المحافظ بذات نفسه عشان يقص لك إيه دي الشريط اللي بتقولوا عليه."
لم يتحرك لها ساكن، وكأنها لم تستمع لحديثه من الأساس، أو أن الأمر لا يعنيها.
فتحدث إلى كلاهما بتنبيه:
"اسمعوني زين، الكلام اللي حصل بينا هنا معوزوش يخرج من باب الأوضة دي. عاوز يندفن هنا."
وأكمل وهو ينظر إلى مقلتيها محذرًا:
"الكلام ده ليكي مخصوص يا صفا. بلاش يا بنتي تقولي لأبوكي وتجلجيه عليكي. هو محتاج يطمن مش يجلج. فهماني يا صفا؟"
أومأت له بهدوء، فتحدث هو بنبرة قوية وهو يتحرك باتجاه باب الحجرة:
"تعالوا ورايا."
خرج ثلاثتهم، ونظر الجميع إليهم بترقب. فايقة وقدري اللذان حبسا أنفاسهما ترقبًا لما سيقول.
حين أسرع زيدان إلى صغيرته ولف ذراعه حول كتفها محاوطًا إياها برعاية وتساءل باهتمام وقلق:
"إنتِ كويسة يا صفا؟"
خبأت أنينها الصارخة وخيباتها داخل قلبها متألمة في صمت مميت، ورسمت ابتسامة مزيفة على محياها وتحدثت بنبرة سعيدة افتعلتها كي تطمئن بها عزيز عيناها ومالك فؤادها الحقيقي:
"الحمد لله يا أبويا، أنا زينة."
حين تحدث عثمان بوجه بشوش موجهًا أوامره للجميع:
"عاوز الكل يفضي لي حاله من بكرة عشان نجهزوا لفرح قاسم على ست البنات الدكتورة صفا النعماني يوم الخميس الجاي إن شاء الله."
وكأن بكلماته تلك قد أرجع الحياة لقلب فايقة، والذي كان قد أوشك على إصابة شريانه التاجي بجلطة مؤكدة. وما كان منها إلا إطلاق الزغاريد بطريقة هستيرية حتى صدحت بأرجاء المكان لتعلن عن فرحة تعم السرايا بأكملها.
وعلى النقيض، فقد تحدث زيدان قائلاً باعتراض:
"كلام إيه اللي بتقولوه ده يا حاج؟ حضرتك تقصد الخميس اللي هو بعد ست أيام؟"
أومأ عثمان بموافقة، فأكمل زيدان معترضًا:
"مهنلحقش نرتب حالنا يا حاج. صفا ناقصها حاجات لسه هندلي نجيبوها لها من مصر، وورد لسه مجهزتش حالها، وكمان أنا محتاج وقت عشان أرتب زين لفرحتي بجوازة بنتي الوحيدة."
أما فايقة، التي وصلت سعادتها عنان السماء، هتفت بسعادة وحماس:
"متشغلش بالك بأمور الحريم دي يا زيدان. أنا من صباحية ربنا هروح لورد ونشوف الناقص ونكمله ويا بعض ومش هسيبها غير لما كل حاجة تبقى تمام."
استغرب حماسها الزائد عن الحد وتحدث إليها بنبرة جامدة:
"كتر خيرك يا أم قاسم، بس ملوش لزوم تتعبي حالك. إنتِ عارفة ورد بتحب تجهز كل حاجاتها بيدها ومعتحبش تتعب حد وياها."
قاطعته رسمية قائلة بإقناع:
"إيد على إيد تساعد يا زيدان، وفايقة مجوزة ليلي جبل سابج وعارفة المطلوب زين."
كانت تنظر بقلب مفطور إلى ذاك الصامت متسمرًا بوقفته ينظر للجميع ببرود، وكأن الأمر لا يعنيه من قريب أو بعيد. شعرت بعالمها ينهار من حولها.
نظر يزن إلى صفا وتحدث بنبرة بائسة حزنًا على من ملكت الفؤاد والآن ستصبح ملكًا لرجل غيره، وينتهي آخر أمل له في الحصول عليها:
"مبروك يا صفا."
أجابته بابتسامة باهتة خالية من مظاهر البهجة:
"تسلم يا يزن."
استشاط داخل ليلي من نظرات زوجها الحزينة وهو يتطلع إلى غريمتها الأولى والأخيرة، وتحدثت بنبرة حادة:
"مبروك عليكي زينة الشباب يا صفا."
أومأت لها بهدوء، ثم تحدث زيدان موجهًا حديثه إليها قائلاً بهدوء:
"يلا بينا نروح يا بنتي، أمك هتموت من جلجها عليكي."
أومأت له وتحركت معه تحت نظرات الجميع المستغربة حالتها. أوقفها صوت عثمان وهو يقصدها بحديثه قائلاً:
"جهزي بطاقتك وكام صورة ليكي عشان كتب الكتاب بكرة يا صفا."
استدارت مرة أخرى تنظر إليه باستغراب. حين تحدث قاسم متسائلاً باستفسار:
"كتب كتاب إيه ده اللي بكرة يا جدي؟"
وأكمل معترضًا:
"أنا أساسًا راجع القاهرة بكرة الصبح عشان عندي مرافعة مهمة."
أجابه الجد بنبرة باردة غير مبالية بحديثه:
"اتصل بصاحبك اللي معاك في المكتب يدير هو الشغل بكرة بدالك وابقى سافر بعد بكرة."
واسترسل حديثه وهو ينظر إلى قدري آمرًا إياه:
"وإنتَ يا قدري، اتصل بالشيخ سلامة المأذون عشان يجي بكرة بالليل يخلص كل الإجراءات اللازمة لكتب الكتاب ويجهزه على الإشهار يوم الفرح إن شاء الله."
أجابه قدري من بين سعادته البالغة:
"إنتَ تأمر يا حاج، حالاً هتصل بيه وأخليه يجي هنا بكرة بعد صلاة العشاء."
أردف عثمان مصححًا أوامره:
"جول له يجي لبيت زيدان وإنتَ وولدك تروحوا وتتمموا الإجراءات هناك."
اشتعل داخل قدري وتحدث بنبرة معترضة:
"كيف يعني يروح لبيت زيدان وبيتك لساته مفتوح بحسك يا أبوي؟"
أجابه عثمان وهو ينظر مبتسمًا إلى زيدان ناصفًا إياه:
"الدكتورة صفا يتكتب كتابها في دوار أبوها."
طار قلب زيدان من شدة سعادته وذلك لتقدير والده له، وأيضًا لرؤيته بوادر صفاء قلبه له، فتحدث بابتسامة شاكرة:
"تسلم يا أبوي ويديمك فوق روسنا."
ابتسم له عثمان بخفة، ثم اصطحب زيدان ابنته وتحرك متجهًا إلى منزله، وتفرق الجمع كلٌ لوجهته.
❈-❈-❈
بعد قليل، كانت تقف بغرفتها أمام والدتها المتسائلة بنبرة ملحة:
"بردك منويتش تقولي لي قاسم جالك إيه قلب لك بيه حالك وخلاك راجعة مسهمة كده؟"
أجابتها بتملل ونبرة مختنقة:
"وبعدهالك عاد يا أمي، ما أبويا جالك على كل اللي حصل."
وأكملت بشرح:
"قاسم كان عايز يأجل الفرح شهر كمان ويعمله في قاعة كبيرة في القاهرة عشان أصحابه ومعارفه هناك يحضروا، وجدي معجبوش الكلام."
أردفت ورد قائلة بعدم تصديق:
"فكرك هيخيل عليا الكلام الخيبان بتاعك ده يا صفا؟"
وأكملت برجاء:
"يا بنتي انطقي وجولي لي الحقيقة وريحي لي قلبي. لو فيه حاجة جرت من قاسم وزعلتك قولي عشان أخلي أبوكي يلحق يتصرف وياه."
أجابتها بملامح وجه مبهمة:
"هقول لك إيه بس يا أمي، هخلق لك كلام ما حصلش عشان أرضي لك فضولك."
تنهدت ورد بأسى وأردفت قائلة باستسلام:
"على العموم براحتك. أنا هسيبك عشان ترتاحي وأنزل أشوف أبوكي إيه اللي صابه هو كمان."
وما أن تحركت ورد عائدة إلى الأسفل، حتى ارتمت تلك الحزينة فوق تختها بإهمال ودخلت في نوبة بكاء مر. وغصة مريرة وقفت بحلقها، كادت أن تزهق بروحها. بكت لأجل كرامتها التي أهدرت على يد من أحبته واعتبرته رجلها وأمانها وفرحتها المنتظرة. بكت لأجل حلم كان على وشك التحقيق، وفي لحظة تحول إلى كابوس كاد أن يخنقها بداخله. بكت وبكت على سنين عمرها التي أهدرت هباءً على من لا يستحق. ظلت على وضعيتها ساعات حتى غلبها النعاس وغفت على وضعيتها تلك دون إدراك.
❈-❈-❈
نعود إلى ما سبق، حين غادرت صفا بجوار والدها إلى منزله.
على الفور تحرك قاسم مهرولاً إلى الدرج لأعلى، ومنه إلى غرفته الذي صفق بابها بحدة بالغة. وبات يجوب الغرفة إيابًا وذهابًا بغضب مما حدث. أوقفه استماعه إلى تلك الطرقات السريعة فوق الباب.
تحرك إليه وفتحه بغضب، فوجد أمامه والدته ووالده الذي تحدث بحدة بالغة بعدما أوصدت فايقة باب الغرفة جيدًا لضمان عدم وصول أصواتهم إلى الخارج:
"اللي حصل إنهاردة ده معوزوش يتكرر تاني واصل."
وأكمل بوعيد رافعًا سبابته أمام وجه قاسم مهددًا إياه بحدة:
"آخر مرة تتصرف لحالك من غير ما ترجع لي. مفهوم يا قاسم؟"
تحدث قاسم بنبرة بائسة غاضبة رافضة:
"بكفياك عاد يا أبويا، أنا مناقصني تكسير. كفاية عليا الذل والمهانة والضعف اللي حسيت بيهم إنهاردة وأنا واقف متكتف كيف العاجز قدام جبروت جدي وتحكماته الفاضية اللي معتخلصش."
وأكمل صارخًا بعيون مذهولة وغضب عارم:
"أنا اتمسح بيا البلاط واتدوس على كرامتي بالجزمة القديمة قدام بنت عمي وخرست وكتمت جهريتي جواه."
وأكمل بنبرة لائمة:
"وكُل ده عشان أرضيك وأنفذ أوامرك اللي معرفش هتوصلني بيها لحد فين."
تحدثت فايقة بنبرة هادئة في محاولة منها لاسترضائه:
"اهدي يا ولدي، اللي حصل ده هو الصح واللي كان لازم يحصل."
تحدث قدري بنبرة أهدأ بعدما تحكم في انفعالاته:
"كنت عايزني أقف أتفرج عليك وأنت بتدمر حالك بيدك إياك؟"
ثم تحرك إليه ورتب على كتفه وأكمل بهدوء كي يهدئ من روعه وغضبته:
"بجوازك من صفا هتكون رضيت جدك ورضيتني وكسبت كل حاجة يا ولدي."
وأكمل لمراضاته:
"وبكرة هنتمم الموضوع ونكتب الكتاب ونتطمن. وبعد بكرة هسافر وياك ونخطب لك المحامية اللي إنتَ عايزها. مرضي كده؟"
أجابه بحدة:
"وحضرتك بقى فاكر إن إيناس ولا أهلها هيوافقوا على جوازنا بعد ما أكتب كتابي على واحدة غيرها؟"
أجابه قدري بتأكيد:
"مليكش صالح إنتَ بالكلام ده. أنا ليا طريقي مع الخلق اللي هخليهم يوافقوا بيها."
ثم أكمل بنبرة هادئة وهو يربت على كتف صغيره ليطمئنه:
"أنا عايزك تطمن وتحط في بطنك بطيخة صيفي."
أكدت فايقة على حديث زوجها وأردفت قائلة بنبرة يملؤها الشر والحقد:
"اهدي يا قاسم، أنا عايزك تتأكد إن لو إنتَ عايز جوازتك من زميلتك دي تتم قيراط واحد، فأنا وأبوك عايزينها تتم أربعة وعشرين قيراط."
ثم نظرت إلى زوجها وتساءلت:
"مش كده بردك يا قدري؟"
أكد على حديثها ذاك الفاقد للبصيرة عديم النخوة:
"معلوم يا فايقة، معلوم."
استغرب قاسم حديث والده، فحققًا كان مخالفًا لتوقعاته. كان يتوقع غضبه الحاد لأجل ابنة شقيقته وما سيفعله بها، ولكن دائمًا ما كان أبوه يخلف ظنه وتتخطى دناءته كل التوقعات.
فتساءل إلى أبيه بخوف:
"طب ولو جدي عرف يا أبوي، تفتكر هيعديها لي على خير؟"
أجابته فايقة بطمأنة:
"وإيه بس اللي هيعرف جدك بالموضوع ده يا ولدي؟ إنتَ هتتجوزها في مصر وهتعيش وياها هناك."
قاطعها قاسم متسائلاً بانفعال:
"طب وأولادي اللي هخلفهم منها يا أمي، هيقضوا عمرهم كله في الظل إياك؟"
أجابه قدري:
"أنا وأمك هنكون وياك في كل حاجة وهنزورك كثير في بيتك هناك."
وأكمل بحقد دفين ظهر بعينيه التي تحولت للغضب:
"اتحمل لحد ما ربنا يعدل الظروف والزمن ينصفني وكفتي المايلة تتعدل ويظبط ميزاني."
واسترسل حديثه بشر متمنيًا موت أبيه:
"جدك مهيخلدش في الدنيا يا قاسم، وأظن إن بعد موته كل حاجة هتتغير. وأنا هبقى الكبير بداله والكل في الكل، وكلمتي هتمشي على الكبير قبل الصغير."
"ساعتها هجيب لك مراتك هنا هي وولدك وأحطهم في عين التخين."
نظر لأبيه مستغربًا ومستنكرًا حالة الشر التي يتحدث بها عن أبيه، وشعر بريبة وتيه بمشاعره.
أما فايقة، التي ابتسمت بجانب فمها بتمني.
خرجا والداه وتركاه مع حيرته وتشتت عقله من تزاحم الأفكار التي اقتحمت رأسه والتفكير فيما هو قادم. زفر بضيق ورفع رأسه عاليًا طالبًا من الله العون والمدد، فقد أرهق عقله المشوش، وتعبت روحه الممزقة، وما عاد للاستقامة والمثالية التي دائمًا ما كان يتمتع بهما مكان في حياته.
بعد مرور مدة قصيرة من الوقت، استمع لأحدهم يطرق بابه. فسمح له بالدخول، وكان الطارق شقيقه فارس الذي تساءل باهتمام عن ما حدث بينه وبين جده.
فقص له كل ما دار بينه وبين جده وصفا، ثم أبيه وأمه، واسترسل حديثه بأنه ينوي الزواج من إيناس بعد إتمام زواجه مباشرة من صفا.
حفظت عينا فارس وتحدث باعتراض محاولاً إفاقة شقيقه من غفلته:
"فوق وأوعى لروحك يا قاسم. عمك زيدان ميستاهلش منك كده واصل."
هتف بصياح عالٍ بنبرة حادة:
"ولا أنا أستاهل كده، ولا أنت ولا يزن ولا حتى صفا. بس هقول إيه، الوحيد اللي المفروض نلومه في الموضوع ده هو جدك. جدك اللي بكل جبروت عمال يحدد في مصايرنا على كيفه وكأننا عرائس ماريونيت ماسك خيوطها في يده وبيحركها على كيف كيفه."
تحدث فارس بنبرة قلقة:
"بس إنتَ بكده بتحط نفسك في وش المدفع يا قاسم. جدك لو عرف مهيرحمكش وهيفرمك في مفرمته. ما أنتَ خابر جد إيه بيحب صفا وبيخاف عليها."
وأكمل بنبرة حنون:
"أنا خايف عليك لتكون زيدان الثاني وتعيش منبوذ يا أخويا."
أجابه بهدوء، كي يطمئنه:
"ماتخافش يا فارس. أنا هعمل احتياطاتي وهرتب للموضوع زين بحيث يبقى في السر ومحدش يدري بيه واصل."
أردف فارس بتيه وحزن:
"وصفا يا قاسم، البنت رايداك ومتستاهلش تعمل فيها كده."
أجابه بنبرة حزينة بائسة لأجلها:
"نصيبها كده يا فارس. ده قدر ومسطر على الجبين ولازم تشوفه."
هتف فارس بخفوت:
"ربنا يستر من اللي جاي يا قاسم. ربنا يجيب العواقب سليمة يا أخويا."
❈-❈-❈
أما يزن، فكان بالأسفل جالسًا مع جده ووالده يطلعهما على أخر المستجدات في تجهيزات المشفى، وأيضًا يراجع معهما حسابات المحجر الذي أوكله له عثمان بعدما تأكد من تلاعب قدري بالحسابات، فأراد أن يغلق في وجهه جميع الوسائل والقنوات، كي لا يستطيع خداع أبيه وسرقة أمواله من جديد.
وبعد الاستئذان، تحرك للدرج في طريقه للأعلى حيث مسكنه، فوجد قدري يقف بوجهه منتظرًا إياه، وتحدث متسائلاً:
"إيه أخبار حسابات المحجر يا يزن؟"
وأكمل ساخرًا:
"على الله تكون بينت لجدك إن عمك قدري كان بياكل ماله وسارقه بحجر."
يزن بهدوء عكس ما بداخله، وذلك لعلمه ألاعيب عمه في دفاتر المحجر وسرقة أكثر من ربع الوارد شهريًا. حيث أنه استفحل وأصبح شرسًا في اختلاس أموال والده بعد جشعه الذي أصابه، وذلك جراء توسع تجارة زيدان وتضخمها بجانب شرائه لمجموعة من الأراضي الزراعية التي كانت معروضة للبيع في المركز التابع له نجعهم.
يزن بنبرة زائفة:
"ليه بتقول كده على حالك يا عمي؟ أخلاق حضرتك فوق مستوى الشبهات عند جدي والجميع."
هز قدري رأسه ساخرًا وأجابه:
"على العموم أنا ميهمنيش كلام حد طالما واثق في حالي وماشي بما يرضي الله. أما أنت بقى اشبع بإدارة المستشفى بتاعت السنيورة اللي بيخرب بيها بيوتنا كلياتنا."
وأكمل متسائلاً بنبرة خبيثة كي يثير غضب يزن ويجعله يسخط على قرارات جده ويكسبه بصفه:
"تقدر تقولي كان لازمتها إيه الفلوس الكتير اللي اترمت في المستشفى طالما في الآخر هيعملها مجاني لأهل البلد عشان يطمعهم فينا؟ مش كان عملك بيهم مشروع إنتَ وفارس اللي مرضيش يسلموا أي حاجة فيها فلوس ليسرقها كيف أبوه؟ ولا أنت إيه رأيك في الكلام ده يا يزن؟"
أجابه يزن الذي يستشف ما بداخل ذاك الحقود بسهولة ويسر:
"وأنا مالي بالكلام ده يا عمي. الرأي رأي جدي والفلوس فلوسه ومن حقه يعمل بيها ما بداله. وإن كنت أنا مختلف ويا حضرتك في الرأي وشايف إن المستشفى هتفيد أهل البلد الغلابة وكمان هتجيب ربح لأن فيه منها جزء استثماري للأغنياء وأكيد هيعود علينا بالنفع الكبير."
نظر له بسخط وتحدث ناهيًا الحديث بنبرة ساخرة:
"جلبك رهيف كيف أبوك، ولد منتصر صح. اطلع لمراتك يا أخوي، اطلع."
ودلف لداخل مسكنه وأغلق بوجهه الباب بشدة.
هز يزن رأسه بيأس وتحرك للأعلى حيث مسكن الزوجية، ووجد تلك المستشاطة بوجهه وكأنها بانتظاره، والتي ما أن رأته حتى تحدثت بنبرة حادة ساخطة:
"إيه اللي مجعدك تحت لدلوقتي يا يزن؟"
أجابها بنبرة جامدة ساخرة وهو يخلع عنه شاله ويتحرك لداخل غرفة النوم:
"معلش يا حضرة الشاويش ليلي، لما أجي أقفل الحسابات ويا جدي بعد كده هبقى آخد الإذن منك الأول."
تفت بصياح يدل على غضبها الحاد:
"بطل أسلوبك المستفز ده وياي وكلمني كيف ما بكلمك يا يزن."
التفت إليها في حركة سريعة ورمقها بنظرة غاضبة وهتف بها:
"مش لما تبطلي إنتِ الأول أسلوبك اللي بيحرق الدم ده؟"
سرعت إليه وأمسكته من تلابيب جلبابه وتسائلت ونار الغيرة تنهش قلبها وتظهر بعينيها:
"لساتك بتحبها يا يزن؟ لساته عشقها الملعون ساكن جوه جلبك؟"
ابتلع لعابه ثم تمالك من حاله وأجابها بنبرة زائفة:
"كنك اتجننتي خلاص. عشق إيه يا مجنونة إنتِ اللي بتتكلمي عنه؟ صفا بقت كيف أختي بالظبط من اليوم اللي اتخطبت فيه لقاسم. يعني اتحرمت على ودها، حرمها هو كمان يا يزن؟"
جملة تساءلت بها ليلي وهي تشير بسبابتها على موضع قلبه. وبعدها دموعها انفرطت بعدما فشلت في منعها.
وما كان من ذو القلب الرحيم والروح النقية سوى أن سحبها لداخل أحضانه وظل يمسح على ظهرها بحنان مهدئًا إياها وأردف قائلاً كي يهدئ من روعها:
"معرفش لزمته إيه الكلام اللي كل مرة بيجيب علينا بالنكد والحزن ده. إنسي يا بنت الناس وخلينا نعيش حياتنا كيف البني آدمين."
أجابته بنبرة يملؤها الحقد والكراهية من داخل أحضانه:
"كله من تحت راس اللي ما تتسمى الحية بنت العجوزة اللي اسمها صفا. طول ما هي موجودة في الدنيا مهرتاحش ولا هيهدي لي بال."
أبعدها سريعًا عن أحضانه وتحدث مذهولاً مشمئزًا:
"ربنا يشفيكي من حقد جلبك اللي مبقاش باين من كتر سواده."
وتحرك إلى المرحاض تاركًا إياها بنارها الشاعلة وحقدها المتزايد يومًا يلو الآخر.
❈-❈-❈
صباحًا داخل القاهرة الكبرى، تجلس داخل مكتبها تراجع أوراق إحدى القضايا الهامة. دلف إليها عدنان بعد الاستئذان وجلس بمقعد أمامها وتحدث مستفسرًا:
"قاسم ما اتصلش وقال لك مجاش ليه إنهاردة؟"
أخذت نفسًا عميقًا ثم أخرجته. خلعت عنها نظارتها الطبية ووضعتها بإهمال فوق المكتب وأردفت قائلة:
"كلمني بالليل وقالي إن اضطر يقضي إنهاردة كمان في الصعيد وهييجي بكرة في طيارة الساعة 8 الصبح."
سألها مستفسرًا باهتمام:
"ما قالكش عمل إيه مع جده في موضوعكم؟"
هزت رأسها باستسلام وتحدثت:
"سألته ومدانيش إجابة محددة يا عدنان. قالي لما أجي عندك هقول لك على كل حاجة."
"تفتكري يكون جده رفض إنه يفسخ الخطوبة من بنت عمه؟" جملة قلقة نطق بها عدنان.
أجابته بثقة:
"ما أظنش. اللي أعرفه عن جده بناءً على كلام قاسم نفسه إنه لا يمكن يجبره على حاجة هو مش مرتاح لها. وخصوصًا إن قاسم هيدخل له من حتة إن رجولته ما تسمحش إنه يتجوز واحدة أعلى منه في المستوى التعليمي."
وأكملت بإيضاح وثقة:
"وإنتَ عارف بقى الصعايدة في موضوع الرجولة ده بالذات. معندهمش فيه فصال."
ثم هبت واقفة وأسترسلت حديثها بنبرة عملية وهي تلملم أشياءها الخاصة وبعض أوراقها:
"أنا رايحة المحكمة. آخر مرافعة في قضية النجاري إنهاردة ولازم أحضرها عشان أقدم المذكرة لأن القضية هتتحجز للنطق بالحكم."
وأردفت بنبرة أمر:
"وإنتَ خلي بالك كويس من المكتب والموظفين لحد ما أرجع. مش عاوزين نهز ثقة قاسم اللي حاططها فينا يا عدنان."
أومأ لها بطاعة، وأخذت هي حقيبتها وأشياءها وانطلقت للخارج.
❈-❈-❈
ظهر اليوم التالي، داخل المشفى الذي اقترب على أن يصبح جاهزًا بين ليلة وضحاها.
يستقل يزن سيارته ويدلف بها من البوابة الحديدية الرئيسية ومنها إلى ساحة المشفى، وإذا بفتاة تصرخ بوجهه وتوصمه ببعض الألفاظ التي استشاط ذاك اليزن مما جعله يوقف عجلة القيادة سريعًا، مما أحدث صوت صفير عالٍ نتيجة احتكاكات إطارات السيارة بأسفلت الممر الخاص بالسيارة.
نزل يتطلع على تلك الغاضبة. وقف بطوله الفارغ ولباسه الحديث الراقي، يتفقدها بتعمق وخلع عنه نظارته الشمسية لينظر لتلك التي تفوهت بنبرة غاضبة وهي ترمقه بنظرة ساخطة:
"مش تفتح يا بني آدم إنتَ. إيه، ماشي أعمى مش شايف قدامك؟"
كانت تحدثه وهي تميل بجذعها ممسكة بكف يدها بمحرمة لتقوم بها بتنظيف بنطالها الواسع بلونه الأسود والذي تلطخ بالمياه المتسخة، التي تطايرت على بنطالها أثر مرور السيارة بجانبها سريعًا وعبور إحدى الإطارات فوق بقعة من المياه التي تجمعت نتيجة ري الزرع المتواجد بالحديقة.
تمالك بصعوبة من حالة الغضب التي انتابته أثر سبابها له، وهذا ما لم يحدث معه من قبل على الإطلاق. ثم تنفس عاليًا كي يسيطر على غضبه ويحجمه كي لا يصبه عليها ويأذيها، وهذا فقط لأنها أنثى ولأنه ذو أخلاق.
نظر لها بملامح ساكنة وتحدث بنبرة هادئة عكس ما يدور بداخله من بركان:
"معلش، مأخدتش بالي. ادخلي جوه المستشفى ونضفيه في الحمامات."
رفعت رأسها إليه ورمقته بمقلتيها الحمراوين والتي تشع غضبًا وتحدثت بنبرة ساخطة:
"أما أنت إنسان مستفز صحيح. بقي بهدلت لي البنطلون وبكل برود تقولي مأخدتش بالك؟"
وأكملت سخطها عليه بنبرة حادة:
"ولما سيادتك مبتاخدش بالك ولا بتشوف بتسوق عربيات ليه؟ ولا هو كل واحد أبوه معاه قرشين محيرينه يروح يجيب لابنه عربية يمرمط بيها الخلق ويقرفنا معاه؟"
كان يستمع لها بعيون جاحظة فاغر الفاه من شدة دهشته من أسلوبها الحاد وأردف قائلاً بدهشة:
"مجنونة إنتِ ولا معقدة طبياً ولا نظامك إيه إنتِ أنا مخابرش؟"
رمقته بنظرة اشمئزاز وتحدث باستنكار:
"نعم، إنتَ كمان هتطلعني معقدة وعندي حقد طبقي. وأنا هستنى إيه من واحد زيك إلا إنه يفسر كلامي بالطريقة الطبقية العفنة دي؟"
قالت كلماتها وأطلقت العنان لساقيها لتنطلق للداخل بأقصى سرعة تحت ذهول ذاك الذي ما زال فاغر الفاه مندهشًا وتحدث:
"الله الوكيل مجنونة وتبقى وجعة مربربة لو طلعت الدكتورة اللي جاية للتعيين."
وتحدث بنبرة معترضة:
"ماهي أصلها ناقصة مجانين كمان."
صعد من جديد إلى سيارته وتحرك بها كي يصفها في المكان المخصص لها ثم تحرك لداخل المشفى.
دلف إلى الداخل وجد الموظف المسؤول عن الاستقبال يقف بالرواق فتحدث إليه بهدوء:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
رد الموظف سلامه ثم تحدث إليه:
"الدكتور ياسر مستنيك في مكتبك وهو وياه الدكتورة اللي جاية من مصر بخصوص التعيين يا باشمهندس."
ابتسم ساخرًا وتحدث بصوت خفيض:
"هي مش ليلي البومة فجرت فيها على الصبح، يبقى هييجي منين الخير؟"
عادت تحدث الموظف متسائلاً:
"بتقول حاجة يا باشمهندس؟"
أجابه بنبرة ساخرة:
"أقول إيه، لله الأمر من قبل ومن بعد."
تحرك لداخل مكتبه المخصص بالإدارة، وجدها تجلس مقابلة للدكتور ياسر بملامح وجه صارمة. ابتسم بسماجة.
حين تحدث دكتور ياسر إليها مشيرًا إلى يزن بوجه بشوش:
"وادي الباشمهندس يزن اللي هيتفق مع حضرتك على بنود العقد وصل."
نظرت إليه وصدمت عندما رأت أمامها الشخص التي انهالت عليه بالسباب منذ قليل. ابتلعت ريقها لكنها بالطبع لم تظهر ضعفها.
حين ابتسم يزن بسماجة وتحدث إلى كلاهما:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
وتحرك متجهًا إلى مقعد مكتبه وتحدث بتخابث وهو ينظر إلى داخل مقلتيها السوداويتين:
"ما اتعرفناش."
تحمحمت وتحدثت بنبرة صارمة:
"دكتورة أمل طارق عبدالسلام، تخصص طب نساء وتوليد."
أومأ برأسه بهدوء وتحدث إليها باحترام متلاشيًا ما حدث بينهما بالخارج:
"أهلاً وسهلاً يا دكتورة، نورتي سوهاج."
استغربت حديثه وهدوءه التي لم تتوقعه بعد هجومها اللاذع عليه بالخارج. أردفت قائلة بنبرة هادئة:
"متشكرة يا أفندم."
وأكملت بثقة زائدة عن الحد أبهرت ذاك اليزن:
"ممكن قبل ما أمضي العقد أعرف شوية تفاصيل خاصة بالمستشفى."
ابتسم بجانب فمه وتحدث ساخرًا:
"حضرتك واثقة قوي من حالك ومتأكدة إنك هتمضي العقد انهاردة، لا وكمان بتحطي شروطك."
أجابته بنبرة واثقة تصل للغرور:
"دي مش شروط يا أفندم، دي معلومات على أساسها أنا اللي هحدد وهقرر إذا كنت همضي العقد وهشتغل معاكم ولا لأ."
قطب جبهته بغضب من لهجتها المستفزة وكاد أن يتحدث.
سبقه دكتور ياسر سريعًا كي يفض الاشتباك الذي رأى بوادره داخل عيني يزن:
"الدكتورة أمل تقصد إنها عايزة تتأكد من وجود الأجهزة اللي هتحتاجها في شغلها."
أكملت هي على حديثه قائلة بنبرة صارمة:
"مش بس كده يا دكتور ياسر، أنا لازم أتأكد من جودة وسلامة الأجهزة وكل المستلزمات اللي هحتاجها في شغلي، وكمان طقم التمريض اللي هيساعدني لازم يكون على درجة كفاءة عالية عشان ما نعرضش حياة المريضة لأي احتمال للخطر."
"طب إيه رأي جنابك نستوردهم لسعادتك من ألمانيا؟ بيجولوا التمريض هناك لا يعلى عليه، فاخر من الآخر كيف ما بيقولوا." كانت تلك كلمات ساخرة نثرها يزن على مسامعها.
ابتسمت ساخرة بجانب فمها وتحدثت بنبرة عملية:
"على فكرة يا باشمهندس."
وأكملت مضيقة العينين بتساؤل مستفز كي ترد له إهانته:
"قلت لي إسم حضرتك إيه؟"
أجابها ساخرًا:
"وكمان عندك ذاكرة سمكة؟ لا، بداية مشرفة الحقيقة."
كان ياسر يتنقل البصر بين كلاهما بتعجب من الحرب الباردة وقذف الجبهات الدائر بينهما من أول اللقاء.
فتحدث بهدوء كي ينهي ذاك الصراع العجيب:
"جري إيه يا جماعة، متهدوا كده وخلونا نتفاهم."
وأكمل مفسرًا الوضع إلى يزن:
"على فكرة يا باشمهندس، الدكتورة بتتكلم في تخصصها. هي من حقها تتأكد من إجراءات السلامة ومعايير الأمان والجودة اللي لازم تكون موجودة في أي مستشفى. وده عشان سلامة المريض وتقديم الرعاية اللازمة الصحيحة ليه بشكل صحيح."
ثم حول بصره إلى أمل التي تجلس بأريحية وارتسمت على محياها شبح ابتسامة لمنتصر.
وتحدث إليها ياسر بطريقة عملية:
"عايزة حضرتك تطمنيني من ناحية سلامة وجودة الأجهزة لأني أنا بنفسي اللي اخترتهم. وده هتشوفيه بنفسك حالًا لما أدخلك أوضة العمليات الخاصة بالقيصرية المجهزة بأحدث الأجهزة والتقنيات، وأوضة الكشف كمان نفس الحكاية. وكمان هتشوفي بنفسك نظام المستشفى اللي اتبنى على طراز حديث واتبعنا فيه شروط السلامة الصحية."
وأكمل:
"أما بالنسبة لطقم التمريض فأحب أقول لك إن أنا والدكتورة صفا اخترناهم بعناية وكفاءة. وده بردوا هتشوفيه بنفسك بكرة لما أجمعهم لك عشان تتعرفي عليهم."
أومأت بهدوء ثم أردفت بتساؤل:
"تمام يا دكتور. نيجي بقى لنقطة السكن الخاص بي."
تساءل يزن باستغراب:
"هو إنتِ هتسكنيني عندنا في النجعة هنا؟"
أجابته ساخرة:
"اومال عايزني أسافر القاهرة كل يوم حضرتك؟"
تحدث ياسر مفسرًا بنبرة هادئة:
"بالنسبة لسكن حضرتك فيه سكن طالبات وموظفات مغتربات قريب جدًا من البلد هنا. الدكتورة صفا راحت بنفسها واتفقت مع صاحبة السكن وحجزت لحضرتك غرفة هتكون مدفوعة الأجر من المستشفى."
أومأت بهدوء فتساءل يزن بنبرة استفزازية:
"أي أوامر تانية قبل ما تشرفينا حضرتك وتتعطفي علينا وتمضي العقد؟"
شعرت بانتصار حينما وجدت غضبه فأرادت أن تستدعي غضبه أكثر وأردفت ببرود:
"كده كويس أوي يا باشمهندس. والوقت ممكن أمضي العقد مع حضرتك."
نظر لها مدققًا وحك ذقنه بتسلٍ ثم أخرج نسخة العقد ووضعها أمامها وتحدث باستغراب:
"نسيتي تسألي على المرتب ومستحقاتك المادية يا دكتورة؟"
أجابته بصدق:
"كل ده مش مهم قصاد إني أشتغل في مكان أكون مرتاحة فيه نفسيًا. ولعلمك يا باشمهندس، أنا استقلت من مستشفى استثماري كبير جداً ومعروف بالاسم في القاهرة كلها، وكنت باخد مرتب محدش في سني يحلم بيه."
وأكملت بنبرة محملة بأثقال من الهموم ظهرت عفوًا عنها:
"بس استغنيت عن كل ده قصاد إني آجي هنا وألاقي راحتي النفسية وأقدر أخدم الناس اللي محتاجاني بجد، وأقدم لهم خدمة تليق بيهم كبني آدمين."
استغرب حديثها وعلم منه أن لها قصة وتريد الهرب منها بالتأكيد. وهنا وجد حاله مجبرًا على احترامها بعدما ظهر له جانب مشرق من معالم شخصيتها الغريبة الأطوار.
❈-❈-❈
داخل منزل الحاج عثمان، دلفت نجاة إلى المطبخ حيث تقف فايقة أمام موقد النار مائلة ظهرها للباب. تحدثت إليها بنبرة غاضبة تنم عن وصول تلك النجاة إلى ذروة تحملها:
"وبعدهالك يا فايقة، لحد إمتى هتفضلي ساكتة ومطرمخة كده على موضوع حمل ليلي؟ أنا رايدة أفرح بولدي وأشيل له عيل في حجري قبل ما أموت من قهري عليه."
لم تتحرك لتلك فايقة ساكن وضلت ثابتة بوقفتها ثم تحدثت بتأفف:
"يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم على الصبح. مالك يا نجاة، جاية شايطة عليا أنا وبنتي من وش الصبح ليه كده؟"
هتفت نجاة بنبرة حادة بعدما فاض بها الكيل:
"البنت متجوزة بقالها سنتين وما حملتش لحد دلوقتي يا فايقة، وبصراحة كده أنا ومنتصر بدأنا نتضايق."
كظمت غيظها داخلها بإعجوبة وهدأت رغبة مكبوتة تلح عليها وتأمرها بأن تمسك بيدها ذاك الساطور الحاد الموضوع جانبًا وتقوم بقطع لسان تلك الثرثارة التي بدأت تثرثر بهذا الحديث وتزعجها به كثيرًا في الآونة الأخيرة.
لكنها تمالكت من حالها وقررت اللعب بمشاعر نجاة وتحدثت إليها بنبرة منكسرة مهمومة كي تستدعي شفقة تلك البلهاء رقيقة الحس:
"وإنتِ يعني كنتي شيفانا قاعدة وساكتة عشان تسمعيني كلامك السم ده على الصبح؟ ما أنتِ واعية لي إني وبنتي وشيفانا وإحنا متشحتتين كل يوم ورايحين جايين عند الدكاترة والشيوخ."
وأكملت بجهل:
"الشيوخ اللي زرناهم كلهم جالي: بنتك معمول لها عمل سفلي واعر قوي، رابط لها الرحم وهو اللي مبيخليهاش تحمل."
واسترسلت حديثها بفحيح وشر:
"بس أنا مهرتحش غير لما أعرف بنت الحرام اللي عملت كده في بنتي وأشندلها شنديل كيف ما وجعت قلبي على بنتي وسمعتني الكلام من اللي يسوى واللي ميسوا."
كانت تستمع إليها وهي تحدق بها بذهول ثم هتفت بحدة:
"يا ولية بطلي جهل وروحي للدكتور وشوفي بنتك مالها. الحاجات اللي عمالة تديها للبنت تبلبعها كل يوم والتاني دي بتأذيها يا حزينة."
أجابتها بحدة:
"دي وصفات بتساعدها عشان السحر يتفك والبنت تحمل عشان أريح نافوخي من زنك اللي مبيخلصش يا نجاة. وبعدين ما أنا روحت في الأول لدكاترة أشكال وألوان يا شملولة. كانوا نفعوني إيه الدكاترة بتوعك دول؟"
وأكملت بتذكير:
"كل واحد أروح له يقول لي بنتك زينة والمسألة مسألة وقت. وعلى يدك فات سنتين ولسه مجاش الوقت اللي عم يتكلموا عنه. كنت عايزاني أحط يدي على خدي وأقعد أولول كيف الحزينة إياك؟"
أردفت نجاة بنبرة اعتراضية:
"تقومي تاخديها للدجالين يا حزينة. والله الوكيل يزن لو عرف ليشندلكم شنديل ومهيرتاح إلا أما يقول لجدّه ويسود عيشتك إنتِ وبنتك."
هتفت بحدة قائلة:
"وطي حسك يا ولية لحد من الخدم يسمعنا. وبعدين مين اللي هيقول ليزن؟ أنا باخد البنت وأقول إني رايحة أشوف أمي وأقضي وياها باقي النهار، وبروح من هناك لا من شاف ولا من دري."
تنفسست عاليًا وأردفت قائلة بعدم صبر:
"أنا ميخصنيش الكلام الماسخ ده كله. أنا عايزة أشوف حتة عيل لولدي يا فايقة. ومهصبرش أكتر من كده."
"خدي بنتك لدكتور كبير وإلا أنا اللي هكلم يزن وأخليه ياخدها ويدلي بيها على مصر ويشوف حكايتها إيه ويا الخلفه دي كمان."
قالت كلماتها بوجه محتقن غاضب وتحركت للخارج سريعًا. نظرت فايقة على طيفها وتحدثت بغل وهي تقوم بتقطيع بعض حبات البصل بطريقة عنيفة تنم عن وصولها إلى قمة غضبها وحقدها.
وتحدثت بنبرة حقودة:
"يقطع خبرك مرة سو. نكدتي علي في عز فرحتي يا حزينة."
❈-❈-❈
مساءً.
تحرك قدري على مضض إلى منزل شقيقه الذي سيدخله لأول مرة بحياته مصطحبًا قاسم والمأذون كي ينتهوا من إجراءات كتب الكتاب.
دلف للداخل يتلفت حوله يتفقد المنزل وفخامة بنيانه وأثاثه الوثير بحقد وغِل دفين لو تفرق على قريتهم لكفى وفاض.
استقبلهم زيدان بحفاوة وقلب صافي وأدلفهم لداخل غرفة الاستقبال بأثاثها الفخم وجلسوا فوق المقاعد الوثيرة. ثم قام زيدان باستدعاء العاملة التي قدمت لهم واجب الضيافة بترحاب عالٍ.
وبعد قليل تحدث المأذون باستئذان ناظرًا إلى زيدان:
"بعد إذنك يا زيدان بيه تنده لنا الدكتورة صفا عشان ناخد موافقتها على بدء إجراءات كتب الكتاب."
وما أن أنهى جملته حتى استمع إلى صياح ذاك القدري الذي تفوه قائلاً باقتضاب:
"موافقة إيه اللي عايز تاخدها منها يا سيدنا الشيخ؟ يعني إحنا هنكتب الكتاب غصبن عنها إياك."
وأكمل بتفاخر وهو يرفع قامته للأعلى:
"البنت عاشقة الأستاذ قاسم وبتتمنى رضاه كمان."
وأكمل ليحثه على البدء سريعًا:
"اتكل على الله وابدأ في إجراءاتك."
استغرب زيدان حدة قدري وغضب من نبرة التعالي التي يتحدث بها عن ولده مقللاً من شأن ابنته.
حين تحدث المأذون الشرعي بهدوء ورتابة:
"متزعلش مني يا قدري بيه. أنا بنفذ أوامر الشرع والقانون واللي بيفرض عليا إني لازم أسمع موافقة العروسة بنفسي وأتأكد من رضاها، وإلا أكون بخالف القانون ويكون لا قدر الله العقد باطل."
تحدث قاسم إلى عمه باحترام كي ينهي ذاك الجدل العقيم:
"ياريت يا عمي تنده لصفا عشان منأخرش الشيخ أكتر من كده."
أجابه زيدان وهو يقف استعدادًا للخروج:
"حاضر يا ولدي."
ثم وجه حديثه إلى الشيخ سلامة:
"ثواني يا شيخنا وصفا تكون قدامك."
أومأ له الرجل باحترام، وبالفعل كانت صفا تقف أمامهم بعد دقائق معدودات وجلست تحت نظرات قاسم المتفحصة لجمالها الخلاب الذي لفت انتباهه رغماً عن الحزن الذي يخيم على ملامح وجهها.
سألها الشيخ بلين:
"إنتِ موافقة يا بنتي على جوازك من قاسم قدري النعماني؟"
وجهت بصرها إلى قاسم ورمقته بنظرات ثاقبة حادة ثم تحدثت بنبرة قوية شامخة:
"يُتبع.."