تحميل رواية «قلبي بنارها مغرم» PDF
بقلم روز امين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تدور أحداث روايتنا داخل محافظة سوهاج عريقة الأصل والأصول، وبالتحديد داخل نجع النعماني والذي سُمي خصيصاً بهذا الاسم تيمنًا وانتسابًا لتلك العائلة العريقة، عائلة النعماني. البطلة: صفا زيدان عتمان النعماني، طبيبة بشرية، تبلغ الآن من العمر الخامسة والعشرون، وحيدة والديها وغاليتهم، فاتنة الجمال ذات طلة وجه ملائكي وبشرة بيضاء اللون، تمتلك عينان ساحرتان واسعتان باللون الزمردي يكسوهما رموش سوداء كثيفة مما أعطى لهما سحرًا ورونقًا يفوق ألف تعويذة على ناظريهما. تمتلك جسدًا متناسقًا أنثويًا من الدرجة الأولى...
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الحادي عشر 11 - بقلم روز امين
سألها الشيخ بنبرة لينة:
"إنتِ موافقة يا بنتي على جوازك من قاسم قدري النعماني؟"
وجهت بصرها إلى قاسم ورَمَقته بنظرات ثاقبة حادة، ثم تحدثت بنبرة قوية شامخة:
"موافقة يا سيدي."
لا يدري لما سعد داخله بهذا الشكل العجيب عندما استمع لموافقتها. غريب أمره منذ البارحة. حتى هو استغرب حاله بشدة، فمنذ ما حدث بينهما ليلة أمس وهو لم يتوارَ لحظة عن التفكير بها وبعنادها. استفزته ثورتها ولهجتها الحادة وهي تحدثه بتحدٍ صارم وصل لإهانته.
تحدث المأذون بارتياح:
"على خيرة الله، هاتي بطاقتك يا بنتي."
وبالفعل أخذ بطاقتها. قاسم صفا وبدأ في إجراءات عقد القران. وبعد مدة تحدث إليهما بوجه بشوش:
"ألف مبروك يا عرسان."
"إكده يبقى مفاضلش غير الإشهار يوم الفرح ويبقى كله تمام بإذن الله."
قامت ورد بإطلاق الزغاريد تعبيراً عن فرحتها بعقد قران صغيرتها الوحيدة. احتضنتها وباتت تقبلها بسعادة تحت سعادة صفا لسعادتها وفقط.
وبعد أن استمعت العاملات الجالسات بالخارج لزغاريد ورد، انطلقن أيضًا بإطلاق الزغاريد التي صدحت بالمكان لتعلن للجميع عن اكتمال مراسم عقد القران.
لفت عمتيها صباح وعلية اللتان حضرتا منذ الصباح الباكر كي تقفا بجانب شقيقهما الحنون الكريم معهما لأبعد حد، وبجانب زوجته الحنون.
تحدثت علية وهي تحتضن زيدان وتقبل صدغه بحنان:
"مبارك يا أخوي. عقبال ما تشوف عيالها مالين عليك الدوار يا نظري."
ابتسم لشقيقته وربت على ظهرها بحنان وأردف قائلاً بابتسامة:
"في حياتك إن شاء الله يا غالية."
تنفس قدري الصعداء وشعر بانتصار وكأنه فاز للتو بإحدى فتوحات النصر العظيم. ثم وقف واقترب من ولده واحتضنه بشدة، مربتاً على ظهره قائلاً بنبرة سعيدة:
"ألف مبروك يا أسدي. عقبال التمام."
ثم اتجه إلى شقيقه، مربتاً على ظهره بنفاق، متحدثاً:
"مبروك علينا يا زيدان."
ابتسم له زيدان وتحدث بوجه بشوش وقلب صادق محب:
"الله يبارك فيك يا قدري. ربنا يجعلها جوازة السعد والهنا عليهم اللهم آمين."
ثم اتجه إلى قاسم واحتضنه بشدة قائلاً:
"مبروك يا ولدي."
ابتسم له قاسم بود وأجابه باحترام وحب:
"الله يبارك في حضرتك يا عمي."
ثم نظر إلى تلك الجالسة وكأنها تخشبت بجلستها بجانب والدتها وعمتها صباح. مد يده إليها وتحدث بنبرة حنون خرجت عنوة منه من صميم قلبه الذي بدأ بالميل لها:
"مبروك يا صفا."
نظرت ليده الممدودة بشرود، وفي لحظة وجدت حالها تمد يدها إليه. تلمس راحة يدها بنعومة أرجفت جسدها بالكامل. ثم جذبها برفق كي يحسها على الوقوف لتقابله. وبالفعل حدث ما أراد. نظر إلى داخل عينيها وتحدث بنبرة ناعمة وهو يهمس لها بجانب أذنها مما جعل القشعريرة تسري بداخل جسدها بالكامل:
"مبروك يا حرمنا المصون."
ابتلعت لعابها، وفي لحظة استفاقت على حالها حين تذكرت اعترافاته المميتة عندما ذبحها وأخبرها بعدم تقبله لها كزوجة، وأنه ليس بالرجل الذي يقبل باختيار غيره للمرأة التي ستسكن أحضانه.
رمقته بنظرة حادة وابتسمت بجانب فمها ساخرة، وبدون كلام اتجهت إلى الخارج تحت استشاطته من عندها وأفعالها الاستفزازية المقللة من شأنه.
خرجت من الحجرة وجدت عمها منتصر ويزن بوجهها. كانا دالفين للداخل. تحدث منتصر وهو يسحبها إلى داخل أحضانه بحنان:
"ألف مبروك يا دكتورة."
أجابته بنبرة حنون:
"يُبارك في عمرك يا عمي."
أما ذاك العاشق الولهان فتحدث مهنئًا إياها بنبرة يملؤها الشجن:
"مبروك يا صفا وعقبال التمام."
ابتسمت له بمرارة سكنت داخل عينيها. رآها هو وألمته:
"الله يبارك فيك يا يزن."
هُنا خرج قاسم ورآها وهي تتحدث إلى يزن بنبرة حنون. استشاط داخله. واقترب منتصر منه، مربتاً على كتفه ومهنئاً إياه. وتحركت هي إلى الأعلى منسحبة من الوسط تحت نظراته المسلطة فوقها بتمعن.
❈-❈-❈
في الصباح الباكر. كانت تجلس بجانب زوجها فوق الأريكة ببهو منزلهما يتناولان معاً قهوة الصباح التي أعدتها له بحب، في جو هادئ يشوبه الحب والود والأحاديث المعسولة من كلاهما للآخر. استمع كلاهما لصوت فايقة وهي تنادي من خارج المنزل.
فأدلتها العاملة. وما كان حالها ببعيد عن حال زوجها حين دلف بالأمس ورأى فخامة المنزل وأثاثه. وما جعل النار تشتعل أكثر داخلها هو رؤيتها لزيدان وهو يلتصق بجسده بحميمية بتلك الخاطفة التي سلبته قلبه وعقله وبات يعشق كل ما به.
تحدث زيدان بترحاب:
"اتفضلي يا أم قاسم."
حين تحدثت ورد التي وقفت احتراماً لها رغم الكره الشديد المتبادل بين كلتيهما للأخرى، ولكن يظل أصلها وتربيتها الحسنة هما اللذان يحركانها:
"ده إيه الخطوة العزيزة دي يا أم قاسم؟"
وأكملت وهي تشير بيدها لها في دعوة منها للجلوس:
"اتفضلي، نورتي دارنا."
أجابتها وهي تتطلع حولها ببرود كاتمة غيرتها المرة ونارها الشاعلة التي لو انطلقت لأحرقت المكان بأكمله:
"الدار منورة بأهلها يا سلفتي."
وأكملت وهي تنظر إلى زيدان بعدما جلست ووضعت ساقاً فوق الأخرى بتعالٍ وكبرياء:
"أني كنت قلت لزيدان أول إمبارح إني هاجي وأشوف اللي ناقصك ونتمموه سوا لجعل ما نلحق وجتنا قبل يوم الخميس."
أجابتها ورد بمجاملة:
"كثر خيرك يا أم قاسم. بس ما كانش له لزوم تتعبي حالك. عمتي صباح وعمتي علية وكمان أم يزن بيساعدوني."
أجابتها بابتسامة ساخرة:
"وإيه يا سلفتي. إيد على إيد تساعد. وأني مهتعبش لأعز من مرة ولدي الغالي."
كان زيدان ينظر إليها مستغرباً حالة التغير الشامل، ولكنه كان على يقين أن قلبها المحمل بالسواد له ولورد لم ولن يصفو مطلقاً.
❈-❈-❈
داخل المكتب الخاص بصفا والمتواجد داخل المستشفى، كانت تجلس خلف مكتبها وأمامها يجلس ياسر ويزن وأيضاً الطبيبة أمل التي أصرت على مقابلة صفا لتتعرف على تلك الشخصية التي ستعمل معه.
تحدثت أمل بنبرة جادة عملية موجهة حديثها إلى صفا:
"تمام يا دكتورة صفا. إحنا كده تقريباً اتفقنا على كل حاجة. وأنا إن شاء الله هرجع بكرة القاهرة بعد ما أرتب شوية حاجات ضرورية هنا في أوضة الكشف. ويا ريت تبلغيني قبل افتتاح المستشفى بأسبوع عشان ألحق أرتب أموري وأحجز طيارتي."
أجابها ياسر بنبرة هادئة:
"أنا هكون على تواصل دائم معاكي يا دكتورة وأكيد هبلغك قبل الافتتاح بمدة كافية."
أومأت له بملامح صارمة وأردفت بنبرة عملية:
"أوكي يا دكتورة."
تحمحم يزن وتحدث إليها في دعوة منه لتلك الغريبة كي تحل عليهم ضيفة ليستطيع إكرامها وتقديم واجب الضيافة لها:
"ما تقعدي ويانا الكام يوم اللي جايين دول يا دكتورة لجعل ما تشرفينا في سرايا النعماني وتحضري فرح الدكتورة صفا يوم الخميس إن شاء الله."
نظرت إليه وتحدثت ببرود وكأنها ريبوت:
"متشكرة لحضرتك. بس أنا الحقيقة ما بحبش المناسبات اللي من النوع ده، لأنها بتكون زحمة ونفسياً ما بكونش مرتاحة."
ثم التفتت مرة أخرى وتحدثت إلى صفا وهي تهم بالوقوف:
"مبروك يا دكتورة ونتقابل في الافتتاح."
أومأت لها صفا وتحركت هي إلى الخارج وتبعها دكتور ياسر كي يرى ما تريده من تعديلات.
بعد خروجهما تحدث يزن إلى صفا بنبرة رخيمة وملامح وجه منكمشة:
"يا باااااي. الله الوكيل دمها يلطش اللي اسمها أمل دي. الله يكون في عون العيال اللي حيتولدوا على إيديها. العيال هتتخلع ويجي لهم صرع يا صفا."
وتساءل بنبرة ساخرة:
"ذنبيهم إيه الحزانه دول لجعل ما يشوفوا خلقتها اللي تألبط دي أول خلجة تخبط في وشهم على طول كده؟"
وما كان من تلك الصافية غير إطلاق القهقهات العالية التي خرجت رغماً عنها بعدما رأت تعبيرات وجه ذاك اليزن وحديثه الساخر. نظر إليها مسحوراً بجمال ضحكتها وتحدث إليها بنبرة حنون:
"إضحكي خلي الشمس تطلع ونورها يضوي ويملا الدنيي. ما يليقش عليكي الحزن. ما تخليش عشانك يا بت النعمانية."
وكأن بكلماته تلك أرجعها لأرض واقعها المرير، وسحبها من جديد وأدخلها لعالم أحزانها التي سجنت به روحها الشفافة.
ارتسمت فوق ملامحها الأحزان وأطلقت تنهيدة حارة تنم عن مدى وجع روحها.
فتحدث هو بفطانة:
"أني ما عرف إيه اللي حصل بينك وبين قاسم وجدك في الليلة إياها ووصلك للي انتِ فيه دي، ومعايز أعرف."
واسترسل حديثه مسانداً إياها بقوة:
"بس عايزك تعرفي حاجة واحدة بس، انتِ صفا زيدان الجوية اللي ما يكسرهاش شيء. وعاوز أقول لك متخافيش من أي حاجة طول ما أخوكي وأبوكي في ضهرك."
نظرت إليه بابتسامة أمل باهتة. فأكمل هو بقوة:
"من النهارده أخوكي هيقف في وش أي حد يفكر بس إنه يأذيكي ولا يمس كرامتك بشيء، واطمئني. أني مستعد أقف في وش الدنيي كلها لجعل ما تكوني مرتاحة يا خيتي."
امتلت مقلتيها بالدموع وتلألأت وتحدثت بامتنان بصوت مختنق بالعبرات:
"ربنا يخليك ليا يا يزن وما يحرمنيش منك واصل. على فكرة يا يزن."
نظر لها بحنان ينتظر تكملة حديثها فأردفت هي بنبرة أخوية حنون:
"أني طول عمري وأني بشوفك أخويا وسندي اللي اتحرمت منه. كنت لما تجيب لي كتاب لأجل ما أقرأه أو تيجي تسألني عن حالي أو لو كنت محتاجة لحاجة، كنت بفرح جوي وأقول لحالي هو ده أخوكي يا صفا."
وأكملت بتذكر:
"ولما كنت أقعد في دوار أبوي لحالي وأزعل وأني شايف البيت فاضي عليا أنا وأمي وأبوي، وأسمعك أنت وإخواتك وقاسم وإخواته متجمعين في صالة السرايا وأصوات لعبكم وضحككم واصلالي لحد عندي، كنت بحزن من جوايا، وفي لحظة أبص ألاقيك سبتهم وجيت لعندي لأجل ما تلعب وياي وما تحسسنيش بوحدتي. عمرك ما حسستني إني وحيدة يا يزن."
وأكملت وهي تنظر داخل عينيه ودمعاتها الغالية تمر عبر وجنتها:
"طول عمرك وانت سندى وظهرى يا أخويا."
يا له من شعور رائع ذاك الذي أصابه بمجرد نطقها بذاك الاعتراف. لم يستطع تفسير ما انتابته من مشاعر إيجابية، ولكن كل ما شعر به وتأكد منه أنه فخور بحاله وبما أوصله لتلك البريئة التي وبرغم اهتمام جديها وأبويها بها إلا أن شعورها الدائم بالوحدة لم يفارقها وبات يؤرقها طيلة سنواتها المنصرمة. وللأسف لم يشعر بتمزقها ووحدتها أحد.
سخط من داخله على جده وقراراته العقيمة عديمة المنفعة التي أوصلت لتلك الصغيرة شعورها بأنها منبوذة وحيدة في ظل وجود عائلتها.
جففت دموعها سريعاً وتحدثت إليه بنبرة جادة:
"بقول لك إيه يا يزن، ما تجيب ليلي تكشف عند الدكتورة أمل. الدكتور ياسر قال لي إنها شاطرة جوي. أي نعم هي لسه متخرجة من ثلاث سنين، بس عرفت تثبت جدارتها صح."
اتسعت عيناها وتحدث إليها ساخراً:
"ما عايزوش أني الواد اللي هيجي من خلقتها اللي تألبط دي، هي ناقصة فجر يا صفا."
تعالت قهقهاتها من جديد حين وقف هو مستأذناً ليذهب إلى المحجر ليتابع عمله.
❈-❈-❈
أما قدري الذي ذهب مع ولده باكراً إلى القاهرة بعدما أخبر والده أنه سيذهب مع قاسم لمشاركته فرحة اختيار نجله حلة عرسه.
وعند الغروب كان يجلس بجانب قاسم داخل منزل رفعت عبدالدايم بعدما جلب لهم الهدايا الثمينة وقطعة من الذهب الخالص كي يهديها لمن خطفت قلب ولده تعبيراً عن امتنانه لها عما ستفعله بقلب ابن زيدان في المستقبل البعيد.
وبدأ بقص ما حدث على مسامعهم طالباً التماسهم العذر لظروف نجله التي فرضت عليه، وإتمام زواج ابنتهما من نجله مقتصراً على حضوره هو وزوجته وفقط.
أما إيناس التي لمعت عيناها بالدموع وهي توجه نظراتها اللائمة إلى قاسم التي سرعان ما تحولت إلى نظرات نارية حارقة. وعلى الفور انتفضت واقفة وأسرعت الخطى إلى حجرتها وأغلقت بابها بحدة متخطية بتصرفها آداب الأصول والتقاليد.
تحدثت كوثر حيث بررت تصرف ابنتها بالغيرة على خطيبها وحبيبها قائلة بكلمات لائمة:
"ما تزعلوا من إيناس يا جماعة، بنتي مصدومة من الكلام اللي سمعته منكم."
ثم وجهت حديثها إلى قدري قائلة:
"انت يا عمدة جاي تطلب منها إنها ترضى وتسلم بأمر جواز خطيبها اللي قعدت تستناه سبع سنين بحالهم عشان يتجوزها بعد ما بنت عمه تتخرج على طول، وفي الآخر جاي تقول لها أنا هتجوز."
وأكملت بنبرة معترضة:
"الموضوع صعب عليها وعلينا، حطوا نفسكم مكاننا واحكموا."
تحدث إليها قاسم بنبرة هادئة:
"ممكن بعد إذنك تدخلي لها وتخليها تطلع عشان عاوز أتكلم معاها لوحدنا، وأنا هعرف أراضيها وأخليها تهدى."
أجابته بحديث ذي مغزى وهي ترجع ظهرها إلى الخلف بكبرياء:
"حاضر يا قاسم، بس لازم تحط في بالك إنك هتتعب أوي على ما تراضيها، دي بنتي وأنا أدري بيها وبقول لك إنها مش هتعدي الموضوع ده بالساهل."
نظر لها قدري بجبين مقطب وتأكد أن تلك السيدة ليست بالهينة وأنها طامعة بمال ونسب وجاه ولده. ولكنه لن يشغل باله بالاهتمام بأمرها الآن فهو لديه الأهم، وهو السعي لإتمام زواج ولده من صفا ووضع يده على مغارة علي بابا التي تنتظره.
وأراد أن يتلاعب معها بالحديث متحدثاً بدهاء:
"المصلحة حكمت يا هانم، وأظن ما يرضيكيش إن قاسم يخسر كل تعب السنين اللي فاتت دي لجل موضوع بسيط زي ده."
صدع رنين هاتف قاسم ليعلن عن مكالمة طارئة من عميل ذي أهمية بالغة، فاستأذن منهم وأخذ هاتفه وخرج إلى الشرفة ليتحدث بارتياح.
أما عدنان الذي تحدث إلى قدري بدهاء محامٍ:
"بيتهيأ لي يا عمو إن أول حاجة لازم يطلبها قاسم من جده قصاد موافقته هي إنه يكتب له المكتب والشقة باسمه بعقد بيع وشراء، على الأقل يضمن إنه ما يقعش تحت تهديد جده مرة ثانية وتحت أي ظروف."
أجابه قدري بنبرة قاطعة:
"أبوي مهيعملش كده لو انطبقت السما على الأرض."
وأكمل لإقناعهم:
"بس أحب أطمنك وأقول لك إن بجواز قاسم من صفا هو كده حط إيده على كنز النعماني وما يحتاجش حاجة بعديها من جده من الأساس."
وأكمل بنبرة تدل على مدى جشعه:
"أخويا زيدان عنده مال ملوش أول من آخر، وكله هيبقى تحت تصرف قاسم بمجرد جوازه من صفا اللي هي وحيدة أبوها."
وأخيراً قرر ذاك الرفعت الخروج من صمته الدائم وتحدث باعتراض ونبرة متعقلة:
"والله يا جماعة أنا شايف إن كل شيء قسمة ونصيب، وطالما قاسم اتجوز بنت عمه يبقى موضوعه مع إيناس أصبح مستحيل ومنتهي."
قاطعته كوثر بنبرة حادة معترضة قائلة بنظرة ترهيبية محذرة:
"موضوع إيه ده اللي منتهي يا رفعت؟ هو أنت مش عارف قد إيه بنتك متعلقة بقاسم ومتقدرش تعيش من غيره، ده غير الناس اللي هتبدأ تجيب في سيرة بنتك وتسأل، يا ترى خطيبها سابها ليه بعد ما قعدت مخطوبة له كل الوقت ده، هنقول لهم إيه يا رفعت؟"
صمت ذاك الضعيف الإرادة أمام بطش زوجته وأولاده تحت ابتسامة قدري من داخله على ذاك الذي يعد رجلاً ويُحسب على قائمة الرجال بالاسم فقط.
همت كوثر بالوقوف وأردفت موجهة حديثها إلى قدري:
"أنا هدخل لها وأحاول أقنعها بإنها تطلع تتكلم مع قاسم."
وتحدثت بانسحاب:
"بعد إذنك يا عمدة."
وبالفعل دلفت لابنتها وأقنعتها بأن تخرج إلى قاسم وتحاول فرض سيطرتها عليه مستغلة الموقف، ولا يمنع ذلك من قيامها ببعض الدلال عليه كي تشعله وتجعله متعلقاً بها أكثر وبعدها ستطلب منه ما تريد وهو سينفذ بدون اعتراض، هكذا خُيل لهم.
بعد قليل كانت إيناس تجلس بجانب قاسم داخل شرفة منزلهم المتواضع وتحدث هو في محاولة منه لتهدئتها:
"من فضلك اهدي يا إيناس وخلينا نتكلم بالعقل وفي إطار المصلحة العامة."
أجابته ببعض الحدة:
"إزاي بتطلب مني أهدي وانت جاي بكل بساطة وجبروت تقول لي إنك هتتجوز واحدة غيري وتنام في حضنها؟"
أجابها بهدوء:
"جواز مصلحة يا إيناس وانتِ عارفة كده كويس."
وأكمل بهدوء محاولاً تثبيتها:
"ما أنتِ عارفة أنا كنت مسافر وناوي على إيه."
وأكمل مبرراً:
"بس جدي حطني في خانة اليك، قولي لي بقى كنت هحلها إزاي وأنا شايف شقى السنين اللي فاتت دي كلها بيضيع بكل بساطة من بين إيديا."
وأكمل بنبرة ترهيبية:
"انتِ فاهمة معنى الكلام ده إيه يا إيناس، معناه إن أنا وانتِ وكمان عدنان هنبقى في الشارع والمكتب اللي حفرنا بظوافرنا في الصخر لحد ما بنينا اسمه في سنين هيتمحي في لحظة."
ابتلعت لعابها رعباً من الفكرة وتحدثت بنبرة استسلامية:
"خلاص يا قاسم، أنا موافقة بس عشان مصلحتك."
وأكملت باستغلال:
"بس ليا شرط."
قطب جبينه باستغراب وتساءل مستفهماً:
"شرط إيه ده كمان؟"
أجابته بجشاعة:
"غيري لي عربيتي لأحدث موديل وكمان تشتري لي شقة غير بتاعة جدك وتكتبها باسمي."
وأكملت بنبرة ضعيفة مستسلمة كي تكسب تعاطفه:
"على الأقل عشان أضمن إن لو جدك عرف بجوازنا وأجبرك تطلقني ما أترميش في الشارع أنا وأولادك اللي هنخلفهم."
ضيق عينيه وبات ينظر لها مستغرباً حالتها وجشعها وطمعها الذي استشفه من حديثها رغم محاولاتها المستميتة لتخبئته، ولكنه اكتشفه بما له من فطانة. نعم يحبها أو هكذا يظن، ولكن بالأخير يبقى هو قاسم النعماني.
أجابها بنبرة جامدة:
"انتِ شايفه إن ده الوقت المناسب للكلام في الموضوع ده؟"
أجابته بعيون حادة مستغلة الوضع:
"ده هو ده الوقت المضبوط يا قاسم، لازم نتفق على كل حاجة قبل أي كلام في موضوع جوازنا."
حك ذقنه النابت بأصابعه وفكر بشرود ثم أجابها:
"بصي يا إيناس، انتِ دخلتي لي الدخلة الغلط اللي متنفعش معايا خالص، ومش دي الطريقة اللي هتكسبيني بيها أبداً. ولو فاكرة إنك هتتشترطي وتتأمري عليا وأنا هقف أتفرج وأقول لك أمرك يطاع يا حياتي، تبقي غلطانة وحساباتك خرمت منك المرة دي يا متر."
وأكمل بنبرة محذرة بنظرة حادة كالصقر:
"أنا قاسم النعماني يا إيناس يا رفعت، يعني ماليش إيد بتوجعني عشان أتمسك منها، ومش أنا اللي هقبل إن واحدة ست تقعد وتملي شروطها عليا مهما كانت هي إيه بالنسبة لي، ولو مش فاهمة كده كويس تبقي غبية."
ارتعب داخلها وتراجعت سريعاً كي لا تخسره وتساءلت بدموع التماسيح:
"حتى أنا يا قاسم؟"
صاح بها بعيون محذرة:
"إيناااااس، اسمعيني كويس وركزي في كلامي يا بنت الناس، شقق مش هكتب وما اتخلقش لسه اللي يقدر يجبرني على حاجة أنا مش عايزها، فهماني."
ابتلعت لعابها وبدموع تحدثت بتلون كالحرباء:
"أنا آسفة يا قاسم، يظهر إن صدمتي من الخبر مش مخليني قادرة أركز ولا أفكر بشكل منطقي."
"علشان كده أرجوك انسى كل الكلام اللي أنا قلته ده."
أجابها بهدوء جاهد بإخراجه:
"خلاص، بس ياريت اللي حصل ده ما يتكررش تاني."
وأكمل وهو ينهض بملامح وجه مبهمة:
"يلا بينا نقعد مع الجماعة عشان نتفق على ميعاد الفرح وكل اللازم."
وبالفعل انضم قاسم وإيناس إلى الجلسة من جديد وتحدثت كوثر بنبرة حادة قوية بعدما استمعت بموافقة ابنتها المتفق عليها مسبقاً بينهما وأدعت بتفاجئها:
"أنا كمان موافقة لأن ما عنديش خيار تاني بعد ما قاسم ركن بنتي جنبه سبع سنين والكل عرف إنها خطيبته."
وأكملت وهي تهز كتفيها باستياء مصطنع:
"يعني هقول إيه للناس وأبرر لهم إزاي فسخت خطوبتها بعد ما شافوهم مع بعض في كل مناسباتنا."
تحدث إليها قدري باستحسان مزيف وذلك لقراءته لما هو داخلها:
"عين العقل يا هانم، هو ده تفكير الناس الزين صح."
تحدثت كوثر بتشرط وهي تنظر إلى قدري:
"أنا صحيح موافقة بس أنا ليا شرط يا عمدة."
وأكملت وهي تنظر إلى قاسم بتحدي:
"قاسم يتجوز إيناس الأول ويدخل عليها، أنا بنتي مش هتكون زوجة تانية."
أجابها بحقد دفين وغِل لشقيقه الذي لم يفعل أو يكن له غير كل الخير:
"لا يا هانم سامحيني في الشرط ده. قاسم هيدخل على صفا الأول، أني ليا غرض في كده."
وأكمل محاولاً إقناعهم بطريقة خبيثة:
"وبعدين بنتك ما تستاهلش يتجال عليها المرة اللي جوزها ملجاش راحته عنديها وراح يدور عليها بره واتجوز اللي تريحه."
نظرت له بإعجاب تقديراً لدائه وذكائه الكبير.
أما قاسم الذي كان يجلس بجانب والده مستغرباً أحواله من كم الإصرار الذي أتى به ليقنع أهل إيناس بتلك الزيجة التي ستذبح قلب ابن شقيقه لو لا قدر الله علم بها.
وبلحظة غلت الدماء داخل عروقه من حديث والده المهين لابنة عمه وتحدث بنبرة حادة صارمة:
"إيه الكلام اللي حضرتك بتقوله ده يا أبوي، الدكتورة صفا ست البنات كلهم ومش هي اللي يتقال عليها الكلام الفارغ ده."
وأكمل مبرراً ما يحدث بحدة:
"لولا بس الظروف هي اللي حطتها وحطتني في الموقف ده."
استشاط داخل إيناس ونظرت له باستغراب وأردفت بنبرة متعجبة:
"وانت إيه اللي ضايقك أوي كده من كلام عمو يا قاسم؟"
أجابها بقوة وحزم:
"عشان مش بنت النعمانية اللي يتقال عليها الكلام ده."
ثم وقف بحدة ونظر لوالده الذي خجل من حديث ولده الذي أشعره أمام الناس كم هو ضئيل ودنيء وخسيس. وتحدث بنبرة قوية:
"يلا بينا يا أبوي."
كان يشعر بكم ندالته ودناءة تصرفه ذاك. دائماً ما يصاحبه شعوراً بعدم الراحة وتأنيب الضمير المستمر. ذهن مشتت، روح ممزقة، دائمة البحث عن راحتها هنا وهناك. طالما صاحبه شعور الغربة حتى بصحبة أهله. كان دائم البحث عن ذاته داخل كيانه المشتت. ولكن لعل يوماً يهديه زمانه سلامه النفسي وتستريح روحه الهرمة.
❈-❈-❈
بعد مدة قصيرة كان يجلس بالمقعد المجاور لقاسم داخل السيارة بعدما نزلا من سكن رفعت عبدالدايم.
تمعن في وجه قاسم الحزين وتساءل بتملل:
"مالك يا ولدي، ما يرجعش ليه. كنت مفكر الفرحة مهتسعكش لما نتفاجأ بفرحك من زميلتك دي."
أخذ نفساً عميقاً وزفره بعمق وأكمل بنبرة مهمومة:
"ما عرفتش اللي عملناه دي إذا كان صح ولا غلط يا أبوي."
ثم نظر لأبيه وتحدث بنبرة مستاءة متذكراً:
"ثم إيه الحديث اللي حضرتك قولته على بت عمي قدام الخلج الغريبة دي؟"
أجابه ولده بمراوغة:
"يعني كنت عايزني أقول للحرمة اللي كيف الحِرباية دي إيه وهي راسها وألف سيف لتمم جوازك ببنتها اللول؟"
وأكمل بإلهاء:
"وبعدين سيبك من الحديث الماسخ دي وحاول تخلص اللي وراك هنا بسرعة لجعل ما تلحق تيجي لسوهاج قبل الخميس."
واسترسل حديثه مستفسراً:
"ما جلتليش، ناوي تتجوز زميلتك دي فين؟"
تنهد بثقل وتحدث بنبرة مختنقة:
"أول حاجة ناوي أعملها بكرة إني أسحب كل الفلوس اللي في الحساب المشترك اللي بيني وبين جدي وأفتح لي حساب جديد لحالي وأحط فيه شقة عمري. وهشتري منه شقة بعيدة عن الشقة اللي شاريها لي جدي عثمان."
أجابه قدري باستحسان:
"برافو عليك، ده اللي كان لازم يحصل من زمان وأني ياما جلت لك تعمل كده بس انت اللي ما كنتش بتسمع الحديث."
أردف قاسم بنبرة قلقة متخوفة:
"خايف جوي من رد فعل جدي لما يعرف بجوازي من إيناس."
أجابه قدري بتملل:
"وأيه بس اللي هيعرف جدك يا ولدي، ما انت طول عمرك قاعد هنا لحالك، ميتا كان حد جه زارك ولا عرف حاجة عني. وبعدين ما انت هتشتري شقة جديدة وتسكن فيها ويا مراتك لجعل ما تبعدوا عن العين."
وأكمل بهدوء:
"ما عايزكش تجلج واصل طول ما أني وياك وفي ضهرك."
ودلوقتي وصلني للمطار لجعل ما ألحق طيارة الساعة تسعة.
نظر لابيه مستغرباً وتساءل:
"طيارة إيه يا أبوي اللي هتِلحقها، مش إحنا متفقين إنك هتبات معايا وبكرة الصبح هتسافر؟"
أجابه بنبرة زائفة:
"جالي مشوار مهم ولازم أرجع سوهاج وهضطر أبات برة البيت لجعل ما المصلحة تنجض. ولجعل كده عايزك لو أمك اتصلت عليك تجول لها إني كنت بايت وياك هنا."
وأكمل مبرراً بنبرة مستاءة:
"مناقصش وجع راس أني."
استغرب حديث والده ولكنه فضل الصمت كي لا يزعجه بأسئلته. وبالفعل أوصله إلى المطار وعاد إلى شقته من جديد.
دلف للداخل بائساً مهموماً. ألقى بهاتفه وعليقة مفاتيحه فوق المنضدة الجانبية. خلع عنه حلته وفك رابطة عنقه التي كاد أن يختنق بها من شدة ضيقه.
ألقى بجسده بإهمال فوق الأريكة وشرد بالتفكير فيما يفعله غير راضٍ عن أفعاله. وبرغم عدم راحته إلا أنه مستمر في إكمال ما بدأه من تمرد على وضعه.
❈-❈-❈
داخل مدينة سوهاج وبالتحديد داخل شقة متوسطة الحال. كانت تلك المرأة شديدة الجاذبية، ذات الثالثة والثلاثين من عمرها، تجلس فوق الأريكة بلباس مكشوف فاضح، تضع فوق فخذيها صحناً مليئاً ببذور القرع تتناول منه وهي تشاهد إحدى مسلسلاتها المفضلة على شاشة التلفاز المعلقة أمامها.
استمعت لرنين جرس الباب فاستغربت من سيطرق بابها بهذا التوقيت المتأخر. رفعت صحن البذور ووضعته فوق المائدة وتحركت إلى الباب تنظر من الفتحة السحرية للباب. انفرحت أساريرها عندما رأت من تنتظره الأيام والأسابيع كي يهل عليها ويسعد قلبها برؤياه وينثر عليها ماله وهداياه.
إنه زوجها التي تعرفت عليه في المركز التابع لبلده الصغير. فتزوجها منذ أكثر من ثلاث سنوات واشترى لها تلك الشقة وبدأ بالتردد عليها ليقضي معها أوقاتاً تسعد روحه وتنفس عنه.
ألقت نظرة سريعة على حالها في المرأة الموضوعة بجانب الباب وعدلت من شعرها بلهفة. ثم فتحت الباب سريعاً وهي تتحدث بحفاوة:
"يا ألف خطوة عزيزة يا سيد الناس. أنا أكيد بحلم."
ألقى جانباً ما بيده من أكياس محملة بأنواع الفاكهة المتنوعة وبعض المسليات والمشروبات اللازمة لسهرتهما سوياً. ثم أمسك ذراعها ودفعها أمامه بعنف متحدثاً بحدة:
"كنك ناوية على موتك النهارده عاد. كيف تفتحي الباب بخِلعاتك العريانة دي يا واكلة ناسك انتِ؟"
ارتعبت أوصالها وتحدثت إليه مبررة فعلتها بنبرة مرتجفة:
"أنا ما فتحتش غير لما بصيت عليك من العين السحرية واتأكدت من إنك انت اللي على الباب."
ثم أكملت بنبرة حزينة وهي تمد شفتاها للأمام بدلال وأنثى كي تثيره:
"هي دي بردوا مقابلتك ليا بعد أسبوع سايبني فيه لوحدي من غير حتى ما تسأل عليا بتلفون."
وأقتربت عليه تتحسس صدره بإغراء وأردفت قائلة:
"للدرجة دي ما بقتش بوحشك ولا باجي على بالك يا سيد الناس؟"
وهنا انفرحت أساريره ونفخ صدره بتفاخر من دلال أنثاه الجميلة له وتحدث بابتسامة:
"كيف ما وحشتنيش وأني جاي لك بكل شوء لجعل ما أقضي الليل كله وياكي وبايت في حضنك كمان."
تهلل وجهها من شدة سعادته وتساءلت بلهفة:
"بجد يا قدري هتبات معايا النهارده؟"
أجابها وهو يهز رأسه بإيماء:
"صح هبات وياكي يا ماجدة."
وضمها لداخل أحضانه وتحدث برغبة:
"وحشني دلالك على جوزك وجلعك ليه يا بت. جاي لك مشتاق وسايب لك حالي لجعل ما تخلعيني كيف ما بدالك."
ضحكت بإغراء وتحدثت بخلاعة وهي تسحبه من يده إلى غرفة نومهما معاً:
"بس كده. ده أنا هوريك اللي عمره ما خطر في بالك يا سيد الرجالة."
بعد مرور بعض الوقت كانت تجلس بجانبه فوق التخت وتحدثت بابتسامة:
"راضي عني يا سي قدري؟"
أجابها وهو يدخن سيجارته بشراهة ويتمزج بها بانسجام:
"كل الرضا يا ماجدة. كل الرضا."
وأكمل حديثه بسعادة:
"عندي لك خبر زين جوي. قاسم هيتجوز الأسبوع الجاي."
انفرحت أساريرها وتحدثت بنبرة سعيدة لأجله:
"أخيراً هتنال مرادك وتجوز قاسم لبنت أخوك."
ثم تحدثت إليه وهي تدلل عليه:
"طب بمناسبة الخبر الحلو ده، فين الغوايش اللي طلبتهم منك المرة اللي فاتت؟"
نظر لها مضيق العينين وتحدث بحدة:
"هو انتِ ما بتشبعيش واصل يا حرمة. هو أني مش لسه من شهر جايب لك خاتم ده."
نظرت له وأجابته باستنكار:
"خاااااتم. خاتم إيه يا قدري بيه يا ابن كبير النعمانية. هو ده بردوا مقام ولاد الأكابر؟"
أجابها بنبرة هادئة وهو يدخن سيجاره بإستمتاع:
"وأني مهكسفكش وهاخدك بكرة الصبح أشتريهم لك قبل ما أرجع النجع."
فتحت بلهفة وسعادة غير مصدقة:
"بتتكلم بجد يا قدري؟"
أجابها بهدوء:
"ومتى كنت بهزر وياكي أني؟"
ارتسمت داخل أحضانه وتحدثت بسعادة:
"ربنا يخليك ليا يا سيد الناس."
ثم خرجت مرة أخرى وتساءلت بلؤم رافعة حاجبيها:
"ويا ترى بقى جبت إيه لفايقة بمناسبة الخبر الحلو ده؟"
رمقها بنظرات حارقة وتحدث إليها محذراً إياها:
"وبعدهالك عاد يا بت الناس. أني مش جلت لك قبل سابق لو حابة تعيشي وياي في راحة ملكيش صالح بفايقة ولا تحاولي تجارني بينك وبينها. لأن المجارنة مهتكونش في صالحك واصل."
وأكمل بنبرة لرجل عاشق:
"فايقة مرتي وأم عيالي وكفتها تطب وتميل."
أجابته بحدة وغيرة:
"وأنا كمان مراتك زيي زيها يا قدري ومبقلش عنها في حاجة."
أجابها بعيون تطلق شزراً:
"زيك زيها كيف يعني؟"
وأكمل متعجباً:
"كنك اتجننتي إياك. عايزة تساوي حالك بفايقة هانم النعماني ست النعمانية كلها؟"
سألته بحدة وغيرة:
"ولما انت بتحبها أوي كده اتجوزتني عليها ليه يا عمدة؟"
أجابها باستنكار:
"اتزوجتك لجعل مزاجي وانتِ خابرة كده زين. وبعدين جوازك مني عُرفي. يعني عمرك ما هتبقي زييها. وبطلي بقى نغمة أني زيي زيها دي عشان كده بتخسريني وانتِ موعية."
ارتعب داخلها وتراجعت سريعاً كي تزيل عنه غضبه وتكسب وده من جديد واقتربت عليه تتحسس شعر رأسه بدلال وتحدثت بصوت أنثوي:
"خلاص يا عمدة حقك عليا. متزعلش مني واعتبرني ما قولتش حاجة."
وأكملت بابتسامة جذابة لإلهائه:
"قُولي بقى يا سيد الرجالة، تحب تاكل إيه عشان أقوم أعمله لك بإيديا."
انفرحت أساريره وشعر بتفاخر من معاملتها التي تجعله يشعر بأنه حقاً سيد الرجال عكس تلك الفايقة التي وبرغم عشقه الهائل لها إلا أنها لا تبادله شعوره ولا تعتني به كزوجة تسترضي زوجها.
أجابها بابتسامة:
"أي حاجة من يدك هتبقى زينة يا ماجدة."
ضحكت بخلاعة وتحركت وهي تتمايل بجسدها تحت احتراق روح ذاك المشتاق المحروم من الدلال ولا يجده سوى مع تلك الماجدة.
❈-❈-❈
أتى يوم الأربعاء. يوم حنة العروسان.
أجواء مبهجة تعم على المنزل.
حيث كان دَق الطبول ورقص الفتيات والتصفيق والأغاني من سيدات العائلة يصدح في جميع أرجاء المنزل.
كانت جميع نساء النجع يجلسن بداخل سرايا زيدان منبهرات بكل ما فيها، يحتفلن بليلة الحنة الخاصة بابنة النعمانية المدللة وسط مظاهر البهرجة والبزخ الذي صنعها زيدان احتفالاً بصغيرته الجميلة ووحيدته.
فقد أتى بعاملات من إحدى الشركات الخاصة بتجهيز حفلات الزفاف من القاهرة، كن يرتدين زياً موحداً "يونيفورم" ولقد تخصصن بخدمة الحاضرات وتقديم كل ما لذ وطاب من الأكلات والمسليات والحلويات الخاصة بالأفراح تحت استشاطة فايقة وغيرتها التي تنهش بقلبها رغم حدوث ما قامت بالتخطيط له بالاشتراك مع زوجها.
ولكن متى هدأت نار الحاقد واستكان داخلها. وجهت شقيقتها بدور الجالسة بجانبها مبتسمة تساؤلها لها:
"مالك يا فايقة، جالبة خلقتك في وش الكل كده؟"
"مع إن المفروض تبقي أسعد واحدة في الدنيا كلها النهارده وانتِ بتجوزي ولدك البكري اللي عشتي كتير تحلمي بجوازته دي بالخصوص."
أجابتها من بين أسنانها والغل ينهش بداخلها:
"ما أعرفش أفرح طول ما الحرباية اللي اسمها ورد عايشة ودايسة في الخير ده كله. مش شايفه بعينك إياك البيه ابن عمتك وهو معليها ومخليها فوق الكل. ده جايب لها بنات يخدموا الحريم لجعل ما تقومش من مطرحها ولا تتعب حالها."
تحدثت إليها بدور باستغراب لحالة الحقد التي تتحدث بها شقيقتها:
"وانتِ إيه مشكلتك يا فايقة؟ وماله لما يريح مرته اللي ياما تعبت ويّاه لحد ما وصلوا للي هما فيه ده."
نظرت إليها بحقد وتحدثت بحدة:
"مشكلتي إن العز ده كله كان من نصيبك انتِ وهي اللي سرقته مني هو وزيدان."
ابتسمت شقيقتها ساخرة وتحدثت بفطانة وحديث ذي مغزى:
"إذا كنت أنا ذات نفسي نسيت وسامحت في حقي زمان يا فايقة وجولت قسمة ونصيب، زعلانة انتِ ليه بقى؟"
وأكملت بنظرة ثاقبة:
"ما تعمليش حجتك لأني فاهمة وواعية زين للنار اللي شاعلة جواك وما بتحرق حد غيرك يا خيتي."
وأكملت ناصحة لها بحديث ذي معنى:
"اعجلي يا خيتي وانسى الماضي واردمي عليه بدل ما ناره تحرقك وتحرق عيشتك ويا قدري اللي بيتمني لك الرضا ترضي."
ابتلعت لُعابها رعباً وتساءلت بنبرة زائفة:
"تقصدي إيه بحديثك الماسخ ده يا بدور؟"
ابتسمت بدور بجانب فمها بطريقة ساخرة وتحدثت:
"قصدي انتِ خبراه زين يا فايقة وبلاش نجلبوا في اللي فات بدل ما ناره تتجدد وتشعلل وتطول الكل وساعتها محدش هيسلموا منها."
ابتلعت لُعابها وفضلت الصمت وعدم مجابهة تلك الكاشفة لداخلها أكثر من ذلك.
التفتت إلى الزغاريد التي انطلقت بشدة لتعلن عن نزول تلك الحورية من فوق الدرج.
اشتعلت نيرانها وهي ترى صفا تتدلى بثوبها الرائع بلونه الذهبي الذي بالكاد يغطي ركبتيها وحمالاته الرفيعة بصدرها المستدير الذي كشفت عن جزء صغير من نهديها البض والتي بُهرت جميع الموجودات بجمالها وجمال جسدها رائع الجمال وبتن يحسدن قاسم عليها.
هتفت رسمية إلى ورد بنبرة حادة غاضبة:
"إيه اللي ملبساها للبت ده يا مخبولة انتِ. عايزها تاخد عين من الحريم اللي عيونهم تدب فيها رصاصة دول؟"
أجابتها ورد بهدوء ويقين:
"وحدي الله يا مرة عمي. إن شاء الله ربنا هيسترها وهيعضي الليلة على خير."
وأكملت مفسرة موقفها:
"وبعدين أني زيي زيك ومشفتش الفستان غير لما اشترته ويا أصحابها من مصر لما سافرت ويا أبوها."
كانت تتدلى من أعلى الدرج بجانب صديقاتها المقربات وبنات خالاتها بعدما زينتها إحدى الميكب أرتست الشهيرة اللبنانية الأصل والتي تعمل بمركز التجميل الخاص بها بالقاهرة. وقد استدعاها زيدان بالطائرة خصيصاً لتمكث مع ابنته ليلتي الحنة والزفاف وذلك بعدما أغرقها بالمال كي توافق.
كان يؤرقها بشدة شعورها بانتِقاص فرحتها وعدم اكتمالها. نعم لقد صنع لها والدها الغالي كل مظاهر البهجة والسعادة ولكنه لم يستطع بكل تلك المظاهر محو آلام روحها المتمزقة. كم كان مميتاً حديثه الجارح لكرامتها. كلما حاولت التأقلم مع من حولها وتناسي وجعها تهاجمها الأفكار من جديد وتقتحم كلماتهُ المهينة ذاكرتها لتعكر عليها صفوها وتعيدها لنقطة الصفر من جديد.
تحركت ورد سريعاً نحو الدرج لاستقبال قُرة عينها جميلة الروح والشكل والخُلق. عزيزة عيناها التي لم تُرهقها ولم تُحزنها يومًا منذ أن أنارت حياتها بمجيئها الغالي. اقتربت عليها وتمعنت في جمالها الأخاذ وبلحظة نزلت دموع السعادة من عينيها رغماً عنها.
احتضنتها بشدة وتحدثت بدموع السعادة:
"ألف مبروك يا ضي عيني. زي الجمر في ليلة تمامه يا بت جلبي."
وضعت أناملها الرقيقة فوق وجنتي والدتها كي تزيل عنها دموعها الغالية وأردفت قائلة بنبرة حنون:
"وحياة صفا عنديكي ما تبكي. مش لايق عليكي البُكا يا أماي."
جففت دموعها سريعاً وتحدثت بنبرة سعيدة:
"دي دموع فرحتي بيكي يا دكتورة. بس خلاص مسحتهم أهم وما هعيطش تاني لجعل خاطرك الغالي."
ارتسمت من جديد داخل أحضان والدتها. اختطفتها من تلك اللحظة عمتها صباح التي تحدثت بانبهار شديد وخوف على قرة عين أخيها الحنون الذي يغمرها هي وشقيقته الأخرى علية بحنانه واهتمامه وأيضاً أمواله.
وتحدثت وهي تسحبها من داخل أحضان ورد وتدخلها إلى أحضانها بحنان:
"الله أكبر عليكي يا بت الغالي. حصوة في عين كل اللي حيشوفك ولا يصليش على حضرة النبي."
وتحدثت علية هي الأخرى:
"مبارك يا دكتورة. ربنا يتمم فرحتك على خير يا جلب عمتك."
ابتسمت إلى عمتيها الحنونتين وتحدثت:
"تسلميلي يا عمه ويبارك لي في عمرك."
تحركت بها ورد إلى جدتها الجالسة تراقب نظرات الجميع على ابنة غاليها وتقرأ المعوذتين في سرها خشيةً عليها من الحسد وتحدثت ورد بابتسامة صادقة:
"جربي يا صفا وميلي على يد جدتك وبوسيها لجعل ما تاخدي مباركتها ورضاها عليكي."
نظرت رسمية إلى ورد باستحسان وهزت لها رأسها وابتسمت برضا مما أشعل قلب فايقة التي تراقب تصرفات الجميع عن كثب بقلب مشتعل وكيان يحترق غلاً وكراهية.
مالت صفا بجزعها على كف يد جدتها وقبلتها باحترام. أما رسمية فوضعت كف يدها الأخرى تتلمس بحنان رأس صغيرة ابنها المنكبّة فوق يدها ثم أمسكت يدها وأجلستها بجانبها واحتضنتها متحدثة:
"مبارك يا بتي. ربنا يتم لك فرحتك على خير."
وأخرجت علبة كانت تمسك بها منذ أن أتت وفتحتها وإذا بها عقد أثري يرجع تاريخه إلى جدة جدتها تتوارثه الأجيال عبر التاريخ واختارت الجدة صفا لتكون وريثتها بهذا العقد. مما أثار غضب فايقة وليلى وحتى مريم التي حزنت بداخلها على التفرقة المستديمة التي تشعر بها بينها وبين صفا.
تعالت المباركات والهمهمات الجانبية وشعرت الجدة بغضب ليلى ومريم فتحدثت إلى الجميع بنبرة زائفة مراوغة لكي لا تحزنا من داخلهما:
"إوعاكم تكونوا فاكرين إني عطيت العقد ده لصفا عشانها قريبة من قلبي. كلكم أحفادي وغاليين على قلبي ومجامكم واحد عندي. بس أني كنت نذرت ونذرت إني هديه لمرة البكر في أحفادي."
ثم نظرت لتلك الجميلة المبتسمة والتي تعلم عالي اليقين أن جدتها أهدتها إياه وجعلتها وريثتها وذلك لشدة غلاوتها ومكانتها المميزة لديها وهذا ما أدخل السرور على قلبها رغم حزنها.
وتحدثت الجدة بابتسامة:
"وأهو بقى من نصيب صفا."
ابتسمت لجدتها وشكرتها. وقفت فايقة وقدمت المباركة إلى صفا واحتضنتها بنفاق. ثم توجهت إلى مجلسها من جديد وتحدثت إلى ليلى لتحثها على التحرك إلى صفا:
"قومي يا ليلى باركي لعروسة أخوكي."
أجابتها برفض تام ونظرات يملؤها الحقد:
"ما يجيماش وما يطيقش أطل في خلجتها."
همست لها فايقة بنبرة حادة:
"اسمعي الحديث يا بتي وقومي. عايزة الناس تقول عليكِ إيه يا حزينة؟"
أجابتها بحدة رافضة:
"يقولوا اللي يقولوه يا أمي. وريحي لي حالك لأني ما يجيماش من مكاني هنا حتى لو جدي عثمان بذات نفسه هو اللي جالي أقوم."
تعالت الزغاريد واشتغلت الموسيقى الراقصة وبدأت الفتيات تتراقصن وتتمايلن مع نغمات الموسيقى آخذين راحتهن وذلك لعدم وجود رجال بالمكان وأيضاً عدم التصوير بالهواتف حسب تعليمات عثمان الصارمة للجميع بعدم اصطحاب الهواتف لما تسببه مؤخراً من مشاكل ومناوشات. وما كان من الجميع إلا الانصياع لأوامر كبيرهم خشية بطشه وتحاشياً لغضبه الأعمى.
أوقفت ورد صغيرتها للرقص عنوة وذلك بعد محايلات من الفتيات الموجودات بالاحتفال.
❈-❈-❈
أما بالخارج حيث احتفال الرجال.
كان يجلس وسط أصدقائه ومنهم عدنان الذي حضر كي لا يثير الشكوك هو وقاسم ويعطي فرصة لتساؤل الجميع عن سبب عدم حضور أعز أصدقائه. وكان يجلس أيضاً بعض أبناء عمومته فتحدث فارس مداعباً أخاه:
"نجع النعمانية بيودع أشهر عازب فيه الليلة دي."
وأكمل ساخراً:
"ما أنت كنت بعقلك يا أخوي. ما تعرفيش إيه اللي جرى لك لجعل ما توجع وجعتنا السودة دي. يلا، هنجول إيه، كلنا لها."
وتحدث حسن شقيق يزن الأصغر والذي بعمر صفا:
"ده كاس وداير على الجميع ولا بد منه يا شباب."
قهقه الجميع عدا ذاك القاسم الذي يشعر باستياء مما يحدث حوله. فهو إلى الآن لم ينس كلمات جده المهينة لرجولته وطريقة حديثه التي عسفت بكرامته وطرحتها أرضاً وخصوصاً أمام صفا المتعالية التي وصمته بعديم الرجولة.
أخرجه من شروده رنين هاتفه الذي لن يتوارى عن الرنين منذ أن بدأ الاحتفال. نظر إلى عدنان بيأس وتملل. فهم عدنان أنها شقيقته الثائرة. فنظر له وحثه بعينيه على أن يتحمل غيرتها ويجيبها.
استسلم قاسم وتحرك بعيداً عن أصوات الموسيقى الصادحة بزخم كي لا يثير جنونها وأيضاً كي يستطيع الاستماع والتحدث إليها بعيداً عن العيون المترقبة له.
وما أن ضغط على زر الإجابة حتى استمع إلى صوت تلك الغاضبة وهي تصرخ بجنون قائلة:
"ما بتردش عليا ليه يا قاسم؟"
وأكملت باتهام:
"كنت معاها صح؟"
أغمض عينيه وحرك يده فوق شعر رأسه يرجعه للخلف في حركة تدل على مدى غضبه وتحدث إليها بلكنة صعيدية ونبرة تهديدية:
"وبعدين وياكي يا بت الناس. ما عطبتليش چنانك دي ولا إيه النهارده. دي عاشر مرة ترني عليا وأسيب الناس وأقوم أرد عليكي. وعاشر مرة بردك تسأليني نفس السؤال وأقول لك إني متنيل قاعد في فرح الرجالة."
وأكمل بحدة بالغة:
"وبعدهالك عاد. أني زهقت."
وما أن استمع لكلماته وصياحه حتى انفجرت باكية بشدة قائلة بعتاب:
"انت كمان بتزعق لي وبتتعصب عليا يا قاسم. مش كفاية عليا النار اللي قايدة جوايا كل ما افتكر إنك بكرة هتاخد واحدة غيري في حضنك وتنام جنبها."
أجابها بنبرة جادة صارمة:
"انتِ عارفة ظروف الجوازة كويس جوي وموافقة بكده. وأساساً كانت فكرتك من الأول."
تحدثت إليه بدلال من بين دموعها:
"خلاص، يبقى تريح قلبي وتوعدني إنك مش هتلمسها."
تنفس عالياً وتحدث بنبرة حادة جازاً من بين أسنانه:
"إيناااااس. ليكي حدود في الكلام ياريت ما تتخطيهاش عشان ما ندمكيش. ويلا سلام لأني مفاضلش لجعل الحريم الماسخ ده."
تحدثت بدموع ونبرة منكسرة كي تسحبه إلى عالمها كي لا يغضب عليها:
"بتسمي غيرتي اللي هتموتني عليك دلع ماسخ. للدرجة دي مش حاسس بناري يا حبيبي."
وأكملت بنبرة أنثوية ساحرة:
"أنا بحبك وبموت من الغيرة عليك يا قاسم. كان نفسي أول حضن وأول بوسة وأول كل حاجة منك تبقى ليا أنا. مش لحد غيري يا حبيبي."
تنفس بهدوء متراجعاً عن حدته وذلك أثر نبرة صوتها الناعمة العاشقة وتحدث بلين ونبرة هادئة:
"خلاص يا إيناس. اهدي ومتفكريش في الموضوع بالشكل ده."
وأكمل كي يجعلها تهدأ:
"عاوزك تفكري في إن أنا كمان بحلم باليوم اللي تبقي فيه حلالي وأضمك لحضني."
تنهدت بصوت مسموع وأطلقت آه أشعلت داخله وتحدثت:
"إمتى بقى يا قاسم ييجي اليوم ده. إمتى."
أجابها بنبرة هادئة:
"هانت يا إيناس. فات الكتير مبقاش إلا القليل."
أخرجه من حالته تلك شعوره بحركة خلفه وكأن أحدهم يتسمع عليه.
التفت سريعاً ينظر خلفه. اتسعت عيناه بذهول حين تفاجأ بوجود يزن بوجهه ينظر إليهتمعن.
عاود الحديث مرة أخرى على عجل وهو ينهي المحادثة مع إيناس:
"طب مع السلامة انت الوقت يا باشا وأنا هبقى أكلمك وقت تاني."
ثم دقق النظر بعين يزن وتساءل بتعجب:
"خير يا يزن. فيه حاجة؟"
ترى ما الذي استمع إليه يزن؟ وما الذي سيفعله لو حقاً استمع لحديث قاسم إلى إيناس؟
يُتبع..
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الثاني عشر 12 - بقلم روز امين
التفت سريعًا ينظر خلفه. اتسعت عيناه بذهول حين تفاجأ بوجود يزن يقف أمامه.
ينظر إليه بتمعن، فعاود الحديث مرة أخرى على عجل وهو ينهي المحادثة مع إيناس بمراوغة:
"طب مع السلامة أنت الوقت يا باشا، وأنا هبقى أكلمك في وقت تاني."
ودقق النظر في عين يزن وتساءل بتعجب وحذر:
"خير يا يزن، فيه حاجة؟"
أجابه يزن باقتضاب وعيون مشككة:
"أنا اللي جاي لجل ما أسألك، هو فيه إيه بالظبط يا قاسم؟"
قضب جبينه وتساءل مستفهماً:
"تقصد إيه بحديثك ده، يا ريت توضح سؤالك لأني مبحبش الكلام العايم ده."
نظر يزن داخل عينيه بقوة وتساءل بنبرة حادة:
"كنت بتكلم مين في التليفون يا قاسم؟"
وأكمل مفسراً:
"دي مش أول مرة تقوم من مكانك وتيجي هنا وتجعد تتحدث وإنتَ بتتلف حواليك كيف اللي عامل عاملة."
استشاط داخل قاسم من تساؤل ذلك المتداخل وأجابه بحدة بالغة:
"كنك اتخلت يا يزن، مالك إنتَ باللي بكلمه، مركز ويايا ليه كده؟"
تحدث إليه يزن بحديث ذي مغزى:
"اسمعني زين يا قاسم وحط الكلمتين دول حِلقة في ودانك، صفا لو اتأذت منك ورب الكعبة ما هرحمك."
رفع حاجبيه باستنكار ثم هتف قائلاً بصياح غاضب:
"الزم حدودك ومتنساش إن اللي بتتكلم عليها دي تبقى مرتي، يعني عرضي وشرفي اللي مهجبلش تلميحاتك السخيفة دي عليها."
واسترسل حديثه مفسراً بنبرة حادة:
"اسمع يا واد عمي، أنا ملاحظ إن من يوم ما جدك خطب لي صفا وإنت اتغيرت وياي ومعاملتك اختلفت وبعدت عني، وعارف إنك كنت رايدها لحالك."
وأكمل مفسراً:
"بس خلاص يا يزن، صفا بقت مرتي رسمي وكُلها سواد الليل وهتنام في حضني، وإنت اتجوزت أختي."
وأكمل مهدداً بعيون محذرة:
"يعني إنتَ اللي لازم تخلي بالك من حديثك وأفعالك زين لأني مابسامحش في اللي يأذي اللي يخصني حتى لو بنظرة، فاهمني يا يزن؟"
أجابه يزن بملامح وجه محتقنة بالغضب:
"جرى إيه يا قاسم، هما خدوا بالصوت ليغلبوكم ولا إيه، جوام قلبت الترابيزة عليا وركبتني الغلط."
وأكمل مفسراً بنبرة فخورة:
"أني ما أنكرش إني كان نفسي صفا تكون من نصيبي وده لأني عارف قيمتها صح، كان عاجبني عجلها الواعي وأخلاقها الزينة اللي أي راجل يتمناها تكون في مرته، بس خلاص من وقت ما اتجوزت ليلي وأني رضيت بنصيبي ومتجي الله فيها، وصفا بالنسبة لي بقت زيها زي مريم أختي بالظبط."
وكلامي ليك دلوقتي من باب خوفي عليها لأني فعلاً بعتبرها أختي."
أردف قاسم قائلاً بنبرة رخيمة:
"مليش صالح إني بكل الحديث اللي قولته ده ولا يخصني يا يزن."
وأكمل مهدداً وهو يشير إليه بسبابته:
"وخليك فاكر زين إني عملت اللي عليا ونبهتك عشان أكون خليت من ذنبك."
قال كلماته تلك وتحرك عائداً إلى حيث يجلس الأصدقاء تحت غضبه واستغراب يزن من كم بجاحته. قطع طريقه صوت جده الهادر الذي أشار إليه فتحرك إلى مجلسه.
وتحدث الجد وهو يشير لذاك الضيف الهام الجالس بجانبه:
"مد يدك وسلم على جناب المأمور يا قاسم يا ولد."
رسم قاسم ابتسامة مزيفة فوق ملامحه بالرغم من شدة اشتعاله الذي أصابه من حديث ذاك اليزن المتداخل في أمور غيره من وجهة نظره.
وبالفعل مد يده وتحدث باحترام ونبرة وقورة:
"أهلاً وسهلاً يا أفندم، نورت الفرح وأسعدتنا بتشريف جنابك."
نظر له مأمور القسم التابع للمركز باستحسان معجباً بلباقته وفطنته في الحديث وتحدث مبتسماً:
"الشرف ليا أنا إني أحضر وأتأنس بوجودي مع الحاج عتمان النعماني وعيلته العريقة."
ابتسم له قاسم وتحدث منسحباً:
"بعد إذن معاليك يا باشا ومرة تانية شرفتنا سعادتك."
وانسحب متجهاً لجلسة الشباب، قابله عدنان الذي وقف أمامه يسأله باهتمام:
"مالك يا قاسم، شكلك متضايق كده ليه؟"
أجابه بنبرة حادة محاولاً السيطرة بكل قوته على ملامح وجهه كي لا يلاحظ أحد من الحضور:
"الفضل يرجع للهانم أختك وغيرتها العامية اللي هتفضحنا يا عدنان."
وأكمل بنبرة أمره:
"اتصل بيها وعقلها يا عدنان وإلا قسماً بربي هيبقى ليا معاها تصرف مش هيعجبها ولا هيرضيها."
شعر عدنان بريبة من حدة وغضب قاسم وتحدث سريعاً كي يهدئه:
"طب ممكن تهدي ومتوترش نفسك عشان محدش ياخد باله، وبالنسبة لموضوع إيناس ده سيبه عليا، أنا هتصل بيها حالاً وأحاول أفهمها خطورة الموقف، وكمان هتصل بماما وأخليها تتكلم معاها وتحاول تهديها."
ثم استرسل حديثه بتفسير في محاولة منه لتهدئته من ناحية شقيقته:
"بس أنا عاوزك تعذرها بردوا يا قاسم وتحط في اعتبارك إنها بتعمل كده من باب حبها ليك وغيرتها عليك."
أجابه بعيون متسعة ونبرة معترضة غاضبة:
"وأهو بسبب غيرة سعادتها ابن عمي سمع كلامي معاها ووقف يتأمر ويتشرط عليا."
وأكمل أمراً بنبرة حادة:
"كلمها وعقلها يا عدنان، أنا مش ناقص جنان كفاية عليا اللي أنا فيه."
❈-❈-❈
داخل منزل زيدان
كانت الفتيات مازلن يتراقصن ويتهادين بأجسادهن متماشين مع نغمات الموسيقى ومندمجان لأبعد الحدود حتى استمعن لصوت الجدة الهادر وهي تصدح بالمكان وتُشير بيدها إلى الفتاة التي تُشرف على جهاز الـ D.G. الخاص بتشغيل الأغاني لتحثها على التوقف.
وتحدثت بوجه حاد ونبرة صارمة:
"بكفياكم كده يا بنات ويلا كل واحدة تلبس خلجاتها وتستر حالها زين لجل ما تروحوا مع أمهاتكم وتسيبوا العروسة لجل ما ترتاح شوية."
وأكملت وهي تنظر إلى صفا تحت همهمات واعتراضات الفتيات:
"الدكتورة قدامها يوم طويل بكرة ولازم ترتاح لجل ما تكون فايقة ليلتها."
تحدثت ملك ابنة صباح متوسلة لجدتها:
"خلينا شوية كمان يا جدة بالله عليكي، الليلة حلوة وإحنا ما بنلموش كل يوم."
تحدثت رسمية بوجه صارم:
"اسمعي الحديث يا بت صباح وجولي حاضر."
دبت الفتاة بأرجلها الأرض في حركة اعتراضية وبدأن الفتيات يرددن ردائهن الأسود لتستر به ثيابهن المتحررة وتحركن للخارج تحت اعتراضهن.
وتحدثت ورد إلى رسمية:
"هحضر السفرة حالاً يا مرت عمي لجل ما ناكل لقمة سوا كلياتنا."
أومأت لها رسمية وتحركت ورد للداخل تحت اشتعال قلب فايقة وهي ترى تقرب ورد من رسمية والأغرب استجابة رسمية لحديثها ووجهها اللين وهي تحدثها. شعرت بالخطر يحوم حولها.
أمسكت صباح ابنتها الصغرى التي لم تكمل عامها العاشر وأوشت لها بأذنها أن تذهب إلى قاسم وتستدعيه كي يأتي إلى هنا لغرض ما في نفسها.
وبالفعل خرجت الفتاة تبحث عنه، وجدته يجلس بجانب أصدقائه فهمست إليه بجانب أذنه قائلة:
"أستاذ قاسم، أمي بتقول لك إنها عاوزاك في بيت خالي زيدان لجل ما تسلم عليك وتبارك لك هي وخالتي علية."
أومأ لها بطاعة وتحرك بجانبها. دلف للداخل بجانب صباح التي كانت تنتظره في فراندة المنزل كي لا يستأذن وترتدي صفا شيئاً لتستر به جسدها، فهي أرادت أن يراها بكل تلك الأنوثة والجمال بعد علمها من والدتها أنه كان ينوي فض الخطبة، ليرى بعينيه كم هو مخطئ وأيضاً لتحرق روح فايقة التي ترى الغيرة والحقد بعينها كلما نظرت لجمال وجسد صفا وكأنها ضرتها وليست زوجة نجلها البكر.
يجلسن جميع نساء وفتيات العائلة حول المنضدة الكبيرة التي احتوت الجميع وتحدثت ورد وهي تتفحص الجميع بعينيها:
"عمتي صباح وينها؟"
تحدثت صباح الواقفة بمقدمة الباب بنبرة مبتسمة حماسية:
"أني جيت أهو يا أم صفا، بس وياي ضيف جاي يسلم على عماته ويشوف عروسته."
وما أن انتهت من جملتها حتى ارتبكت صفا بجلستها وانتفض جسدها وبات يرتعش خجلاً ورعباً.
في حين تحدثت صباح إلى مريم أمراً:
"استري شعرك يا مريم لجل قاسم ما يدخلك."
وقت مريم واتجهت سريعاً إلى الداخل في حين وقفت تلك الخجلة لتلحق بها ولكن يد صباح كانت أسرع منها حين تحركت وأجبرتها على الجلوس من جديد فوق مقعدها.
وتحدثت بنبرة دعابة تحت استشاطة فايقة وغليان قلبها:
"رايحة فين يا دكتورة، ناسيه إنه خلاص بقى جوزك إياك."
تحدثت بصوت عالٍ حماسي:
"ادخل يا عريس."
حمْحَمَ ليعلن عن دخوله وتحدث بنبرة واثقة عالية:
"السلام عليكم."
ونظر إلى جدته وتحدث بنبرة لينة محبة:
"كيفك يا جدة."
ومرر بصره على الجميع وتحدث لزوجة عمه:
"كيفك يا مر..."
وبلحظة توقف عن الحديث وأبت باقي كلماته أن تخرج امتثالاً لتلك اللحظة وهولها. ابتلع لعابه الذي سال عندما وقعت عيناه على تلك الجالسة تنظر بصحنها وتكاد تموت خجلاً من هول الموقف.
نظر إلى ملامحها وجمالها الأخاذ، شفتاها الكنزة المهلكة والتي اكتست بلون الطلاء النبيتي الذي جعل منها شهية بشكل مثير لمن ينظر إليها، يحثه داخله ويحرضه على الهرولة والإسراع إليها وجذبها والتهامها بدون سابق إنذار ليتذوق عسلها السائل الشهي.
نزل ببصره إلى فتحة ثوبها المستديرة والتي تظهر وتكشف عن بداية نهديها البيض بمظهره الذي يدعوه للجنون.
رعشة سرت بجميع أجزاء جسده ورغبة ملحة تطالبه بالاقتراب وضمها بشدة إلى صدره. فاق من حالته على صوت صباح الساخر وهي تحدثه بسعادة لرؤيتها تشتت وذهاب عقل ابن شقيقها الواضح كوضوح الشمس:
"مالك اتسمرت بوقفتك كده ليه يا قاسم، ما تجرب تسلم على عروستك وتبارك لها."
أومأ أما تلك التي تكاد تزْهَق روحها من شدة خجلها فتحدثت هامسة إلى عمتها بنبرة معاتبة:
"ميصحش كده يا عمه، أبويا لو عرف هيخرب الدنيا."
ضحكت صباح وتحدثت بوجه ساخر:
"تعالي يا قاسم اسمع مرتك بتقول إيه، جالت أبوها هيخرب الدنيا لو عرف إنك دخلت هنا وشفتها وهي كده."
"مخلص عاد يا صباح، مكانش له لزوم التمثيلية اللي عملتيها على قاسم دي، كل ده لجل ما توري له قد إيه بت أخوكي زينة في الزواج؟"
كانت تلك جملة ساخرة يملؤها الحقد والكراهية نطقت بها فايقة بملامح وجه غاضب.
أجابتها ورد بقوة اعتراضاً على حديثها المهين لجمال ابنتها:
"بتي جمر في ليلة تمامه من غير زواج ولا غيرة يا أم قاسم، وعمتي صباح ممحتاچاش تعمل تمثيليات لجل ما..."
ولم تكمل جملتها لمقاطعة رسمية للجميع بصوت هادر:
"خلاص يا حرمة منك ليها، بكفياكم حديث ملوش لازمة لحد كده."
ثم نظرت إلى ذاك المسحور وتحدثت بنبرة حادة كي يستفيق من تلك الحالة التي لا تليق بحفيدها الأكبر:
"مش هتجرب تسلم عليا ولا إيه يا قاسم؟"
وأخيراً وعى على حاله وتحرك إليها وهو يحمحم كي ينظف حنجرته مما أصاله وتحدث وهو يقبل مقدمة رأسها بإجلال:
"لا إزاي، كيفك يا جدة وكيف صحتك؟"
أجابته:
"بخير طول ما أنتَ واخواتك و ولاد أعمامك بخير يا سبع."
ثم نظر لتلك التي تنكمش على حالها ويرتعب جسدها وتحدث وهو يبتلع لعابه:
"مبروك يا صفا."
أجابته بصوت ضعيف ومازالت عيناها تستقر داخل صحنها:
"الله يبارك فيك."
وقف يتطلع إليها والحرج سيد موقفه. لا يريد أن يتحرك للخارج ويتركها، يريد البقاء أطول مدة كي يشبع ناظريه من رؤياها التي تسره وتدخله في شعور لذيذ أحبه ويريد الاستمتاع به قدر المستطاع. ولكن كيف له فعل ذلك؟
تحدثت نجاة كي تخرجه من موقفه ذاك:
"ما تقعد تاكل ويانا يا قاسم."
وكأنه بحديثها قد وجد قارب نجاته فتحدث إليها مبتسماً:
"أني فعلاً جعان يا مرت عمي ومأكلتش حاجة من الصبح."
تحدثت ورد بترحاب وعزم:
"طب اقعد يا ولدي."
قاطعتها فايقة بنبرة حادة كي تمنع ولدها من الجلوس مع هؤلاء العقارب التي تبغض وجوههن جميعاً بشدة، ورد التي تغار منها وتتمنى زوالها من الحياة بأكملها كي تشفي غليلها، صباح وعلية لشدة حبهما وتعلقهما بزيدان وورد والود الدائم بينهما، حتى نجاة تكرهها للعلاقة الودودة بينها وبين ورد.
تحدثت بحدة وهي تنظر إلى نجاة بجمود:
"ويقعد ياكل ويانا ليه يا نجاة، ده جده الله أكبر عامل وكل يكفي محافظة سوهاج بحالها."
ثم نظرت إلى ولدها وتحدثت بنبرة صارمة:
"اطلع خلي فارس يخلي الطباخين يجهزوا لك سفرة زينة وكل لحد ما تشبع يا ولدي."
أجابها وهو يسحب مقعداً بجانب رسمية وأردف قائلاً بنبرة تأكيدية ضارباً بحديثها عرض الحائط:
"بس أنا ما عايزتش آكل غير مع جدتي وعماتي يا أمي."
ابتسمت صباح وتحدثت بنبرة كيدية وهي تنظر إلى فايقة لتحرق روحها وتشعل داخلها:
"تسلم يا واد أخوي ويخليك لعماتك يا جلب عماتك."
ثم نظرت إلى صفا وتحدثت إليها لتكمل على ما تبقى من صبر ذاك القاسم وتجعله يخر ساجداً تحت أقدام ابنة شقيقها الغالي:
"قومي يا صفا هاتي لي قزازة حاجة ساقعة من المطبخ أبلع بيها الوكل."
تحدثت ورد الجالسة بجانبها وهي تهم بالوقوف:
"هقوم أنا أجيب لك يا عمه، أصل البنات اللي جايبهم زيدان بياكلوا جوة وحرام أجومهم من على الوكل."
جذبتها صباح من ذراعها وأجلستها من جديد وتحدثت إلى صفا بإصرار:
"بس أنا عايزة صفا هي اللي تجيبها لي يا ورد."
ابتلعت صفا لعابها بعدما فهمت مغزى حديث عمتها ولكن لم تستطع معارضتها لاحترامها الزائد لها فتحدثت بهدوء:
"حاضر يا عمتي."
وقفت تحت أعين ذاك المراقب لها وما أن تحركت وبان قوامها الممشوق وكشفت عن ساقيها المتناسقة شديدة البياض حتى بدأ صدرها يعلو ويهبط من شدة الاشتياق الذي اجتاحه بلحظة.
نظرت فايقة إلى حالة صغيرها واستشاط داخلها واشتعل من تلك الصفا التي يبدو وكأنها ستسيطر على قلب ولدها وتجعله منه زيداناً آخر بعائلة النعماني. ولكنها سرعان ما ابتسمت بتشفي حين تذكرت عشقه الهائل لتلك القاهرية التي ستقهر قلب صفا وبالتالي سينفطر قلبي زيدان وورد على صغيرتهما وتُشفي صدرها من النار الشاعلة به منذ سنوات عدة ولم تنطفئ أبداً.
وما كان تفكير ليلي ببعيد عن والدتها فتحدثت إلى عمتها بنبرة ساخرة ذات معنى:
"منورة يا عمه."
أجابتها صباح بعدم قبول لتلك الدائمة التعالي عليها:
"بوجودك يا بت أخوي."
أسرعت هي لتختفي من أمام عينيه، وبرغم عدم رؤيته لها إلا أنها شعرت بها وهي تتأكل كل إنش بجسده.
التفت إلى المطبخ بأنفاس متقطعة. وجدت مريم تجلس فوق مقعد جانبي رغم ارتدائها لردائها الأسود الذي ستر جسدها وشعرها بالكامل، فتحدثت إليها باستغراب:
"جالسة هنا لوحدك ليه يا مريم؟"
تحدثت إليها مريم بهدوء:
"بريح راسي شوية من صوت المزيكا والناس."
هزت لها رأسها بهدوء ثم تحركت إلى المبرد وفتحتها وأخرجت منه بعض عبوات المياه الغازية وتحدثت إليها باستعطاف وهي تبسط لها ذراعيها:
"ممكن يا مريم بعد إذنك تطلعي الحاجة الساقعة دي لعمتك."
وأكملت وهي تنظر أرضاً ويبدو على وجهها الحزن:
"أني كمان تعبت ومحتاجة أريح راسي شوية."
أجابتها مريم بابتسامة ترحاب وهي تمد يدها وتتلقى منها تلك العبوات:
"حاضر يا صفا."
ثم تمعنت النظر بوجهها وتساءلت باستفسار:
"مالك يا صفا، هو أنا ليه ملاحظة إن فرحتك غايبة؟"
ابتسمت بجانب فمها ساخرة وأجابتها بنبرة صوت تظهر كم هي متألمة، محبطة:
"ومين فينا فرحته كانت كملت يا مريم لجل فرحتي ما تكمل، كلياتنا ماشيين في طريق عكس إرادتنا ومجبرين نكملوا فيه غصب عنينا لجل ما نطيع أوامر جدي اللي هي في مصلحة مين؟"
وأكملت وهي ترفع كتفيها باستسلام:
"مخبرش."
اقتربت منها مريم وأردفت قائلة باستغراب:
"بس إنتِ عاشقة قاسم وريداه يا صفا، يبقى فين الغصبانية في الموضوع؟"
"ملعون أبو العشق اللي يمحو معاه الكرامة." جملة تفوهت بها صفا بنبرة حادة وعيون غاضبة.
وأكملت بنبرة حادة بائسة:
"ما عايزاهوش أنا العشق ده اللي يعزل الواحدة منا ويخليها تحس إنها رخيصة ومفروضة على اللي قدامها."
كانت تستمع إليها بعقل مشتت وتحدث حالها وتلومها: يا الله منكِ يا مريم، أتلك هي من كنتِ دائمة الحقد عليها؟ انظري بعينيكِ وتمعني في حال تلك المسكينة التي تدعو للتعاطف والشفقة؟ ألهذه الدرجة خدعكِ غرامك الموهوم لذاك القاسم فا ابتعدتي عن مبادئك وخدعكِ حدسكِ وبتِ تحقدين على تلك المتألمة التي لطالما عاشت وحيدة بدون أشقاء، ولطالما حاولت الاقتراب منكِ وليلي ولكن حقدكما عليها كان يجبركما على النفور وإبعادها بشتى الطرق.
مدت يدها وتحدثت بنبرة مرتجفة من أثر تأنيبها لحالها:
"ممكن يا صفا تجبلي نبقى أصحاب وإخوات وتشاركيني همك وحزنك، وأي حاجة مزعلاكي أنا موجودة لجل ما أسمعك وأشاركك في الحل."
نظرت إليها باستغراب للتغيير المفاجئ ثم ابتسمت بوهن وأجابتها:
"أنا طول عمري وأني بعتبرك أختي رغم محاولاتك لصدّي في القرب منيكي يا مريم."
أجابتها مريم باستياء من حالها:
"عندك حق يا صفا."
وأكملت بنبرة خجلة:
"أنا آسفة."
تحدثت صفا بدعابة كي تخرجا كلتاهما من تلك الحالة:
"مفيش أسف بين الإخوات يا مريم، بس لازم تعرفي إنك بإكده فتحتي على نفسك باب مهيتقفلش أبداً لأني هغرقك في مشاكلي النفسية التي لا تُعد ولا تُحصى."
ابتسمت لها مريم بإخوة وأجابتها:
"وأنا تحت أمرك يا صفا."
ثم تحدثت بدعابة:
"هروح أخرج الحاجة الساقعة لعمتك صباح بدل ما تاجي تشرب من دمنا أنا وإنتِ بدل الكولا دي."
ابتسمتا الفتاتان وبالفعل تحركت إلى الخارج وظلت صفا بصحبة حزنها.
_______
خرجت مريم وأعطت لعمتها طلبها تحت استغراب الجميع لعدم حضور صفا واستشاطة قاسم من تصرفات تلك العنيدة التي تصر على حرمانه من لذة النظر إليها بحالتها المهلكة تلك.
دلف زيدان بعد الاستئذان من الجميع وتحدث إلى قاسم بابتسامة:
"الفرح كله مجلوب عليك برة وأتاريك قاعد هنا وسط الحبايب يا سي قاسم."
وقفت صباح وتحركت لتقف بجانب شقيقها القريب من قلبها وأردفت قائلة بابتسامة بشوش:
"أني اللي شيعت له لجل ما ييجي يقعد ويانا شوية ونتونس بيه يا أخويا."
لف ذراعه حول كتفي شقيقته باحتواء وقبل مقدمة رأسها قائلاً بنبرة حنون:
"ربنا يديم جمعتنا ويبارك فيها وفيكم يا أم محمد."
ثم نظر إلى ورد بعيون عاشقة وكأنه برؤيتها قد وجد ضالته. ابتسمت له خجلاً فتحدث هو مداعباً إياها تحت أنظار الجميع:
"جرى إيه عاد يا أم العروسة، ما تكبريش واصل إنتَ ولا إيه، اللي يشوفك يجول عليكي أخت صفا الصغيرة."
ضحكت له وتحدثت بدعابة:
"لما تبطل إنتَ بكش أبقى أنا أكبر يا زيدان يا نعماني."
يغمز لها بعينيه وتحدث قائلاً بدلال:
"تعرفي عني كده بردوا يا زينة الصبايا، ومن ميتا كان العاشق بكاش."
تحدث قاسم مداعباً كلاهما تحت نظرات فايقة الحارقة التي لو خرجت نارها لأشعلت نجع النعمانية بأكمله:
"أنا بقول نجوم إحنا نروحوا على السرايا ونطلب اتنين ليمون لعمي ومرته قبل ما نمشوا ونسبوهم لحالهم."
قهقه الجميع وتحدث زيدان وهو يتلفت باحثاً بعينيه عن قرة عينه غاليته الصغيرة، نسخة أمها الحبيبة:
"صفا وينها؟"
تحدثت ورد وهي تشير إلى المطبخ:
"جوه في المطبخ، ادخل لها."
وما أن نطقت حتى وقف ذاك القاسم منتفضاً من مقعده وبسرعة البرق كان يختطف وشاحاً موضوع فوق مقعد جانبي وتحدث وهو يسبق خطوات عمه مهرولاً:
"لحظة يا عمي من فضلك."
ودلف سريعاً إلى المطبخ وجدها تجلس واضعة رأسها بإهمال للخلف تستند على ظهر المقعد وما أن استمعت إلى خطواته حتى انتفضت من جلستها وأردفت بتساؤل مرعب من هيئته وحركته المسرعة:
"فيه إيه؟"
أجابها وهو يقترب عليها فارداً الوشاح ولفه على ذراعيها وصدرها مخبئاً إياهما بعيداً عن نظر زيدان:
"أبوكي جاي."
نظرت له باستنكار من فعله وتحدثت بنبرة اعتراضية يشوبها الغضب متناسية أمر ثيابها الكاشفة:
"نعم، وإنتَ جاي تداريني من أبويا إياك؟"
رمقه بنظرة غاضبة وكاد أن يتحدث لولا دخول زيدان الغاضب الذي تساءل بنبرة ساخرة:
"إنتَ اتجننت إياك يا قاسم، بتداري بتي مني؟"
أجابه بوجه صارم ونبرة جادة لا تقبل المزاح:
"معلش يا عمي، بس ماينفعش تشوفها كده."
وأكمل بحديث أقنع زيدان وتلك الغاضبة:
"لا الدين ولا العرف ولا حتى الأصول تجول إنها تنكشف عليك بملابسها دي."
نزلت كلماته المحقة عليها جعلتها تخجل من حالها. حين هز زيدان رأسه بموافقة وتحدث إليه بتفاخر:
"عجبتني يا واد النعماني، دكر بصحيح يا قاسم، طالع لجدك."
ابتلعت هي لعابه وتحرك زيدان إلى أميرته وحاوط وجهها الرقيق بكفي يديه ناظراً داخل عينيها الفيروزية وتحدث بنبرة مرتجفة حزينة:
"خلاص نويتي الرحيل وهتسيبي زيدان لحاله يا جلب زيدان؟"
تنهدت بهدوء وأجابته بعيون تتلألأ بها حبات اللؤلؤ المسماة بدموعها:
"أسيبك وأروح فين بس يا حبيبي، ده أنتَ جلب صفا من جوه اللي لو فارقته روحي من بعده تفارقني."
أجابها ومازال ناظراً بعينيها:
"بعد الشر عن روحك يا جلب أبوكي."
ثم أدخلها في أحضانه وبات يربت فوق ظهرها بحنان تحت استغراب قاسم الذي ينظر لهما بذهول حتى أن دموعه كادت أن تفرط منه من شدة جمال علاقتهما الرحيمة المترابطة.
وبالوقت ذاته شعر بشعور غريب عليه ولاول مرة يزوره، شعور بالغيرة القاتلة الذي تخلل إليه تحت استغرابه هو شخصياً، لكنه فسره أنها غيرة مشروعة وطبيعية كونها أصبحت زوجته.
شعر بأنه يقف كالعازول بين الأب وقرة عينه، فقرر الانسحاب حتى يفسح لهما المجال ويعطيهما بعض الحرية كي يعبر كلاهما للآخر عن ما بداخله.
خرج وتحدث إلى الجدة باحترام:
"أني خارج لجل ما أرحب بالضيوف يا جدة، تؤمري بحاجة؟"
ردت عليه بنبرة حنون:
"ما يأمرش عليك ظالم يا ولدي."
خرج وتلاه زيدان بعد قليل إلى الخارج وانضموا لاحتفالات الرجال التي مازالت قائمة. وخرجت صفا وتحركت للأعلى، خلعت عنها ثوبها ثم توجهت للمرحاض وأخذت حماماً دافئاً كي يزيل عناء يومها وارتدت منامة بيتية مريحة وتحركت للأسفل كي تنضم إلى مجلس نساء العائلة من جديد وجلسن يتسامرن.
❈-❈-❈
كانت تقبع فوق تختها متقوقعة على حالها، تبكي بحرقة على رجلها التي اختارته بنفسها.
فتحت كوثر الباب بحدة دون استئذان ونظرت لتلك القابعة بعيون تطلق شزراً وكادت أن تلقي بكلماتها الحادة الملامة التي كانت تنويها بعدما هاتفها عدنان وأبلغها ما حدث منها واستماع ابن عم قاسم لحديثه معه.
تنفست بصوت مسموع ثم زفرت بضيق وتوجهت إلى التخت وجاورت ابنتها الجلوس وتحدثت بنبرة خالية من مشاعر الأم التي تشعر بصغيرتها، ولكن ها هي كوثر بتجبرها وجمود مشاعرها:
"إنتِ عاملة في نفسك كده ليه يا بنتي؟"
نظرت لها إيناس بضعف ودموع منسابة، فأكملت كوثر متلاشية دموعها وتحدثت لائمة بحدة:
"بتعيطي على إيه، أومال لو ما كنتيش عارفة إنها جوازة مصلحة وهو مجبور عليها، وإن دي هتكون مغارة على بابا اللي قاسم هيكبش منها ويحط في حجرك إنتِ وأولادك كنتي عملتي إيه؟"
اعتدلت بجلستها وتحدثت وهي تجفف دموعها والغيرة تنهش صدرها:
"مش قادرة أتحمل يا ماما، قلبي واجعني أوي، كل ما أتخيل إن قاسم هياخد واحدة غيري في حضنه النار بتقيد في جسمي كله."
وأكملت بصياح:
"غصب عني يا ناس أنا بردوا بشر وبحس وأغير."
رمقتها كوثر بنظرة معاتبة وتحدثت بحدة:
"وغيرتك دي هي بردوا اللي خلتك تنسي اتفاقه معاكي وتتصلي بيه في وسط الفرح وهو محذرك ومحرج عليكي إنك متتصليش بيه."
قطبت جبينها وتساءلت باستغراب:
"وإنتِ عرفتي منين إني اتصلت عليه؟"
أجابتها كوثر بنبرة غاضبة:
"هو ده كل اللي همك عرفت منين، عرفت من عدنان، قاسم قال له يكلمني ويخليني أعقلك."
انتفضت من جلستها واقفة بحدة ودارت حول حالها بالغرفة بغضب وتحدثت إليها بنبرة ساخطة:
"والله عال، هو البيه هيبدأ يشتكيني ليكم من الوقت."
ردت عليها مفسرة بنبرة غاضبة:
"قاسم مكنش بيشتكي، ده ابن عمه سمعه وهو بيتكلم معاكي وشكلهم كده شدوا مع بعض في الكلام لأن عدنان بيقول لي إن قاسم كان شايط ومولع وهو بيكلمه."
ثم تحدثت بحدة ناهراً إياها بعتاب:
"كان عقلك فين يا إيناس وإنتِ بتعملي كده، مفكرتيش إن ممكن الموضوع يتعرف وجده يحكم عليه ما يتجوزكيش وتطلعي من المولد بلا حمص؟"
"تقدري تقولي لي لو ده حصل، ساعتها هتعملي إيه في عمرك اللي اتسرق منك وإنتِ قاعدة مستنية البيه."
وأكملت بجشع:
"ولا الفلوس والعز اللي هنغرق فيه من الجوازة دي وحياتنا اللي هتختلف 180 درجة، مين اللي هيعوضك عن كل ده يا مجنونة؟"
رفعت قامتها لأعلى وتحدثت بغرور:
"من الناحية دي ما تقلقيش يا ماما، قاسم بيحبني ومتعلق بيا ولا يمكن يسيبني تحت أي ظروف."
ردت عليها كوثر بنبرة ساخرة:
"وهنعمل إيه بحبه ده يا حبيبتي ولا بقاسم نفسه من غير فلوس جده."
وأكملت بتهكم:
"هو إنتِ فاكرة إن قاسم بتاعك ده يسوى حاجة من غير فلوس عيلته؟"
أجابتها إيناس:
"متنكريش إن قاسم حد شاطر جداً في مجاله والدليل على كده إنه قدر يثبت نفسه في السوق في سنين قليلة."
أردفت بتهكم قائلة بتقليل من شأنه:
"قاسم بتاعك ده مجرد محامي مغرور ولولا مكتبه الشيك اللي في أرقى مناطق البلد ولا كان حد سمع عنه ولا حتى لمح طيفه."
وأكملت بتفسير:
"الناس في بلدنا يا بنتي أهم حاجة عندهم المظاهر، وقبل ما يسألوا عن شطارة المحامي أو الدكتور أو غيره، بيسألوا الأول عن أتعابهم كام ومكاتبهم فين عشان يتفشخروا قدام الناس ويتباهوا إنهم راحوا للمكان وللاسم الفلاني."
أطلقت تنهيدة طويلة ثم أكملت مهددة إياها بإشارة من سبابتها:
"لآخر مرة هنبهك وهقول لك حطي عقلك في راسك واعقلي يا إيناس."
وأكملت بنبرة هادئة كي تهدئ من غضبها:
"اهدي خالص وحاولي تكتمي غيظك وغضبك جواكي عشان ما تخسريش كل حاجة في لحظة غباء منك."
زفرت إيناس بضيق وتحدثت:
"خلاص يا ماما فهمت، اتفضلي بقى اطلعي بره، عايزة أقعد لوحدي."
أومأت لها بتفهم وبالفعل خرجت لتجلس بصحبة زوجها ضعيف الشخصية، وجلست إيناس تعيد حساباتها من جديد لتتماشى مع الوضع الحالي.
❈-❈-❈
داخل منزل زيدان
مازالت جميع نساء العائلة مجتمعات منتظرات انتهاء احتفال الرجال بالخارج.
وبدون مقدمات شعرت بألم حاد يهاجم جانبها الأيسر بشراسة فتأوهت بخفة وهي تمسك جانبها بيدها.
لاحظت ورد تغير ملامح وجه صغيرتها فسألتها متلهفة:
"مالك يا بتي؟"
أجابتها صفا بملامح وجه منقبضة متألمة:
"معرفش يا أمي، لقيت جنبي وجعني مرة واحدة كده."
تحدثت نجاة بنبرة صادقة:
"الله أكبر، محسودة يا نظري، دي عين الحريم اللي تندب فيها رصاصة يا دكتورة."
لوت فايقة فمها وتحدثت بنبرة تهكمية:
"والحريم هيحسدوها على إيه إن شاء الله؟ محدش حلو غيرها إياك."
وأكملت بتفاخر وكبرياء وهي تنظر إلى ابنتها المجاورة لها:
"هتيجي إيه هي في ليلي بتي ليلة حنتها ولا ليلة دخلتها."
أطلقت صباح ضحكة تهكمية وأردفت قائلة بنبرة ساخرة:
"جال على رأي المثل، خنفسة شافت ولادها على الحيط جالت ده لولي ملضوم في خيط."
أطلقت علية وصباح ضحكاتهما الساخرة واستشاط كل من فايقة وليلي التي تحدثت بنبرة حادة غاضبة:
"تقصدي إيه بحديثك ده يا عمه؟"
ردت عليها فايقة بنبرة تهكمية وهي تتبادل النظر بين صباح وعلية بحقد:
"عمتك تقصد إن أنا الخنفسة وإنتي بتها يا عين أمك."
نظرت لها متسائلة بنبرة غاضبة:
"مش كده بردك ولا أنا غلطانة يا عمه صباح؟"
كادت صباح ترد لولا استماعهم للتي أطلقت صرخاتها بتألم قائلة:
"آاااااااه، جنبي هيموتني يا أمي."
وقفن الجميع وبتن يتحركن بهرج ومرج باتجاه تلك المتألمة عدا فايقة وليلي التي وقفتا تتابعان الوضع من بعيد دون أدنى اهتمام.
وتحدثت الجدة بهلع:
"مالك يا دكتورة؟"
أجابتها بصراخ وهي تعتصر جانبها بكف يدها:
"هموت يا جدة، نار جايدة في جنبي."
تحدثت ورد وهي تلتقط هاتفها المحمول سريعاً وتضغط على زره:
"أنا هكلم أبوكي لجل ما يشيع يجيب لك حكيم حالاً."
قاطعتها صفا بإشارة من يدها وتحدثت بتوجه تحت غضب ليلي وغيرتها:
"كلمي يزن يا أمي، دكتور ياسر أكيد وياه بره."
أومأت لها وبالفعل هاتفت يزن الذي أسرع إلى ياسر ودلف به للداخل سريعاً. لمحه قاسم الجالس بجانب عدنان واستشاط داخله حين ظن أن يزن دلف للداخل كي يهنئ صفا، ولكن ما شغل باله أكثر هو ذلك الشخص الغريب الذي لم يتعرف عليه لعدم لقائهما من ذي قبل.
داخل الغرفة المتواجدة بها صفا، كانت تجلس فوق التخت متألمة تجاورها الجلوس رسمية التي ارتسم الهلع فوق معالم وجهها رعباً على غاليتها وصغيرة ولدها، ويقف ياسر يتابع الكشف عليها باهتمام بعدما بدلت ثيابها بأخرى محتشمة تناسب الشرع والعرف.
تساءلت الجدة باهتمام:
"خير يا ولدي، صفا مالها؟"
أجابها ياسر بملامح ثابتة مطمئناً إياها:
"اطمني يا أمي، دكتورة صفا بخير، هي بس يظهر إنها متوترة شوية وما ارتاحتش ولا نامت من الصبح، فالتوتر عمل لها تهيج شديد في القولون العصبي."
ضيقت ورد عينيها وتساءلت مستفسرة بهلع:
"قولون إيه يا دكتور اللي بتتكلم عنه، بتي بتشتكي من جنبي وأني خايفة لاقدر الله ليكونو المصران الأعور."
أجابها بابتسامة هادئة:
"متقلقيش حضرتك، الأعراض اللي عند الدكتورة صفا ملهاش علاقة نهائي بالتهاب الزايدة الدودية."
وأكمل مفسراً:
"ولعلم حضرتك القولون لما بيلتهب بيأثر على الجنبين أول حاجة."
تحدثت صفا متألمة:
"أرجوك يا دكتور ياسر تديني أي حاجة بسرعة، مش قادرة أتحمل الألم."
تحدث إليها وهو يخرج إبرة مسكنة من الحقيبة الخاصة بعمله كطبيب والتي كانت بالسيارة المصطفة خارج القصر وجلبها له يزن بطلب منه بعدما رأى حالة صفا:
"حالاً هديكي إبرة عضل وهترتاحي بعدها على طول."
قاطعه اقتحام ذاك الثائر للغرفة والذي تحدث بنبرة ساخطة بعدما استمع لجملته الأخيرة قائلاً بلكنة قاهرية:
"طب ينفع كده تغامر بإيدك وهي كل رأس مالك يا دكتور."
حول بصره لذاك الغاضب وتساءل بعدم فهم:
"حضرتك بتكلمني أنا؟"
تحرك إليه وشد قامته واقفاً بشموخ كالجبل وتحدث بفحيح وهو يلتقط من بين يده تلك الإبرة قائلاً بعيون تطلق شزراً:
"وهو فيه حد غيرك هنا بيتعدى حدوده وبيحط نفسه قدام القطر."
ثم نظر لتلك المرتعبة التي انكمشت على حالها من دخول ذاك المتهور وأردف قائلاً بغيظ من بين أسنانه بطريقة تهكمية وهو يشير لها بتلك الإبرة التي بيده:
"هريحك أنا، متخافيش."
قطب ياسر جبينه وتحدث باستغراب وهو ينظر للإبرة:
"إيه اللي إنتَ عملته ده يا أستاذ."
وأكمل وهو يبسط كف يده إليه بلهجة حادة:
"اديني الحقنة من فضلك عشان أحقن بيها المريضة."
اقترب منه أكثر وأصبح أمام وجهه مباشرة ينظر إليه بمعالم وجه منكمشة تنم عن مدى غضبه وتفوه بتوعد:
"إنتَ شكلك مصر على فقدانك لأهم طرف في جسمك برغم إني حذرتك وده مش عشانك."
واسترسل نافياً يهز رأسه:
"خالص، أنا كل اللي عامل حسابهم هما المرضى المساكين اللي محتاجين إيدك الحلوة دي عشان تكشف عليهم وتزيل عنهم الأوجاع."
وأكمل بنظرة حارقة كادت أن تشعل ذاك الياسر من حدتها:
"والوقت اطلع بره من غير مطرود وحالاً."
تحدثت ورد باعتراض:
"والحقنة يا قاسم؟"
وبسرعة البرق حول بصره لزوجة عمه ورمقها بنظرة مشتعلة وتحدث ناهراً إياها:
"مرات عمي."
انكمشت ورد على حالها ونظرت رسمية إلى قاسم بشموخ وكبرياء وسعادة.
ثم أعاد النظر لذاك الواقف الذي ارتاعب من نظرته وبسرعة البرق كان يلملم أشياءه داخل الحقيبة وتحدث إلى صفا متحمحماً بنبرة خجلة:
"أنا هكتب لك على نوع برشام هتاخدي منه حبتين مع الحقنة وهتبقي كويسة."
وأكمل وهو يحمل حقيبته ويتجه ناحية الباب:
"وأنا هبعت لك ممرضة من الصيدلية حالاً تديكي الحقنة."
قاطعه قاسم بنبرة حادة:
"متشغلش بالك إنتَ، أنا هديها لها."
اعتصر ياسر قبضة يده حتى برزت عروقه غضباً وخرج صافقاً الباب خلفه.
وأخيراً ظهر صوتها المعترض وهي تنظر له وتحدثت باعتراض:
"تديهالي إنتَ كيف يعني؟"
حول بصره إليها ورمقها بنظرة مشتعلة وتحدث بنبرة تهكمية بلكنته الصعيدية:
"ده الوقت بس طلع لك صوت وبتعترضي، كان فين لسانك ده من شوية وإنتِ سامعة البيه وشيفاه بيجهز الحقنة وعاوز يديهالك في..."
وصمت غاضباً واسترسل حديثه بنبرة تهديدية:
"على العموم مش وقته، بعدين، الحساب يجمع يا دكتورة."
وتحدث وهو يمسك الإبرة أمراً إياها:
"اتعدلي يلا عشان اديكي الحقنة."
تساءلت الجدة باستفهام:
"هو إنتَ بتعرف تدي إبر يا قاسم؟"
أجابها بهدوء:
"أيوة يا جدة، وأنا في الكلية أخدت دورة إسعافات أولية واتعلمت أدي إبر وأعمل تنفس صناعي."
تحدثت صفا رافضة باعتراض وهي تصرخ متألمة:
"طلعه بره يا أمي وانديه لي عفاف الممرضة تديني الحقنة بسرعة، هموت."
أجابها وهو يجز على أسنانه:
"عفاف عفاف. إنتِ الخسرانة."
رمقته بنظرة حارقة وخرجت ورد سريعاً كي تبعث لعفاف. قابله يزن الذي بالفعل قد أتى بها ودلفت للداخل وأعطتها الإبرة بعد إصرار صفا على خروج قاسم من الغرفة، وبعدها استكانت ملامحها وهدأت حين زال الألم وتلاشى.
أما بخارج الغرفة، وقف قاسم ينظر بوجه يزن بمعالم وجه محتقنة بالغضب وتحدث بحدة:
"إنتَ كيف تتجرأ وتجيب الدكتور وتدخله على مرتي من غير ما تديني خبر؟"
أجابه بمجابهة:
"كنت عاوزني أروح آخد إذنك إياك وأسيبها بتصرخ من الوجع."
انكمشت معالم وجهه بالغضب وهتف بحدة ووعد:
"أنا جلت لك من إشوي، وبعيدها عليك تاني لجل العشرة والقرابة اللي بيناتنا، إبعد عن مرتي واتجي شري يا يزن، وإلا قسماً برب العزة ما هعمل حساب لأي حاجة بعد كده وهتشوف مني وش ما كنتش أحبك تشوفه واصل."
تحركت إليهما ليلي وتوسطت وقفتهما وتساءلت وهي تنظر على حدة وجوههم:
"فيه إيه يا قاسم، مالك إنتَ ويزن واقفين لبعض كيف الديوك كده؟"
أجابها قاسم وهو ينظر داخل عيني يزن بحدة:
"مفيش حاجة يا ليلي، كنت بقول ليزن يخلي باله من نفسه أصله غالي عليا جوي وحياته تهمني."
ورمقه بنظرة حارقة وتحرك باتجاه الباب ودقه بعدما خرجت الممرضة ودلف للداخل وأغلق الباب خلفه وتحدث بهدوء إلى جدته وورد وعماته وجميع الموجودات حول صفا:
"بعد إذن الجميع، عاوز صفا في كلمتين على انفراد."
ارتعبت أوصالها وانتفض جسدها رعباً من هيئته المستشاطة.
وتحمحم الجميع وتحدثت الجدة بعدما اطمأنت على صفا:
"وماله يا ولدي، مرتك ومن حقك تجعد وياها لحالك وتطمن عليها."
ثم وجهت حديثها للجميع بأمر وهي تتحرك من فوق التخت:
"يلا بينا منك ليها."
وبالفعل خرج الجميع وتحرك ذلك الغاضب إليها ومال بجسده مقترباً عليها وتحدث بحدة:
"أول وآخر مرة أشوف المسخرة اللي حصلت النهاردة دي، وإلا متلوميش غير حالك من اللي هيجرى لك مني."
وأكمل متهكماً:
"يعني لولا دخلت بالصدفة الهانم كانت كشفت جسمها جدام راجل غريب عادي جداً وبدون أي خجل."
واسترسل حديثه ملقياً عليها التهم بعيون تطلق شزراً من شدة غيرته المجنونة:
"للدرجة دي جسمك رخيص عليكِ ومعندكيش حياء واصل؟"
اتسعت عيناها بذهول وملامح مصدومة أثر حديثه وبلحظة تحولت إلى نظرات عدائية، واشتعل داخلها غضباً من إلصاقه إياها للتهم وتحدثت بحدة بالغة:
"على أي أساس بنيت حكمك إني كنت هسمح له يديني الحقنة؟"
وأكملت مبررة:
"بغض النظر عن إنه وضع عادي وطبيعي لو كنت سمحت له يديني الحقنة بصفته دكتور وجاي يعالجني، خصوصاً في ظل حالتي وألمي المبرح اللي كنت حاسة بيه وجته."
"بس برغم كده عمري ما كنت هسمح له تعرف ليه؟"
نظر لها يترقب حديثها فهتفت هي بحدة:
"لأن خجلي وحيائي اللي اتهمتني من شوية إنهم معدومين عندي هما اللي كانوا هيمنعوني."
وبلحظة قطعت حديثها ودققت النظر بعينيها وكأنها تذكرت شيئاً كان غائباً عنها:
"ثم تعالي هنا يا أستاذ، إنتَ بأي صفة واقف تحاكمني وسامح لنفسك تكلمني بالشكل المهين دي؟"
أجابها بنبرة جامدة متهكمة:
"يمكن بصفتي جوز الهانم مثلاً!"
اشتعلت عيناها وتحدثت إليه بنبرة حادة مذكرة إياه باتفاقهما:
"على الورق، جوزي على الورق يا متر متنساش، يعني مش من حقك تقف تتأمر وتحاسبني كده."
وأزاحت عنه بصرها وتحدثت بأسلوب حاد:
"ودلوقتي يا ريت تطلع بره لأني تعبانة وآخدة حجنة مسكنة والمفروض إني أنام وأرتاح لجل ما تجيب مفعول زين."
اشتعل داخله واقترب من وجهها وتحدث بفحيح بنبرة غاضبة وعيون مشتعلة:
"جلت لك قبل سابج إن لسانك طويل وعايز قطعة،"
وأكمل بوعيد:
"بس ملحوقة يا بت زيدان."
أجابته بنبرة حادة ورأس شامخ مرتفع:
"وأنا جلت لك قبل سابج، لسه متخلقش اللي يهددني ويخوفني، ولسه متعرفش بت زيدان زين يا متر."
رمقها بنظرة حارقة وتحرك للخارج بقلب يغلي صافقاً الباب بشدة زلزلت جدران الغرفة بأكملها.
نظرت على طيفه وبلحظة انهار جبل الجليد التي كانت تتحامي خلفه بجمود ورمت حالها على وسادتها وسمحت لدموعها الانسياب كي تريح صدرها الذي امتلأ بالهموم والوجع ولم يعد لديه التحمل بعد.
يتبع..
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الثالث عشر 13 - بقلم روز امين
مرت الليلة على صفا بصعوبة شديدة، حتى أنها لم تتذوق بها طعم النوم إلا سويعات قليلة، وذلك من شدة حزنها مما هي آتية عليه. وكلما خانها شعورها واتجه بها سحب مشاعرها إلى عالم الأحلام لتنعم بداخله وتسرح في تخيل اقتراب ليلتها مع فارس أحلامها التي طالما انتظرت.
ليستيقظ على صفعة قوية من واقعها المرير حين تتذكر حديثه معها عندما أخبرها أنه كان مجبراً لتحمل تلك الخطبة كي ينأى بحاله في الأخير من تلك الزيجة غير المرغوب بها من ناحيته. تنكمش معالم وجهها وتنقبض معدتها وتتقلص.
ظلت على هذا الوضع طيلة الليل، ولم تغفو إلا القليل من السويعات. وبعدما فشلت بالعودة إلى أن تغفو وتريح جسدها، وقفت وحسمت أمرها إلى النزول للأسفل حيث تواجد الجميع.
نزلت تتدلى من أعلى الدرج، فوجدت المنزل يأج بالأقرباء الذين أتوا باكراً كي يعرضوا على ورد المساعدة في التحضير لليلة الدخلة والوقوف بجانبها في ذاك اليوم المهم بالنسبة لكل أم.
استمعت إلى صوت والدها يصدح من غرفة الطعام، فساقته أرجُلها إليه. وجدته يجلس هو وشقيقتيه ووالدته وشقيقه منتصر يلتفون حول مائدة الطعام ويتناولون فطورهم بنفوس راضية وجو عائلي يملؤه الدفء والحنان.
اشتدت سعادتها حين رأت والدها يجلس بجانب والدته ويتحدثان بحميمية ووجوه مبتسمة وانسجام تام، فتيقنت حينها رضا جدتها على والدها ورجوع علاقتهما كسابق عهدهما.
تحدثت عمتها صباح حين لمحتها:
"يا صباح الفل على جمر النعمانية، جربي يا عروسة."
ابتسمت إلى عمتها وتحركت بسعادة ووجه ملائكي كشمس أشرقت على المكان في يوم شتوي شديد الصقيع، وسطعت بكل أرجائه فأنارته وأدفأت أركانه الباردة.
فتحدثت وهي تميل بجذعها على مقدمة رأس جدتها وتقبلها بدلال:
"وأني أجول البيت زايد نوره بزيادة إنهاردة ليه، أتاري ست الكل منوراه بطلتها البهية."
ابتسمت لها وتحدثت وهي تربت على يدها الموضوعة فوق كتفها بحنان:
"طول عمرك وإنتِ محدش يعرف يغلبك بالكلام يا بت زيدان."
ابتسمت لها وأردفت قائلة بدلال:
"طالعة شاطرة كيف جدتي الحاجة رسمية."
في حين تحدثت صباح بنبرة حماسية:
"جدتك قامت من الفجرية لجل ما تيجي توقف مع أمك وهي بتجهز لك الوكل بتاع دخْلتك، ولجل ورد متحسش إنها لوحدها في يوم زي دي."
وأكملت عليه بنبرة دعابية وهي تنظر إلى زيدان المبتسم:
"إنتِ بيخيل عليكي الحديث دي بردك يا صباح، أمك عملتها حجة لجل ما تيجي تقعد جنب دلوع عينيها اللصغير ويرجعوا الماضي اللي كان."
ضحك الجميع، وتحدثت رسمية وهي تنهرها:
"إتحشمي يا علية وخلصي وكلك إنتِ وأختك وإطلعوا شوفوا مرة أخوكم، تلاقيها محتاسة لوحديها في المطبخ."
تحدثت بإمتنان وهي تتبادل النظر بين جدتها وعماتها:
"ربنا يبارك لي في عمركم وما يحرمني منكم أبداً."
ثم حولت بصرها إلى عمها وتحدثت بترحاب:
"كيفك يا عمي؟"
أجابها ببشاشة وجه قائلاً بإطمئنان:
"الحمد لله يا بتي، كيف صحتك دالوك؟"
أجابته بشكر:
"الحمد لله بخير."
ثم جلست بجانب والدها الذي نظر إليها وتساءل بحنان:
"كيفك دالوك يا جلبي؟"
أجابته ابتسامتها وأردفت لتطمئنه وهي تقبل يده:
"بخير الحمد لله يا أبويا."
تحدثت علية وهي تشير إليها إلى الطعام:
"يلا آُفطري يا صفا لجل ما تاخدي علاچك عشان ما يحصلكيش كيف اللي حصل لك إمبارح."
هزت رأسها بنفي قائلة:
"مجدرش يا عمه، مليش نفس للوكل."
نظرت لها الجدة وتحدثت بإصرار:
"كلام إيه ده يا عروسة؟ لازمن تاكلي لجل ما تصلبي طولك وتتجوي، لساته اليوم طويل ومحتاج منك الجوة."
أومأت لها برأسها وبدأت بتناول الطعام متغصبة على حالها لأجل إرضاء أحبائها. وبدأت تتحدث بمرح كعادتها وتفرق الابتسامات على وجوه الجميع، برغم ألمها المميت الساكن روحها بسبب إتمام زيجتها التي حلمت بها كثيراً، ولكنها لم تأتِ كما تمنتها.
احتفظت بحزنها لحالها كي لا تحزن قلوب أحبائها الغوالي، وبالأخص والدها الحبيب ووالدتها الحنون.
تلفتت حولها وتساءلت مستفسرة:
"أومال فين أمي؟"
أجابتها علية:
"أمك مع حريم العيلة بيجهزوا وكل ليلتك يا عروسة."
فأكملت صباح بنبرة فخورة:
"أما أنا حشيت لك شوية حمام بالفريك يا دكتورة، هتاكلي صوابع يدك وراهم إنتِ وقاسم."
ابتسمت لها بيأس حين تذكرت اتفاقها مع حبيبها ومتيم روحها، ورسمت بخيالها السيناريو لليلة دخلتها البائسة.
وجهت الجدة حديثها إلى صفا قائلة باستفسار:
"الست بتاعت الزواج والحريم اللي وياها دول صحيوا يا صفا؟"
أطلقت صفا ضحكة لم تتمالك من كظمها، وسريعاً استطاعت التحكم بها وأردفت مصححة لجدتها:
"اسمها ميكب أرتست يا جدتي، والبنات اللي وياها دول يبقوا الفريج المساعد ليها."
وأكملت بنبرة جادة:
"على العموم هما لسه نايمين لدلوك."
ضحك الجميع، وتحدثت رسمية وهي تنهرها:
"إتحشمي يا علية وخلصي وكلك إنتِ وأختك وإطلعوا شوفوا مرة أخوكم، تلاقيها محتاسة لوحديها في المطبخ."
تحدثت بإمتنان وهي تتبادل النظر بين جدتها وعماتها:
"ربنا يبارك لي في عمركم وما يحرمني منكم أبداً."
ثم حولت بصرها إلى عمها وتحدثت بترحاب:
"كيفك يا عمي؟"
أجابها ببشاشة وجه قائلاً بإطمئنان:
"الحمد لله يا بتي، كيف صحتك دالوك؟"
أجابته بشكر:
"الحمد لله بخير."
ثم جلست بجانب والدها الذي نظر إليها وتساءل بحنان:
"كيفك دالوك يا جلبي؟"
أجابته ابتسامتها وأردفت لتطمئنه وهي تقبل يده:
"بخير الحمد لله يا أبويا."
تحدثت علية وهي تشير إليها إلى الطعام:
"يلا آُفطري يا صفا لجل ما تاخدي علاچك عشان ما يحصلكيش كيف اللي حصل لك إمبارح."
هزت رأسها بنفي قائلة:
"مجدرش يا عمه، مليش نفس للوكل."
نظرت لها الجدة وتحدثت بإصرار:
"كلام إيه ده يا عروسة؟ لازمن تاكلي لجل ما تصلبي طولك وتتجوي، لساته اليوم طويل ومحتاج منك الجوة."
أومأت لها برأسها وبدأت بتناول الطعام متغصبة على حالها لأجل إرضاء أحبائها. وبدأت تتحدث بمرح كعادتها وتفرق الابتسامات على وجوه الجميع، برغم ألمها المميت الساكن روحها بسبب إتمام زيجتها التي حلمت بها كثيراً، ولكنها لم تأتِ كما تمنتها.
احتفظت بحزنها لحالها كي لا تحزن قلوب أحبائها الغوالي، وبالأخص والدها الحبيب ووالدتها الحنون.
تلفتت حولها وتساءلت مستفسرة:
"أومال فين أمي؟"
أجابتها علية:
"أمك مع حريم العيلة بيجهزوا وكل ليلتك يا عروسة."
فأكملت صباح بنبرة فخورة:
"أما أنا حشيت لك شوية حمام بالفريك يا دكتورة، هتاكلي صوابع يدك وراهم إنتِ وقاسم."
ابتسمت لها بيأس حين تذكرت اتفاقها مع حبيبها ومتيم روحها، ورسمت بخيالها السيناريو لليلة دخلتها البائسة.
وجهت الجدة حديثها إلى صفا قائلة باستفسار:
"الست بتاعت الزواج والحريم اللي وياها دول صحيوا يا صفا؟"
أطلقت صفا ضحكة لم تتمالك من كظمها، وسريعاً استطاعت التحكم بها وأردفت مصححة لجدتها:
"اسمها ميكب أرتست يا جدتي، والبنات اللي وياها دول يبقوا الفريج المساعد ليها."
وأكملت بنبرة جادة:
"على العموم هما لسه نايمين لدلوك."
ضحك الجميع.
تحدثت صباح بنبرة حماسية:
"چِدتك جامت من الفجرية لچل ما تاچي تُجف مع أمك وهي بتجهز لك الوكل بتاع دُخلتك، ولچل ورد متحسش إنها لوحدها في يوم زي دي."
وأكملت عليه بنبرة دُعابية وهي تنظر إلى زيدان المُبتسم:
"إنتِ بيخيل عليكي الحديت دي بردك يا صباح، أمك عملتها حِجة لچل ما تاچي تُجعد چنب دلوع عِينها اللصغِير ويرچعوا الماضي اللي كان."
ضحك الجميع.
تحدثت رسمية وهي تنهرها:
"إتحشمي يا علية وخلصي وكلك إنتِ وأختك وإطلعوا شوفوا مرت أخوكم تلاجيها مِحتاسة لوحديها في المطبخ."
تحدثت بإمتنان وهي تتبادل النظر بين جدتها وعماتها:
"ربنا يبارك لي في عُمركم وما يحرمني منكم أبداً."
ثم حولت بصرها إلي عمها وتحدثت بترحاب:
"كيفك يا عميا؟"
أجابها ببشاشة وجه قائلاً بإطمئنان:
"الحمد لله يا بِتي، كِيف صحتك دالوك؟"
أجابته بشكر:
"الحمد لله بخير."
ثم جلست بجانب والدها الذي نظر إليها وتساءل بحنان:
"كيفك دالوك يا جلبي؟"
أجابته إبتسامتها وأردفت لتطمانتهُ وهي تُقبل يده:
"بخير الحمد لله يا أبويت."
تحدثت علية وهي تُشير إليها إلي الطعام:
"يلا آُفطِري يا صفا لچل ما تاخدي علاچك عشان ما يحصلكيش كيف اللي حُصل لك إمبارحه."
هزت رأسها بنفي قائلة:
"مجدراش يا عمه، مليش نفس للوكل."
نظرت لها الجَدة وتحدثت بإصرار:
"كلام إيه دي يا عروسه، لازمن تاكلي لچل ما تُصلبي طولك وتتجوي، لساته اليوم طويل ومحتاچ منيكي الجوة."
أومأت لها برأسها وبدأت بتناول الطعام مُتغصبة علي حالها لأجل إرضاء أحبائها. وبدأت تتحدث بمرح كعادتها وتفرق الإبتسامات على وجوه الجميع، برغم ألمها المُميت الساكن روحها بسبب إتمام زيجتها التي حلُمت بها كثيراً، ولكنها لم تأتي كما تمنتها.
احتفظت بحُزنها لحالها كي لا تُحزن قلوب أحبائها الغوالي، وبالاخص والدها الحبيب ووالدتها الحنون.
تلفتت حولها وتساءلت مُستفسرة:
"أومال فين أمي؟"
أجابتها علية:
"أمك مع حريم العيلة بيچهزوا وكَل ليلتك يا عروسه."
فأكملت صباح بنبرة فخورة:
"أما اني حشيت لك شوية حمام بالفريك يا دكتورة، هتاكلي صوابع يدك وراهم إنتِ وقاسم."
ابتسمت لها بيأس حين تذكرت إتفاقها مع حبيبها ومتيم روحها، ورسمت بخيالها السيناريو لليلة دُخلتها البائسة.
وجهت الجَدة حديثها إلي صفا قائله بإستفسار:
"الست بتاعت الزِوَاج والحريم اللي وياها دول صحيوا يا صفا؟"
اطلقت صفا ضحكة لم تتمالك من كظمها، وسريعاً إستطاعت التحكم بها وأردفت مصححة لجدتها:
"إسمها ميكب أرتست يا چدتي،، والبنات اللي وياها دول يبجو الفريج المُساعد ليها."
وأكملت بنبرة جادة:
"علي العموم هما لساتهم نايمين لدلوك."
ضحك الجميع.
تحدثت صباح بنبرة حماسية:
"چِدتك جامت من الفجرية لچل ما تاچي تُجف مع أمك وهي بتجهز لك الوكل بتاع دُخلتك، ولچل ورد متحسش إنها لوحدها في يوم زي دي."
وأكملت عليه بنبرة دُعابية وهي تنظر إلي زيدان المُبتسم:
"إنتِ بيخيل عليكي الحديت دي بردك يا صباح، أمك عملتها حِجة لچل ما تاچي تُجعد چنب دلوع عِينها اللصغِير ويرچعوا الماضي اللي كان."
ضحك الجميع.
تحدثت رسمية وهي تنهرها:
"إتحشمي يا علية وخلصي وكلك إنتِ وأختك وإطلعوا شوفوا مرت أخوكم تلاجيها مِحتاسة لوحديها في المطبخ."
تحدثت بإمتنان وهي تتبادل النظر بين جدتها وعماتها:
"ربنا يبارك لي في عُمركم وما يحرمني منكم أبداً."
ثم حولت بصرها إلي عمها وتحدثت بترحاب:
"كيفك يا عميا؟"
أجابها ببشاشة وجه قائلاً بإطمئنان:
"الحمد لله يا بِتي، كِيف صحتك دالوك؟"
أجابته بشكر:
"الحمد لله بخير."
ثم جلست بجانب والدها الذي نظر إليها وتساءل بحنان:
"كيفك دالوك يا جلبي؟"
أجابته إبتسامتها وأردفت لتطمانتهُ وهي تُقبل يده:
"بخير الحمد لله يا أبويت."
تحدثت علية وهي تُشير إليها إلي الطعام:
"يلا آُفطِري يا صفا لچل ما تاخدي علاچك عشان ما يحصلكيش كيف اللي حُصل لك إمبارحه."
هزت رأسها بنفي قائلة:
"مجدراش يا عمه، مليش نفس للوكل."
نظرت لها الجَدة وتحدثت بإصرار:
"كلام إيه دي يا عروسه، لازمن تاكلي لچل ما تُصلبي طولك وتتجوي، لساته اليوم طويل ومحتاچ منيكي الجوة."
أومأت لها برأسها وبدأت بتناول الطعام مُتغصبة علي حالها لأجل إرضاء أحبائها. وبدأت تتحدث بمرح كعادتها وتفرق الإبتسامات على وجوه الجميع، برغم ألمها المُميت الساكن روحها بسبب إتمام زيجتها التي حلُمت بها كثيراً، ولكنها لم تأتي كما تمنتها.
احتفظت بحُزنها لحالها كي لا تُحزن قلوب أحبائها الغوالي، وبالاخص والدها الحبيب ووالدتها الحنون.
تلفتت حولها وتساءلت مُستفسرة:
"أومال فين أمي؟"
أجابتها علية:
"أمك مع حريم العيلة بيچهزوا وكَل ليلتك يا عروسه."
فأكملت صباح بنبرة فخورة:
"أما اني حشيت لك شوية حمام بالفريك يا دكتورة، هتاكلي صوابع يدك وراهم إنتِ وقاسم."
ابتسمت لها بيأس حين تذكرت إتفاقها مع حبيبها ومتيم روحها، ورسمت بخيالها السيناريو لليلة دُخلتها البائسة.
وجهت الجَدة حديثها إلي صفا قائله بإستفسار:
"الست بتاعت الزِوَاج والحريم اللي وياها دول صحيوا يا صفا؟"
اطلقت صفا ضحكة لم تتمالك من كظمها، وسريعاً إستطاعت التحكم بها وأردفت مصححة لجدتها:
"إسمها ميكب أرتست يا چدتي،، والبنات اللي وياها دول يبجو الفريج المُساعد ليها."
وأكملت بنبرة جادة:
"علي العموم هما لساتهم نايمين لدلوك."
ضحك الجميع.
تحدثت صباح بنبرة حماسية:
"چِدتك جامت من الفجرية لچل ما تاچي تُجف مع أمك وهي بتجهز لك الوكل بتاع دُخلتك، ولچل ورد متحسش إنها لوحدها في يوم زي دي."
وأكملت عليه بنبرة دُعابية وهي تنظر إلي زيدان المُبتسم:
"إنتِ بيخيل عليكي الحديت دي بردك يا صباح، أمك عملتها حِجة لچل ما تاچي تُجعد چنب دلوع عِينها اللصغِير ويرچعوا الماضي اللي كان."
ضحك الجميع.
تحدثت رسمية وهي تنهرها:
"إتحشمي يا علية وخلصي وكلك إنتِ وأختك وإطلعوا شوفوا مرت أخوكم تلاجيها مِحتاسة لوحديها في المطبخ."
تحدثت بإمتنان وهي تتبادل النظر بين جدتها وعماتها:
"ربنا يبارك لي في عُمركم وما يحرمني منكم أبداً."
ثم حولت بصرها إلي عمها وتحدثت بترحاب:
"كيفك يا عميا؟"
أجابها ببشاشة وجه قائلاً بإطمئنان:
"الحمد لله يا بِتي، كِيف صحتك دالوك؟"
أجابته بشكر:
"الحمد لله بخير."
ثم جلست بجانب والدها الذي نظر إليها وتساءل بحنان:
"كيفك دالوك يا جلبي؟"
أجابته إبتسامتها وأردفت لتطمانتهُ وهي تُقبل يده:
"بخير الحمد لله يا أبويت."
تحدثت علية وهي تُشير إليها إلي الطعام:
"يلا آُفطِري يا صفا لچل ما تاخدي علاچك عشان ما يحصلكيش كيف اللي حُصل لك إمبارحه."
هزت رأسها بنفي قائلة:
"مجدراش يا عمه، مليش نفس للوكل."
نظرت لها الجَدة وتحدثت بإصرار:
"كلام إيه دي يا عروسه، لازمن تاكلي لچل ما تُصلبي طولك وتتجوي، لساته اليوم طويل ومحتاچ منيكي الجوة."
أومأت لها برأسها وبدأت بتناول الطعام مُتغصبة علي حالها لأجل إرضاء أحبائها. وبدأت تتحدث بمرح كعادتها وتفرق الإبتسامات على وجوه الجميع، برغم ألمها المُميت الساكن روحها بسبب إتمام زيجتها التي حلُمت بها كثيراً، ولكنها لم تأتي كما تمنتها.
احتفظت بحُزنها لحالها كي لا تُحزن قلوب أحبائها الغوالي، وبالاخص والدها الحبيب ووالدتها الحنون.
تلفتت حولها وتساءلت مُستفسرة:
"أومال فين أمي؟"
أجابتها علية:
"أمك مع حريم العيلة بيچهزوا وكَل ليلتك يا عروسه."
فأكملت صباح بنبرة فخورة:
"أما اني حشيت لك شوية حمام بالفريك يا دكتورة، هتاكلي صوابع يدك وراهم إنتِ وقاسم."
ابتسمت لها بيأس حين تذكرت إتفاقها مع حبيبها ومتيم روحها، ورسمت بخيالها السيناريو لليلة دُخلتها البائسة.
وجهت الجَدة حديثها إلي صفا قائله بإستفسار:
"الست بتاعت الزِوَاج والحريم اللي وياها دول صحيوا يا صفا؟"
اطلقت صفا ضحكة لم تتمالك من كظمها، وسريعاً إستطاعت التحكم بها وأردفت مصححة لجدتها:
"إسمها ميكب أرتست يا چدتي،، والبنات اللي وياها دول يبجو الفريج المُساعد ليها."
وأكملت بنبرة جادة:
"علي العموم هما لساتهم نايمين لدلوك."
ضحك الجميع.
تحدثت صباح بنبرة حماسية:
"چِدتك جامت من الفجرية لچل ما تاچي تُجف مع أمك وهي بتجهز لك الوكل بتاع دُخلتك، ولچل ورد متحسش إنها لوحدها في يوم زي دي."
وأكملت عليه بنبرة دُعابية وهي تنظر إلي زيدان المُبتسم:
"إنتِ بيخيل عليكي الحديت دي بردك يا صباح، أمك عملتها حِجة لچل ما تاچي تُجعد چنب دلوع عِينها اللصغِير ويرچعوا الماضي اللي كان."
ضحك الجميع.
تحدثت رسمية وهي تنهرها:
"إتحشمي يا علية وخلصي وكلك إنتِ وأختك وإطلعوا شوفوا مرت أخوكم تلاجيها مِحتاسة لوحديها في المطبخ."
تحدثت بإمتنان وهي تتبادل النظر بين جدتها وعماتها:
"ربنا يبارك لي في عُمركم وما يحرمني منكم أبداً."
ثم حولت بصرها إلي عمها وتحدثت بترحاب:
"كيفك يا عميا؟"
أجابها ببشاشة وجه قائلاً بإطمئنان:
"الحمد لله يا بِتي، كِيف صحتك دالوك؟"
أجابته بشكر:
"الحمد لله بخير."
ثم جلست بجانب والدها الذي نظر إليها وتساءل بحنان:
"كيفك دالوك يا جلبي؟"
أجابته إبتسامتها وأردفت لتطمانتهُ وهي تُقبل يده:
"بخير الحمد لله يا أبويت."
تحدثت علية وهي تُشير إليها إلي الطعام:
"يلا آُفطِري يا صفا لچل ما تاخدي علاچك عشان ما يحصلكيش كيف اللي حُصل لك إمبارحه."
هزت رأسها بنفي قائلة:
"مجدراش يا عمه، مليش نفس للوكل."
نظرت لها الجَدة وتحدثت بإصرار:
"كلام إيه دي يا عروسه، لازمن تاكلي لچل ما تُصلبي طولك وتتجوي، لساته اليوم طويل ومحتاچ منيكي الجوة."
أومأت لها برأسها وبدأت بتناول الطعام مُتغصبة علي حالها لأجل إرضاء أحبائها. وبدأت تتحدث بمرح كعادتها وتفرق الإبتسامات على وجوه الجميع، برغم ألمها المُميت الساكن روحها بسبب إتمام زيجتها التي حلُمت بها كثيراً، ولكنها لم تأتي كما تمنتها.
احتفظت بحُزنها لحالها كي لا تُحزن قلوب أحبائها الغوالي، وبالاخص والدها الحبيب ووالدتها الحنون.
تلفتت حولها وتساءلت مُستفسرة:
"أومال فين أمي؟"
أجابتها علية:
"أمك مع حريم العيلة بيچهزوا وكَل ليلتك يا عروسه."
فأكملت صباح بنبرة فخورة:
"أما اني حشيت لك شوية حمام بالفريك يا دكتورة، هتاكلي صوابع يدك وراهم إنتِ وقاسم."
ابتسمت لها بيأس حين تذكرت إتفاقها مع حبيبها ومتيم روحها، ورسمت بخيالها السيناريو لليلة دُخلتها البائسة.
وجهت الجَدة حديثها إلي صفا قائله بإستفسار:
"الست بتاعت الزِوَاج والحريم اللي وياها دول صحيوا يا صفا؟"
اطلقت صفا ضحكة لم تتمالك من كظمها، وسريعاً إستطاعت التحكم بها وأردفت مصححة لجدتها:
"إسمها ميكب أرتست يا چدتي،، والبنات اللي وياها دول يبجو الفريج المُساعد ليها."
وأكملت بنبرة جادة:
"علي العموم هما لساتهم نايمين لدلوك."
ضحك الجميع.
تحدثت صباح بنبرة حماسية:
"چِدتك جامت من الفجرية لچل ما تاچي تُجف مع أمك وهي بتجهز لك الوكل بتاع دُخلتك، ولچل ورد متحسش إنها لوحدها في يوم زي دي."
وأكملت عليه بنبرة دُعابية وهي تنظر إلي زيدان المُبتسم:
"إنتِ بيخيل عليكي الحديت دي بردك يا صباح، أمك عملتها حِجة لچل ما تاچي تُجعد چنب دلوع عِينها اللصغِير ويرچعوا الماضي اللي كان."
ضحك الجميع.
تحدثت رسمية وهي تنهرها:
"إتحشمي يا علية وخلصي وكلك إنتِ وأختك وإطلعوا شوفوا مرت أخوكم تلاجيها مِحتاسة لوحديها في المطبخ."
تحدثت بإمتنان وهي تتبادل النظر بين جدتها وعماتها:
"ربنا يبارك لي في عُمركم وما يحرمني منكم أبداً."
ثم حولت بصرها إلي عمها وتحدثت بترحاب:
"كيفك يا عميا؟"
أجابها ببشاشة وجه قائلاً بإطمئنان:
"الحمد لله يا بِتي، كِيف صحتك دالوك؟"
أجابته بشكر:
"الحمد لله بخير."
ثم جلست بجانب والدها الذي نظر إليها وتساءل بحنان:
"كيفك دالوك يا جلبي؟"
أجابته إبتسامتها وأردفت لتطمانتهُ وهي تُقبل يده:
"بخير الحمد لله يا أبويت."
تحدثت علية وهي تُشير إليها إلي الطعام:
"يلا آُفطِري يا صفا لچل ما تاخدي علاچك عشان ما يحصلكيش كيف اللي حُصل لك إمبارحه."
هزت رأسها بنفي قائلة:
"مجدراش يا عمه، مليش نفس للوكل."
نظرت لها الجَدة وتحدثت بإصرار:
"كلام إيه دي يا عروسه، لازمن تاكلي لچل ما تُصلبي طولك وتتجوي، لساته اليوم طويل ومحتاچ منيكي الجوة."
أومأت لها برأسها وبدأت بتناول الطعام مُتغصبة علي حالها لأجل إرضاء أحبائها. وبدأت تتحدث بمرح كعادتها وتفرق الإبتسامات على وجوه الجميع، برغم ألمها المُميت الساكن روحها بسبب إتمام زيجتها التي حلُمت بها كثيراً، ولكنها لم تأتي كما تمنتها.
احتفظت بحُزنها لحالها كي لا تُحزن قلوب أحبائها الغوالي، وبالاخص والدها الحبيب ووالدتها الحنون.
تلفتت حولها وتساءلت مُستفسرة:
"أومال فين أمي؟"
أجابتها علية:
"أمك مع حريم العيلة بيچهزوا وكَل ليلتك يا عروسه."
فأكملت صباح بنبرة فخورة:
"أما اني حشيت لك شوية حمام بالفريك يا دكتورة، هتاكلي صوابع يدك وراهم إنتِ وقاسم."
ابتسمت لها بيأس حين تذكرت إتفاقها مع حبيبها ومتيم روحها، ورسمت بخيالها السيناريو لليلة دُخلتها البائسة.
وجهت الجَدة حديثها إلي صفا قائله بإستفسار:
"الست بتاعت الزِوَاج والحريم اللي وياها دول صحيوا يا صفا؟"
اطلقت صفا ضحكة لم تتمالك من كظمها، وسريعاً إستطاعت التحكم بها وأردفت مصححة لجدتها:
"إسمها ميكب أرتست يا چدتي،، والبنات اللي وياها دول يبجو الفريج المُساعد ليها."
وأكملت بنبرة جادة:
"علي العموم هما لساتهم نايمين لدلوك."
ضحك الجميع.
تحدثت صباح بنبرة حماسية:
"چِدتك جامت من الفجرية لچل ما تاچي تُجف مع أمك وهي بتجهز لك الوكل بتاع دُخلتك، ولچل ورد متحسش إنها لوحدها في يوم زي دي."
وأكملت عليه بنبرة دُعابية وهي تنظر إلي زيدان المُبتسم:
"إنتِ بيخيل عليكي الحديت دي بردك يا صباح، أمك عملتها حِجة لچل ما تاچي تُجعد چنب دلوع عِينها اللصغِير ويرچعوا الماضي اللي كان."
ضحك الجميع.
تحدثت رسمية وهي تنهرها:
"إتحشمي يا علية وخلصي وكلك إنتِ وأختك وإطلعوا شوفوا مرت أخوكم تلاجيها مِحتاسة لوحديها في المطبخ."
تحدثت بإمتنان وهي تتبادل النظر بين جدتها وعماتها:
"ربنا يبارك لي في عُمركم وما يحرمني منكم أبداً."
ثم حولت بصرها إلي عمها وتحدثت بترحاب:
"كيفك يا عميا؟"
أجابها ببشاشة وجه قائلاً بإطمئنان:
"الحمد لله يا بِتي، كِيف صحتك دالوك؟"
أجابته بشكر:
"الحمد لله بخير."
ثم جلست بجانب والدها الذي نظر إليها وتساءل بحنان:
"كيفك دالوك يا جلبي؟"
أجابته إبتسامتها وأردفت لتطمانتهُ وهي تُقبل يده:
"بخير الحمد لله يا أبويت."
تحدثت علية وهي تُشير إليها إلي الطعام:
"يلا آُفطِري يا صفا لچل ما تاخدي علاچك عشان ما يحصلكيش كيف اللي حُصل لك إمبارحه."
هزت رأسها بنفي قائلة:
"مجدراش يا عمه، مليش نفس للوكل."
نظرت لها الجَدة وتحدثت بإصرار:
"كلام إيه دي يا عروسه، لازمن تاكلي لچل ما تُصلبي طولك وتتجوي، لساته اليوم طويل ومحتاچ منيكي الجوة."
أومأت لها برأسها وبدأت بتناول الطعام مُتغصبة علي حالها لأجل إرضاء أحبائها. وبدأت تتحدث بمرح كعادتها وتفرق الإبتسامات على وجوه الجميع، برغم ألمها المُميت الساكن روحها بسبب إتمام زيجتها التي حلُمت بها كثيراً، ولكنها لم تأتي كما تمنتها.
احتفظت بحُزنها لحالها كي لا تُحزن قلوب أحبائها الغوالي، وبالاخص والدها الحبيب ووالدتها الحنون.
تلفتت حولها وتساءلت مُستفسرة:
"أومال فين أمي؟"
أجابتها علية:
"أمك مع حريم العيلة بيچهزوا وكَل ليلتك يا عروسه."
فأكملت صباح بنبرة فخورة:
"أما اني حشيت لك شوية حمام بالفريك يا دكتورة، هتاكلي صوابع يدك وراهم إنتِ وقاسم."
ابتسمت لها بيأس حين تذكرت إتفاقها مع حبيبها ومتيم روحها، ورسمت بخيالها السيناريو لليلة دُخلتها البائسة.
وجهت الجَدة حديثها إلي صفا قائله بإستفسار:
"الست بتاعت الزِوَاج والحريم اللي وياها دول صحيوا يا صفا؟"
اطلقت صفا ضحكة لم تتمالك من كظمها، وسريعاً إستطاعت التحكم بها وأردفت مصححة لجدتها:
"إسمها ميكب أرتست يا چدتي،، والبنات اللي وياها دول يبجو الفريج المُساعد ليها."
وأكملت بنبرة جادة:
"علي العموم هما لساتهم نايمين لدلوك."
ضحك الجميع.
تحدثت صباح بنبرة حماسية:
"چِدتك جامت من الفجرية لچل ما تاچي تُجف مع أمك وهي بتجهز لك الوكل بتاع دُخلتك، ولچل ورد متحسش إنها لوحدها في يوم زي دي."
وأكملت عليه بنبرة دُعابية وهي تنظر إلي زيدان المُبتسم:
"إنتِ بيخيل عليكي الحديت دي بردك يا صباح، أمك عملتها حِجة لچل ما تاچي تُجعد چنب دلوع عِينها اللصغِير ويرچعوا الماضي اللي كان."
ضحك الجميع.
تحدثت رسمية وهي تنهرها:
"إتحشمي يا علية وخلصي وكلك إنتِ وأختك وإطلعوا شوفوا مرت أخوكم تلاجيها مِحتاسة لوحديها في المطبخ."
تحدثت بإمتنان وهي تتبادل النظر بين جدتها وعماتها:
"ربنا يبارك لي في عُمركم وما يحرمني منكم أبداً."
ثم حولت بصرها إلي عمها وتحدثت بترحاب:
"كيفك يا عميا؟"
أجابها ببشاشة وجه قائلاً بإطمئنان:
"الحمد لله يا بِتي، كِيف صحتك دالوك؟"
أجابته بشكر:
"الحمد لله بخير."
ثم جلست بجانب والدها الذي نظر إليها وتساءل بحنان:
"كيفك دالوك يا جلبي؟"
أجابته إبتسامتها وأردفت لتطمانتهُ وهي تُقبل يده:
"بخير الحمد لله يا أبويت."
تحدثت علية وهي تُشير إليها إلي الطعام:
"يلا آُفطِري يا صفا لچل ما تاخدي علاچك عشان ما يحصلكيش كيف اللي حُصل لك إمبارحه."
هزت رأسها بنفي قائلة:
"مجدراش يا عمه، مليش نفس للوكل."
نظرت لها الجَدة وتحدثت بإصرار:
"كلام إيه دي يا عروسه، لازمن تاكلي لچل ما تُصلبي طولك وتتجوي، لساته اليوم طويل ومحتاچ منيكي الجوة."
أومأت لها برأسها وبدأت بتناول الطعام مُتغصبة علي حالها لأجل إرضاء أحبائها. وبدأت تتحدث بمرح كعادتها وتفرق الإبتسامات على وجوه الجميع، برغم ألمها المُميت الساكن روحها بسبب إتمام زيجتها التي حلُمت بها كثيراً، ولكنها لم تأتي كما تمنتها.
احتفظت بحُزنها لحالها كي لا تُحزن قلوب أحبائها الغوالي، وبالاخص والدها الحبيب ووالدتها الحنون.
تلفتت حولها وتساءلت مُستفسرة:
"أومال فين أمي؟"
أجابتها علية:
"أمك مع حريم العيلة بيچهزوا وكَل ليلتك يا عروسه."
فأكملت صباح بنبرة فخورة:
"أما اني حشيت لك شوية حمام بالفريك يا دكتورة، هتاكلي صوابع يدك وراهم إنتِ وقاسم."
ابتسمت لها بيأس حين تذكرت إتفاقها مع حبيبها ومتيم روحها، ورسمت بخيالها السيناريو لليلة دُخلتها البائسة.
وجهت الجَدة حديثها إلي صفا قائله بإستفسار:
"الست بتاعت الزِوَاج والحريم اللي وياها دول صحيوا يا صفا؟"
اطلقت صفا ضحكة لم تتمالك من كظمها، وسريعاً إستطاعت التحكم بها وأردفت مصححة لجدتها:
"إسمها ميكب أرتست يا چدتي،، والبنات اللي وياها دول يبجو الفريج المُساعد ليها."
وأكملت بنبرة جادة:
"علي العموم هما لساتهم نايمين لدلوك."
ضحك الجميع.
تحدثت صباح بنبرة حماسية:
"چِدتك جامت من الفجرية لچل ما تاچي تُجف مع أمك وهي بتجهز لك الوكل بتاع دُخلتك، ولچل ورد متحسش إنها لوحدها في يوم زي دي."
وأكملت عليه بنبرة دُعابية وهي تنظر إلي زيدان المُبتسم:
"إنتِ بيخيل عليكي الحديت دي بردك يا صباح، أمك عملتها حِجة لچل ما تاچي تُجعد چنب دلوع عِينها اللصغِير ويرچعوا الماضي اللي كان."
ضحك الجميع.
تحدثت رسمية وهي تنهرها:
"إتحشمي يا علية وخلصي وكلك إنتِ وأختك وإطلعوا شوفوا مرت أخوكم تلاجيها مِحتاسة لوحديها في المطبخ."
تحدثت بإمتنان وهي تتبادل النظر بين جدتها وعماتها:
"ربنا يبارك لي في عُمركم وما يحرمني منكم أبداً."
ثم حولت بصرها إلي عمها وتحدثت بترحاب:
"كيفك يا عميا؟"
أجابها ببشاشة وجه قائلاً بإطمئنان:
"الحمد لله يا بِتي، كِيف صحتك دالوك؟"
أجابته بشكر:
"الحمد لله بخير."
ثم جلست بجانب والدها الذي نظر إليها وتساءل بحنان:
"كيفك دالوك يا جلبي؟"
أجابته إبتسامتها وأردفت لتطمانتهُ وهي تُقبل يده:
"بخير الحمد لله يا أبويت."
تحدثت علية وهي تُشير إليها إلي الطعام:
"يلا آُفطِري يا صفا لچل ما تاخدي علاچك عشان ما يحصلكيش كيف اللي حُصل لك إمبارحه."
هزت رأسها بنفي قائلة:
"مجدراش يا عمه، مليش نفس للوكل."
نظرت لها الجَدة وتحدثت بإصرار:
"كلام إيه دي يا عروسه، لازمن تاكلي لچل ما تُصلبي طولك وتتجوي، لساته اليوم طويل ومحتاچ منيكي الجوة."
أومأت لها برأسها وبدأت بتناول الطعام مُتغصبة علي حالها لأجل إرضاء أحبائها. وبدأت تتحدث بمرح كعادتها وتفرق الإبتسامات على وجوه الجميع، برغم ألمها المُميت الساكن روحها بسبب إتمام زيجتها التي حلُمت بها كثيراً، ولكنها لم تأتي كما تمنتها.
احتفظت بحُزنها لحالها كي لا تُحزن قلوب أحبائها الغوالي، وبالاخص والدها الحبيب ووالدتها الحنون.
تلفتت حولها وتساءلت مُستفسرة:
"أومال فين أمي؟"
أجابتها علية:
"أمك مع حريم العيلة بيچهزوا وكَل ليلتك يا عروسه."
فأكملت صباح بنبرة فخورة:
"أما اني حشيت لك شوية حمام بالفريك يا دكتورة، هتاكلي صوابع يدك وراهم إنتِ وقاسم."
ابتسمت لها بيأس حين تذكرت إتفاقها مع حبيبها ومتيم روحها، ورسمت بخيالها السيناريو لليلة دُخلتها البائسة.
وجهت الجَدة حديثها إلي صفا قائله بإستفسار:
"الست بتاعت الزِوَاج والحريم اللي وياها دول صحيوا يا صفا؟"
اطلقت صفا ضحكة لم تتمالك من كظمها، وسريعاً إستطاعت التحكم بها وأردفت مصححة لجدتها:
"إسمها ميكب أرتست يا چدتي،، والبنات اللي وياها دول يبجو الفريج المُساعد ليها."
وأكملت بنبرة جادة:
"علي العموم هما لساتهم نايمين لدلوك."
ضحك الجميع.
تحدثت صباح بنبرة حماسية:
"چِدتك جامت من الفجرية لچل ما تاچي تُجف مع أمك وهي بتجهز لك الوكل بتاع دُخلتك، ولچل ورد متحسش إنها لوحدها في يوم زي دي."
وأكملت عليه بنبرة دُعابية وهي تنظر إلي زيدان المُبتسم:
"إنتِ بيخيل عليكي الحديت دي بردك يا صباح، أمك عملتها حِجة لچل ما تاچي تُجعد چنب دلوع عِينها اللصغِير ويرچعوا الماضي اللي كان."
ضحك الجميع.
تحدثت رسمية وهي تنهرها:
"إتحشمي يا علية وخلصي وكلك إنتِ وأختك وإطلعوا شوفوا مرت أخوكم تلاجيها مِحتاسة لوحديها في المطبخ."
تحدثت بإمتنان وهي تتبادل النظر بين جدتها وعماتها:
"ربنا يبارك لي في عُمركم وما يحرمني منكم أبداً."
ثم حولت بصرها إلي عمها وتحدثت بترحاب:
"كيفك يا عميا؟"
أجابها ببشاشة وجه قائلاً بإطمئنان:
"الحمد لله يا بِتي، كِيف صحتك دالوك؟"
أجابته بشكر:
"الحمد لله بخير."
ثم جلست بجانب والدها الذي نظر إليها وتساءل بحنان:
"كيفك دالوك يا جلبي؟"
أجابته إبتسامتها وأردفت لتطمانتهُ وهي تُقبل يده:
"بخير الحمد لله يا أبويت."
تحدثت علية وهي تُشير إليها إلي الطعام:
"يلا آُفطِري يا صفا لچل ما تاخدي علاچك عشان ما يحصلكيش كيف اللي حُصل لك إمبارحه."
هزت رأسها بنفي قائلة:
"مجدراش يا عمه، مليش نفس للوكل."
نظرت لها الجَدة وتحدثت بإصرار:
"كلام إيه دي يا عروسه، لازمن تاكلي لچل ما تُصلبي طولك وتتجوي، لساته اليوم طويل ومحتاچ منيكي الجوة."
أومأت لها برأسها وبدأت بتناول الطعام مُتغصبة علي حالها لأجل إرضاء أحبائها. وبدأت تتحدث بمرح كعادتها وتفرق الإبتسامات على وجوه الجميع، برغم ألمها المُميت الساكن روحها بسبب إتمام زيجتها التي حلُمت بها كثيراً، ولكنها لم تأتي كما تمنتها.
احتفظت بحُزنها لحالها كي لا تُحزن قلوب أحبائها الغوالي، وبالاخص والدها الحبيب ووالدتها الحنون.
تلفتت حولها وتساءلت مُستفسرة:
"أومال فين أمي؟"
أجابتها علية:
"أمك مع حريم العيلة بيچهزوا وكَل ليلتك يا عروسه."
فأكملت صباح بنبرة فخورة:
"أما اني حشيت لك شوية حمام بالفريك يا دكتورة، هتاكلي صوابع يدك وراهم إنتِ وقاسم."
ابتسمت لها بيأس حين تذكرت إتفاقها مع حبيبها ومتيم روحها، ورسمت بخيالها السيناريو لليلة دُخلتها البائسة.
وجهت الجَدة حديثها إلي صفا قائله بإستفسار:
"الست بتاعت الزِوَاج والحريم اللي وياها دول صحيوا يا صفا؟"
اطلقت صفا ضحكة لم تتمالك من كظمها، وسريعاً إستطاعت التحكم بها وأردفت مصححة لجدتها:
"إسمها ميكب أرتست يا چدتي،، والبنات اللي وياها دول يبجو الفريج المُساعد ليها."
وأكملت بنبرة جادة:
"علي العموم هما لساتهم نايمين لدلوك."
ضحك الجميع.
تحدثت صباح بنبرة حماسية:
"چِدتك جامت من الفجرية لچل ما تاچي تُجف مع أمك وهي بتجهز لك الوكل بتاع دُخلتك، ولچل ورد متحسش إنها لوحدها في يوم زي دي."
وأكملت عليه بنبرة دُعابية وهي تنظر إلي زيدان المُبتسم:
"إنتِ بيخيل عليكي الحديت دي بردك يا صباح، أمك عملتها حِجة لچل ما تاچي تُجعد چنب دلوع عِينها اللصغِير ويرچعوا الماضي اللي كان."
ضحك الجميع.
تحدثت رسمية وهي تنهرها:
"إتحشمي يا علية وخلصي وكلك إنتِ وأختك وإطلعوا شوفوا مرت أخوكم تلاجيها مِحتاسة لوحديها في المطبخ."
تحدثت بإمتنان وهي تتبادل النظر بين جدتها وعماتها:
"ربنا يبارك لي في عُمركم وما يحرمني منكم أبداً."
ثم حولت بصرها إلي عمها وتحدثت بترحاب:
"كيفك يا عميا؟"
أجابها ببشاشة وجه قائلاً بإطمئنان:
"الحمد لله يا بِتي، كِيف صحتك دالوك؟"
أجابته بشكر:
"الحمد لله بخير."
ثم جلست بجانب والدها الذي نظر إليها وتساءل بحنان:
"كيفك دالوك يا جلبي؟"
أجابته إبتسامتها وأردفت لتطمانتهُ وهي تُقبل يده:
"بخير الحمد لله يا أبويت."
تحدثت علية وهي تُشير إليها إلي الطعام:
"يلا آُفطِري يا صفا لچل ما تاخدي علاچك عشان ما يحصلكيش كيف اللي حُصل لك إمبارحه."
هزت رأسها بنفي قائلة:
"مجدراش يا عمه، مليش نفس للوكل."
نظرت لها الجَدة وتحدثت بإصرار:
"كلام إيه دي يا عروسه، لازمن تاكلي لچل ما تُصلبي طولك وتتجوي، لساته اليوم طويل ومحتاچ منيكي الجوة."
أومأت لها برأسها وبدأت بتناول الطعام مُتغصبة علي حالها لأجل إرضاء أحبائها. وبدأت تتحدث بمرح كعادتها وتفرق الإبتسامات على وجوه الجميع، برغم ألمها المُميت الساكن روحها بسبب إتمام زيجتها التي حلُمت بها كثيراً، ولكنها لم تأتي كما تمنتها.
احتفظت بحُزنها لحالها كي لا تُحزن قلوب أحبائها الغوالي، وبالاخص والدها الحبيب ووالدتها الحنون.
تلفتت حولها وتساءلت مُستفسرة:
"أومال فين أمي؟"
أجابتها علية:
"أمك مع حريم العيلة بيچهزوا وكَل ليلتك يا عروسه."
فأكملت صباح بنبرة فخورة:
"أما اني حشيت لك شوية حمام بالفريك يا دكتورة، هتاكلي صوابع يدك وراهم إنتِ وقاسم."
ابتسمت لها بيأس حين تذكرت إتفاقها مع حبيبها ومتيم روحها، ورسمت بخيالها السيناريو لليلة دُخلتها البائسة.
وجهت الجَدة حديثها إلي صفا قائله بإستفسار:
"الست بتاعت الزِوَاج والحريم اللي وياها دول صحيوا يا صفا؟"
اطلقت صفا ضحكة لم تتمالك من كظمها، وسريعاً إستطاعت التحكم بها وأردفت مصححة لجدتها:
"إسمها ميكب أرتست يا چدتي،، والبنات اللي وياها دول يبجو الفريج المُساعد ليها."
وأكملت بنبرة جادة:
"علي العموم هما لساتهم نايمين لدلوك."
ضحك الجميع.
تحدثت صباح بنبرة حماسية:
"چِدتك جامت من الفجرية لچل ما تاچي تُجف مع أمك وهي بتجهز لك الوكل بتاع دُخلتك، ولچل ورد متحسش إنها لوحدها في يوم زي دي."
وأكملت عليه بنبرة دُعابية وهي تنظر إلي زيدان المُبتسم:
"إنتِ بيخيل عليكي الحديت دي بردك يا صباح، أمك عملتها حِجة لچل ما تاچي تُجعد چنب دلوع عِينها اللصغِير ويرچعوا الماضي اللي كان."
ضحك الجميع.
تحدثت رسمية وهي تنهرها:
"إتحشمي يا علية وخلصي وكلك إنتِ وأختك وإطلعوا شوفوا مرت أخوكم تلاجيها مِحتاسة لوحديها في المطبخ."
تحدثت بإمتنان وهي تتبادل النظر بين جدتها وعماتها:
"ربنا يبارك لي في عُمركم وما يحرمني منكم أبداً."
ثم حولت بصرها إلي عمها وتحدثت بترحاب:
"كيفك يا عميا؟"
أجابها ببشاشة وجه قائلاً بإطمئنان:
"الحمد لله يا بِتي، كِيف صحتك دالوك؟"
أجابته بشكر:
"الحمد لله بخير."
ثم جلست بجانب والدها الذي نظر إليها وتساءل بحنان:
"كيفك دالوك يا جلبي؟"
أجابته إبتسامتها وأردفت لتطمانتهُ وهي تُقبل يده:
"بخير الحمد لله يا أبويت."
تحدثت علية وهي تُشير إليها إلي الطعام:
"يلا آُفطِري يا صفا لچل ما تاخدي علاچك عشان ما يحصلكيش كيف اللي حُصل لك إمبارحه."
هزت رأسها بنفي قائلة:
"مجدراش يا عمه، مليش نفس للوكل."
نظرت لها الجَدة وتحدثت بإصرار:
"كلام إيه دي يا عروسه، لازمن تاكلي لچل ما تُصلبي طولك وتتجوي، لساته اليوم طويل ومحتاچ منيكي الجوة."
أومأت لها برأسها وبدأت بتناول الطعام مُتغصبة علي حالها لأجل إرضاء أحبائها. وبدأت تتحدث بمرح كعادتها وتفرق الإبتسامات على وجوه الجميع، برغم ألمها المُميت الساكن روحها بسبب إتمام زيجتها التي حلُمت بها كثيراً، ولكنها لم تأتي كما تمنتها.
احتفظت بحُزنها لحالها كي لا تُحزن قلوب أحبائها الغوالي، وبالاخص والدها الحبيب ووالدتها الحنون.
تلفتت حولها وتساءلت مُستفسرة:
"أومال فين أمي؟"
أجابتها علية:
"أمك مع حريم العيلة بيچهزوا وكَل ليلتك يا عروسه."
فأكملت صباح بنبرة فخورة:
"أما اني حشيت لك شوية حمام بالفريك يا دكتورة، هتاكلي صوابع يدك وراهم إنتِ وقاسم."
ابتسمت لها بيأس حين تذكرت إتفاقها مع حبيبها ومتيم روحها، ورسمت بخيالها السيناريو لليلة دُخلتها البائسة.
وجهت الجَدة حديثها إلي صفا قائله بإستفسار:
"الست بتاعت الزِوَاج والحريم اللي وياها دول صحيوا يا صفا؟"
اطلقت صفا ضحكة لم تتمالك من كظمها، وسريعاً إستطاعت التحكم بها وأردفت مصححة لجدتها:
"إسمها ميكب أرتست يا چدتي،، والبنات اللي وياها دول يبجو الفريج المُساعد ليها."
وأكملت بنبرة جادة:
"علي العموم هما لساتهم نايمين لدلوك."
ضحك الجميع.
تحدثت صباح بنبرة حماسية:
"چِدتك جامت من الفجرية لچل ما تاچي تُجف مع أمك وهي بتجهز لك الوكل بتاع دُخلتك، ولچل ورد متحسش إنها لوحدها في يوم زي دي."
وأكملت عليه بنبرة دُعابية وهي تنظر إلي زيدان المُبتسم:
"إنتِ بيخيل عليكي الحديت دي بردك يا صباح، أمك عملتها حِجة لچل ما تاچي تُجعد چنب دلوع عِينها اللصغِير ويرچعوا الماضي اللي كان."
ضحك الجميع.
تحدثت رسمية وهي تنهرها:
"إتحشمي يا علية وخلصي وكلك إنتِ وأختك وإطلعوا شوفوا مرت أخوكم تلاجيها مِحتاسة لوحديها في المطبخ."
تحدثت بإمتنان وهي تتبادل النظر بين جدتها وعماتها:
"ربنا يبارك لي في عُمركم وما يحرمني منكم أبداً."
ثم حولت بصرها إلي عمها وتحدثت بترحاب:
"كيفك يا عميا؟"
أجابها ببشاشة وجه قائلاً بإطمئنان:
"الحمد لله يا بِتي، كِيف صحتك دالوك؟"
أجابته بشكر:
"الحمد لله بخير."
ثم جلست بجانب والدها الذي نظر إليها وتساءل بحنان:
"كيفك دالوك يا جلبي؟"
أجابته إبتسامتها وأردفت لتطمانتهُ وهي تُقبل يده:
"بخير الحمد لله يا أبويت."
تحدثت علية وهي تُشير إليها إلي الطعام:
"يلا آُفطِري يا صفا لچل ما تاخدي علاچك عشان ما يحصلكيش كيف اللي حُصل لك إمبارحه."
هزت رأسها بنفي قائلة:
"مجدراش يا عمه، مليش نفس للوكل."
نظرت لها الجَدة وتحدثت بإصرار:
"كلام إيه دي يا عروسه، لازمن تاكلي لچل ما تُصلبي طولك وتتجوي، لساته اليوم طويل ومحتاچ منيكي الجوة."
أومأت لها برأسها وبدأت بتناول الطعام مُتغصبة علي حالها لأجل إرضاء أحبائها. وبدأت تتحدث بمرح كعادتها وتفرق الإبتسامات على وجوه الجميع، برغم ألمها المُميت الساكن روحها بسبب إتمام زيجتها التي حلُمت بها كثيراً، ولكنها لم تأتي كما تمنتها.
احتفظت بحُزنها لحالها كي لا تُحزن قلوب أحبائها الغوالي، وبالاخص والدها الحبيب ووالدتها الحنون.
تلفتت حولها وتساءلت مُستفسرة:
"أومال فين أمي؟"
أجابتها علية:
"أمك مع حريم العيلة بيچهزوا وكَل ليلتك يا عروسه."
فأكملت صباح بنبرة فخورة:
"أما اني حشيت لك شوية حمام بالفريك يا دكتورة، هتاكلي صوابع يدك وراهم إنتِ وقاسم."
ابتسمت لها بيأس حين تذكرت إتفاقها مع حبيبها ومتيم روحها، ورسمت بخيالها السيناريو لليلة دُخلتها البائسة.
وجهت الجَدة حديثها إلي صفا قائله بإستفسار:
"الست بتاعت الزِوَاج والحريم اللي وياها دول صحيوا يا صفا؟"
اطلقت صفا ضحكة لم تتمالك من كظمها، وسريعاً إستطاعت التحكم بها وأردفت مصححة لجدتها:
"إسمها ميكب أرتست يا چدتي،، والبنات اللي وياها دول يبجو الفريج المُساعد ليها."
وأكملت بنبرة جادة:
"علي العموم هما لساتهم نايمين لدلوك."
ضحك الجميع.
تحدثت صباح بنبرة حماسية:
"چِدتك جامت من الفجرية لچل ما تاچي تُجف مع أمك وهي بتجهز لك الوكل بتاع دُخلتك، ولچل ورد متحسش إنها لوحدها في يوم زي دي."
وأكملت عليه بنبرة دُعابية وهي تنظر إلي زيدان المُبتسم:
"إنتِ بيخيل عليكي الحديت دي بردك يا صباح، أمك عملتها حِجة لچل ما تاچي تُجعد چنب دلوع عِينها اللصغِير ويرچعوا الماضي اللي كان."
ضحك الجميع.
تحدثت رسمية وهي تنهرها:
"إتحشمي يا علية وخلصي وكلك إنتِ وأختك وإطلعوا شوفوا مرت أخوكم تلاجيها مِحتاسة لوحديها في المطبخ."
تحدثت بإمتنان وهي تتبادل النظر بين جدتها وعماتها:
"ربنا يبارك لي في عُمركم وما يحرمني منكم أبداً."
ثم حولت بصرها إلي عمها وتحدثت بترحاب:
"كيفك يا عميا؟"
أجابها ببشاشة وجه قائلاً بإطمئنان:
"الحمد لله يا بِتي، كِيف صحتك دالوك؟"
أجابته بشكر:
"الحمد لله بخير."
ثم جلست بجانب والدها الذي نظر إليها وتساءل بحنان:
"كيفك دالوك يا جلبي؟"
أجابته إبتسامتها وأردفت لتطمانتهُ وهي تُقبل يده:
"بخير الحمد لله يا أبويت."
تحدثت علية وهي تُشير إليها إلي الطعام:
"يلا آُفطِري يا صفا لچل ما تاخدي علاچك عشان ما يحصلكيش كيف اللي حُصل لك إمبارحه."
هزت رأسها بنفي قائلة:
"مجدراش يا عمه، مليش نفس للوكل."
نظرت لها الجَدة وتحدثت بإصرار:
"كلام إيه دي يا عروسه، لازمن تاكلي لچل ما تُصلبي طولك وتتجوي، لساته اليوم طويل ومحتاچ منيكي الجوة."
أومأت لها برأسها وبدأت بتناول الطعام مُتغصبة علي حالها لأجل إرضاء أحبائها. وبدأت تتحدث بمرح كعادتها وتفرق الإبتسامات على وجوه الجميع، برغم ألمها المُميت الساكن روحها بسبب إتمام زيجتها التي حلُمت بها كثيراً، ولكنها لم تأتي كما تمنتها.
احتفظت بحُزنها لحالها كي لا تُحزن قلوب أحبائها الغوالي، وبالاخص والدها الحبيب ووالدتها الحنون.
تلفتت حولها وتساءلت مُستفسرة:
"أومال فين أمي؟"
أجابتها علية:
"أمك مع حريم العيلة بيچهزوا وكَل ليلتك يا عروسه."
فأكملت صباح بنبرة فخورة:
"أما اني حشيت لك شوية حمام بالفريك يا دكتورة، هتاكلي صوابع يدك وراهم إنتِ وقاسم."
ابتسمت لها بيأس حين تذكرت إتفاقها مع حبيبها ومتيم روحها، ورسمت بخيالها السيناريو لليلة دُخلتها البائسة.
وجهت الجَدة حديثها إلي صفا قائله بإستفسار:
"الست بتاعت الزِوَاج والحريم اللي وياها دول صحيوا يا صفا؟"
اطلقت صفا ضحكة لم تتمالك من كظمها، وسريعاً إستطاعت التحكم بها وأردفت مصححة لجدتها:
"إسمها ميكب أرتست يا چدتي،، والبنات اللي وياها دول يبجو الفريج المُساعد ليها."
وأكملت بنبرة جادة:
"علي العموم هما لساتهم نايمين لدلوك."
ضحك الجميع.
تحدثت صباح بنبرة حماسية:
"چِدتك جامت من الفجرية لچل ما تاچي تُجف مع أمك وهي بتجهز لك الوكل بتاع دُخلتك، ولچل ورد متحسش إنها لوحدها في يوم زي دي."
وأكملت عليه بنبرة دُعابية وهي تنظر إلي زيدان المُبتسم:
"إنتِ بيخيل عليكي الحديت دي بردك يا صباح، أمك عملتها حِجة لچل ما تاچي تُجعد چنب دلوع عِينها اللصغِير ويرچعوا الماضي اللي كان."
ضحك الجميع.
تحدثت رسمية وهي تنهرها:
"إتحشمي يا علية وخلصي وكلك إنتِ وأختك وإطلعوا شوفوا مرت أخوكم تلاجيها مِحتاسة لوحديها في المطبخ."
تحدثت بإمتنان وهي تتبادل النظر بين جدتها وعماتها:
"ربنا يبارك لي في عُمركم وما يحرمني منكم أبداً."
ثم حولت بصرها إلي عمها وتحدثت بترحاب:
"كيفك يا عميا؟"
أجابها ببشاشة وجه قائلاً بإطمئنان:
"الحمد لله يا بِتي، كِيف صحتك دالوك؟"
أجابته بشكر:
"الحمد لله بخير."
ثم جلست بجانب والدها الذي نظر إليها وتساءل بحنان:
"كيفك دالوك يا جلبي؟"
أجابته إبتسامتها وأردفت لتطمانتهُ وهي تُقبل يده:
"بخير الحمد لله يا أبويت."
تحدثت علية وهي تُشير إليها إلي الطعام:
"يلا آُفطِري يا صفا لچل ما تاخدي علاچك عشان ما يحصلكيش كيف اللي حُصل لك إمبارحه."
هزت رأسها بنفي قائلة:
"مجدراش يا عمه، مليش نفس للوكل."
نظرت لها الجَدة وتحدثت بإصرار:
"كلام إيه دي يا عروسه، لازمن تاكلي لچل ما تُصلبي طولك وتتجوي، لساته اليوم طويل ومحتاچ منيكي الجوة."
أومأت لها برأسها وبدأت بتناول الطعام مُتغصبة علي حالها لأجل إرضاء أحبائها. وبدأت تتحدث بمرح كعادتها وتفرق الإبتسامات على وجوه الجميع، برغم ألمها المُميت الساكن روحها بسبب إتمام زيجتها التي حلُمت بها كثيراً، ولكنها لم تأتي كما تمنتها.
احتفظت بحُزنها لحالها كي لا تُحزن قلوب أحبائها الغوالي، وبالاخص والدها الحبيب ووالدتها الحنون.
تلفتت حولها وتساءلت مُستفسرة:
"أومال فين أمي؟"
أجابتها علية:
"أمك مع حريم العيلة بيچهزوا وكَل ليلتك يا عروسه."
فأكملت صباح بنبرة فخورة:
"أما اني حشيت لك شوية حمام بالفريك يا دكتورة، هتاكلي صوابع يدك وراهم إنتِ وقاسم."
ابتسمت لها بيأس حين تذكرت إتفاقها مع حبيبها ومتيم روحها، ورسمت بخيالها السيناريو لليلة دُخلتها البائسة.
وجهت الجَدة حديثها إلي صفا قائله بإستفسار:
"الست بتاعت الزِوَاج والحريم اللي وياها دول صحيوا يا صفا؟"
اطلقت صفا ضحكة لم تتمالك من كظمها، وسريعاً إستطاعت التحكم بها وأردفت مصححة لجدتها:
"إسمها ميكب أرتست يا چدتي،، والبنات اللي وياها دول يبجو الفريج المُساعد ليها."
وأكملت بنبرة جادة:
"علي العموم هما لساتهم نايمين لدلوك."
ضحك الجميع.
تحدثت صباح بنبرة حماسية:
"چِدتك جامت من الفجرية لچل ما تاچي تُجف مع أمك وهي بتجهز لك الوكل بتاع دُخلتك، ولچل ورد متحسش إنها لوحدها في يوم زي دي."
وأكملت عليه بنبرة دُعابية وهي تنظر إلي زيدان المُبتسم:
"إنتِ بيخيل عليكي الحديت دي بردك يا صباح، أمك عملتها حِجة لچل ما تاچي تُجعد چنب دلوع عِينها اللصغِير ويرچعوا الماضي اللي كان."
ضحك الجميع.
تحدثت رسمية وهي تنهرها:
"إتحشمي يا علية وخلصي وكلك إنتِ وأختك وإطلعوا شوفوا مرت أخوكم تلاجيها مِحتاسة لوحديها في المطبخ."
تحدثت بإمتنان وهي تتبادل النظر بين جدتها وعماتها:
"ربنا يبارك لي في عُمركم وما يحرمني منكم أبداً."
ثم حولت بصرها إلي عمها وتحدثت بترحاب:
"كيفك يا عميا؟"
أجابها ببشاشة وجه قائلاً بإطمئنان:
"الحمد لله يا بِتي، كِيف صحتك دالوك؟"
أجابته بشكر:
"الحمد لله بخير."
ثم جلست بجانب والدها الذي نظر إليها وتساءل بحنان:
"كيفك دالوك يا جلبي؟"
أجابته إبتسامتها وأردفت لتطمانتهُ وهي تُقبل يده:
"بخير الحمد لله يا أبويت."
تحدثت علية وهي تُشير إليها إلي الطعام:
"يلا آُفطِري يا صفا لچل ما تاخدي علاچك عشان ما يحصلكيش كيف اللي حُصل لك إمبارحه."
هزت رأسها بنفي قائلة:
"مجدراش يا عمه، مليش نفس للوكل."
نظرت لها الجَدة وتحدثت بإصرار:
"كلام إيه دي يا عروسه، لازمن تاكلي لچل ما تُصلبي طولك وتتجوي، لساته اليوم طويل ومحتاچ منيكي الجوة."
أومأت لها برأسها وبدأت بتناول الطعام مُتغصبة علي حالها لأجل إرضاء أحبائها. وبدأت تتحدث بمرح كعادتها وتفرق الإبتسامات على وجوه الجميع، برغم ألمها المُميت الساكن روحها بسبب إتمام زيجتها التي حلُمت بها كثيراً، ولكنها لم تأتي كما تمنتها.
احتفظت بحُزنها لحالها كي لا تُحزن قلوب أحبائها الغوالي، وبالاخص والدها الحبيب ووالدتها الحنون.
تلفتت حولها وتساءلت مُستفسرة:
"أومال فين أمي؟"
أجابتها علية:
"أمك مع حريم العيلة بيچهزوا وكَل ليلتك يا عروسه."
فأكملت صباح بنبرة فخورة:
"أما اني حشيت لك شوية حمام بالفريك يا دكت
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الرابع عشر 14 - بقلم روز امين
دلفت مريم إلى الحفل وتحركت إلى المنضدة التي تلتف حولها والدتها وجدتها وليلي. وما أن شاهدتها طفلتها الباكية حتى أشارت إليها، فالتقطتها على الفور وهي تُقبلها بلهفة وتمسح على ظهرها بلمسات حنون كي تُهدأها.
تحدثت إليها حياة بنبرة لائمة: "أية يا بنتي التأخير ده كله؟ بنتك مبطلتش عياط وعمالة تسأل عليكِ."
تنفست عالياً ثم زفرت بضيق وتحدثت: "اسكتي يا أمّا على اللي حصل لي."
وبدأت بقص ما حدث عليها.
فتحدثت الجدة بحنان: "فداكي مية دبلة يا بتي، ولا يهمك من بكرة هخلي فارس يجيب لك أحسن منها."
ابتسمت بأسى حين تذكرت ذاك الفارس الذي لم يكترث لها من الأساس، حتى أنه وصل به الأمر أنه لم ينتبه لجاذبية ثوبها أو لون حجابها الرقيق.
شكرت جدتها وتنهدت بأسى.
ثم تحدثت إلى والدتها باستفهام: "هي صفا مخرجتش لحد دلوقتي ليه يا أمّا؟"
تحدثت ليلي بنبرة ساخرة متهمة: "تخرج كيف بنت ورد جبل ما الحاشية كلها تكتمل وتنتظر ظهور السلطانة على نار، وأول ما تدخل الكل يجف ويجدم لها فروض الولاء والطاعة."
انفلتت ضحكة عالية من مريم لم تستطع الإمساك بها، في حين رمقتها رسمية بنظرة مرعبة أخرستها وجعلتها تبتلع باقي ضحكتها وتكظمها.
ثم حولت بصرها إلى ليلي وتحدثت بنبرة حادة لائمة: "لحد متى هيفضل غلك ياكل في قلبك من ناحية بنت عمك يا بت قدري؟"
وأكملت بأسى وحديث ذي مغزى: "ولا يكونش ده وراثة هو كمان."
واسترسلت حديثها بنبرة معاتبة: "مش كفاياكي عاد لحد كده، البت بجت مرات أخوكي ولساتك الحقد مالي قلبك من ناحيتها ليه؟"
نظرت إلى جدتها بحدة وتحدثت بنبرة ساخطة: "القبول والمحبة بييجوا من عند ربنا يا جدة."
وأكملت بتهكم: "ولا تكونش هتجبرونا نحبها غصبن عنينا كمان؟"
أجابتها الجدة باقتضاب: "لا يا أم لسان متبري منكِ، بس على الأقل عامليها زين ومتبينيش كرهك وحقدك بالأوي كده."
واسترسلت حديثها بنبرة يكسوها بعض الندم: "بس خديها نصيحة من جدتك العجوزة يا بت ولدي، الحقد ما بيدمرش غير صاحبه، والجسوة بتموت القلوب، ويا ويلك لو القلب مات."
انتفضت من جلستها في إعلان منها عن رفض حديث جدتها، ووقفت غاضبة وتحدثت بنبرة ساخطة لكل ما حولها: "أنا فيتالكم المطرح بحاله، هروح أقعد جار أمي زمناتها محتاجة لجوارها بعد ما الكل سابها لحالها في ليلة فرح ولدها البكري."
وتحركت تحت نظرات رسمية ونجاة اليائسة من أفعال تلك الليلي التي ورثت حقدها على صفا وورد من والدتها.
وجهت نجاة حديثها إلى والدة زوجها لتهدئ من روعها بعدما استشفت حزنها الظاهر بعينيها: "هدي حالك يا مرت عمي، دي بت مطيورة ومعرفاش حالها بتجول إيه، بكرة تعجل وربنا يهديها وتعرف إنها دنيا متفاته وممستهلاش الكره دي كله."
❈-❈-❈
أما بالأعلى داخل الغرفة المتواجدة بها صفا.
انتهت لينا من وضع اللمسات الأخيرة لصفا وتحدثت بابتسامة: "يا دخيلو شو هالعروس اللي متل القمر، اسم الله عليكي بتجنني وبتاخدي العقل، وهلأ وقفي واتطلعي على حالك بالمراية."
كانت ترتدي ثوباً يشبه أثواب الأميرات في رقته ورُقيه، مرتدية حجاباً أنيقاً زادها فوق حسنها حسناً. وضعت لها لينا بعض مساحيق التجميل الهادئة وتفننت لتجعل من ملامحها الرقيقة لوحة فنية بديعة الصنع، مما جعلها كملاك بريء لا تمل العين من رؤياه.
ابتسمت لها بوهن واعتدلت ثم وقفت بالفعل وتطلعت إلى انعكاس صورتها بالمرآة، وبلحظة شعرت بمرارة داخل حلقها لم تشعر بمثيلها طيلة الخمسة وعشرين عاماً المنصرمة، وذلك بعدما رأت شدة جاذبيتها وجمالها الفتان التي شاهدته في انعكاس مرآتها.
تمنت لو أن لها الحق في الانهيار والتعبير عن ما تشعر به من مرارة، أرادت أن تصرخ ألماً بأعلى صوتها لتعلن للجميع عن مدى عمق جرحها النازف. ضغطت على حالها بأقصى ما عندها لتبقى ثابتة لأجل أحبتها.
نظرت لإنعكاسها وبدأت بحديث النفس المؤلم: "ماذا فعلت بدنيالي لحتى أجني حصادي بكل ذاك الوجع؟ أيُعقل أن تكون تلك هي ليلتي التي بت أحلم بها منذ نعومة أظافري؟ لما إلهي؟ وما الحكمة من وراء ما يجري معي؟ ما الذنب الذي اقترفته يدي لتذبح روحي وتندثر فرحتي أمام عيني هكذا؟"
ثم مالت برأسها قليلاً لليمين ومازالت ترى انعكاسها من خلال مرآتها. ومازال حديث النفس دائر.
"دائماً ما كنت أنتظر ليلتي تلك، ولطالما كنت أظنها حقاً ليلتي، ولطالما ظننت أن سعادتي بها ستتخطى عنان السماء، ولكني قد نسيت أن بعض الظن إثم كبير، وها أنا الآن أجني حصاد إثمي."
"ولكن!!! ما هو إثمي يا تُرى؟ أنا حقاً لا أعلمه! هل هو إثم خفي غير معلوم؟ أم أنه إرث عائلتي!!"
فاقت من شرودها على دخول ورد إليها التي أتت لتخبرها بأن أباها ينتظرها بالأسفل ليصطحبها للخارج، وبناءً عليه فإنها وجب عليها النزول.
وما أن رأتها ورد حتى انتفض داخلها بشدة من فرط سعادتها بفضل ما رأت، وبدون سابق إنذار أطلقت الزغاريد الرنانة لتنزل على قلب تلك الصفا وتشعرها بقمة سعادتها رغم ما بقلبها من خيبات وألم.
وقفت أمام ابنتها وتحدثت بعينان مبهورتان غير مصدقتان لما تراه أمامها: "الله أكبر يا دكتورة الله أكبر، حصوة في عين كل اللي شاف جمالك ولا صلى على سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم."
ابتسمت لوالدتها بسعادة حين رددن جميع الموجودات: "عليه أفضل الصلاة والسلام."
ثم تحدثت بنبرة حنون متأثرة برغبتها التي تلح عليها في البكاء لكنها تحاربها وبكل قوتها كي لا تؤثر على ابنتها: "مبروك يا جلب أمك."
أجابتها بحنان: "الله يبارك فيكِ يا أمّا، ربنا يخليكِ ليا إنتِ وأبوي."
ثم التفتت ورد ببصرها إلى تلك لينا التي تتجنبها خشية غضبها وحديثها القاسي وتحدثت بنبرة ودودة وابتسامة واسعة بمثابة اعتذار: "تسلم يدك يا مدام لينا، وحجك علي."
ابتسمت لها لينا وصفى قلبها سريعاً وتحدثت بابتسامة لطيفة: "ولو مدام ما تحكي هيك هيدا واجبي وشغلي، ألف مبروك للعروس، الله يهنيها ويسعدها."
تحركت صفا واتجهت إلى الدرج لتتدلى، وجدت والدها ينتظرها أسفل الدرج. وقفت أمامه تنظر إليه بنظرات ممزوجة بالخجل والاحتياج معاً. اتسعت عيناه بذهول عندما شاهد صغيرته أمامها بثوب زفافها الذي جعل منها حورية هبطت لتوها من الجنان. وما كان منه إلا أنه سحبها وأدخلها لأحضان، وبات يشدد عليها وكأنه يريد أن يشق ضلوعه ويخبأها بداخله.
مشاعر متناقضة اقتحمت كيان زيدان، حب، خوف، سعادة، غيرة، رغبة في البكاء. كم من المشاعر المختلفة تمكنت منه. تماسك من حاله كي لا تخونه عيناه وتسمح لدموعه الحبيسة بالانساب. لم يقو على إخراج صوته المكتوم فأشار لها بيده كي تتشابك يده وتتحرك.
ابتسمت بخفة وأطاعته بعدما قرأت بعينيه كل ما كان يجب أن يقال. تحركت بجانبه متجهة للخارج وخلفهما ورد التي كانت تشاهد ذاك المشهد الصعب على أي أب وتبكي بصمت كي لا يشعرا عليها ويلحقاها بالبكاء.
بالخارج تحدثت فايقة بضيق إلى ليلي: "هي السنيورة اتأخرت جوه ليه كده؟"
وما أن أنهت جملتها حتى استمعا إلى صوت الموسيقى يصدح ليعلن عن ظهور العروس بصحبة زيدان وخلفهما ورد.
وقفن جميعهن احتراماً لتلك اللحظة وبدأن بالتصفيق الحاد وإطلاق الزغاريد تعبيراً عن فرحتهم بابنة عائلتهم ونجعهم. انبهرن جميعهن بجمال صفا الهائل وباتن يتهامزن فيما بينهن بإعجاب. أوصلها زيدان إلى المكان المزّين والمخصص لجلوسها.
أحاط وجنتيها بكفيه بتملك ووضع قبلة فوق جبينها بقلب منفطر ثم انسحب سريعاً من أمامها ليغادر. وجد والدته تقف قبالته وتحدثت إليه بحنان وهي تمسك يده وتشدد عليها وكأنها تؤازره لتقول له بعينيها: أنا معك، وأشعر بما ينتابك من آلام مميتة. قبل يدها ومقدمة رأسها وبعدها انهالت عليه المباركات من شقيقتيه وأقربائه من نساء العائلة.
وتحرك سريعاً ليغادر فحقاً لم يعد لديه القدرة على احتمال الوضع أكثر. وما أن وصل لخارج حدود الاحتفال في طريقه إلى احتفال الرجال حتى أوقفه صوتها الهادر وهي تناديه بثبات: "زيدان."
التفت للخلف ونظر لها مضيق العينين مستغرباً حين تحدثت هي بنبرة شامتة ونظرة عين حادة كارهة: "مبروك لراحة جلب بنتك يا زيدان، بنتك الليلة هتنام وتخرج جوه حضن الراجل اللي ياما حلمت بيه وتمنته."
وأكملت بنبرة ساخرة: "لجل بس تعرف إني أحسن وأرجل منك، مهانش علي أكسر جلب بنتك العاشقة كيف إنت كسرتني وذلتني زمان."
وأكملت بنظرة حارقة: "لساتك فاكر يا زيدان ولا الزمن نساك جلب فايقة اللي حرقتيه ودست عليه بجسوتك وجبروتك؟"
كان يستمع إليها بذهول وتيه. أيعقل أن تظل متذكرة الماضي إلى الآن؟ يا لك من امرأة مريضة.
عاد بذاكرته للخلف.
منذ أكثر من ثلاثون عاماً مضت. كان ذاك الشاب الوسيم ذو الجسد الرجولي الذي بالكاد بلغ عامه الثامن عشر يفترش أرضاً بحديقة الفواكه الخاصة بوالده. رآها تأتي عليه من بعيد. تلك الفتاة الجميلة بضفائرها المجدولة الطويلة الظاهرة من تحت رابطة شعرها الصغيرة التي تعقدها من الخلف. ترتدي ثوباً واسعاً يهفهف من حولها وتتحرك إليه بدلال والعشق ينطق من داخل عينيها وهي تنظر لفارس أحلامها الوحيد. إنها فايقة، ابنة السابعة عشر من عمرها.
تحدثت إليه بنبرة ناعمة: "كيفك يا زيدان؟"
شملها بنظرة مستغربة وتساءل متعجباً: "فايقة؟ إيه اللي جابك هني في وقت الضهرية والطريق مقطوع كده؟"
نظرت إليه متلهفة وتساءلت: "خايف علي يا زيدان؟"
"طبعاً يا فايقة، مش بنت خالي وخطيبة أخوي." كانت تلك جملة نطقها بطلقائية زيدان، ولكنها نزلت على قلب تلك العاشقة شطرته لنصفين.
وتحدثت بنبرة حادة رافضة: "أنا مش خطيبة حد يا زيدان، وأنا جايه مخصوص هني لجل ما أتحدت وياك في الموضوع ده."
نظر لها بتتمعن منتظراً تكملة حديثها، فأكملت بتمرد: "أنا ما أريداش قدري يا زيدان، ما أحبهوش أنا ولا حتى بطيق أشم ريحه."
ثم جلست بجواره وعدم حياء وضعت كف يدها فوق يده وتحدثت وهي تنظر داخل عينيه بهيام: "أنا أحبك أنتَ يا زيدان، أعشقك من ساسي لراسي يا ولد عمتي."
نفض يدها سريعاً وانتفض من جلسته واقفاً كمن لدغته عقرب وتحدث بعيون غاضبة: "حديث إيه الفارغ اللي بتجوليه ده يا بت خالي، اتجننتي إياك؟"
وقفت لتقابله وتحدثت بحدة وصوت عالٍ: "اتجننت عشان بجولك أعشقك."
وأكملت بنفس نظرة العشق: "أيوه أعشقك وعاشجة التراب اللي رجلك بتخطي عليه يا حبيبي."
أجابها بعيون تطلق شزراً: "كنك اتجننتي صح، اعجل يا فايقة، إنتِ خطيبة أخوي الكبير اللي هيدخل عليكي بعد شهر من دلوك."
أجابته برفض قاطع: "وأنا ما أريدهوش يا زيدان، ما بطيقش ريحه بجولك، أبوك خطبني لقدري إكمني الكبيرة واختار بدور ليك عشان لساتها صغيرة، أنا هقول لأبوي إني ما أريداش قدري، واكيد جوز عمتي هيخطب له أي واحدة من بنات العيلة، وبكده قدري ومنتصر هيتجوزوا الشهر الجاي كيف ما عمي عثمان قرر."
وأكملت بشغف ظهر بعينيها: "بعدها أنت تطلب من أبوك يكلم أبوي ويطلب يدي، وإن كنت شايل هم عمي عتمان وخايف لميوافقش عشان رفضي لقدري، أنا عاملة حسابي وهقول لـ عمتي رسمية إني وإنتَ عشجانين بعض وأخليها تجمعنا بجوازنا."
كان يستمع إليها بذهول غير مصدق ما تسمعه أذناه ولا ما تراه عيناه وتحدث بعدم استيعاب: "أنا ما بصدقش حالي، معقول يطلع منك كل ده يا فايقة؟ ده إنتِ كمان مخططة لكل حاجة ومفايتكيش فوتة."
قاطعته وهتفت بلهفة: "ومستعدة أعمل أي حاجة لجل بس أوصل لك وأعيش في جنتك وجوه حضنك يا سيد الرجال."
وتساءلت بلهفة: "ها، جولت إيه يا زيدان؟"
أجابها بنبرة حادة: "جولت لا إله إلا الله محمد رسول الله، عودي يا بت الناس على بيتك وأنا إن كان علي هنسى كل التخاريف اللي جولتيها دي ومعقولش لحد واصل، ولازم تعرفي زين إن قدري أخوي سيد الرجال كلهُم ولو لفيتي الدنيا بحالها ما تلاقيش ضفرة."
"بس أنا أعشقك إنتَ وما أريداش حد غيرك يا زيدان." جملة قالتها باستعطاف.
"وأنا مش شايفاكي جدامي من الأساس." جملة قالها بعيون غاضبة.
وأكمل بنبرة صارمة: "ودلوقتي غوري من جدامي وروحي على بيتك جهزي حالك لدخلتك على قدري أخوي اللي صبايا النجاح كلهُم يتمنوه."
دمعت عيناها بتوسل وبسرعة البرق كانت ترمي داخل أحضانه وهي تلف ذراعيها حول عنقه في محاولة منها بالتشبث لتصعد إلى وجهه وذلك نتيجة طوله الفارع والذي يتخطاها بالكثير من السنتيمترات. لم يشعر بحاله إلا وهو يبعدها عنه ويزيحها بحدة ثم رفع يده ونزل بصفعة قوية فوق وجنتها كي تعود إلى وعيها، مما جعل رأسها تلتف للجهة الأخرى. تهاوت على أثرها حتى أنها وقعت أرضاً.
جحظت عيناها غير مصدقة لما جرى للتو. وضعت يدها تتلمس أصابع يده التي علمت بوجنتها. ثم رفعت وجهها ونظرت إليه بكره وحقد وتحدثت بنبرة يملؤها الغل: "خليك فاكر الجلم ده زين قوي يا زيدان، عشان هردُه لك الطاج عشرة، ورب الكعبة هردُه لك يا ولد عتمان النعماني."
وتحركت عائدة إلى منزلها وما أن دلفت حتى أخبرت والدتها أنها أصبحت جاهزة لزواجها من قدري. وبعد أقل من شهر تزوج قدري ومنتصر بنفس اليوم وبات زيدان يتجنب التعامل مع فايقة ويبتعد عنها وعن أي مكان يجمعهما قدر الإمكان لتجنب الشبهات.
أما هي فقد تحول عشقها الهائل لزيدان إلى منتهى الكره والحقد وأصبح كل همها في الحياة هو تدمير قلب زيدان بشتى الطرق، حتى أنها نقلت حقدها إلى قدري ونجحت بالفعل أن تجعل من قدري شخصاً حقوداً طامعاً يحقد على شقيقه ويكرهه بدون أسباب. لكن قدري شعر بأنها تكن لشقيقه شيئاً ما داخل صدرها، وذلك بعدما فضحتها عيناها التي ما زالت تشتاق رؤياه بتلهف رغم الكره الكبير.
عودة للحاضر.
نظر لها زيدان وتساءل بعيون مستغربة: "يااااه يا فايقة على سواد جلبك وحقدك، لساتك فاكرة لدلوقتي؟"
وضعت يدها على وجنتها وكأن ألم صفعتها ما زال مشتعلاً ولم ينتهِ إلى الآن وتحدثت بحقد: "عمري ما نسيت ولساتني عند وعدي ليك يا زيدان."
وتساءلت بابتسامة شامتة: "فاكر وعدي ليك يا زيدان ولا نسيته كيف ما نسيت وجع جلب فايقة؟"
ابتسم ساخراً وأردف قائلاً بنبرة متهكمة: "لما تتحدتي ويا زيدان النعماني تبجي تتكلمي على جدك يا فايقة."
وأكمل ناصحاً لها: "اعجل يا بت الناس واعملي حساب لعيالك اللي بجوا رجال يسدوا عين الشمس."
قاطعها بنظرة مقلة من شأنها وتحرك دون استئذان، فتحدثت بصوت مسموع إليها وهي تتبع أثره بعيون سعيدة ونبرة شامتة: "إضحك يا زيدان، بس الشاطر هو اللي بيضحك في الآخر، وأنا اللي بضحك من كل قلبي وأنا شايفة بتتقطع من الوجع على جرة جلب بنتك الوحيدة وإنتَ واقف تتفرج عليها وهي بتموت بالبطيء قدام عينيك."
وتحركت إلى الداخل من جديد.
❈-❈-❈
بعد مرور مدة كبيرة من الوقت قضتها صفا جالسة فوق مقعدها المزّين والمخصص لها وكأنها ملكة تجلس على عرشها في يوم تتويجها. دلفت إليها قاسم بصحبة فارس وزيدان لكي يقدم لها شبكتها ويلبسها إياها أمام العلن كما هو العرف المتبع بنجع النعماني.
كان يتحرك بجانب عمه وشقيقه بهيئة خطفت أبصار جميع الموجودات، رافعاً قامته لأعلى بطوله الفارع وجسده الرياضي الممشوق، ناهيك عن شياكته وجاذبيته التي لا تقاوم، حيث كان يرتدي حلة سوداء برابطة عنق باللون القرمزي، ويعتلي كتفيه عباءة باللون البني قد أهداه عتمان إياها خصيصاً لذاك اليوم.
كان يشبه أمير الأساطير حقاً بطلته تلك.
تحرك في طريق الوصول إليها مع إطلاق الزغاريد المهنئة من النساء اللواتي اصطفين على جوانب الصفين ينظرن عليه ويتطلعن على حسنه ورجولته.
كان يتحرك وينظر إلى مقعدها متلهفاً شغوفاً لرؤيتها وهي بثوب زفافها، لكن وجود والدتها وعماتها أمامها حجب عنهُ رؤيتها. وما أن اقترب حتى ابتعدت الواقفات ليفسحن له المجال. وأزيح الستار من أمام عينيه ليظهر له وجهها البهي وكأنه قمراً منيراً يشع ضياءً ويطغى بريقه بإشراق ليضيء المكان ويطفو عليه بسحر وجاذبية.
تسمر بوقفته حين نظر إليها، أسرته بجمالها الأخاذ وعينيها الساحرة خاطفة قلوب العشاق بهلئتها الأولى. شعر بشيء غريب يحدث داخله، هزة عنيفة اقتحمت قلبه فزلزلته. رعشة سرت بداخله بالكامل. رغبة ملحة تطالبه بسحبها لداخل أحضانه واشمام عبيرها. نظر برغبة لشفاهها المنتفخة بلونها القرمزي المميز والتي تشبه حبة الكرز الناضجة وتنتظر متذوقها. ومن غيره سيتذوقها ويغوص بها ليأكلها بتلذذ واستمتاع. ابتلع ريقه حين رفع ببصره وهو يدقق النظر داخل عينيها الزرقاوين الصافيتين كمياه البحر.
وما كان حالها ببعيد عنه، بل على العكس كانت تزيد عليه وتتخطاه بالعديد من المراحل.
☆ إنه العشق يا سادة ☆
نظرت لداخل عينيه وجدت بهما إعجاباً لا، ليس إعجاباً بل هو انبهار وسحر بكل ما تحمله الكلمة من معنى عميق. تمنت لو أن لها الحق في أن تنتفض من جلستها وتلقي بحالها داخل أحضانه والتي طالما حلمت بها وتمنت.
أخرجهما مما هما عليه صوت صباح التي صدح بإطلاق الزغاريد المتتالية وهي تتحدث وتجذبه من يده ليجلس بجانب عروسه الجميلة: "تعالي لبس عروستك الشبكة يا قاسم."
استجمع حاله وتحمحم بشدة لينظف حنجرته ثم نظر إلى عينيها ومد يده إليها ليحتضن بها كفها الرقيق ويتلمسه بنعومة أذابت جسدها ثم أردف قائلاً بنبرة هادئة: "مبروك يا صفا."
ابتلعت لعابها وأجابته بنعومة وهي تسحب بصرها عنه خجلاً: "الله يبارك فيكِ."
تحدث زيدان وهو ينظر إلى قاسم ليحثه على التسرع: "يلا يا قاسم لبسها شبكتها بسرعة لجل ما تطلع على شجتها عشان ترتاح، يومها كان طويل والجو بدأ يبرد."
أكدت على حديثه عليه التي تحدثت بنبرة قلقة على ابنة غاليها: "أيوه يا ولدي الله يرضى عليك خلص وطلعها لشجتها حاكم الحريم كلهن بعينيهن اللي تندب فيها رصاصة."
أومأ لهما برأسه وجلس بجانبها حين أمسكت ورد علبة من بين أربعة علب مليئة بالذهب البندقي الخالص التي حظيت بها صفا كهدايا. بعضها كشبكتها من قاسم التي اختارتها هي بنفسها بصحبته مغصوباً، وبعضها هدية من جدتها رسمية والبعض من والدها زيدان.
أمسك قاسم عقداً قصيراً وجهزه لوضعه حول عنقها حين استدارت هي بظهرها لتعطيه المجال واقترب هو منها كثيراً حتى أنه التصق بها فقشعر بدنها سريعاً وانتفضت فضحكت ورد وصباح عليها. أما هو فقرب شفتيه من أذنها وهمس لتهدئتها: "إهدي يا صفا ومتخافيش."
انتفض داخلها وثار عليها وكادت أن تفقد وعيها من مجرد همسه داخل أذنها، وكرر تلك العملية مراراً. ثم جاء دور خاتم الخطبة الذي يجب أن يتم نقله من اليد اليمنى إلى اليسرى حسب العرف السائر.
ارتجفت يدها بمجرد لمسته، لكنه أخرجها من حدة صوته وهو يتحدث بتملل لكثرة ما تبقى من ذهب يجب عليه إلباسها إياه: "خلاص يا جماعة كفاية اللي لبسته لحد دلوقتي."
وأكمل وهو يشير إلى العلتين المتبقيتين بضجر: "ملوش لزوم الباقي ده كله، مهنعرضوش إحنا جدام الخلق."
تحدثت إليه صباح باعتراض: "مهينفعش يا قاسم، لازم تلبس عروستك كل الدهب وإلا هيبقى فال شؤم، وبعدين لجل ما حريم النجاح يشوفوا دهب بنت زيدان النعماني زينة."
هتف بنبرة صارمة معترضاً على تلك العادات البالية: "وأنا جولت كفاية لحد كده يعني كفاية يا عمة."
غضبت صفا وحزنت داخلها من تملله وفسرت اعتراضه على تلك العادات أنه مل من تواجده بجوارها ولم يطق الجلوس ولمسها أكثر. وما زاد الطين بلة ما تفوهت به عمتها عليه قائلة بنبرة ملامة خشية من مهاترات الحاضرات: "وه يا ولدي، اللي يشوفك يجول عليك مش طايج الجعدة جار عروستك،" وأكملت وهي تضحك غير مبالية بتلك المذبوحة: "ده الشاب من دول ما بيصدق يمسك يد عروسته ويجعد يتلكك لجل ميطول الجعدة جارها،" وأكملت وهي تحثه: "يلا أومال يا عريس لبسها باقي الشبكة."
زفر بضيق لعدم تقبله تلك المراسم والعادات العجيبة وأيضاً كان يخشى عليها من تحملها لثقل وزن الذهب بيديها وعنقها، فأمسك يدها وتحدثت بضيق موجهاً حديثه إلى عمته: "خلصينا يا عمة وناوليني الدهب اللي فاضل."
استشاط داخلها واشتعلت النيران بقلبها من جراء تقليل شأنها أمام عمتيها والجميع وهذا ما وصلها من حديثه المهين. وما شعرت بحالها إلا وهي تسحب يدها من بين راحتيه بشدة وعنف وهي تهتف بنبرة غاضبة: "بعد يدك، خلصنا خلاص ما أريداش ألبس حاجة تاني وكفيانا جلة قيمة ومسخرة لحد كده."
قطب جبينه ورمقها بنظرة غاضبة وكاد أن يتحدث. أسكته صوت زيدان الذي كان يستدعي المصورة الفوتوغرافية التابعة لتنظيم الحفل، ولم يسعه الحظ لكي يرى حرب العيون ورمي القذائف الكلامية التي حدثت بين صفا وقاسم منذ القليل.
وتحدث زيدان بابتسامة حانية: "يلا يا أولاد لجل ما تاخدوا لكم كام صورة مع بعض للذكرى."
رفعت قامتها للأعلى حين تحدثت تلك الفتاة القاهرية قائلة: "ممكن يا عريس تاخد عروستك وتتفضل معايا في الركن اللي مجهزينه علشان الفوتوسيشن."
"أنا شايفة إنه ملوش لزوم للفوتوسيشن من الأساس." جملة تفوهت بها صفا بملامح وجه مقتضبة.
تمالك من حاله لأبعد حد كي لا ينفجر بها لحدتها وطريقتها الساخرة لإدارة الحوار. وأيضاً إحتراماً لعمه وزوجته التي طالما عاملاه كابن لهما.
رسم ابتسامة مزيفة فوق شفتيه وتحدث بهدوء جاهد في إخراجة: "كيف يعني ملوش لزوم؟" وأكمل بابتسامة سمجة ليستحضر غضبها، يبدو وكأنه أعجبه غضبها العارم الذي يجعل منها كقطة شرسة لذيذة تشعره بالتسلي والتلذذ: "دي الليلة ليلتك يا عروسة ولازم نخلعوكِ على الآخر."
ابتلعت لعابها من هيئته التي وبرغم غضبها العارم منه إلا أنه ما زال فارس أحلامها. مال كيانها التي تتناسى حالها في حضرته ويذوب قلبها عشقاً من مجرد نظرة رضا داخل عينيه.
وقف هو مهندماً ملابسه وربط زر حلته ثم بكل وسامة وجاذبية بسط ذراعه باتجاهها وفرد كف يده ناظراً إليها في دعوة صريحة لإصطحابها. وما كان منها إلا أنها بسطت يدها واضعة كفها الرقيق بين راحتيه وهي ناظرة لعينيه كمسحورة بجسد متخدر منوم منساق معه.
رفع يدها لأعلى ليحثها على النهوض فوقفت قبالته مسلوبة الإرادة وتحرك بها إلى حيث المكان المخصص لهما لجلسة التصوير.
تحركت بجانبه ووقفا حيث مكانهما المخصص. وضع ذراعه حول خصرها ونظر داخل عينيها وذلك حسب ما طلبته منه المصورة.
غاص بعينيها وأردف قائلاً بعيون مسحورة: "يخربيت جمال عينيكي، كيف مشفتش لونهم اللي كيف موج البحر دي جبل كده."
"ومين اللي ضحك عليك وفهمك إنك هتشوف من الأساس يا متر." جملة ساخرة تفوهت بها صفا لتحرق روحه وترد له بعضاً من إهانته لها.
كظم غيظه من حديثها وتوعد لها من بين أسنانه: "جولت لك جبل سابج لسانك سليط، ووعد مني قطعة هيكون على يدي يا بت زيدان."
ابتسمت ساخرة من حديثه مما استشاط غضبه.
تحدثت المصورة إليهما: "يا ريت نبدل الوضع يا عرسان وبلاش كلام لو سمحتم واهتموا بالنظرات أكتر."
وقف خلفها وجذبها بعنف حتى التصق بجسدها مما جعلها تهتز منتفضة. قرب فمه من أذنها وهمس بوقاحة: "للدرجة دي هيهزك قربي منكِ وممتحملهاش."
استشاط داخلها وتحدثت بنبرة حادة: "إنت قليل الأدب."
قهقه برجولة وهمس من جديد بأذنها: "قليل الأدب اللي على حج هوريهولك فوق في شجتنا يا عروسة، متستعجليش على رزقك كده."
ثم لفها من جديد وأمسك كف يدها ليأخذا وضعاً آخر لاتخاذ صورة أخرى.
ابتلعت لعابها وانتفض جسدها رعباً إثر تلميحاته الوقحة.
أما ذلك العاشق المذبوح المسمى بفارس الذي سُجن داخل حكاية غرامه الفائت. فاتخذ من الصمت والحزن مسكنه الجديد. نظر بعينان مستسلمتان وقلب يصرخ ألماً وروحاً تئن وجعاً. على من ملكت روحه واستحوذت على كيانه كاملاً. حين بادلته تلك المتيمة نظراته بأخرى صارخة متألمة. إنها "أشجان" ابنة خالته بدور التي لم ولن يجد لها البديل بحياته. حتى وبعد أن تزوج وأنجب طفلته الجميلة إلا أن دائماً "للقلب أحكام".
وما كان حالها أفضل منه فقد شعرت بانتفاضة داخل قلبها ورعشة سرت بجسدها بالكامل من مجرد نظراته. وبرغم أنها تزوجت رغماً عنها من ابن عمتها إلا أنها ما زالت تتنفسه عشقاً. تزوجت وحملت في جنينها الأول وأنجبته عن قريب.
نظرت إليه وأمالت برأسها قليلاً وحدثته داخل نفسها: "أسعيد أنت لما وصلنا إليه بفضل ضعفك واستسلامك؟ لما تركتني يا فارس، لما لم تتمسك بي كما كنت دائماً توعدني، أولم تقل لي لم أتركك مهما حدث؟ ما الذي حدث يا رجل حتى تسحب عهدك لي؟"
كان يصرخ ألماً من نظراتها الملامة التي جعلته يشعر بعجز مهين لرجولته.
فقط ليس هما من يتألمان وحدهما. كانت عيونها تراقب لقاء السحاب هذا بقلب يتمزق ألماً. إنها عيون مريم التي تتمزق من الجهتين. السبب الأول وهو زوجها الذي لم يوليها أي اهتمام منذ أن تزوجها وإلى الآن. وعشقه الهائل لابنة خالته الذي ما زال يستولي على قلبه بالكامل وذلك ما استشفته للتو من بين نظراته المتلهفة لها. وما بين اعتقادها أنها لو تزوجت قاسم كانت ستحيي حياة طيبة على الأقل أن قاسم لم توجد بحياته امرأة أخرى كفارس. وهذا ما تعتقده هي إلى الآن.
انتهت جلسة التصوير الخاصة بالعروسين وتحرك بها قاسم متجهاً إلى المنزل كي تصعد هي إلى مسكنها الجديد ويعود هو إلى الاحتفال الخاص بالرجال الذي سيطول ما يتجاوز الساعة.
كانت تتحرك بجانبه متشابكة الأيدي معه وعلى الجانب الآخر تتمسك بيد أبيها الحنون ومن خلفهم جميع نساء العائلة اللواتي يزفنه بالأغاني التراثية المتوارثة لديهم.
وما أن اقتربوا من بوابة المنزل حتى وقفت الجدة وتحدثت إلى نساء النجع والعائلة بوجه صارم وهي تشير بيدها للأعلى: "بكفايكم لحد كده، شرفتونا ونورتونا وعقبال عنديكم كلكم، يلا كل واحدة على دارها لجل ما العرسان يرتاحوا."
أومأت لها جميع الحاضرات وقاموا بإطلاق الزغاريد بحفاوة ثم انطلقن كلهن على دارها. وكاد قاسم أن يتحرك بجانب صفا إلى الداخل أوقفته الجدة قائلة بنبرة حادة: "وإنتَ كمان يا قاسم بكفاك لحد هني، سيب صفا مع أمها تطلعها الشقة وتطمن عليها براحتها وإنتَ عاود مع عمك زيدان لفرح الرجال، زمان الضيوف بيسألوا عليكم."
هز لها رأسه بموافقة ودلفت صفا بجانب ورد التي أمسكتها من يدها وعمتيها ونجاة وفايقة. أما الجدة فما زالت واقفة بجوار قاسم وزيدان وفارس الذي لازم شقيقه ولم يتركه وحيداً في ليلته.
وكاد قاسم أن يتحرك أوقفه زيدان قائلاً: "إستنى يا قاسم، عايزك في كلمتين."
نظر لهم فارس واستأذن منهم وتحرك عائداً إلى الحفل. ووقفت رسمية تتابع ما سيقال.
أمسك زيدان كتف قاسم وتحدث بعيون متوسلة: "أنا إنهاردة ما سلمتكش بنتي لا، أنا سلمتك روحي، حتة من قلبي، سلمتك أغلى حاجة في حياتي كلهُم، بنتي وبت عمري كله، جلب أبوها الزينة الغالية، خلي بالك عليها زين يا قاسم."
وأكمل بنبرة صادقة: "طول عمري وأنا بعتبرك كيف ابني اللي ما خلفتوش، وعارف إنك هتحبني كيف أبوك، بس لو حَج هتحب عمك زيدان صح وغالي عليك حط صفا جوه عينيك، من النهاردة إنتَ مش بس جوزها، لا، أنا عايزك تبقى أخوها وأبوها وخليلها وكل دنيتها."
وأكمل بنبرة مختنقة بعبرة وقفت بحلقه وتحجرت بعينيه امتثالاً لأوامر كرامته: "صفا غلبانة وملهاش لا أخ ولا أخت يا قاسم، عوضها وكون لها السند لجل ما أموت وأنا مطمن عليها يا ولدي."
وهنا نزلت دموع رسمية الأبية التي لم تذرفها من قبل حتى على أغلى الغوالي. نزلت تأثراً بحديث صغيرها الغالي التي حتى وإن أظهرت جحودها وغضبها عليه إلا أنه ما زال غاليها وصغيرها المفضل والمقرب إلى قلبها.
اقتربت منه وأمسكت كف يده وشددت عليها كدعم منها. سعد هو به وشعر براحة كبيرة عندما نظر لعينيه ورأى بهما نفس ذات نظرة الحب والحنان الذي افتقدهما لسنوات.
عاد بنظره مرة أخرى إلى قاسم الواقف متأثراً بتلك اللحظة وأكمل زيدان ومازال ممسكاً بكتف قاسم بكف يده مشدداً عليه واليد الأخرى تمسكها رسمية بدعم.
زيدان مطالباً قاسم بوعد وقسم: "أوعدني إنك هتحافظ على بنت عمك وتصونها وتحطها جوه عينيك يا ولدي."
انتفض داخل قاسم متأثراً بحديث عمه الصادق الذي وصله من بين نبراته الصادقة. خوف الأب على ابنته خشية من تقلبات الزمان. وما كان من قاسم إلا أنه أنزل كف عمه ومال عليه مقبلاً إياه باحترام وتحدث بتودد ووعد: "أوعدك يا عمي، وعد عليا إني عمري ما هجرحها ولا ههينها وهكون لها بعد ربنا وبعدك الأخ والسند."
وأكمل مبتسماً: "إطمن يا عمي."
ابتسم له وأردفت رسمية قائلة لتطمئن ولدها: "متجلقش على بنتك يا زيدان، أبوك اختار لها قاسم مخصوص عشان عارف إنه راجل صح وهيعرف يصونها ويحطها في حبى عنيه."
_____
أما بالداخل فمنذ أن دلفت صفا للداخل وتحركت بجانب ورد وعمتها متجهة إلى الدرج حتى أوقفتها فايقة التي سدت الدرج بجسدها وهي تقف وتضع يدها متحدثة بكبرياء: "يلا يا مرت ولدي، ميلي وطاطي راسك وخطي من تحت يدي لجل ما أرضى عنيكي وتكوني تحت طوعي."
جحظت أعين صباح التي تحدثت بحدة ناهية إياها: "كنك اتجننتي يا مرة، بجا عايزة الدكتورة صفا بجلالة قدرها تميل وتخطي من تحت دراعاتك؟"
هتفت ليلي وهي تربّع ساعديها وتضعهما أمام صدرها: "وهي عشان بجت دكتورة تتكبر على عوايدنا وسِلو بلدنا إياك؟"
وتحدثت بنبرة حادة آمرة: "يلا خلصينا يا صفا وطاطي."
تحدثت ورد وهي تلف ذراعها حول صغيرتها بحماية واحتواء وأردفت بنبرة غاضبة: "عادات ماتت من زمان واندفنت، جايه تحييها إنتِ وأمك دلوقت ليه يا ليلي؟"
أجابتها فايقة وهي ترفع من قامتها عالياً بتفاخر: "أنا واحدة بنت عيلة وماسكة في العادات والتجاليد زين يا ورد، وأنا بجا مصممة بنتك معتطلعش فوق غير لما تطاطي راسها وتعدي من تحت طوعي."
تحدثت إليها نجاة بنبرة توسلية: "اعجل يا فايقة وفوتي الليلة على خير، أومال إني موقفتش لبنتك كده ليه."
أجابتها بصرامة: "إنتِ حرة في تصرفاتك يا نجاة وأنا كمان حرة، وأنا بجا كبرت في نفوخي وبنت ورد مهتخطي برجولها لفوق غير لما تطاطي تحت يدي."
انتفض جسد فايقة من استماعها لصوت رسمية التي صدح من الباب وهي تتحدث بصياح عالٍ: "هي مين دي اللي هتعطي وتعدي من تحت يدك يا واكلة ناسك إنتِ، عتتشرطي على بنت ولدي وتتحكمي فيها في بيت أبوها، كنك ادبيتي في عجلك يا مرة."
ارتعبت فايقة عندما نظرت إلى عمتها الغاضبة ويجاورها زيدان بعينيه التي تطلق شزراً وقاسم بنظراته الملامة لوالدته.
وتحدثت بتلبك: "أنا ما طلبتش غير الأصول والعادات يا عمة، وماحدش يقدر يغلطني في طلبي ده."
تحدث إليها زيدان بنبرة حادة: "فايقة، بلاش نبتديها عند ومكايدة من أولها عشان إنتِ معتجدريش على غضبي لو لمستي شعرة واحدة من بنتي."
تحدث قاسم إلى عمه لينهي الجدال الدائر: "بعد إذنك يا عمي، ارجع إنتَ الفرح عند ضيوفك وسيب لي أنا الموضوع ده وأنا هحله بهدوء."
وأخيراً تحدثت صفا بنبرة غاضبة تنم عن مدى وصولها لقمة غضبها: "وأنا ما بستناش حد ييجي يحللي مشكلتي، أنا كفيلة وجد حالي."
وبحديثها الحاد إليه استدعت غضب ذاك العصبي من جديد.
تلاشت نظراته المتوعدة لها ثم أحالت بصرها إلى فايقة وتحدثت بقوة وصلابة ورأس شامخ مرفوع: "بعدي يدك يا مرت عمي لجل ما أفوت، ولازم تعرفي إن اللي بتعمليه ده مفيش منه فايدة عشان لو السما انطبجت على الأرض أنا مهعاطيش."
وأكملت بكرامة: "صفا زيدان ما بتعاطيش غير للي خلقها وبس، ولساته متخلقش اللي يخليني أطاطي راسي وأنحني له."
"تسلم البطن اللي شالتك ويسلم اللي رباكي يا دكتورة." كانت تلك جملة تفوهت بها رسمية بتفاخر.
ثم تحدثت بنبرة حادة: "بعدي يا مرة وخلي ليلتك تعدي على خير ويايش."
شعرت بنار تسري بجسدها بالكامل لتشعلها نار الهزيمة وخسارتها بجولتها الأولى أمام زيدان وابنته.
تحركت جانباً وهي تنظر إلى صفا وورد وترمقهما بنظرات غاضبة تحت اشتعال قلب ليلي التي قهرت من انتصار صفا عليها.
وأمرت الجدة زيدان وقاسم بالرحيل وبالفعل تحركا وانفض الاجتماع بعدما صعدت ورد وصباح وعلية بجوار صغيرتهم لكي يطمأنوا عليها ويطمئنوا روحها.
ظلت نجاة وفايقة وليلي والجدة التي تحدثت بحدة ناهية ابنة أخيها وهي تشير إليها بسبابتها بتهديد: "اسمعيني زين يا بت سنية وحطي الكلمتين بتوعي دول حلقة في ودانك لجل ما تيجي ضري اللي إنتِ مش جده."
"وإياكِ تقولي لنفسك إني هستفرد ببنت زيدان وأذلها لجل ما أنتقم فيها للي عملته أمها زمان لما زيدان فات أختك بدور بسببها."
وأكملت بتحدي وهي ترمقها بنظرة حارقة: "ده إنتِ تبقي مخبلة وغلبانة قوي لو فكرتي إني هسيبك تمرمطي في بت ولدي وأنا واقفة أتفرج عليكِ، اعجل يا بت سنية واحسبيها بعجلك واشتري رضاي بدل ما أجلب عليكي الوش اللي عمرك ما شفتيه."
"وساعتها هتتمني إن ربنا ما كانش خلقك لجل ما ترتاحي من عمايلي السودة فيكي."
ورمقت الجميع بالغضب وتحدثت بأمر: "ودلوقتي يلا فوتي منك ليها على المطبخ جهزوا الأكل اللي فاضل من الطباخين لجل ما تخلوا البنات يوزعوه على بيوت العيلة وعلى الأيتام والمساكين."
وانسحبت لداخل غرفتها تحت اشتعال قلب فايقة التي شعرت ولأول مرة بتخلي عمتها عنها واصطفافها بالجانب المعادي لها.
يتبع..
•
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الخامس عشر 15 - بقلم روز امين
داخل حفل الرجال الذي ما زال قائماً، كان يجلس بعقلٍ مُشتت وقلبٍ يشعر وكأنهُ كاد أن يتركهُ ويهرول إلي صغيرتهُ كي يحتضنها ويضمها إلي صدرهِ بشدة حتي يُشعرها بالأمان. أحس بشعورٍ سئ إنتابهُ من حديثهُ مع تلك العقرباء المسماة بفايقة، شعر بغدرها وانها تنتوي أن ترد لهُ حقدها علية في إبنته.
إجتاحهُ شعور بالخوف عليها بجانب شعورهُ السئ الذي إنتابهُ مُنذُ أن وجدها بين يداي قاسم وهي تتحرك بجانبهِ لتبدأ حياةً جديدة بعيداً عن أحضانه الحانية التي طالما أغرقها بداخله وحاوطها بحنانه.
شعر به منتصر الجالس بجانبه، أمسك يدهُ مُربتً عليها بمؤازرة وأردف قائلاً بنبرة حنون:
_ هون علي نفسك يا زيدان، أني عيشت نفس إحساسك دي يوم دُخلة مريم، عشان إكدة حاسس بيك ومجدر اللي إنتَ فيه يا أخوي، بس عزائك إن بِتك بجت في عصمت راچل وأطمنت عليها.
كان يستمع إلي شقيقهُ، و يُومئ له رأسهِ بصمتٍ تام. حول عتمان بصرهِ إلي نجلية وجد ملامح وجه زيدان يكتسيها الحُزنُ ويخيم عليها.
سألهُ بإهتمام:
_ مالك يا زيدان؟
أجاب والدهُ بنبرة صوت خَافته مُختنقة:
_ سلامتك يا أبوي، دماغي واچعاني شوي من صوت المُزمار.
تحدث إلية عِتمان بنبرة حنون بعدما إستشف بفطانتهِ سبب حُزنهِ:
_ طب جوم يا ولدي ريح جِتتك في دارك، وأني كُلها عشر دجايج وأخلي العريس يسلم علي الرچالة ويطلع لعروستة وكُل واحد يرچع لدارة وتنفض الليلة.
وكأنه كان ينتظر الإذن من والدهِ فتحرك علي الفور بإتجاة منزله. أوقفه صوت يزن الجهوري وهو يُناديه قائلاً بإهتمام:
_ علي فين يا عمي؟
إلتفت إلية زيدان وتحدث بهدوء إلي إبن شقيقهُ الحنون الذي يعتبرهُ إبنهِ الذي لم يحظي بإنجابه:
_ هروح البيت لجل ما أريح راسي شوي يا ولدي.
ثم وضع كف يده علي كتف يزن وتحدث:
_ خليك وَيَا چِدك ومتفتوش لحاله يا يزن، أُجَف مع العُمال بتوع الفِراشة والطباخين لحد ما يلموا حالهم وحاسبهم وإديهم بزياده يا ولدي، وأني هبجا أحاسبك.
وأكمل مُفسراً:
_ ما تفتهومش منهم لعمك قدري، ما أنتَ خابره زين يدة ناشفة وهيغلبعم وياه في الحِساب.
أومأ يزن لعمهِ قائلاً بنبرة مُطمأنة:
_ من الناحية دي متشيلش هم يا عمي، چِدي مديني فَلوس كَتير وجالي أحاسبهم وأديهم الطاج طاجين.
هز زيدان رأسهُ بهدوء وترك يزن وواصل طريقهُ. رفع يزن بصرهِ وتطلع علي شُرفة جناح أميرته الجديد والتي سيشاركها قاسم مكوثها به من اليوم. إنخلع قلبه عندما تذكرها وتذكر عيناها وضحكاتها المرحة. أفاق حالهُ ونهرها علي تفكيرهُ بصغيرتهِ التي طالما حَلُم بضمتها لصدرة لكنها أصبحت من اليوم مُحرمة عليه.
نظر علي قاسم الجالس بجانب جده ويظهر علي ملامح وجههِ الإرتياح التام، فتنهد وعاد إلي الداخل ليواصل الترحاب بالضيوف ومضايفتهم بشكلٍ يليق بحفل زفاف حفيد النُعماني.
في مكان جانبي يقف قدري مُمسكً بهاتفهُ الجوال الذي تلقي منهُ مكالمة في الحال بإسم الحاج إدريس، وهو الإسم الذي اطلقهُ علي ماجدة كي لا تكتشف فايقة حقيقة أمر زواجها عليه.
تحدث بإبتسامة وهو يرفع قامته بشموخ:
_ وأني كُمان إتوحشتك جوي يا ماچدة، إتوحشت چلعك يا بِت.
علي الطرف الأخر اطلقت ماجدة ضحكة خليعة وتحدثت بتشويق لإثارته:
_ دلعي ودلالي موجودين وفي إنتظارك يا سيد الناس، بس إنتَ تعالَ وشوف ماجدة هتعمل لك إيه.
قالت كلماتها بدلال أشعلت جسد ذلك الأبله الذي تحدث بإشتياق:
_ يا أبوووووي علي حديتك اللي كِيف المرهم، من صباحية ربنا هتلاجيني واجف جدامك لجل ما أشوف چلعك لراچلِك.
ضحكت وتحدثت بنبرة صوت مُثيرة:
_ هستناك علي نار الشوق يا سيد الناس.
وأكملت بتذكير:
_ بس متنساش وإنتَ جاي تجيب لي معاك هديتي لتمام المُراد.
وهُنا إقشعرت ملامح وجهه وأنكمشت كحالهِ الدائم عندما يطلب منهُ أحدهم إنفاق المال الذي يعشق تكنيزهُ بشكل مَرضي.
وتحدث موبخاً إياها:
_ أباي عليكِ يا مّرة وعلي طمعك، مهتشبعيش طلبات يا واكلة ناسك.
وأكملَ مُذكراً إياها:
_ أني مش لسه من سَبوع واحد شاري لك خاتم دهب؟
أما تلك الطامعة عاشقة المال وأقتناء الجواهر فقررت ان تستغل ذكائها كأنثي لتهدأت ذاك الثائر وإجبارهِ علي الإنصياع لتنفيذ طلباتها التي لا تنتهي.
فتحدثت قائلة بنبرة أنثوية مُهلكة:
_ ومطمعش ليه، هو أنا متجوزة أي راجل، ده أنا متجوزة سيد الرجاله كُلها اللي عايشة في حمايته وتحت جناحة، وبعدين الهدية بتقيس مقام الناس و إنتَ مقامك عالي، عالي أوي يا مالك القلب والروح.
وأكملت بدلال اشعلت به كيانه:
_ لما تيجي بكرة هتعرف إن مال الدُنيا كله ميسويش الدلع اللي هتشوفه علي إدين ماجدة حبيبتك.
إشتعلت نارة من حديثها المشوق وتحدث بضحكة سعيدة:
_ إذا كان إكدة يُبجا مش خسارة فيكي الهَدية.
أطلقت ماجدة ضحكتها الخليعة من جديد زادت بها من إشتعال ذاك المراهق المُتصابي.
❈-❈-❈
دلف زيدان إلي داخل منزلهِ ومنهُ إلي غرفتهِ، جلس علي حافة فراشهِ و أمال وجههُ للأسفل واضعً رأسهُ ببن كفي يداه. وبعد مُدة دلفت إلية ورد التي أتت مُنذُ القليل بعدما إطمأنت علي وضع صغيرتها وتركتها لإستقبال عريسهاتحركت إليه وجلست بجوارهِ تتحسس يده بإطمئنان مُتسائلة:
_ مالك يا زيدان، فيك إيه يا أخوي؟
رفع رأسهُ وما أن رأها حتي إرتمي لداخل أحضانها وكأنهُ طِفلٍ كان تائههً من والدتهِ داخل ساحةٍ معجوئة بالبشر وبلحظة رأها تتحرك بإتجاهه.
شعرت ورد بتيهت مشاعرهُ فشددت من ضمتهُ أكثر وتحدثت وهي تتحسس ظهره متسائلة بحنان:
_ مالك بس يا حبيبي، طمني عليك يا نضري.
أخرج تنهيدة شق بها صدر معشوقته وتحدث وهو ما زال داخل أحضانها مُتشبثً:
_ معارفش لو جولت لك اللي چواي هتفهميني ولا لا يا ورد.
أجابتهُ بنبرة مُشجعة:
_ جول وخرج اللي چواك وأني أكيد هفهمك يا حبيبي.
خرج من بين أحضانها وتحدث بنبرة حائرة مُنكسرة:
_ مجادرش اتجبل إن بِتي، بِت جلبي اللي عشت عمري كلياته وأني شاجج صَدري ومخبيها چوة ضلوعي لجل ما أحميها من الدِنيي كلياتها.
وآسترسل حديثهُ بألم تملك من ملامحهُ وظهر بداخل عيناه:
_ أچي إنهاردة وبكل بساطة إكدة أسلمها بيدي لراچل غريب لجل ما تنام في حضنة ويقتحم حصونها العالية.
إتسعت عيناها بذهول مما إستمعتهُ منه وتحدثت إلية بعدم تصديق:
_ إيه كلام المخربت اللي عتجولة دِه يا راچل، هو أنتَ كفانا الشر سلمتها لواحد من الشارع؟ ده چوزها وحلالها يا زيدان.
أغمض عيناه بإستسلام وفرك وجهه بكف يده بإرهاق ثم تحدث قائلاً:
_ غصب عني يا ورد، مجاديرش أتجبل الفكرة.
تحدثت بمرح كي تُخرجهُ من حالته تلك بعدما إستشعرت مدي حساسية الموضوع بالنسبة له:
_ أباي عليك يا زيدان، مالك جلبتها نكد إكدة يا راجل، ده بدل ما تدعي لها بإن ربنا يهدي سرها ويسعدها وَيَا چوزها تعمل إكدة! وبعدين زعلان جوي علي بتك، أومال يوم فرحنا مزعلتش عليا ليه؟
ضيق عيناه وأجابها:
_ بس إنتِ مكتيش بِتي يا ورد.
ضمت شفتاها بحزن فتحدث كي يُخرجها من حالتها:
_ كنتي حبيبتي وحلمي اللي مصدجت إني أطولة بيدي وأشج صدري واخبيه چواتي.
إبتسمت له وبدأت هي بحديث العشاق لتجعلهُ مُندمجً مع حبيبتهُ كي يتناسي أمر حُزنه وبالفعل حدث رويداً رويدا.
❈-❈-❈
أما قاسم فقد خطي بساقيه داخل مسكن الزوجية المخصص لهما بعد إنتهاء حفل الرجال. صوب ببصرهِ إلي باب الغرفة المخصصة لنومهما معاً.
ساقتهٌ قدميه وتحركَ بخُطيً سريعة حتي وصل لغرفتها وطرق الباب بخفة وأنتظر الرد. مَرّ الوقت ولم يستمع إلي صوتها بالسماح له بالدلوف. تنهد بأسي ثم فتح الباب بهدوء وطل عليها برأسهِ، ثم دلف وأغلق خلفهٌ الباب.
نظر عليها وجدها تجلس علي طرف الفراش المخصص لهما مٌنكسة الرأس تنظر لأسفل قدميها ومازالت ترتدي ثوب زفافها الذي جعل منها أميرة في يوم تتويجها.
تحركَ إليها محمحمَ لينظف حنجرته وتحدثَ بنبرة صوت جهورية مُخبأً بها مشاعرهُ الجياشة التي تُطالبهُ بالإقتراب:
_ مغيرتيش فستانك لحد دلوك ليه؟
إنتفض جسدها حين إستمعت لنبرة صوته وأجابته بثبات وهدوء حاولت جاهده كي تظهر به:
_ هغيره بعد شوي.
هز رأسهٌ بتفهم وتحرك إلي المنضدة الموضوعة بوسط الغرفة ورفع عنها الغطاء ليتطلع علي الطعام المٌجهز خصيصاً لليلتهما المٌميزة. ثم حول بصرهِ إليها وأردف قائلا بهدوء كي يُخرجُها من حالتها تلك:
_ طب يلا عشان ناكلوا لُجمة سوا.
_ مليش نفس، كلمات قالتها بإقتضاب ونبرة جامده وهي تتطلع أمامها في اللاشيئ.
أجابها بثبات وتأكيد:
_ مهينفعش يا صفا، لازمن تاكلي عشان تصلبي طولك.
نظرت إليه بقوة وتساءلت بنبرة صوت حاده:
_ بالغصب إياك؟
رد سريعً وهو ينظر لداخل عيناها بثبات وقوة وحديث ذات مغزي ومعني:
_ لا، بالرضا يا بت عمي.
إرتبكت لعلمها مقصدة فتحدث هو بنبرة هادئة:
_ لازمن تاكلي عشان نتمموا مُهمتنا بسلام من غير ماتتعبي.
إنتفض جسدها وأرتعبت وزالت قوتها الواهية التي تتمسك بها لتٌظهر بذاك الثبات أمامه وتحدثت بنظرات رٌعب سكنت عيناها:
_ مهمة أيه اللي عتجول عليها دي؟
وأكملت بنبرة صوت حاده:
_ لا أنتَ بتحبني ولا أني ريداك و لا حتي طايجاك، يٌبجي لزمته أيه الموضوع ده من الأساس؟
إستمع إلي كلماتها وحالة من الغضب تملكت من جسدةِ وأشعلتهْ. شعر بطعنةٍ برجولتهْ وكبريائة من تلك الكلمات الحادة الرافضة لرجولته وتحدث بنبرة حاده صارمة:
_ وهل الحاچات دي بالحب إياك يا دَكتورة؟
ضيقت عيناها وتساءلت بإستغراب:
_ أومال بأيه إن شاء الله؟
رد عليها بقوة وصلابة:
_ بالعادات وبالتجاليد، ناسية إياك إن حريم الدار هياچو من النجمة لجل ما يطمنوا عليكِ؟
وأكمل بإبتسامة ساخرة ونظرة وقحه ذات معني:
_ عاوزة تسوئي سمعتي جِدامهم يا صفا؟
أزاحت عنه بصرها خجلاً وأقشعر بدنها من وقاحته معها.
إقترب منها وتحدث بهدوء وتعقل:
_ إسمعيني زين يا بِت الناس، ظروفنا وطبيعة عيلتنا حططنا أنا وإنتِ في موجف لا نُحسد عليه ولازمن نكملو في طريجنا اللي إنجبرنا نِمشوا فيه للأخر.
وجهت تساءلها له بنبرة جادة:
_ بس إحنا إتفجنا جَبل سابج إن چوازنا مهيكونش أكتر من ورجة مش ملزمين ننفذٌ اللي مكتوب فيها؟
أجابها بهدوء محاولاً إقناعها:
_ إيوة بس أهالينا ميعرفوش عن إتفاجنا دِه حاچة، ده غير إن الموضوع ده لازمن يتم يا صفا، ده حلال ربنا وشرعة يا بِت الناس.
وأكمل بنبرة ذكورية بحتة:
_ أني راچل ولازمن أتمم چوازي عليكي حسب الشرع والأصول، ولازمن تحطي في بالك إن إحنا معيشينش لوحدينا إهني.
وأكملَ بوعدٍ صادق أو هكذا خُيل له:
_ وأوعدك إني مهجربش منيكي تاني واصل وهكون جد إتفاجي السابج وياكي.
إسترسل حديثةٌ وتحدثَ قائلاً وهو يٌشير إلي تلك المنضدة من جديد:
_ بس تعالي اللول ناكل لٌجمة مع بعض.
رفضت بقوة وهتفت قائلة بنبرة حادة غاضبة:
_ جولت لك معيزاش.
غضب من إسلوبها الحاد وهتف بنبرة أكثر حدة وهو يتناول بغضب منامته الموضوعة بعناية فوق الفراش:
_ إنتِ حٌرة، أنا طالع أغير في الصالة علي ما تغيِري فستانك، عشر دجايج وراجع لك تكوني جاهزة، مفهوم؟
قال كلماتهُ الأمرة وبسرعة البرق إختفي من أمامها. إنتفض داخلٌها وتحركت سريعً مهرولة لتبديل ثيابها قبل عودته.
وقبل إنتهاء العشرة دقائق كان ذاك المٌتسرع يدق بابها. خطي للداخل وبلحظة إتسعت عيناه بذهول وتسمر مكانهٌ حينما وجدها أمامهٌ بهيئتها المٌهلكة لرجولته والمحطمه لحصونهِ الهاوية.
فتح فاههُ ببلاهه واتسعت عيناهُ بذهول وهو يراها ترتدي ثوبً رقيقً قصيراً للغاية ذو حمالاتٍ رفيعة وصدرٍ مفتوح يٌظهر جمال وآستدارت نهديها الأبيض بهيئة مٌهلكة أحرقت روحه بالكامل. ثوبً يٌظهر أكثر مما يستٌر كانت قد وضعته لها والدتها فوق الفراش خصيصاً لتلك الليلة المميزة لكٌل فتاة. وأرتدته تلك التائهة دون تفكير أو إدراكٍ منها بأنها وبذاك الثوب ستسكب مادة سريعة الإشتعال فوق نار ذاك القاسم فتلتهب نارهٌ أكثر وأكثر.
سالَ لٌعابهٌ بشدة حين وجدها أمامه بتلك الهيئه طالقه العنان لشعرها الحريري بلونهِ البٌني ذو الطلة الساحرة الخاطفه للأبصار والأنفاس.
تحركَ إليها مسلوب الإرادة ودون إدراكٍ منه وكالمسحور وقف مٌقابلاً لتلك التي تفرٌك يديها بتوتر يظهر له. مرر بصرهِ فوق مفاتنها يتفقدها وهو يبتلع سائل لٌعابه بطريقه أخجلتها وجعلتها تلعن غبائها الذي جعلها ترتدي ذاك الثوب المٌثير دون إدراكٍ أو وعي منها وكأنها كانت مٌغيبة وبلا عقل حين إرتدته.
كالمغيب وضع كفي يداه فوق كتفيها يتلمس بشرتها الحريرية برقة. أثارته نعومة بشرتها اللينة وقربها منه ثم مال بطولهِ الفارع عليها. أذابتهُ رائحة جسدِها العطره وأشعلت ناره، وكاد أن ينهالٌ علي شفتاها المٌكتنزة بلونها الوردي لينهل منهما ويشرب ويتذوق من شهدهما المُكرر.
وضعت يداها سريعً علي صدرهِ كسدٍ منيع وأبعدته بحده وتحدث كبرياء الأنثي بداخلها:
_ ملوش لزوم لكدِة يا وِلد عمي.
جاهدت حالها بصعوبة كي تُخرج تلك الكلمات الصعبة علي قلبها المٌتيم بغرام ذلك الفارس، فكم من المرات التي تمنت وحَلٌمت بحدوث تلك اللحظة بذاتِها ولكن ليست بتلك الطريقه وهات الظروف. كم تمنت أن يضمها لصدرهِ الحنون ويوشي بجانب آٌذنها ويٌسمعها أعذب كلمات الهوي وأجملُها،، ويجعلها تذوب وتتهاوي بين يداه ليحملها بين ساعدية القويتان ويضمها لصدره ويتحرك بها إلي فراشهما لينعما معاً بأولي جولاتهم العشقية الحلال.
- ولكن للأسف- ليس كل ما يتمناهٌ المرء يٌدركهْ.
ثم نظرت إليه بصلابه مٌصطنعه بصعوبة وهتفت بنبرة حاده رداً علي كلماتهِ المهينه لإنوثتِها الذي تفوه بها مُنذ القليل:
_ وزي ما أنتَ جولت من إشوي، إنها مهمه ولازمن نخلصٌ منيها.
ضيق عيناه ونظر إليها بإستغراب وتحدثَ بتساؤل وهو يداعب لسانهُ بشفتاه:
_ بس إكدهِ نٌبجوا زي الحيوانات يا دَكتورة؟
نظرت لهْ بصلابه مٌصطنعه وتحدثت بقوة زائفة وهي ترمقهُ بنظرة إشمئزاز:
_ وتفتكر إن فيه فرق؟
إستشاط داخلهٌ من حديثها الذي جعل الدماء تغلي داخل عروقهٌ وأنتفض العرق الصعيدي بداخلهْ، وتحدث وهو يدفعها بحده ليجعلها تتهاوي، سقطت أثر دفعتهِ القوية فوق الفراش بقوة. رفعت بصرها ونظرت إليه بذهول تستوعب فعلتة بعدما أزاحت بيدها خصلات شعرها الذي تناثر أثر دفعتهْ القوية لها.
فتحدث هو بنبرة حاده مُتوعداً إياها:
_ طبعاً فيه فرج يا بِت عمي، وفرج كبير جوي كمان، ودالوك هعرفك معاملة الحيوانات كيف بتكون.
إرتعب داخلها وأقدم هو عليها وهو ينتزع عنه ثيابه ويُلقي بها أرضً بعنفٍ وغضب، ليٌنهي إدعائةٌ لتلك المهمه التي ما أن بدأ بها وغاصَ حتي تحول غضبهِ منها وحدتهِ إلي منتهي الحنان والرقة رُغمً عنه وذلك بعدما لمح رٌعبها منه بعيناها الفيروزية التي جذبته بطريقة مٌثيرة حتي أنهٌ شعر وكأنه ولأول مرة يراهما من شدة سِحرهُما.
قربها من صدرهِ بحنان وضمها إليه وأوشي بجانب آذنها كي يُطمئن روعها، مما جعل القشعريرة تسري بداخل جسدِها وتُخدرهُ:
_ إهدي يا صفا ومتخافيش مني، أني مهأذكيش.
وبرغم حديثهُ اللين إلا أنها ما زالت مُرتعبه مُنكمشة علي حالها وتشعر بإهانة لا مثيل لها.
إبتعد عنها وتحدث مُتراجعً بنبرة جادة مُتحاملاً علي رغبتهِ كثيراً وذلك كي يُهدئ من روعها:
_ لو معيزاش جُربي دي أني هبعد ومش مُهم نتمم الموضوع.
وأكمل بنبرة حنون:
_ وأني كفيل إني أجف جدام اللي عيتكلم ويسأل عن الموضوع دي، أساساً محدش ليه صالح بينا، دي حاچة بيناتنا.
هزت رأسها بإعتراض خشيةً علي والدتِها من حديث فايقة التي حتماً ستحشُر أنفها داخل الموضوع، وأجابته من وسط خجلها القاتل وشعورها بالإهانة الذي ينتابها:
_ خلصني يا قاسم، وزي ما آنتَ جولت من إشوي إحنا معيشينش لحالنا في الدار.
وما أن إستمع لحديثها حتي عاد يتابع ما كان مُقبلاً عليه غائِصً في بحر عسلها الذي قاوم الغرق به لكن رُغمً عنه وجد حالهُ يغوص ويغوص بمنتهي الإستمتاع واللذة.
بعد مدة ليست بالقليلة إعتدل بجانبها ونظر لها بعيون لامعه وتحدث بنبرة حنون وبأنفاس لاهثة مٌتقطعة وهو يتفقد ملامحُها بحنان:
_ مبروك يا صفا.
ثم أكمل بتساؤل مُتلهفً عليها:
_ إنتِ زينة؟ حاسه بحاچة وچعاكي؟
تماسكت كي لا تنفجر دموعها أمامهٌ وتٌظهر له كم هي هشة، ضعيفه، لم تجيبهٌ ولم تنظر إليه من الأساس وتحركت من جانبه سريعً وهي تٌلملم ثوبها الفاضح وتستر به جَسدها وأسرعت هاربة داخل المرحاض وعلي الفور أوصدت الباب خلفها.
نظر بجنون علي طيفها وهو يلهث بأنفاس متقطعة وشعور غريب عليه يجتاح عالمهٌ ولأول مرة، أهذا هو الزواج؟
حدث حاله بسعادة،، ما هذا الشعور الذي إنتابني وتغلغل داخلي وزلزل كامل كياني، كيف لهذة الصغيرة أن تكون بكل تلك الأنوثه المتفجرة وكيف لها أن تنقل لي هذا الشعور الرائع.
أما تلك البريئه معدومة الحظ التي وما أن دلفت لداخل المرحاض وأوصدته حتي جرت إلي صنبور المياه وفتحته كي لا يستمع إلي صوتها الباكي. وبعدها إرتمت علي أرضيتهْ بإستسلام وخضوع. وضعت يدها فوق فمها وبدون سابق إنذار إنفجرت دموعها التي جاهدت حالها وهي معه كي لا تنهار وترتمي داخل أحضانهٌ التي طالما حلمت بها وبضمتها إليه.
بكت حينما تذكرت رائحة جَسدهِ العَطرة التي تغلغلت داخل أنفها وهزت كيانها، لطالما تخيلتها وتمنتها. بكت على حبيبً وحٌلم ضاع وتقطعت أوصالهُ، بكت على كرامتها التي دُهست تحت قدماه بعقدٍ رسمي وشهادة الجميع علية، وأكمل هو على ما تبقي منها الأن وهو يدُك حصُونها العالية بلا أدني رحمة أو إنسانية.
ضلت تبكي لوقتٍ طويل لا تعلم مدته حتي إستمعت إلي طرقات خفيفة فوق الباب ولصوتهِ المنادي بحنان الذي أربكها:
_ صفا، إنتِ كويسه؟
مسحت دموعها وتحدثت بنبرة صوتٍ حاولت بها التماسك:
_ أني كويسه، شوي وخارجة.
ثم تحركت إلي حوض الإستحمام ونزعت عنها ثوبها وألقته فوق الأرضية بحده ونزلت تحت صنبور المياه التي إنهمرت فوقها وأختلطت بدموعها المقهورة على شعورها بالخزي والمرارة والخزلان.
بعد مده خرجت ترتدي مأزر الحمام ( البٌرنٌس ) وهي خجلة للغايه وممسكة فتحة صدرة تُغلقُها بكف يدها، وذلك لعدم تذكُرها لأخذها ثيابً معها للداخل.
نظر إليها بعيون مُتسعه مُزبهلة من شدة جمال تلك البريئة الصافيه التي ما زَادها البكاء إلا جمالا، حيث ساعد البكاء مع الماء الساخن على إحمرار أنفها وخديها بطريقة مُثيرة. أما شفتاها، فا آه من شفتاها الكَنزة فحدِث ولا حرج.
إبتلع لٌعابهٌ من هيئتها وتساءل بإهتمام:
_ إنتِ كويسة؟
هزت رأسها بإيمائة خفيفه وأحالت بصرها عنه. وصلت إلي خزانة الثياب وأختارت منامة مُحتشمه بأكمام ودلفت إلي المرحاض من جديد.
أما هو فحمل تلك الصنية الموضوعة فوق المنضدة وتحرك بها واضعً إياها داخل المطبخ. وتحرك من جديد إلي غُرفة النوم.
بعد مده خرجت وصففت شعرها وأتجهت إلي التخت أخذت وسادة وأتجهت بِها إلي الأريكة.
تساءل هو مٌتعجبً:
_ بتعملي أيه يا صفا؟
أجابتة بصوتٍ ضعيف واهن مٌنكسر:
_ زي ما أنتَ شايف، بچهز نومتي.
تحرك حتي وصل لوقفتها وتحدثَ بهدوء ونبرة حنون:
_ أني عارف إنك زعلانه مني بسبب اللي حُصل بيناتنا من شوي، بس أني بردك معزور يا بِت عمي.
وأكملَ بنبرة طغي عليها الندم فحقاً قادتهُ غريزته التي إنتصرت على إنسانيتة ولكن إنتهي الأمر وحدث ما حدث:
_ أني أسف علي الطريجة اللي كلمتك بيها وكمان أسف على المعاملة، بس إنتِ اللي نرفزتيني يا صفا و وصلتيني لكدِة.
وأكملَ بدٌعابه كي يٌخرجها مما هي علية:
_ فيه واحدة بردك تجول لراچِلها ليلة دُخلتة إنه كِيف الحيوان؟
وأكمل متسائلاً بعيون حانية ونبرة صوت أشعلت قلبها العاشق:
_ أني حيوان يا صَفا؟
كانت ترفع قامتها وتنظر إليه وهي تائهه في سحر عيناه الغميق الذي ولأول مرة تراهما عن قرب. حقاً حبيبها يمتلك جاذبية لا تُقاوم. ثم وضع يدهٌ وأمسك خٌصلة كانت هاربة من شعرها الذي تحول من الحريري إلى الغجري بفضل المياة وأرجعها خلف أذنها وتحدثَ بهدوء:
_ تعالي نامي چاري على السرير ومتخافيش على حالك مني.
وأكملَ بعيون حانية أهلكت حصونها:
_ صدجيني مهجربش منيكي تاني ولا هضايجك.
كانت شاردة داخل عيناه ونبرتهِ الحنون وكأنها تناست أمر حالها وما جري لها على يدهِ منذٌ القليل.
أمسك يدها وسحبها بكل هدوء وتحدثَ وهو يمددها فوق التخت وكأنها مسلوبة الإرادة:
_ نامي يا صافي.
تمددت وغمرها هو بالغطاء الحريري الصيفي وتحرك إلي الجهه الأخري وتمدد بجوارها. وضع رأسهٌ فوق الوسادة ليُقابِلها ثم وضع كف يدهٌ فوق وجنتها وتلامسها بنعومه أهلكت حصون كلاهما ولكنهٌ نفض من رأسهٌ تلك الأفكار التي إجتاحت رأسهٌ.
وتحدث بنبرة صوت ناعمة:
_ تصبحي على خير يا دَكتورة.
حمحمت وأخرجت صوتها بصعوبة بالغة قائلة:
_ وإنتَ من أهله.
وبعد مدة بسيطة غاصت بنومها من شدة توترها طيلة اليومين المُنصرمين وأيضاً تعبها، وكأنها كانت تحتاج للهرب من أمام عيناه لتنأي بحالها من براثن عِشقهِ المُدمر لقلبه.
نظر لها بعيون حزينه وحدثَ حالهٌ،، سامحيني صفا فيما سأفعلهُ،، فالعقل تحكمة العادات والتقاليد،، أما القلب فحكمةُ الوحيد هي المشاعر لا غير.
سامحيني.
❈-❈-❈
داخل مسكن فارس، خطي بساقيه للداخل حتي وصل لغرفة نومهِ وفتحها بهدوء ولكنهُ تفاجئ حين وجدها خالية من وجود مريم، قطب جبينهُ بإستغراب وتحرك للخارج للبحث عنها وفتح باب غرفة الأطفال فوجدها تتسطح فوق إحدي الأسِرة تحتضن صغيرتها التي تغفو بأحضانه.
نظر عليهما وتنهد بحُزن وأغلق الباب من جديد ومضي في طريقهِ للعودة إلي غُرفته، ليغفوا لحاله بصحبة أحزانه التي أصابته عندما رأي حبيبتهُ السابقة وما شعرهُ من مرارة عندما رأها أمام عيناه.
أما تلك المُتسطحه التي اوهمته انها غافية ففتحت عيناها وبدون سابق إنذار إنهمرت دموعها من جديد فوق وجنتها بمرارة وقلبٍ يتمزق على ما وصلت إليه اليوم من إهانة زوجها لها وهو ينظر على إبنة خالته بحالة مُخجلة، غير عابئ لوجودها بالمّرة.
❈-❈-❈
أما داخل غرفة فايقة، دلف إليها قدري في وقتٍ مُتأخراً من الليل وذلك لوقوفهُ مع العُمال وهم يُضبضبون أشيائهم ليرحلوا.، أعطي يزن لكل فريقٍ منهم حساب مهمته وانصرفوا وصعد هونظر على حبيبتهُ الجامحة وجدها تغُطُ في ثباتٍ عميق، خلع عنهُ ثيابهُ وتوجهَ إليها مباشرةً دون حتي الإغتسال، تمدد بجانبها وبدأ يتحسس جسدها برغبة جامحة.
إنتفضت من نومتها ونظرت إلية بذُعرٍ وتحدثت بنبرة حادة بعدما رأت الرغبة داخل عيناه:
_ عاوز أية يا قدري الساعة دي؟
تحدث إليها بنبرة متلهفة وهو يقترب منها أكثر:
_ عاوزك يا فايقة.
نفضت يدهُ عنها بعنف وهتفت بنبرة صارمة وملامح وجه مُكشعرة:
_ بعد يدك عني وروح إسَبح بريحتك دي وأبجا تعالي نام.
وأكملت وهي تتثاوب بنُعاس وتتمدد وتعود لوضع نومها من جديد:
_ سيبني أنام واوعاك تجرب مني يا قدري،، أني همدانه وتعبانه طول النهار ومصدجت فردت جتتي على السَرير.
كان يستمع لها والغل ينهش داخل صدرهِ من رفضها المستمر لقربهِ منها. أحكَمَ قبضة يدهِ بغل فوق ذراعها وتحدث وهو يُجبرها علي الإلتفاف والنظر إلي وجهه:
_ إنتِ إية حكايتك اليومين دول يا حُرمة، سايجه العوج عليا وشغلالي في اللزرق لية يا بِت سَنية؟
وأكمل بحدة وهو يُنهرها ويهزها بعُنف:
_ عليا اليمين لو ما أتعدلتي لتچوز عليكي وأجهرك وسط حريم الدارج.
حظت عيناها من هول ما استمعته وتحدثت بفحيحٍ كالأفعي:
_ إتچنيت إياك يا قدري؟
وأشارت على حالها بعدم تصديق:
_ عتجولي أني الحديت دي، ده بِت الرچايبة اللي كِيف الأرض البور چوزها مرضاش يِجهرها ويچيب لها ضُرة وجعد بطولة في الدنيي من غير عيل ولا تيل.
وأكملت بكبرياء وتفاخر:
_ جوم أني،، فاااايقة بِت النُعمانية اللي چايبة لك بدل الراچل إتنيين يسدوا عين الشمش تهددني وتجولي إكدة؟
أجابها بفحيح ونبرة رجل مُهان على يد إمرأته:
_ وهو بخلفة العيال إياك،، روحي شوفي بِت الرچايبة اللي عم تتمسخري عليها كيف بتعامل راچلها، دي عاملة خدها مداس ليه لجل ما يمشي ويتعزز عليه.
عشان دي متچوزة زيدان النُعماني، مش أي راجل والسلام، جملة عقيمة تفوهت بها فايقة دون وعي وهي ترفع قامتها للأعلى بتفاخر.
وكان عقابها صفعة مدوية لُطمت بها بشدة من ذلك الغاضب الذي أمسك بمجموعة خصلات من شعرها وبات يهزها بعنف ويتحدث بفحيح كالأسد الذي إنقض على فريستهِ:
_ وإنتِ بجا اللي متچوزة راچل والسلام يا واكلة ناسك؟
صرخت بتألم وهو يهزها بعنف من خصلات شعرها وتحدثت بتألم:
_ سيب شعري يا قدري عتخلعه في يدك.
وأكملت بنبرة زائفة كي تُرضية ليتركها:
_ أني مجصديش اللي جه في بالك، وأجصدة كِيف و إنتَ في نظري سِيد الرچالة كلياتهم.
وما أن إستمع لجملتها حتي لانت عضلات جسده المتشددة و هدأت غضبتة قليلاً. لانت قبضة يدةِ من فوق خصلاتها وتحدث إليها بأنفاس لاهثة وهو يقف:
_ أني داخل الحمام أسبح، أطلع ألاجيكي مستنياني وعلي سنجة عشرة، فهماني يا واكلة ناسك؟
دلف هو للداخل أما هي فمدت يدها و جففت دموعها التي هبطت من ألم صفعتهِ القوية التي علمت على صدغِها،، وجذبهِ لخصلات شعرها.
وقفت وتجهزت كما أمرها كي لا تستدعي غضبهُ مرة أخري.
وبعد مدة كان يجاورها الجلوس مُبتسمً وتحدث إليها:
_ ياااااه، أخيراً نفوخي راج من موضوع چواز قاسم من بِت زيدان، حاسس إني ملكت الدنيي كلياتها إنهاردة.
كانت تستمع إلية بملامح وجه مُكشعرة مبتعده بنظرها بعيداً عنه فتحدث هو إليها:
_ معترديش عليا ليه يا حُرمة، الجُطة كلت لسانك إياك؟
وكأنهُ بحديثهُ هذا قد ضغط على زر إنفجارها بعدما فقدت صبرها وتحدثت بنبرة غاضبة:
_ إنتَ عاوز إية مني في ليلتك اللي مفيتاش دي يا قدري،، مش كفاية إنك مديت يدك على لأول مره في حياتك وخدتني جَبر، لا وكَمان مستني مني أرد عليك واتحدت وياك عادي وكأن مفيش حاچة حُصلِت.
تنهد ووضع يدهُ فوق ساقها مربتً عليه وتحدث إليها:
_ وكُنتي عوزاني أعملك أيه بعد رفضك ليا بالشكل ده.
_ تگومي تهددني بإنك تچيب لي ضُرة ويوصل بيك الحال إنك تضرُبني يا قدري؟ جملة تساءلت بها فايقه بنبرة لئيمة.
فأجابها بنبرة غائرة:
_ أني مضربتكيش غير لما لجيتك بتتحدتي عن راچل غيري إكدة.
وأكمل بعيون حقاً عاشقة وبجنون:
_ أني عشجانك ودايب فيكي دوب يا فايقة،، وإنتِ سايجة الدلال عليا بجالك ياما وأني كل مرة أديكي العُذر وأجول يا واد أصبر وأتحمل چلعها، بس كل شيئ وليه أخر يا فايقة.
نظرت إلية بملامح غاضبة وتحدثت بنبرة صارمة:
_ أول وأخر مرة تعمل فيا إكدة يا قدري، وإلا قسماً عظماً أسيب لك البيت وأروح أجعد عند أمي، فاهم يا قدري.
إقترب منها وسحبها لداخل أحضانهِ تحت نفورها منه وتحدث هو:
_ حاضر يا مالكة الروح،، بس إنتِ كمان راعيني شوية عن إكده.
تنفست بهدوء، وهزت له رأسها مجبرة وشدد هو من إحتضانة لها.
❈-❈-❈
في ظهر اليوم التالي داخل منزل الحاج عتمان،، دلفت ورد إلي منزل عتمان بجوارها صباح وعلية والعاملات لديها والأقارب وهن يحملن فوق رؤسهن صواني مُستديرة يضعن فوقها كٌل ما لذ وطاب من أكلات شهية وحلوي وفاكهه كما هو العُرف في بِلدتِهم.
وما أن دلفن للداخل حتي قُمن بإطلاق الزغاريد العالية،، خرجت على أثرها فايقه من المطبخ والتي تحدثت إلى ورد بإبتسامة مُزيفه ونبرة تهكمية:
_ مبارك على بِتك زينة شباب النعمامية كلاتهم يا سلفتي.
نظرت لها ورد وردت بنفس نبرتها التهكمية:
_ المفروض أني اللي أجول لك مبارك على ولدك بفوزة بست الصبايا يا ام قاسم.
أسكتهما صوت رسمية الجهوري التي أتت من غرفتها قائلة بنبرة صارمة كي تُوقف تلك المهزلة:
_ چرا لك أيه يا حرمه منك ليها،، بدل ما أنتوا جاعدين ترموا على بعضيكم إكده نزلوا الصواني من على روس الحريم اللي واقفة ديه.
مت صباح وعلية إنزال الصواني وادخلوها إلي المطبخ.
وبقي الصنيتان الخاصة بطعام العروسان.
حين أكملت رسمية بنبرة قويه أمره:
_ وإنتِ يا ورد، خدي صباحية العرسان لفوج و إطلعي إطمني على بِتك وخليها تدلي لجل ما تسلم على حريم وبنات العيلة.
أومأت لها بطاعه وأردفت قائلة بنبرة هادئة نالت بها إستحسان رسمية:
_ حاضر يا مرت عمي.
وتحركت حتي إقتربت من الدرج لتصعده ثم ألقت ببصرها على فايقة الواقفة بجانب درابزين الدرج تداري وجهها بكف يدها، وضيقت عيناها مدققه النظر على خدها وتحدثت بنبرة ساخرة بعدما تأكدت ظنونها عندما وجدت علامات لأصابع يد بشرية:
_ سلامة خدك يا أم قاسم؟
إقتربتا عليهما علية وصباح التي تحدثت إلى فايقة بنبرة ساخرة بعدما رأت ظهور أصابع قدري على صَدغِها:
_ طول عمري واني بسمع عن الكف الخُماسي الي عيلوح رجبة اللي عيتلافاه، أول مرة أشوفة على الطبيعة، وعلي مين؟ على فايقة المستجوية؟
واكملت ساخرة:
_ هي الجُطة كلت عيالها ولا إيه ولاد!
ثم اطلقت صباح ضحكة ساخرة، في حين تحدثت علية قائلة بإستحسان:
_ أهو أني إكدة يدوب إطمنت على قدري أخوي.
ضحكتا صباح وعليه.
أما ورد التي كظمت ضحكتها لعدم إثارت غضب فايقة وذلك لأجل إبنتها، إنسحبت وصعدت لتطمأن على صغيرتها.
أما عن فايقة فقد إتخذت نصيبها من الصمت وتحركت لداخل المطبخ بغضب لعدم وجود إجابه لديها، فمنذُ الأمس وهي تحاول بكل ما استطاعت إزالة أثار أصابع ذاك الثور ولكنها بائت جميعها بالفشل، فكظمت غيظها من ذاك الثلاثي المرح متوعده لهم برد الصاع صاعين في القريب.
❈-❈-❈
تملل بنومتهِ الهنيئة وفرد ذراعية يتمطئ براحة وما زال مُغمض العينين. شعر بإحساس غريب، شعور بالراحة والطمأنينة، هدوء وسَكينة تجتاحُ كيانهُ بالكامل حتي أنهُ إستغرب حالهُ، فهو من الأشخاص الذين يشعرون بمزاجٍ سيئ عند الصباح بدون أسباب.
تمطئ بجسدهِ من جديد وبدأ بفتح عيناه بهدء رويداً وفجأة إتسعت بشدة وانتفض من نومتهِ ورفع قامتهِ مُستنداً بساعدهِ على الوسادة وبات يُدقق النظر لذاك الملاك النائم بجوارهِ، شعر برعشة هزت جسدهِ بالكامل وفرحة لم يعلم مصدرها إقتحمت قلبه.
وها هو الآن إكتشفَ سرُ إستكانت روحهِ،، كان سارحً في جمالها الخَلاب يحدث حالهُ،، ما أجملك صفا،، كم أن رب الكون تفنن وأبدع في خَلقك وأظهركِ في أبهي صورة.
فاق من شرودهِ على صوت جرس الباب وقرعٍ بسيط فوقهُ. إبتسم لتلك النائمة وبصوتٍ مُتحشرجٍ متأثراً من النوم تحدث إليها بهدوء وهو يتلمس خدُها المياس:
_ صفا،، صفان.
نطقت مُهمهمة ومازالت مُغمضة العينان بوجهٍ مُبتسم تظهر عليه علامات الراحة والإستكانة وهي تعتقد بأنها تري حُلمًُ جميل تستمع بهِ إلى صوت متيمُها:
_ إمممم.
شعر بسعادة لا يعرف مصدرها وتحدث إليها مُبتسم وهو يستمع مُجدداً لجرس الباب يُقرع:
_ فتحي عنيكي يا صفا،، چرس الباب بيضرب.
وما أن إستمعت لنبرة صوتهِ صريحه حتي فتحت عيناها بإتساع غير مصدقة لما أصبحت عليه. إنتفضت من نومتها وسحبت جسدها لأعلي سريعً لتجلس وهي تُلملم في خُصلات شعرها وتُمسك بياقة منامتها وتضُمها بشده علي صدرها وذلك من شِدة خجلها.، تتهرب بعيناها بعيداً عن مرمي عيناه.
فتحدث هو بنبرة حنون مُهلكة لقلبها العاشق بإبتسامة سعيدة مُعجبً بخجلُها الزائد:
_ صباح الخير يا صفا.
إنتفض قلبها وارتعش من مجرد إستماعها لنطقهِ إسمُها بكل ذاك السحر والحنان. سحرتها هيأته المُشعثة من أثار النوم.
تحدثت إلية بعيون خجلة تتجنب النظر إلية ونطقت بصوتٍ ناعس:
_ صباح النور.
ثم إنتفضت واقفة وتحدثت بنبرة هادئة:
_ ممكن تفتح الباب علي ما أغير هدومي؟
أجابها بهدوء وهو يهمُ بالوقوف:
_ هدخل الحمام أغسل وشي وأفوج وأطلع أفتح لهم.
تحدثت بنبرة مُتعجبة من شدة برودهُ:
_ واللي علي الباب إن شاء الله هيُجف يستني چنابك أما تفوج حالك؟
و أكملت بنبرة تهكمية:
_ ما تُفطر بالمرة وتشرب الجهوة لجل ما تفوج على الآخر!
أطلق قهقهَ عالية وأرجع رأسهُ للخلف بطريقة جعلت منهُ جذابً حد الجنون مما جعلها تبتلع لُعابها وتحدث هو بدُعابة بعدما تمالك من ضحكاتهُ:
_ وماله لما اللي علي الباب يستني،، أني أعمل اللي علي كِيف كيفي إنهاردة.
وتحدث إليها غامزاً بدُعابة:
_ عريس بجا وإنهاردة صباحيتي.
إبتلعت لُعابها وتحركت سريعً من أمامة واقفة أمام خزانة ملابسها وفتحتها لتنتقي منها ثوبً مناسبً مما جعل ذاك القاسم يضحك على هروبها،، ودلف إلي المرحاض،، وبعد مدة قصيرة خرج وارتدي مأزرهِ ودلفت هي إلي المرحاض.
تحرك هو بإتجاة الباب وفتحه فتحدثت ورد بإبتسامة سعيدة:
_ نموسيتكم كُحلي يا عريس،، كُل دِه نوم، الحريم راسهم وچعتهم من شيل الصواني فوچ نفوخهم.
تحمحم قائلاً بإحراج وهو يتحرك جانباً ليفسح لهم المجال مشيراً بيده في دعوة منه للدلوف:
_ معلش يا مرت عمي،، حجك علي،، إتفضلوا.
سبقت ورد العاملات إلي المطبخ وأنزلن ما يحملن وبدأت ورد برص جميع الأغراض فوق رخامة المطبخ وتحركن النساء إلي الأسفل من جديد مصطحبين الصواني الفارغة واغلقن الباب خلفهن.
أما ورد التي إقتربت من وقفة قاسم بمنتصف البرهه وتسائلت مُتلهفة:
_ وينها عروستك يا عريس؟
أشار لها لداخل الغرفة وهو يهمُ بالتحرك قائلاً:
_ صفا جوة، هدخل اندها لك.
اوقفته بصوتها المعترض وهي تستبق خطوته:
_ خليك إنتَ يا قاسم، أني داخلالها.
إستغرب من تصرفها وفضل الصمت ودلفت هي للداخل وما هي إلا دقائق قِلة إلا وأستمع لصوت زغاريد عالية تصدح من داخل غرفة نومهِ، وكأنها كانت إشارة منها للنساء الواقفات في الأسفل اللواتي ما إن إستمعن لإشارة ورد حتي إنطلقن جميعهُن بإطلاق الزغاريد المُهنأة، حينها فهم مغزي موافقتها على إتمام دخُولهُ الشرعي بها.
بعد بضعة دقائق آخري تسمر بوقفتهِ وفتح فاهه من شدة جمالها الأخاذ الذي رأه بآُم أعينهُ وهي تجاور والدتها الخروج مُرتدية ثوبً قصيراً رائع المظهر بلونهِ، حيثُ كانت ارضيتهُ باللون الأبيض وبهِ نقش زهرة رقيقة باللون الزهري،، تاركة لشعرها الحريري العنان ليُرفرف فوق ظهرها معلناً عن حُريته ، واضعه بعض مساحيق التجميل الخفيفة جداً والتي جعلت منها أيقونة جمال.
ضحكت ورد بخفة عندما رأت ذاك المُتصلب بوقفته وعيناه العاشقة لجمال إبنتها وتحدثت وهي تُمسك بيد إبنتها:
_ هاخد منيك عروستك عشر دجايج بس وبعدين هرچعها لك، وأجي أجهز لكم فطور العرايس اللي يستاهل بوجكم.
وبالفعل تحركت بضع خطوات ولكن أوقفهما صوت ذاك الغاضب المُعترض:
_ علي فين العزم إن شاء الله يا صفا هانم؟
إلتفت بوجهها وكادت ان تتحدث لولا صوت والدتها الذي سبقها:
_ هتدلي تسلم على حريم العيلة وتطلع طوالي.
_ وهتدلي إكدة؟ جملة نطق بها قاسم متهكمً بالنظر إلى ملابسها.
أجابتهُ ورد بنبرة مُطمأنه تحت إستشاطته:
_ ما تجلجش يا قاسم،، البيت تحت مفيهوش ولا راچل،، چدك خد رچالة البيت كلياتهم وراحوا إستراحة جناين الفاكهه لجل ما يفضوا البيت للحريم اللي هتاجي تبارك.
رد عليها بإعتراض:
_ وده معناته إنها تنزل تجابل الحريم ملط إكدة؟ وبعدين إفرض إن حد من الرچالة رجع على غفله لأي سببٍ كان، يُبجا أيه الحال وجتها يا مرت عم؟
شعرت بالدماء تتدفق بوجهها خجلاً من وصفهِ الوقح،، في حين أجابتهُ ورد بنبرة مطمانة:
_ ما تجلجش يا ولدي محدش هياچي، ولجل ما تطمن أني هجف على البوابة وأجفلها بنفسي.
أجابها برفضٍ قاطع وغيرة خارقة:
_ ريحي نفسك يا مرت عمي،، مرتي مهتنزلش إكدة لو إنطبجت السما على الأرض.
واشار لها أمراً بنبرة حادة:
_ لو حابة تنزلي بجد،، إدخلي غيري خلجاتك دي وإلبسي حاچة حِشمة وحُطي طرحة فوج راسك.
ومن الغريب والغير متوقع لديه أنهُ رأي طاعتها داخل عيناها حيثُ هزت لهُ رأسها بطاعة وتحركت إلى الداخل من جديد بقلبٍ سعيد مُتراقص فقط لشعورها بإهتمامهِ به وغيرتهِ عليها وذكرة لكلمة ( مَرتي).
تحت إستشاطت ورد التي تحدثت إلية بنبرة لائمة:
_ بجا إكدة يا قاسم،، أنزلها أني كيف جدام الحريم وشعرها متغطي إكدة، هي مش عروسة إياك ولا أيه.
أجابها بهدوء:
_ عروسة وست العرايس كلياتهم ما مرت عمي، بس تنزل جدام الحريم بإحترامها ولبسها الكامل، أني چوزها ورايد إكدة.
طلت عليهم من جديد وكانت حقاً بديعة الجمال مما جعله ينظر إليها منبهراً بجمالها، وما ان رأها حتي شعر بإرتياح وسكينة وشعر أيضاً برجولتهُ التي تعظمت بفضل إنصياعها لأوامرهُ وطاعتهِ بطريقة أثارتهُ.
وتحركت هي بجانب والدتها ونزلت الدرج بجوارها،، وما ان رأتها نساء العائلة التي طال إنتظارهن لها حتي أطلقن الزغاريد المهنأة وتهافت عليها المهئون يتبادلن معها القُبل والأحضان كما هو العُرف،، وتحركت إلى جدتها التي إحتضنتها وهنأتها بحفاوة وأيضاً فايقة التي هنأتها بإبتسامة مزيفة خشيةً من أن تصُب رسمية غضبها عليها كليلةِ أمس لو عاملتها بقلة تقدير.
تحدثت رسمية إليها وهي تِربت فوق كتِفها:
_ إطلعي يا بتي على شُجتك لچل ما تُفطري وتفطري چوزك.
ووجهت باقي حديثها للنساء المتواجدات:
_ وإنتوا يا چماعة،، إتفضلوا إجعدوا في المندرة چوة لجل ما تاخدوا واچبكم.
وأشارت إلى ورد مما أشعل قلب فايقة وتحدثت:
_ يلا يا ورد على المطبخ خلي البنات يجيبوا الحلو والساجع للضيوف.
إبتسمت صفا بسعادة وهي تري بوادر رضا جدتها على والدتها وذلك إستشفتهُ من حديث جدتها،، ثم تحركت للأعلي عائده من جديد لذلك القاسم.
حين تحدثت ورد إلى رسمية بسعادة بالغة:
_ حاضر يا مرت عمي.
وهُمّت لداخل المطبخ بصحبة نجاة، أما تلك الفايقة التي شعرت بنار تسري بجسدها وذلك جراء ما تراهُ من تغيُرات طرأت على رسمية خلال معاملتها لزيدان و ورد،، شعرت وكأن البُساط يُسحب من تحت ساقيها وذلك ما لم تسمح بحدوثهِ مهما كلفها الأمر.
صعدت صفا من جديد لذلك الذي شعر بالوحدة من مجرد إبتعادها عنه لعدة دقائق فقط.
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل السادس عشر 16 - بقلم روز امين
صعدت صفا من جديد لذلك الذي أصابه شعور بالوحدة وعدم الراحة من مجرد ابتعادها عنه لمدة دقائق معدودة.
وما أن رآها حتى استكانت روحه دائمة التشتت.
ألقت عليه نظرات خجلة وتسمرت بوقفتها تفرك كفيها ببعضهما بتوتر.
لم تعِ ما يجب عليها فعله.
بادر هو بالحديث كي يخرجها مما هي عليه:
_ أظن چوعتي دالوك؟
نظرت إليه وهزت رأسها بإيماءة خفيفة.
فحقاً كانت أحشائها تتلوى من شدة شعورها بالجوع لعدم تناولها عشائها بالأمس.
اقترب منها وتحدث وهو يحثها على التحرك بجانبه قائلاً:
_ تعالي معايا على المطبخ نشوف الحاجات اللي مرت عمي جايباها لنا. أكيد فيها أكل.
أطاعته بطريقة أثارت داخله وتحركا معاً.
وبدأ هو برص الطعام اللذيذ المُعد من قبل ورد فوق المنضدة الموضوعة داخل المطبخ.
وجلسا كلاهما وبدأ بتناول فطورهما بشهية عالية وذلك لشدة جوعهما.
فحتى هو حرم على حاله الطعام ليلة أمس وغفى دون أن يتناول عشائه ليشاركها حتى جوعها.
كانت تتناول طعامها وتمضغه بهدوء وهي تنظر داخل صحنها خجلاً.
أما هو فكان يتناول طعامه مسلطاً بصره فوق ملامح وجهها بتمعن وانبهار.
تحدث كي يكسر حاجز الصمت بينهما:
_ نمتي زين امبارح؟
رفعت نظرها إليه بهدوء وهزت رأسها بإيماءة صامتة.
فأكمل هو كي يزيل عنها خجلها وغضبها ويجعلها تتناسى ما حدث بينهما بالأمس وتندمج معه بالحديث:
_ أني كمان نمت ومحسيتش بحالي من كتر التعب.
وأكمل ليُلهيها بالحديث:
_ اليومين اللي فاتوا كانوا متعبين جوي بالنسبة لي. جضيتهم واقف على رجلي لجل ما أرحب بالضيوف. حتى الكام يوم اللي قبلهم قضيّتهم بين المرافعات في المحكمة والشغل طول الوقت في المكتب لجل ما أخلص اللي وراي قبل ما آخد أجازة الجواز.
نظرت إليه وتساءلت باهتمام:
_ هو انت بتترافع قدام هيئة المستشارين زي ما بنشوف في التلفزيون كده؟
ابتسم بسعادة وراحة غزت قلبه على أنه استطاع سحبها إلى عالمه وأجابها بنبرة واثقة تصل إلى حد الغرور:
_ وأحسن من اللي بتشوفيهم في التلفزيون كمان. ولد عمك محامي واعر جوي وليه هيبته في جامعات المحاكم.
كانت تستمع إليه بعيون لامعة وابتسامة واسعة علت شفتيها وأردفت قائلة بإطراء:
_ طول عمرك وانت شاطر ومميز يا قاسم.
ابتسم لها وتحدث مداعباً إياها:
_ طالع لبت عمي.
وأكمل بنبرة هادئة ناعمة:
_ انتِ كمان يا صفا من صغرك وانتِ شاطرة وعارفة ومحددة هدفك زين.
وأكمل بتأكيد:
_ ووصلتي له.
أصابتها خيبة أمل من حديثه وحدثت حالها بتألم.
نعم حققت بعض أهدافي، لكن بقي أعظمهم وأسماهم، وهو وصولي لقلعة عشقك واقتحامها قاسمي.
توقفت عن الطعام وأمسكت محرمة ورقية نظفت بها يدها وشفتاها بعناية.
فتحدث وهو يشير إلى صحنها:
_ كملي وكلي يا صفا.
أرجعت ظهرها مستندة به إلى خلف مقعدها وتحدثت بهدوء:
_ شبعت الحمد لله.
أراد أن يستدعي مرحها وابتسامتها الخلابة وذلك بعدما رأى نظرة انكسار داخل عينيها لم يدري سببها.
فتحدث قائلاً بدعابة:
_ طب بتعرفي تعملي قهوة زين ولا أنا اتدبست واتجوزت ست بت فاشلة؟
انتعش قلبها من كلمة تزوجت.
فكم كانت تشعر بالسعادة من مجرد ربط اسميهما معاً حتى بعد كل ما جرى لها من عشقه الملعون.
وكيف لها أن تتحكم في قلبها، عاشق قاسمها حتى النخاع.
هتفت إليه بنبرة واثقة:
_ هي مين دي اللي فاشلة يا أستاذ؟
وأكملت بتفاخر مصطنع وهي ترفع قامتها وتشير بيدها على حالها:
_ اللي واقفة قدامك دي وبلا فخر بتعمل قهوة عظيمة. بدليل إن أبوي مهيشربش قهوته إلا من يدي. حتى أمي مهتعرفش تظبطها له كيف ما بتظبطها صفا.
ابتسم لها ساخراً وتحدث إليها مستفزاً ليستدعي حماسها أكثر:
_ والله الماية تكدب الغطاس. وادي القهوة وادي البوتجاز.
وأكمل مشيراً لها نحو الموقد:
_ اتفضلي وريني ابداعاتك يا ست صفا وأنا اللي هحكم بنفسي.
وقفت بكل كبرياء وبدأت بصنع القهوة.
وبدأ هو بمساعدتها في لملمة الصحون من فوق المنضدة ووضعها داخل الحوض استعداداً لجليها.
ضيقت عينيها مستغربة تصرفاته البعيدة كل البعد عن طابع الرجل الصعيدي المتعارف عليه داخل عائلتهم.
وتساءلت مستفسرة:
_ انت بتعمل إيه يا قاسم؟
أجابها وهو يضبضب ما تبقى من الأشياء:
_ بلملم الأطباق وهحط لك الصواني والحِلل في التلاجة عشان الأكل ما يخسرش من حر المطبخ.
نظرت له بإعجاب ثم تحدثت بنبرة مستفزة لترد له جزءً من مداعباته:
_ يا ويلك يا سواد ليلك لو مرت عمي شافتك وانت عم تلم السفرة وماسك بيدك الفوطة وعم تلملم بواقي الوكل كده.
أجابها مكملاً ما يفعله بنبرة اعتزاز:
_ وأمي إيه اللي ح تزعلها إني بنضف مكان وكلي والفوضى اللي عملتها بنفسي؟ المفروض إن الحياة مشاركة وكل واحد فينا له دور وعليه مسؤوليات. وبعدين أنا متعود على كده.
وأكمل وهو ينظر إليها بابتسامة مذكراً إياها:
_ ناسيه إني عايش لحالي وواخد على كده اياه؟
أجابته وهي تفرغ ما بداخل القدر الخاص بصنع القهوة إلى تلك الأقداح الصغيرة المخصصة للشرب بها:
_ أيوه ده وانت قاعد لحالك مش معايا.
وأكملت وهي تحمل الصنية بين ساعديها وتتهيأ للخروج إلى غرفة المعيشة ليتناولا بها القهوة:
_ بلاش تعمل كده تاني يا قاسم، أنا منقصانيش مشاكل ويا مرت عمي الله يرضى عليك.
قالت كلماتها وتحركت إلى الخارج باتجاه بهو الشقة.
وضعت ما بيدها فوق المنضدة وجلست فوق الأريكة بعدما أشعلت شاشة جهاز التلفاز وأمسكت جهاز التحكم به وثبته على إحدى القنوات الإخبارية.
جاورها الجلوس بأريكتها ولكن بعيداً عنها كي لا يزعجها.
بسطت يدها إليه ومدتها بقدح قهوته.
فتناوله منها وقربه من أنفه وأشتم عبقها وهو مغمض العينين ثم همهم بارتياح وتحدث متعجباً:
_ ده إيه المزاج العالي جوي ده؟
نظرت إليه ولراحته الظاهرة على ملامح وجهه وتساءلت بابتسامة:
_ عجبتك ريحتها؟
أجابها بملامح هائمة وما زال مغمض العينين ويشم عبق قهوته باستمتاع:
_ جوي جوي.
تحدثت بنبرة حماسية:
_ ده بن مخصوص مهتلاقيش ليه مثيل في مصر كلها. أحمد سليمان المصدر اللي أبوي بيشتغل وياه بيبعت يجيبه مخصوص من البرازيل وبيعمل حساب أبوي معاه.
تحدث إليها بعدما ارتشق أول رشفة من قهوتها التي وبالفعل تأكد من تميزها ويكاد يجزم بأنها أفضل قدح قهوة ارتشفه طيلة حياته:
_ تسلم يدك يا دكتورة،، القهوة عظيمة بجد.
ابتسمت بخفة وتحدثت بهدوء:
_ بألف هنا.
وسحبت بصرها لتعاود النظر إلى شاشة التلفاز مرة أخرى لتشاهد ما يقال بتمعن واهتمام.
تطلع إليها باستغراب حالها وتحدث متعجباً:
_ آخر حاجة كنت أتخيلها إنك تكوني بتهتمي بالأخبار السياسية والاقتصادية!
حولت بصرها إليه سريعاً وهتفت بنبرة حادة حزينة:
_ وانت إيه اللي تعرفه عني يخليك تقول كده؟
وأكملت بنبرة ملامة:
_ مش لما تبقى عارفني الأول يا متر تبقى تعرف إيه هي اهتماماتي؟
لاحظ حزنها وتشنج ملامحها وتساءل متعجباً:
_ بتقوليها وانتِ زعلانة ليه كده يا صفا؟ هو أنا قلت حاجة زعلتك مني؟
أجابته متهربة بعينيها بعيداً عن مرمى عينيه المهلكة لقلبها العاشق:
_ أنا مزعلانش ولا حاجة، بس محبيتش منك نبرة التجليل اللي حسيتها من وسط كلامك دي.
قطب جبينه وتحدث إليها مدافعاً عن حاله:
_ وأنا عمري ما جللت منك ولا أجدر أعمل كده من الأساس يا صفا. كل ما في الموضوع إني استغربت شوية اهتمامك بالأخبار.
وأكمل مفسراً:
_ يمكن لأني واخد فكرة عن البنات إنهم بيتفرجوا على البرامج الفنية والمسلسلات والأفلام، وبكتيرهم جوي يتفرجوا على برامج توعوية وتربوية.
أجابته بقوة:
_ فكرتك غلط يا حضرة المحامي. معظم الستات دالوقت عقلها واعي ومتفتح إلى أبعد ما خيال سعادتك يصور لك. الست بتختار توجهاتها الفكرية اللي تناسب تفكيرها الواعي بدون توجيه مباشر من أي حد. الست أصبحت في زماننا لا تقل أهمية عن الراجل وتقدر تحقق انتصارات من خلال مجالها.
وأكملت بنبرة غائرة لم يلاحظها هو:
_ وبما إنك محامي كان المفروض تكون أدرى الناس بعقليات الستات المختلفة. وده طبعاً بحكم شغلك وإنك بتقابل ستات ياما أشكال وألوان.
أجابها وهو يبتسم:
_ مفهومك عن المحاماة غلط خالص يا صفا. أنا مجرد محامي، منيش محلل نفسي لجل ما أعرف توجهات وعقول الحريم رايحة لوين. أنا كل علاقتي بموكلاتي إني أسمع مشكلتها باختصار وأحاول جاهداً أحلها لها وأخد أتعابي وخلصنا على كده.
وأكمل باقتضاب ونبرة متهكمة:
_ فاضي أنا اياه ل لت الحريم وعجنهم اللي مهيخلصش.
ابتسمت بخفة وأكملا معاً مشاهدة البرنامج.
***
عصراً داخل المسكن الخاص بمريم وفارس.
دلف من الباب وجدها تجلس فوق مقعد محتضنة صغيرتها التي ما أن رأت والدها حتى قامت بالتهليل والتصفيق بكفي يديها مشيرة إليه كي يرفعها لداخل أحضانه مثلما دائماً يفعل.
طار قلبه فرحاً حين رآها وأسرع الخطى حتى اقترب منها ورفعها لداخل أحضانه الحانية وبات يزيدها بوابل من القبلات.
همهمت إليه صغيرته وهي تداعب وجهه بأناملها الصغيرة قائلة:
_ بابا.
ابتسم لها وتحدث بسعادة بالغة:
_ إيه يا جلب بابا وعجلة.
ثم وجه بصره لتلك الجالسة بوجه مبهم وملامح وجه جامدة وتحدث مستفهماً بنبرة ساخرة وهو يهم بالجلوس:
_ مالك يا مريم، جالبة خلجتك في وشي من امبارح ليه كده، زرعتيها مانجة طلعت بطيخ اياه؟
نفخت بضيق وتحدثت بنبرة تهكمية وهي تنظر أمامها متلاشية النظر لعينيه:
_ اطلع من نفوخي يا فارس وبلاش تبتديها معايا كده. أنا فيا اللي مكفيني ومنقصانيش تحطيم من حد ومنك انت بالذات.
ضيق عينيها مستغرباً حدتها وغضبها وتساءل باستفهام:
_ كل الموشح ده عشان جلت لك مالك، بتتلككي ولا إيه انتِ؟
نظرت له بعيون مشتعلة وتحدثت بنبرة شديدة الحدة:
_ أنا معتلككش يا فارس بيه ولا أحب المشاكل من أساسه. ولو إني بتلكك كنت فتحت لك تحجيج ليلة امبارح في اللي حصل منك قدام حريم النجع كلهم.
تساءل مستغرباً بنبرة تهكمية:
_ وإيه بقى اللي حصل ليلة امبارح يا ست مريم؟
ابتسمت ساخرة وأردفت قائلة بنبرة بائسة منكسرة:
_ لو مش حاسس باللي عملته فيا وتجليلك لجيمتي يبقى قلة حديث أحسن.
قالت كلماتها وأسرعت غاضبة باتجاه غرفتها وما أن دلفت حتى أغلقت بابها بحدة هزت جدران الشقة بأكملها.
كان ينظر إلى طيفها بشرود وملامح وجه مكشرة غير مستوعباً سبب غضبها.
ذاك نفض رأسه من تصرفات تلك المتعصبة ثم نظر لصغيرته وابتسم بوجهها ثم وضع قبلة وأردف قائلاً بنبرة دعابة:
_ أمك كان عقلها طار على الآخر يا جميلة. شوية شوية هتقولي الاهتمام ما بيطلبش يا فارس بيه.
وابتسم لطفلته وبات يدغدغها تحت ضحكاتها الطفولية التي تذهب عقله وتلهيه عن همومه التي قام بسجن روحه بداخلها منذ ما جرى.
غير عابئ بتلك الغاضبة التي تمكث بداخل حجرتها تبكي وتنتحب حظها السيء الذي جعلها مع ذاك الفاقد الحس.
***
داخل مدينة القاهرة.
وبالتحديد داخل مسكن مي صديقة دكتورة أمل.
كانت الفتاتان تتجاوران الجلوس فوق الأريكة وتتحدثان في أمور عملهما كطبيبتين ماهرتين.
أتت إليهما إيمان والدة مي والتي تبلغ من العمر خمسة وخمسون عاماً وتمكث بمفردها مع ابنتها داخل الشقة بعدما توفي زوجها منذ عدة أعوام.
اقتربت من جلستهما ووضعت الصنية التي بيدها فوق المنضدة وتحدثت بملامح وجه بشوشة:
_ عملت لكم شوية سندوتشات مع النسكافيه.
نظرت لها أمل وتحدثت إليها بنظرات شكر وامتنان:
_ مش عارفة أشكر حضرتك إزاي على تعبك معايا يا طنط.
وأكملت بنبرة خجلة:
_ مش كفاية إني اقتحمت عليكم الشقة ونزلت عليكم زي الباراشوت وغيرت لكم نظام حياتكم.
وجهت لها إيمان نظرات ملامة وتحدثت:
_ عيب يا بنت الكلام اللي بتقوليه ده، فيه واحدة بردوا تقول كلام زي ده لمامتها وأختها؟
وأكملت مفسرة:
_ وبعدين انتِ جيتي مليتي علينا البيت وونستينا بدل قعدتي أنا ومي لوحدنا كده طول اليوم.
أردفت أمل بنبرة شاكرة:
_ ميرسي يا طنط لذوق حضرتك وكرمك معايا.
وأكملت باستحياء:
_ على العموم أنا هروح بكرة أحجز في أوتيل علشان مش عاوزة أتعبكم معايا أكتر من كده.
اتسعت عينا مي وتحدثت بنبرة حادة:
_ إيه الكلام الأهبل اللي بتقوليه ده يا أمل، يعني إيه تحجزي في أوتيل وتروحي تقعدي فيه لوحدك؟
تنفست أمل عالياً وأردفت بتفسير خجل:
_ أنا مش حابة أتقل عليكم أكتر من كده يا مي، وخصوصاً إن لسه فاضل تلات أسابيع على افتتاح المستشفى اللي اتعينت فيها.
وجهت إيمان تسائلاً إليها:
_ هو انتِ بردوا لسه مصممة على موضوع سفرك للصعيد ده يا بنتي؟ ما المستشفيات الاستثماري مالية البلد وانتِ دكتورة شاطرة وألف مكان يتمناكِ، اشتغلي في أي مستشفى وإن كان على السكن أديكي قاعدة معايا أنا ومي.
وأكملت باعتراض:
_ ولو إني مش مع إنك تقاطعي مامتك بالشكل ده وخصوصاً إن ريماس قربت تتجوز من الدكتور اللي اسمه وائل ده كمان، ومامتك بكده هتكون وحيدة وأكيد هتحتاج لوجودك معاها.
انتفضت بجلستها وتحدثت بملامح وجه غاضبة وكأن أحدهم قد أشعل النيران في جسدها بالكامل:
_ أرجوكِ يا طنط بلاش تفتحي معايا الموضوع ده تاني.
وأكملت بابتسامة ساخرة:
_ وإن كان على ماما فمتحمليش همها، أنا أصلاً عمري ما كنت من أولوياتها، وأكيد عمرها ما هتحتاج لي في وجود بنتها الأقرب لقلبها، ده مش بعيد الدكتور يشتري لهم فيلا علشان يجمع فيها الأم الحنون وبنتها فائقة الجمال.
تنهدت مي بأسى على حال صديقتها وأيضاً إيمان التي تحدثت بهدوء كي تمتص غضب تلك المنكسرة:
_ طب إهدي يا بنتي، وحاضر مش هفاتحك في الموضوع ده تاني، بس اعملي حسابك انتِ مش هتخرجي من هنا غير على طيارة سوهاج.
_ مفهوم يا أمل؟
أومأت لها بوجه مبهم واستأذنت منهما وانسحبت إلى غرفتها المشتركة مع مي.
تحدثت إيمان بنبرة حزينة:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله، صعبانة عليا أمل أوي، بس كان نفسي تسامح أمها وترجع تعيش معاها بدل ما هي مسافرة الصعيد وهي مش عارفة إيه اللي ممكن يكون مستنيها هناك.
تنهدت مي ثم أجابتها بنبرة حزينة:
_ أمل معذورة بردوا يا ماما، اللي حصل لها على إيد الندل اللي اسمه وائل مش قليل بردوا، وتصرف أمها وأختها كان منتهي الخسة.
هزت إيمان رأسها بموافقة وصمتت.
أما أمل التي وما أن دلفت لغرفتها حتى تحركت إلى شرفة الغرفة ونظرت للسماء الصافية وبدون مقدمات نزلت دموعها تجري فوق وجنتيها بحرارة.
أسرعت بوضع كفيها وجففتهما سريعاً ورفعت قامتها بكبرياء رافضة ضعفها.
***
جاء المساء وتحدثت ورد إلى صغيرتها عبر الهاتف وابلغتها أنه يجب عليها النزول إلى الأسفل بصحبة قاسم لأخذ المباركة من جدتها وجدها ونيل رضاهما عليها.
وأملت عليها بأن تقوم بتجهيز صنية كبيرة وتضع عليها صحن كبير من الحلوى التي أُعدت سابقاً للعُرس، وبعض قطع الشيكولاتة والفاكهة كي تقوم بتقديمهم لأهل المنزل كحلوان لإتمام الزواج كما جرت العادة.
وأخبرتها بأنها ستبعث لها صابحة، تلك الفتاة التي تساعدها في القيام بأعمال منزلها.
أغلقت صفا معها وأخبرت قاسم بما أملته عليها والدتها وانساق لرغبتها رغماً اعتراضه على تلك العادات التي يرفضها جميعاً.
وذلك في محاولة منه لنيل كسب رضاها، وتحركا معاً للأسفل وخلفهما صابحة التي تحمل تلك الصنية بالنيابة عنها.
كان الجميع يجلس في بهو المنزل بانتظار هبوط العروسين لتقديم التهنئة لهما.
رفعت فايقة بصرها تتطلع على تلك التي تتدلى من أعلى الدرج بجانب زوجها الذي أنير وجهه وأصبح مشعاً بالحياة وكأنه تبدل منذ ليلة وضحاها، مما أدى إلى استغراب فايقة وبث قلقها.
لفت انتباهها أيضاً خلو يدي صفا من حلوى العُرس كما هو المعتاد.
رفعت قامتها لأعلى لتتفقد، وجدت عاملة ورد تتحرك خلفها تحمل عنها عبء الحامل.
لوت فاهها وتحدثت بصوت مسموع للجميع:
_ الدكتورة كأنها عم تتكبر على أهل جوزها ومهتعبرهمش من أولها.
انتبه الجميع إلى حديثها ثم قاموا بتوجيه نظراتهم لتلك صفا.
فتحدثت نجاة بهدوء:
_ متكبريش الموضوع يا أم قاسم، محصلش حاجة لكلامك ده.
تحدث عثمان بنبرة حادة:
_ ولما فايقة متكبرش المواضيع مين يشعلل البيت ويقومه حريقة يا نجاة!
نظرت إليه بعيون منكسرة وتحدثت بنبرة ضعيفة اصطنعتها خصيصاً كي تنال تعاطف الجميع:
_ هو أنا عشان بتكلم في الأصول والعادات أبقى أشعلل البيت وأولعه يا عمي؟
اقتربت منهم صفا وقاسم.
فوقف الجميع لاستقبالهم عدا الجد والجده.
تحركت إلى جدها ووقفت أمامه ثم مالت على كف يده وقبلته باحترام.
أما عثمان الذي كان يشعر براحة عجيبة بعدما تم زواجها بقاسم، بجانب شعوره الملّح بالحنين لها.
أمسك ذقنها وأجبرها على النظر داخل عينيها التي تتهرب من النظر داخلها.
نظرت له واستشفت من عينيه حنينه إليها وما كان منها إلا أنها ارتمت لداخل أحضانه بخجل فشدد هو عليها وتحسس بيده على ظهرها بحنان.
تنهدت براحة واستكانة وتحدث هو مباركاً بنبرة حنون:
مبارك يا بتي، عقبال ما أشوف عوضك.
ابتسمت له خجلاً وتحركت إلى جدتها لتأخذ مباركتها.
وتحرك هو إلى جده ونظر داخل عينيه بجمود فهو إلى الآن ما زال غاضباً منه ولم يتخطى إهانته السابقة له أمام صفا.
مد يده لمصافحته.
ابتسم عثمان بجانب فمه وتحدث بنبرة ساخرة مداعباً بها حفيده الأكبر:
_ طالع جلبك أسود كيف أبوك يا ابن قدري.
طالعه باستغراب فأكمل عثمان:
_ مهتنساش اللي حصل واصل رغم إنك اتأكدت بنفسك إن الخير كله في اللي أنا اخترتهولك بيدي.
ثم حول بصره إلى تلك الجميلة التي رمت حالها داخل أحضان جدتها وتحدث بحديث ذي معنى:
_ ولا إيه يا قاسم؟
أجابه بنبرة جامدة وأدب لم يتخطاه طيلة حياته معه:
_ معنديش أدنى شك في إنك رايد مصلحتي يا جدي، بس طريقة الترهيب والتهديد دي معجبهاش ولا عمري هنسى طريقتك المهينة لرجولتي قدام صفا.
أجابه الجد سريعاً:
_ وأهي بقت مراتك وسترك وغطاك، وبكرة تيجي وتشكرني وتقول لي ما أنساش معروفك اللي عملته فيا يا جدي.
ابتسم لجده بخفة.
أما صفا التي تحركت إلى فايقة ووقفت قبالتها ومدت يدها لمصافحتها تحت ملامح وجه فايقة الغاضب التي تحدثت إليها بنبرة ساخطة:
_ ده انتِ قاصدة تهنيني بقى يا ست صفا!
نظرت إليها باستغراب وتساءلت ببراءة:
_ أنا بهينك يا مرت عمي؟ حضرتِك بتقولي ليه كده؟
هتفت فايقة عالياً لتسمع الجميع بنبرة حزينة وعيون منكسرة مدعية البراءة:
_ أومال معناه إيه اللي عملتيه غير قلة استعانة منكِ ليا يا بتي؟
وأكملت بنبرة حزينة مصطنعة تستدعي بها تعاطف الجميع:
_ يعني لما تدلي عليا ليلة صباحيتك وتخلي خادمتك تقدمي لي صنية الكحك حلوان الفرح اللي المفروض انتِ اللي تقدميها لي بيدك، أفسرها بإيه؟
وأكملت:
_ ولا لما تسلمي علي وتتكبري تميلي على يدي لجل ما تاخدي رضاي عليكي زيك زي أي عروسة في النجع، يبقى اسمه إيه ده يا بتي؟
تحدثت صفا مداعبة عن حالها بنبرة بريئة:
_ أكيد مقصدتش اللي فهمتيه واصل يا مرت عمي، الموضوع ببساطة إن أمي بعتت صابحة لجل ما تشيل عني الصنية لأني مش متعودة على شيلها وخافت للصنية تقع من يدي.
طب وسلامك على، ده كمان أمك اللي جالت لك عليه ووصتك؟
كان هذا سؤال طرحته فايقة على صفا بنية خبيثة لتظهر للجميع فشل ورد في تربية ابنتها على الأصول المتعارف عليها.
وقفت متلبكة حائرة لا تدري بما تجيبها.
أنقذها فارسها الهمام متحدثاً برجولة:
_ متكبريش الموضوع يا أمي، مجراش حاجة لحديثك ده، صفا اتصرفت بعفوية وبعدين دي عادات فاضية كلها وملهاش لازمة.
انتفضت ليلي من جلستها وهتفت معترضة بنبرة حادة وقلب مشتعل:
_ وهي العادات دي هتيجي لحد صفا هانم وتبقا فاضية وملهاش لازمة؟ هي أحسن من مين يا قاسم، متعمل كيف ما كلنا عملنا.
تحدث عثمان موجهاً حديثه إلى ليلي بنبرة حادة:
_ متشعليلهاش يا بت قدري.
تحدثت ليلي بندية وهي تربّع يديها حول صدرها:
_ أنا مش شعّلالها يا جدي، أنا بتكلم في الأصول اللي انت بنفسك دايماً تعنفنا عليها وتنبهنا ليها!
تلبك عثمان أمام حديث تلك الشيطانة الصغيرة التي استغلت تعسف عثمان وتمسكه بالعادات والتقاليد لصالح والدتها.
أما يزن الذي يتألم داخلياً ويشتعل ناراً لأجل الموقف التي وضعت به صفا، ولكنه للأسف لا يستطيع التدخل لعدم افتعال المشاكل خصوصاً في حضرة جده وقاسم الذي أصبح مسؤولاً مسؤولية تامة عن حمايته.
لكنه هتف ناهراً ليلي بحدة كي يجعلها تكف أذاها عن ابنة عمه الرقيقة:
_ متدخليش حالك في كلام ميخصكيش يا ليلي.
ارتبكت من نظرة يزن المستشاطة والمحذرة لها وخشية غضبه عليها.
حين هتف قاسم هو الآخر إليها بنبرة حادة:
خليكي في حالك يا ليلي وإبعدي عن أي حاجة تخص صفا.
فتحدثت الجدة كي تفض الجدل الدائر:
_ صلوا على النبي يا جماعة.
ثم نظرت إلى صفا التي أخذت الحيرة والتشتت نصيبها وباتت تتلفت على الوجوه بتشتت.
تحدثت رسمية كي لا تدع لأحفادها فرصة التمرد على العادات المفروضة داخل عائلتها:
_ ميلي على يد حماتك وخذي رضاها يا صفا.
نظرت لها بجبين مقطب غير مستوعبة الجدل الدائر من حولها ولا حديث جدتها.
فأكملت الجدة بتأكيد:
_ دي الأصول يا بتي وانتِ بت زيدان النعماني، يعني سيد مين تفهم في الأصول زين.
تشتت داخلها وبلحظة أقبلت على كف يدها وأمسكت به.
أوقفها قاسم بهتافه الحاد لها حيث قال لمؤازرتها:
_ متعمليش حاجة انتِ مش حباها ولا رايداها لجل ما تتبعي تقاليد عامية يا صفا.
حولت بصرها سريعاً إليه ونظرت إليه بحيرة فأومأ لها بعينيه كي يطمئن روحها.
في حين تحدثت الجدة بتشبث كي لا يخترق نظام قبضتها الحديدية وتعطي مجالاً لأحفادها للثورة على كل ما هو مقدس بالنسبة لها:
_ مهينفعش يا قاسم، دي عادات وتقاليد بنحترم بيها بعضينا وورثناها عن جدودنا ولازم نحافظوا عليها ونحترموها.
أما عن قاسم الذي تحدث بقوة ودفاع مستميت عن زوجته هاتفاً وبحدة:
_ وأنا جلت مرتي مهتميلش على يد حد وتجلل من نفسها حتى لو كانت الحد دي هي أمي بذات نفسها.
وأكمل حديثه بحدة:
_ وكل ده ليه، عشان شوية عادات فارغة ملهاش لازمة غير إنها بتوقف النفوس من بعضيها؟
وللحظة شعرت بقوة لا تعلم مداها.
مشاعر جديدة عليها اجتاحت عالمها.
حماية، أمان، معنى جديد لمفهوم السند بعيداً عن غاليها زيدان.
نظرت لها فايقة بقوة وغضب.
أما عن رسمية التي توسلتها بنظراتها أن تفعل ما طُلب منها.
وبالأخير ضعفت أمام توسلات جدتها وتجنبت لافتعال وإثارة الجدل من البداية.
فأمسكت بكف يد فايقة وكادت أن تميل بقامتها لتضع مرغمة قبلة مفروضة عليها.
اتسعت عيناه ذهولاً من ما هي مقبلة عليه تحت سعادة ليلي وفايقة التي رفعت قامتها لأعلى بكبرياء وكأنها وبتلك الخطوة قد خطت بساقيها أولى خطوات تنفيذ انتقامها الأثم من ذاك الزيدان.
لم يدري بحاله إلا وهو يتحرك إليها جاذباً إياها بعنف قبل أن تميل برأسها لتطبع القبلة ولفها لتقابل وجهه وتحدث بنبرة حادة غاضبة:
_ معتسمعيش الكلام وتنفذيه ليه؟
وأكمل بإهانة لشخصها:
_ ولا انتِ كيفك كيف الباقية، بتعشقي الذل والمهانة كيف عنيكي؟
نظرت إليه بعيون تكاد تصرخ ألماً من إهاناته الحادة لها تارة، وتارة أخرى من ما يحدث لها في أول يوم تقضيه داخل هذا المنزل.
أما عثمان الذي كان يراقب تغيرات ملامح وجه قاسم الغاضبة بتمعن وينتظر رد فعله وكيف سيحمي صفا من تصرفات والدته البغيضة.
ولكنه بالتأكيد ما كان سيسمح لابنة غالية بالذل والمهانة والانكسار أمام صاحبة القلب الأسود المسماة بفايقة.
ابتسم برضا على تصرف قاسم وتحدث عثمان بنبرة حادة وهو يشير إلى الجميع ويسمح لهم بالجلوس:
_ لحد اهني وخلاص الحديث ومعايز حد يفتح خاشمه تاني.
وأكمل وهو يرمق فايقة بنظرات نارية قائلاً لها بتهديد:
_ فايقة، اللي حصل اليوم معايزهوش يتكرر واصل وإلا انتِ حرة في اللي هيجري لك على يدي.
ابتلعت فايقة لُعابها رعباً وهزت رأسها سريعاً بموافقة.
ثم وجه حديثه إلى رسمية قائلاً:
_ نادمي على البنات وجولي لهم يعملونا شاي يا حاجة.
كان قدري ومنتصر يشاهدان كل ما يحدث بصمت تام وذلك بعد ما تلقوا إشارات محذرة من عيني عثمان يبلغهم من خلالها بعدم التدخل وذلك كي يرى رد فعل قاسم لحماية ابنة غالية الذي وضعها أمانة بين يديه.
جلست وهي تبتلع غصة مريرة داخل حلقها من كلمات قاسم المهينة لشخصها.
نظرت فايقة إلى ولدها بنظرات مستعله وتحدثت بنبرة غاضبة وهي تقف:
_ تعالَ معايا يا قاسم،، عايزاك في موضوع مهم.
كان ما زال مسلطاً بنظراته إلى تلك التي أشعلت غضبه بعدم انصياعها إلى كلماته.
رمقها بنظرة غاضبة وبالفعل تحرك مع والدته متجهاً إلى الخارج ووقفا داخل الفيراندا وتحدثت هي بنبرة غاضبة لائمة:
_ أنا مهلومكش ولا هعاتبك على اللي حصل جوه وإنك نصفت بت ورد على أمك من أولها ونصروها علي، بس أنا معيزاش اللي حصل ده يحصل تاني.
هتف بها عالياً بنبرة حانقة:
_ أمي، أنا مطايجش حالي ومناقصني عويل،، جولي عاوزة إيه جوام خليني أدخل أعد شوية مع جدي عشان أطلع مطرحي لجل ما أرتاح.
اغتاظت من حديث ولدها المقلل من حديثها وكظمت غيظها ثم أخذت نفس عميق وأخرجته بهدوء كي تهدئ من روعها وتحدثت بتنظير:
_ انتَ جافل التلفون بتاعك ليه من أول امبارح؟
قطب جبينه باستغراب وتساءل مستفهماً:
_ وانتِ عرفتي منين إني جافلة؟
تحدثت بنبرة متعالية:
_ كلمت إيناس من النمرة اللي خدتها من عدنان أول امبارح لجل ما أطمن عليها، وهي اللي جالت لي واشتكت لي وما إن استمع إلى حديثها وكأنه صُعق من إحدى منافذ الكهرباء وتحدث سريعاً مؤنباً إياها بنبرة حادة:
_ وانتِ بتكلميها ليه من الأساس، هو انتِ بتدوري على المشاكل وخلاص، ولا ماليش مصيبة تحطيني فيها فبتخلقي لي مصيبة على كيفك؟
أجابته بنبرة هادئة:
_ متهدي عاد يا قاسم، هو كان جرى إيه يعني لزعابيبك دي؟
وأكملت بابتسامة شامتة:
_ هي مش هتبقى مرات ولدي هي كمان ولازم أطمن عليها حسب الأصول ولا إيه؟
اشعل داخله من حديثها المستفز وتحول بياض عينيه باللون الأحمر مما يدل على مدى اشتعاله وكاد أن يرد لولا استمعا كلاهما لصوت حمحمة زيدان الذي خرج لتوه من منزله وجلس فوق أريكته بداخل الفيراندا الخاصة بمنزله ويبدو على وجهه علامات الحزن والهم.
توجه إليه قاسم حديثه باحترام:
_ سلام عليكم، كيفك يا عمي؟
نظر له زيدان وأجابه بهدوء:
_ الحمد لله يا ولدي، كيفك انت وصفا؟
أجابه بهدوء وامتنان:
_ صفا بخير يا عمي الحمد لله، هي جوه قاعدة ويا جدي لو حضرتك رايد تشوفها.
بعدين يا قاسم، بعدين. جملة قالها زيدان بنبرة حزينة.
تحدثت تلك الشمطاء التي نظرت داخل عينيه وفهمت مغزى حزنه:
_ مبروك يا أبو العروسة، عقبال ما تشيل عوضها على يدك عن قريب إن شاء الله.
نظر لها وتحدث بنبرة باردة:
_ في حياتك يا أم قاسم.
خرجت إليه ورد تحمل صنية فوقها قدحان من مشروب القهوة ووضعتهما فوق المنضدة الموضوعة أمام زيدان الذي ابتسم لها بحنان وتحدث إليها:
_ تسلم يدك يا غالية.
ابتسمت له بسعادة تحت استشاطة فايقة وغليان صدرها بنار الغيرة التي تنهش داخلها وهي ترى سعادة ذاك الثنائي الذي لم تختفي أو حتى تقل درجاتها برغم مرور كل تلك السنوات.
نظرت ورد إلى قاسم وأردفت متسائلة بابتسامة:
_ صفا كيفها يا ولدي؟
أجابها بنبرة حنون جعلت داخل فايقة يشتعل أكثر:
_ زينة وبخير يا مرت عمي.
أجابته بنبرة حنون:
_ خلي بالك منها يا ولدي.
أجابها بنبرة حنون مطمئناً إياها:
_ في عيوني يا مرت عمي،، متشيليش همها واصل طول ما هي معايا.
وتحرك عائداً إلى الداخل وجلس بصحبة جده ما يقرب من النصف ساعة ثم اصطحب صفا وصعدا إلى الأعلى.
***
وما أن دلفا إلى مسكنهما حتى تحرك هو سريعاً إلى الأريكة وأرتمي بجسده عليها جالساً بإهمال وبدأ بهز ساقيه بطريقة حادة تدل على مدى انزعاجه.
نظرت إليه بترقب واقتربت من مجلسه وجلست بمقعد مقابل وأردفت باستفهام:
_ أنا مفهماش انت جايب وشك عليا وزعلان ليه كده؟
تساءل بنبرة حادة غاضبة:
_ صح معرفش زعلان ليه يا حضرة الدكتورة المحترمة؟
وأكمل بنظرة حادة:
_ زعلان عشان مكابرتك وعنادك ليا وصلوكي فإنك كنتِ حتتنازلي عن كرامتك وتطاطي على يد أمي وتحبي عليها لجل بس ما تكسري كلمتي.
جحظت عيناها وهي تنظر إليه مستغربة حديثه ثم أردفت قائلة بنبرة حزينة من ادعائه واتهامه لها بالباطل:
_ هي دي فكرتك عني وهو ده كل اللي فهمته من الموضوع!
وقف من جديد واقترب من وقفتها وتحدث متسائلاً بنبرة حادة:
_ اديني مبرر واحد يخليكي تعملي اللي عملتيه ده غير إنها مكايدة فيا!
تحدثت بدموعها التي لم تستطع التحكم بها فجرت على وجنتيها رغم عنها:
_ مبرري إني معيزاش مشاكل من أولها يا قاسم، بتتحدت ولا كأنك شفت اللي حصل بعينيك.
وأكملت بنبرة ملامة:
_ وبعدين كنت عاوزني أعمل إيه عاد وأنا شايفة مرت عمي كل همها تركبني الغلط وتظهر للكل إن أمي قصرت في تربيتي ومعلمتنيش الأصول زين، دي حتى جدتي لما وقفت في صفها ضدي!
أجابها بنبرة حنون متأثراً بدموعها:
_ بس أنا كنت معاكي وجلت لك لا يا صفا!
أجابته وهي ترفع كتفيها باستسلام قائلة بنبرة انهزامية قطعت بها أنياط قلبه:
_ خفت يا قاسم، لأول مرة أحس حالي وحيدة وأني بعيدة عن حضن أبوي وأمي.
وأجهشت بالبكاء وكأنها طفلة ذات الثلاث أعوام تفتقد لأمان والديها.
تحرك إليها سريعاً ولم يشعر بحاله إلا وهو يجذبها ويسحبها لداخل أحضانه ويلف ساعديه حولها ليشملها برعايته وهو يربت على ظهرها بحنان قائلاً بنبرة رجولية حانية:
_ وأنا رحت فين يا صفا،، أنا معاكي ومهسيبكيش واصل.
ومن العجيب أنها استكانت بداخل أحضانه بل وأطلقت لدموعها العنان وباتت تبكي وبشدة وكأنها كانت تحتاج لهذا العناق كي تخرج ما يؤلم صدرها وتطلق العنان لكل ما يؤرق روحها ويؤذيها.
كان يحتضنها برعاية ويهدهدها كطفلته البريئة ويهدأ من روعها.
شعور بالراحة اجتاح كيانه بقوة من مجرد عناقها البريء.
ود لو يتوقف بهما الزمن وتظل هكذا مستكينة هادئة بين أحضانه.
كان قلبه يدق بوتيرة عالية وما شعر بحاله إلا وهو يشدد من ضمته الاحتوائية لها باستماع روحي بعيد كل البعد عن الرغبة الجسدية.
وبعد مدة كانت قد هدأت من نوبة البكاء الحادة التي انتابتها وسيطرت عليها.
وبلحظة وعَت على حالها وكأنها كانت مغيبة وأخيراً استفاقت.
استغربت حالها وهي تتشبث بصدر قاسم ممسكة بتلابيب جلبابه وأستغربت أيضاً ضمته القوية لها وهدهدته الحنون وتلامسه الرقيق فوق ظهرها.
ابتعدت سريعاً وتحدثت وهي تنظر أسفل قدميها بنبرة خجلة متلبكة:
_ أنا، أنا آسفة، أنا معرفش عملت كده كيف!
كان ينظر لحيائها وخجلها الزائد عن الحد بإثارة واندهاش.
والحق يقال فقد أثارت داخله بحيائها الذي زاد من شغفه وتعلقه بها.
تحدث إليها بهدوء محاولاً تهدئتها:
_ إهدي يا صفا، محصلش حاجة لآسفك دي!
واسترسل حديثه بمداعبة لطيفة:
_ بتتأسفي عشان كنتِ جوه حضن جوزك؟
وتحرك باتجاهها مقترباً عليها.
أما هي فارتاعت وارتجف جسدها من نطقه لتلك الكلمات التي طالما حلمت بتحقيقها.
وتحدثت إليه بتلبك وارتباك واضحان وهي تتراجع للخلف سريعاً متهربة:
_ أنا نعسانة وهدخل أنام.
أجابها سريعاً وهو يمسك كف يدها ويحثها على التوقف:
_ خلينا قاعدين مع بعضنا كمان شوية.
نظرت لداخل عينيه وتاهت في سحرهما.
ابتلعت سائل لُعابها بتوتر ظاهر له ثم أومأت له بموافقة وكأنها مسيرة.
سحبها من يدها وأجلسها بهدوء فوق الأريكة وتحدث بنبرة حماسية:
_ اجعدي اهني وأنا هروح أعملك أحلى صنية تسالي هتشوفيها في حياتك، وأرجع لك لجل ما نشوف فيلم سوا.
***
داخل غرفة قدري وفايقة.
كانت تخرج من المرحاض لتستعد لغفوتها.
دلف إليها قدري وتحدث إليها بنبرة لائمة:
_ وبعدهالك عاد يا فايقة، بادية الحرب انتِ وبتك على بت زيدان بدري ليه آكدِة؟
تحدثت إليه بنبرة حقودة:
_ أنا اللي بدأتها يا قدري ولا مقصوفة الرقبة بت ورد اللي جاية تتكبر وتتأمر علي من أولها؟
هدي اللعب شوية يا فايقة،، أنا ما عايزش مشاكل ويا زيدان من أولها، زيدان لو بتُه اشتكت له ما يسكتش وهيقوم البيت حريقة.
وأكمل بنبرة حقودة:
_ أنا خابرة وخابر طبعه العفش زين، هو يبان كيف البسة الهادية، بس لحد بتُه هيجلب أسد وهيبلعنا كلياتنا.
ثم تحدث إليه بجبين مقطب:
_ وبعدين انتِ مالك ومال البت، إحنا مش نولنا غرضنا وابنك اتجوز بت زيدان وبقت في يده هي وكل مال وحال أبوها، عاوزة إيه تاني يا ولية؟
دي أمور وشغل حرب مليكش صالح بيها يا قدري، وخليك في حالك بعيد عني. جملة غاضبة هتفت بها فايقة وهي تتحرك إلى فراشها لتستعد للنوم.
تحرك إليها وأمسك يدها متحدثاً بنبرة حنون:
_ لساتك زعلانة مني؟
نفضت يده بحدة وتحدثت بفحيح:
_ اياك تكون فاكر إني هعدي لك اللي عملته فيا بالساهل كده؟
وأكملت بتهديد:
_ تبقى غلطان ومسكين ولساتك متعرفش مين هي فايقة النعماني.
أجابها بنبرة جامدة:
_ ما خلاص يا مرة عاد، هو كان جرى إيه لزعلك ده كله، ضايجتيني بالحديث وحرجتي دمي وأدبتك وإنتهي الموضوع.
جحظت عيناها وصاحت بنبرة حادة:
_ أدبتني؟ ليه يا واد عتمان، كنت شايفني ناقصة تربية ولا ناقصة ترباية لجل ما تأدبني؟
أجابها بنبرة غاضبة:
_ وهي الحرمة اللي تمنع حلال ربنا عن جوزها من غير أسباب تبقى إيه غير إنها ناقصة تربية يا واكلة ناسك؟
وأكمل بعيون تقطر غل وحقد:
_ والمُرة اللي تتحدث عن أخو جوزها بالطريقة اللي اتحدثتي بيها عن زيدان تبقى إيه يا بت سنية؟
ارتبكت من نظراته ونبرة صوته التي لا توحي بالخير ولا تنذر به.
فأرادت أن تمتص غضبه لتقي حالها شر اللامحدود والتي تعرفت عليه منذ القريب.
وأقتربت منه بذكاء وتحسست صدره بدلال وبنبرة أنثوية تحدثت:
_ لساتك بتغيري لحد دلوقتي يا قدري؟ للدرجة دي بتحبني يا واد عمي؟
وما كان من ذلك الأبلة غير الانصياع لألاعيب تلك الشمطاء وجذبها بشدة عليه وتحدث بقوة وخشونة:
_ تعرفي يا فايقة لو عملتي كده تاني،، وعزة جلال الله لدفنك مطرحك.
ابتسمت له بدلال ورمت حالها داخل أحضانه وشدد هو عليها تحت نفورها واشمئزازها منه وتحت سعادة ذاك الأبلة عديم الحس والإحساس.
***
كانت تجلس بجانبه فوق أريكتهما تتناول حبة الفستق الذي جلبه لها من داخل المطبخ مع بعض المسليات الأخرى ليستكملا سهرتهما.
نظر لها وتحدث بنبرة حنون ليطمئن عليها:
_ بجيتي زينة دالوقت؟
هزت رأسها إليه خجلاً وأجابته بهدوء:
_ الحمد لله، بجيت أحسن.
نظر لشفاهها الكنوز وامتلاءها الشهي وتحدث بمراوغة:
_ تعرفي إن البكا زادك جمال.
ارتبكت بجلستها وفتحت فاهها بطريقة أثارت جنونه فتحدث بنظرات مسحورة:
_ انتِ حلوة جوي يا صفا.
واقترب منها، وضع كف يده متحسساً كفها الرقيق برغبة تملكت منه رغماً عنه رغم محاربتها.
ارتعب جسدها ثم انتفضت من جلستها واقفة وتحدثت بتلبك وهي تفرك كفيها ببعضهما:
_ أنا نعست وداخلة أنام.
وأسرعت إلى الداخل تحت استشاطة مشاعره وتشتتها.
وما كان منه إلا أن تتبعها ذاهباً خلفها كالتابع المسحور.
دلف عليها وجدها تجهز فراشهما كي تخلد إلى النوم.
لم يكن يشعر بحاجته إلى النوم ولكنه لم يستطع الجلوس بعيداً عن حضرتها التي ما عاد يشعر باستكانة روحه إلا بجوارها.
فتحدث إليها وهو يتمدد فوق الفراش ليستعد لمجاورتها:
_ أنا كمان نعست وهنام.
ابتلعت لعابها حين وجدته ينزع عنه ثوبه العلوي ويلقيه بإهمال فوق المقعد المجاور وظهر أمامها عاري الصدر تماماً بمظهر جعل جسدها ينتفض خجلاً.
انتفض داخلها وتراجعت للخلف سريعاً بعدما كانت تمسك بطرف الفراش لتتمدد عليه، وصاحت بنبرة مرتبكة حادة:
_ انتَ بتعمل إيه يا قاسم؟
أجابها بابتسامة فخر وهو يرى تلبكها بعينيها:
_ هكون بعمل إيه عاد،، بجهز حالي للنوم.
إكدة؟ كلمة نطقتها باستهجان وهي تشير إليه بعيون خجلة.
فأجابها ببرود:
_ وماله يعني كده، عجبه كده؟
ثم إني مبعرفش أنعس ومعيجليش نوم وأني لابس هدومي.
هتفت قائلة بنبرة معترضة:
_ وأنا مهينفعش أنام جارك وانت كده.
أجابها بنبرة تهديدية مصطنعة:
_ اتمسي يا صفا وخلينا ننام في ليلتك اللي مفهاش دي.
جذبت وسادتها بحدة بالغة وتحدثت بنبرة غاضبة حادة وهي تتجه إلى باب الغرفة:
_ أقولك، اشبع بسريرك وبالأوضة كلها وأنا هنام على الكنبة بره.
انتفض من جلسته وقبل أن تضع يدها على مقود الباب كان قد سبقها هو واضعاً يده عليه ليمنعها من الخروج وقال متراجعاً:
_ خلاص متبقيش حمقيه كده،، تعالي وأنا هلبس التيشيرت تاني.
كانت واقفة تنتفض بفضل قربه المهلك منها هكذا، فقد كان يحاوطها بجسده العريض محتجزاً إياها بين جسده والباب، عاري الصدر، مرتدياً بنطال فقط لا غير.
أما رائحة عطره الممتزجة برائحة جسده فحدث ولا حرج، فقد تغلل عطره المميز إلى أنفها فأصابها بحالة من الاضطراب وعدم التوازن.
أردفت قائلة بنبرة مرتبكة وما زالت مولية إليه ظهرها:
_ ممكن تبعد شوية لجل ما أفوت.
ابتسم برجولة وتحدث وهو يفسح لها المجال مشيراً لها بكف يده قائلاً بجاذبية مهلكة للمسكين قلبها:
_ اتفضلي.
تحركت للداخل ومال هو على قطعة الملابس الخاصة به وألتقطها من فوق المقعد وشرع بارتدائها من جديد ثم تمدد بجوارها وتحدث إليها وهو يشير إلى حاله بتساؤل مداعب:
_ حلو كده يا حضرة الناظرة.
ابتسمت خجلاً ثم وضعت وسادة وسط الفراش مما استدعى غضبه، لكنه فضل الصمت وعذر تصرفها.
وتمددت هي واضعة رأسها فوق الوسادة وهي تنظر له خجلاً.
جاورها هو الآخر وبات يسترق النظر من بعضهما لوقت طويل ونار الاشتياق تتغلل روحيهما معاً مما جعله يستغرب حاله، لكنه فسره على أنه اشتياق ذكر لأنثاه الذي تذوق شهدها فأستطعمه منها وأراد تجرع المزيد.
وبالنهاية وقعا كلاهما صريعاً للنوم بعد تفكير دام لساعات وساعات.
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل السابع عشر 17 - بقلم روز امين
صباح اليوم التالي
***
في مطبخ سرايا عثمان النعماني، تقف كل من فايقة ونجاة ومريم وليلى، يعدن طعام الإفطار لأهل المنزل بمساعدة العاملات.
دخلت إليهن رسمية وتطلعت عليهن قائلة بتعجل:
_ إعملي لك هِمه شوي منك ليها، الرجال كلهم فاجو من النوم وجاعدين برة في المندرة مستنيين الفطور.
تحدثت نجاة بنبرة طائعة كعادتها:
_ حاضر يا مرت عمي، جربنا نخلص أهو.
وجهت رسمية حديثها إلى فايقة التي ترص الفطائر وتضعها في الصواني الخاصة لتجهيزها للتقديم وتساءلت:
_ عملتي حساب العرسان وياكي في المشلتت يا فايقة؟
أجابتها فايقة بنبرة ساخرة:
_ الست ورد بعتت خدامتها لجل ما تخبرنا إنها عاملة للهانم بنتها الفطار والغدا والعشا السبوح كلياته.
هتفت ليلى بنبرة ساخرة:
_ كأنها خايفة لنسمموها في الوقت.
قالت كلماتها المتهكمة ثم قامت بإطلاق ضحكة ساخرة.
رمقتها رسمية بنظرة حادة كالصقر ألجمتها وجعلت الدماء تهرب من وجهها، ثم نهرتها بقوة قائلة:
_ إجفلي خاشمك اللي ما بيطلعش غير كل سو ده، وبدل ما إنتِ قاعدة تتمسخري على مرت أخوكِ، روحي شوفي جوزك متغير ليه بجاله مدة ومادد بوزه جدامه يا جي شبرين.
ثم رمقت فايقة بنظرة نارية قائلة:
_ وإنتِ يا ست فايقة، بدل ما إنتِ شاغلة حالك وحاشرة منخيرك في حياة الخلق، علمي بنتك كيف تعامل جوزها وتخليه نازل خلقته بتضحك كيف خلق قاسم امبارح.
ثم اتجهت ببصرها إلى نجاة وتحدثت متجاهلة فايقة:
_ رصي فطرتين وجزازة حليب طازة وإبقي شيعيهم مع حسن للعرسان لما يفوجوا يا نجاة.
هتفت مريم قائلة بنبرة صوت حماسية:
_ أنا هطلعهم بنفسي لجل ما أشوف صفا لتكون محتاجة لحاجة يا جدتي.
ضحك سن رسمية وتحدثت باستحسان إلى ابنة نجلا الهادئ:
_ جدعة يا مريم، أصيلة كيف أمك يا بتي.
انفرجت أسارير مريم باستحسان لمدح جدتها لها، وأيضًا نجاة التي سعد داخلها. في حين لوت فايقة وليلى فاههما باعتراض وتهكم.
أما رسمية فعادت ملامح وجهها مكفهرة من جديد وأكملت بنبرة حادة:
_ هموا يلا وطلعوا الفطور على السفرة.
وتحركت إلى الخارج، في حين همست ليلى إلى مريم التي تجاورها الوقوف وتساءلت بطريقة تهكمية:
_ إنتِ إيه حكايتك إنتِ كمان يا ست مريم ويا المدعوجة بت ورد؟
وأكملت:
_ يوم الحنة تجفي إنتِ وهي تتسايروا لحالكم في المطبخ، وصباحية الفرح تاخدي بنتك وتروحي دار ورد لجل ما تساعديهم، مع إن كان من الواجب إنك تجفي ويا حماتك، مش ورد!
تنهدت مريم بأسى وتحدثت بنبرة مهمومة وبرائة:
_ اسكتي يا ليلى، ده أنا من وقت ما اتحدت ويا صفا يوم الحنة وأنا زعلانة من حالي جوي.
ثم نظرت لتلك التي قوست فاها متعجبة وأسترسلت بنبرة خجلة حزينة:
_ ده إحنا طلعنا وحشين وجلوبنا جاسية جوي يا ليلى، ظلمنا صفا وعاجبناها على حب جدودنا ليها وهي ولا ليها أي ذنب في كده.
نظرت لها ليلى بنظرات مقللة وتحدثت بطريقة تهكمية:
_ وإيه كمان يا نواعم!
وأكملت بنبرة حقودة في محاولة منها لبث سمها كي تستحضر حقد مريم على صفا من جديد:
_ جوام نسيتي إن بضحكتها خطفت مني الراجل اللي كنتِ تعشقيه وتموتي عليه!
تلفتت مريم سريعًا حولها بعيون زائغة خشيةً من أن تكون أحدهن قريبة فتستمع إلى ذاك الحديث الخطير. حمدت الله عندما وجدت المطبخ خالي، حيث تحركن جميعهن للخارج مصطحبات الأطعمة.
حينها هتفت بنبرة حادة صارمة:
_ عيب عليكي الحديث اللي بتجوليه دي يا ليلى، أنا دلوقتي على ذمة راجل والراجل ده يبقى أخوكي اللي المفروض تحافظي على هيبته وعرضه أكتر مني أنا شخصياً.
رمقتها بنظرة ساخطة وتحدثت باستخفاف:
_ وه، وأنا كنت عملت إيه لجل ما تسمعيني الموشح دي كلياته يا ست مريم، الحج عليا إني بفكرك بحقدها هي وأمها ومش عايزة تتغشي في ألاعيبها ووش البراءة اللي بتلبسيهولنا طول الوقت؟
تنهدت مريم بأسى لحقد ليلى الدائم على صفا وتأكدت أنها لن تتراجع عن عدم محبتها لها، فتحركت للخارج مصطحبة صحن مليء بالبيض لرصه على سفرة الطعام.
***
ذهبت رسمية إلى منزل زيدان كي تطمئن على صغيرها التي شعرت بغصته ومرارته، ومن غيرها تشعر بقلب صغيره.
دلف إلى المنزل وجدت ورد تخرج من المطبخ تحمل بين يديها صنية كبيرة مرصوص فوقها صحون مليئة بالأطعمة المتنوعة، كانت تذهب بها إلى حجرة الطعام لترصها بعناية فوق سفرة الطعام.
تحدثت رسمية ولأول مرة بنبرة حنون إلى ورد:
_ صباح الخير يا بتي.
انتفض داخل ورد بسعادة حين رأتها أمامها وأردفت قائلة بترحاب عال:
_ يصبّحك بالهنا يا مرت عمي، اتفضلي.
تساءلت باهتمام:
_ وينه زيدان يا ورد، من يوم دُخلة صفا مشفتش وشه؟
صاحت ورد بصوتها إلى العاملة التي أتت مهرولة وناولتها ورد الصنية قائلة بنبرة رحيمة:
_ خدي الصحون وروحي رصيها على السفرة يا صابحة وهاتي باقي الوكل، وجهزي سفرة مليحة تليق بالحاجة رسمية لجل ما تفطري مع الحاج زيدان.
تحركت العاملة إلى الداخل، ثم حولت ورد بصرها إلى والدة زوجها وتحدثت بأسى:
_ والله يا مرت ما عارفة أقول لك إيه، زيدان من وقت ما سلم البت لقاسم وهو حزين وشردان وكأنه في ملكوت لوحده، حابس حاله في البيت وما خرجش من وقتها لحد دلوقتي.
تحدثت رسمية متسائلة:
_ هو فين دلوقتي؟
أشارت لها ورد إلى باب الحجرة وتحركت أمامها وفتحت الباب وتحدثت لذاك الممدد فوق تخته ينظر إلى سقفها بشرود وذقن نابت:
_ مرت عمي جاية تفطري وياك يا زيدان.
انتفض من نومته وجلس معتدلاً يعدل من هيئته وتحدث منادياً على والدته التي تقف خلف الباب لتعطي له المجال ليعتدل كما الشرع والدين:
_ ادخلي يا حاجة.
دلف وأنتفض هو واقفًا ومال على كف يدها وقبلها باحترام. وضعت كف يدها الحنون على رأسه تتحسس شعره بحنان ورعاية وتحدثت بنبرة متأثرة:
_ كيفك يا ضي عيني؟
أجابها بنبرة حانية:
_ بجيت زين لما شفتك يا أما.
أرادت ورد أن تعطي لهما المجال لينفردا بحالهما كأم وولدها ويتحدثا بأريحية فأردفت قائلة بانسحاب:
_ أنا هروح أجهز الفطور لجل ما تفطري ويا مرت عمي.
خرجت وأوصدت خلفها الباب، حين جلست رسمية على طرف الفراش وجاورها زيدان وتساءلت هي باهتمام:
_ حابس حالك وعامل في نفسك كده ليه يا زيدان؟
أجابها بنبرة حزينة:
_ ما بقدرش أتجبل فكرة إن بنتي خلاص مبقتش معايا في داري يا أما، إحساس عفش جوي وأني بسلمها بإيدي لراجل تاني.
ضحكت وأردفت قائلة بدعابة كي تخرجه مما هو عليه والتي تعذره عليه بالتأكيد:
_ كنا بعناها إياك يا ولدي، البنت اتجوزت على سنة الله ورسوله وسلمتها بيدك لزينة الشباب، ولو خايف عليها من الزمن فطمن جلبك، قاسم راجل صح تربية جده عتمان.
وقفت وأمسكت يده لتحثه على التحرك قائلة بنبرة عالية:
_ جوم يلا معايا نطلع نفطر سوا ويا مراتك وبعدها ادخل احلق دجنك دي واسبح لجل ما تروح لبتك اللي عمالة تسأل عليك وتبارك لها.
وبالفعل خرج معها وجلسا بصحبة ورد يتناولون فطورهم.
***
تملل ذلك الغافي وفرد ذراعيه وهو يتمطى براحة، ثم فتح عينيه سريعًا حين تذكر وضعه الحالي، كي ينظر إليها ويشبع حاله من النظر إليها ككل أيامه السابقة.
أصيب بإحباط حين وجد مكانها خاليًا وأنتفض ليبحث عنها كمن فقد أغلى جواهره. وجه بصره إلى المرحاض وجد الضوء مطفئًا مما يدل على عدم وجودها.
ساقته قدماه إلى الخارج وهو يتلفت هُنا وهناك باحثًا بعينيه عنها، وأخيرًا تنهد براحة حين وجدها تقف أمام الموقد تصنع طعام الإفطار.
ما أجملها وما أبهاها، كانت ترتدي منامة هادئة ناعمة كقلبها وتفرد شعرها المصفف بعناية خلف ظهرها. أخذ نفسًا عميقًا حتى يستطيع السيطرة على مشاعره وانفعالاته التي ثارت عليه مؤخرًا.
تحمحم كي لا يفزعها، التفت بجسدها ونظرت إليه بترقب بعينيها الساحرة التي أنعشت روحه وبثت الطمأنينة إلى قلبه.
حين تحرك هو حتى اقترب منها وتحدث بنبرة صوت متحشرجة بفضل النوم:
_ صباح الخير.
ردت عليه الصباح بنبرة هادئة فسألها:
_ إيه اللي مصحيكي بدري كده؟
أجابته وهي تحرك الملعقة يمينًا ويسارًا داخل قدر الأرز بالحليب التي تعده:
_ أنا متعودة على الصحيان بدري، قلت أقوم أعمل طبجين رز بحليب نفطر بيهم.
وقف بجانبها ثم أمال بجزعه مقتربًا برأسه نحو القدر وأشتم بانتشاء رائحة التي تطهوه وتحدث مغمض العينين باستمتاع:
_ يسلااااام على ريحة الفانيليا مع الحليب، حلوة جووووي.
ثم تطلع عليها بعيون تتفحص كل إنش بوجهها وتحدث بنبرة حنون وهو يقترب منها:
_ تسلم يدك.
انتشى داخلها بسعادة من كلماته الحنون لكنها تلربكت من قربه وابتعدت قليلاً بتوتر وخجل ما زاده بها إلا نشوة وإثارة.
استمعا إلى جرس الباب، تحمحمت هي وقالت:
_ هروح أشوف مين اللي على الباب.
أوقفها صوته الجهوري وتحدث قائلاً بنبرة حادة:
_ وقفي عندك.
توقفت واستدارت له فتحدث بنبرة غائرة وهو يشير إلى منامتها وشعرها المفرود على ظهرها:
_ بتفتحي الباب وإنتِ كده!
تحدثت إليه نافية:
_ لا طبعًا، أنا كنت هدخل أوضة النوم ألبس الإسدال.
أجابها وهو يتحرك في طريقه إلى الباب:
_ أنا هفتح وإنتِ كملي اللي بتعمليه.
فتح الباب ففوجئ بمريم التي تحمل بين يديها صينية وتحدثت باحترام:
_ صباح الخير يا قاسم.
أجابها بنبرة هادئة وملامح وجه بشوش:
_ صباح النور يا مريمو.
أشار لها بكف يده في دعوة منه للدخول:
_ ادخلي واقفه ليه.
تحدثت وهي تدلف بساقيها:
_ عروستنا الجمر وينها؟
أشار لها إلى المطبخ ودلف هو إلى غرفة المعيشة كي يعطي لهما المجال للتحدث بأريحية.
وضعت مريم الحامل فوق رخامة المطبخ واحتضنت صفا التي سعدت كثيرًا واطمأنت بذلك العناق التي شعرت بحنان مريم من خلاله.
تحدثت مريم بوجه بشوش:
_ كيفك يا صفا، ناقصك أي حاجة أعملها لك؟
أجابتها صفا بسعادة تكاد تنطلق من عينيها:
_ تسلميلي يا مريم، ربنا يخليكي لي.
نظرت مريم على القدر الموضوع فوق الموقد وتساءلت:
_ إنتِ عاملة رز بحليب، ده أنا جايبالك حليب طازة جدتك بعتهولك معايا.
أجابتها صفا بهدوء:
_ تسلم يدك ويد جدتك، الحليب ده أمي شيعتهولي عشية مع صابحة.
تحمحمت مريم ثم تساءلت باهتمام:
_ هو أنتِ صح بتشتغلي في المستشفى بعد إجازة شهر العسل ما تخلص يا صفا؟
أجابتها صفا بتأكيد:
_ أكيد هشتغل يا مريم، أومال أنا كنت بدرس الطب سبع سنين لجل ما أقعد بعدها في البيت؟
تنهدت مريم بأسى ثم تحدثت بعدما ظهر الحزن داخل مقلتيها:
_ يا بختك يا صفا، بتخرجي وبتشوفي خلق جديدة غير الخلق اللي هنشوفها كل يوم.
وأكملت بنبرة حزينة:
_ ده أنا من كتر الحابسة اللي أنا فيها بحس إن الحيطان بتطبق على قلبي تخنج روحي وتطلعها.
نظرت صفا لحزن عينيها بتمعن ثم تحدثت بنبرة حماسية:
_ بجولك إيه يا مريم، ما تحبيش تشتغلي معايا في المستشفى؟
اتسعت عينا مريم وتحدثت بملامح وجه سعيدة متعجبة:
_ أنا، وأنا أشتغل إيه وياكي يا صفا، طب إنتِ دكتورة وهتعالجي العيانيين، ويزن أخويا ماسك المدير المالي للمستشفى، أنا بجا هعمل إيه في وسطكم!
ابتسمت لها وتحدثت:
_ إنتِ خريجة خدمة اجتماعية والمجال ده هنحتاجه في المستشفى، المهم إنك موافقة من حيث المبدأ.
قوست مريم بين حاجبيها وتساءلت بوجه عابس:
_ وتفتكري جدك ولا فارس ولا حتى فايقة مرت عمك هيوافقوا على شغلي بالسهولة دي؟
ردت عليها مطمئنة إياها:
_ موضوع موافقة جدك دي سيبها عليا، وأظن إن من بعد موافقة جدك مفيش حد هيقدر يعترض.
طارت مريم من شدة سعادتها وما شعرت بحالها إلا وهي تلقي بحالها لداخل أحضان تلك الحنون وكأنها تحتاج لعناق من أحدهم ليشعرها بالأمان. شعرت صفا بالاحتياج الضروري لمريم لذاك الاحتضان، فحاوطتها بساعديها برعاية وشددت من احتضانها، مما جعل مريم تطلق تنهيدة براحة وبدأت تلوم حالها وتجلد ذاتها على تعاملها السيء غير اللائق بتلك رقيقة الحس والمشاعر.
***
بعد مرور ساعتين كانت ترتمي داخل حصنها المنيع والذي هي أكيدة من أنه لا يقارن ولن يوجد له شبيه. تشدد من احتضانها له، واضعة أنفها بصدره تنتشي رائحة جسده التي تفوق أعلى وأغلى العطور الفرنسية بالنسبة لها.
وما كان حاله بأقل من غاليته، فكان يحاوطها بذراعيه مشددًا عليها داخل أحضانه الحانية ليُشبع حنينه إليها.
كان يقف مقابلًا لهما وتجاوره رسمية وورد وصابحة التي وضعت الأشياء الكثيرة التي أحضرها زيدان لصغيرته، ثم تحركت للأسفل.
نظر يتأمل تلك العلاقة الصحية التي تتسم بالإنسانية والمحبة والاحترام.
تحدثت لائمة من داخل أحضانه التي اشتاقتها بجنون:
_ يا جلبك يا أبوي، هانت عليك صفا تسيبها كل دي من غير ما تاخدها في حضنك كيف كل يوم وتطبطب عليها!
ضحكت رسمية وتحدثت وهي تربت فوق كتف قاسم بفخر:
_ وهتعملي بيه إيه حضن زيدان في وجود حضن جوزك يا دكتورة.
نزلت كلمة جدتها على قلبها أحرقته وتحدثت بقلب منكسر انهدمت أحلامه:
_ حضن أبوي ملوش بديل ولا ليه زي، مافيش في الدنيا كلها حد ممكن يعوضني عن حضن وحنان أبوي.
نزلت كلماتها على قلب ذاك الواقف زلزلته وألمته، حدث حاله لائمًا: ألهذه الدرجة لم أعد أعني لها، ألهذا الحد ألمتك أنانيتي صغيرتي، لا تحزني حبيبتي، سأعوض قلبك الصغير وسأنسيكي كل ما تسببت لك به من آلام، فقط اصبري!
أما زيدان الذي أخرج عزيزة أبيها من داخل أحضانه ثم احتضن وجنتيها بين كفيه برعاية وأردف قائلاً بنبرة تشع حنانًا:
_ كيفك يا روح جلب أبوكي، زينة؟
انفطر قلبها وكادت أن تصرخ لأبيها تشتكيه مرّ زمانها وما صنعت الأيام بها. تمالكت من حالها وتنفست عاليًا لضبط النفس ثم أجابته بنبرة صوت مختنقة محتقنة بالآلام:
_ بجيت زينة بشوفتك يا حبيبي.
انتفض داخله ودقق النظر داخل عينيها راصدًا آلامها وتحدث إليها بنبرة قلقة:
_ مالك يا صفا، فيكي إيه يا نن عين أبوكي؟
وبلمح البصر رمق قاسم بنظرة حادة كالصقر وتحدث وهو ينظر إليه:
_ فيه حد عمل لك حاجة ولا زعلك؟
ارتبكت من حدة صوت أبيها وتحدثت سريعًا بتلبك:
_ لا يا أبوي محدش مزعلني.
ثم نظرت لداخل عينيه وأردفت قائلة بنبرة حنون متأثرة:
_ أنا بس اللي اشتقتلك يا حبيبي.
ابتلع قاسم لعابه متأثرًا ثم أردف قائلاً بنبرة دعابة كي يخرجه من حالته تلك:
_ صلي على النبي أومال يا عمي، إنتَ جاي تهدي النفوس بيني وبين مرتي ولا إيه؟
انتفض قلبها وانتش في استماعه للقب زوجته منه، كم كانت تعشق كل ما به وتتمناه. لقد وصلت في عشقه لأقصى درجاته وأصبحت متيمة بحلاوة عشقه المر، كاللعنة غرامه أصاب قلبها البريء بسهم مسمم بداء الهوى، فلا هي التي تنعمت بأحضانه وذابت، ولا هي التي تقوى على تركه والابتعاد.
ضحكت ورد ورسمية وابتسم له زيدان الذي تحرك إلى الأريكة ساحبًا طفلته معه وجلس وأجلسها وسحبها بين أحضانه مردفًا بدعابة مماثلة:
_ مش لازم أدبح لك الجطة من أولها كيف ما بيقولوا لجل ما تخشي.
ضحك قاسم وتحدث بدعابة جديدة على شخصه استغربها الجميع:
_ طول عمري أسمع إن الجطة دي الراجل اللي بيدبحها لمرته لجل ما تخشاه وتسمع حديثه، لكن أول مرة أعرف إنها بتدبح من الحمى.
تساءلت رسمية إلى قاسم بدعابة مماثلة:
_ وإنت بجا دبحت لصفا البسة يا قاسم؟
حول بصره لتلك التي تنظر عليه من بين أحضان والدها الحنون تختبئ داخلها وكأنها طفلة العاشرة، وتحدث بنبرة حنون مادحًا إياها بفخر:
_ مش صفا زيدان اللي يدبح لها الجطة يا جدة، اللي كيف صفا في أخلاقها وأدبها تتشال على الراس وتتحط جوة نِن العين.
اهتز داخلها من استماعها لشهادته في حقها حين انفجرت أسارير الجدة وشعرت كم كان عتمان محقًا حين قال لها أن قاسم متمرد شارد عن أصله ولن يعود إلا بقوة ناعمة، ولم يرى حوله أقوى من تلك الشرسة الناعمة التي استطاعت من خلال أيام قليلة أن تجعل منه شخصًا ولأول مرة يعبر عن مشاعره تجاه أحدهم.
أما زيدان الذي اطمأن قلبه على صغيرته ووجه حديثه الشاكر إلى قاسم قائلاً:
_ تعيش ويعيش أصلك يا ولدي.
تحركت ورد وهي تمسك بيدها بعض علب الحلوى الكرتونية التي مازالت موضوعة فوق سفرة الطعام واردفت قائلة:
_ هدخل أعمل لكم حاجة تشربوها وأجيب لكم جاتوه.
***
في القاهرة، كانت تجلس فوق مقعد مكتبها الصغير المتواجد داخل غرفتها المتواضعة، واضعة نظارتها الطبية التي ترتديها لأجل العمل حفاظًا على نظرها، تعمل على جهاز الحاسوب الخاص بها كآلة عمل لا تتوقف أبدًا كي تلهي حالها عن حالة الغيرة والغضب التي تملكتها من عدم مهاتفة قاسم لها منذ ليلة الحنة.
دخلت إليها والدتها دون استئذان وتساءلت بنبرة حادة استهجانية:
_ البيه لسه برضه متنيل قافل تليفونه وما كلمكيش؟
زفرت بضيق شديد من طريقة والدتها المستفزة التي جعلت الدماء تغلي بعروقها وتحتد أكثر وهي بالأساس تحاول جاهدة بأن تتغاضى وتتناسى.
تحدثت بنبرة حادة:
_ حضرتك سألتيني السؤال ده بالليل وقولت لك لسه، وأكيد لو كلمني كنت هبلغك لأني عارفة ومتأكدة قد إيه الموضوع مهم بالنسبة لك.
وأكملت بلهجة شديدة الحدة:
_ فياريت تبطلي سؤالك ده كل شوية لأنك بكده بتضغطي على أعصابي وأنا أصلاً متوترة وحقيقي مبقتش متحملة ضغط أكتر من كده.
نظرت لها كوثر بغضب من حدة أسلوبها.
دلف عدنان سريعًا وهو يتلفت حوله وأغلق الباب خلفه وتساءل باستفهام:
_ فيه إيه يا جماعة صوتكم عالي كده ليه، بابا قاعد برة ولو سمع أو حس بقلقكم ده هيدخلنا في سين وجيم ومش هنخلص من تحقيقاته.
وقفت وتحدثت له إيناس:
_ قاسم ما اتصلش بيك من وقت ما كلمك من يومين يا عدنان؟
تنهد بأسى لحال شقيقته وما أصبحت عليه وأجابها:
_ ما اتصلش يا إيناس، هو اتصل وقتها من تليفون فارس أخوه واطمن على الشغل وملاني بعض الملاحظات وقفل على طول من غير حتى ما يديني فرصة لأي كلام.
هتفت كوثر بنبرة مرعبة:
_ يا خوفي ليكون البيه أعجبته البنت وبيفكر يفسخ جوازته من أختك ويكتفي بجوازته من بنت عمه.
وأكملت بشر وتوعد:
_ بس ده يبقى غلطان وغبي وما يعرفش كوثر ممكن تعمل إيه لو فكر بس يغدر بينا.
أما تلك المشتعلة التي تساءلت والنار تنهش داخل صدرها:
_ إنتَ شفت البنت يا عدنان، حلوة؟
وأكملت بنبرة جديدة عليها:
_ طب أنا الأجمل ولا هي؟
على الفور تذكر عدنان فائقة الجمال تلك والتي لم يرى لسحر عينيها مثيل، لكنه تراجع عن قول الحقيقة كي لا يشعل شقيقته أكثر وكي لا تغضب عليه وتُسقيه من المر والنكد ألوان.
فتحدث بنبرة مرتبكة بعض الشيء:
_ ولا فيها ريحة الجمال أساسًا، أصلاً مفيش مقارنة بين جمالك وبينها، دي حاجة كده استغفر الله العظيم شبه الرجالة في شكلها وجسمه.
تنهدت حينها بارتياح واطمأن قلبها واستكان، ورفعت قامتها لأعلى بغرور، ثم جلست فوق مقعدها من جديد.
***
بعد مرور خمسة أيام على زواج قاسم وصفا.
ليلًا داخل حديقة منزل عتمان، كان شباب المنزل يجلسون سوياً يتسامرون، وذلك بعدما صعد فارس إلى شقيقه وطلب منه الحضور إلى الحديقة للجلوس مع أبناء عمومته.
بعد مرور حوالي الساعة شعر بحاجته لرؤيتها التي أصبحت تبث الطمأنينة والراحة داخل نفسه.
وقف ليستأذن منهم قائلاً بهدوء:
_ تصبحوا على خير يا شباب.
قوس حسن فمه بتعجب وتساءل:
_ على فين بدري كده يا قاسم؟
أجابه باختصار:
_ يدوب أقوم لجل ما أنام يا حسن.
في حين تحدث فارس مداعبًا أخاه بغمزة من عينيه:
_ حجك يا باشا ما إنتَ لسه مستجد في الجواز والموضوع جاي على هواك، لكن لما تبقى لك سنتين زيينا كده هتجعد نفس قعدة البؤساء اللي إحنا قاعدينها دي بالتمام.
ضحك الجميع عدا يزن الذي كان يرمقه بنظرات حادة كنظرات الصقر، وخصوصًا أنه يعلم علم اليقين أنه لا يحمل داخل قلبه لصفا أي مشاعر بل ويكاد يجزم بأنه ما زال على علاقة بتلك الفتاة القاهرية التي كان يحدثها منذ القديم. وما جعله يتأكد بأن ظنونه في محلها الصحيح هو ما حدث ليلة الحنة وارتياب قاسم الذي أصابه عندما اقترب منه يزن أثناء ما كان يتحدث بالهاتف.
وقف قاسم وتحدث قائلاً وهو يبادل ذاك يزن نظراته النارية:
_ أنا مش زيكم ولا عمري هكون يا فارس.
سلط يزن عينيه داخل عيني قاسم بغضب وأردف قائلاً بنبرة جامدة:
_ من جهة إنك مش زيينا فأنا متأكد من كده يا متر، بس مش عايزك تفرح قوي كده لأن دي مش حاجة بتميزك عنينا، دي ليها فاتورة وافرة قوي ولازم تندفع، والتمن هيبقى غالي، غالي قوي فوق ما خيالك يصور لك يا ولد عمي.
ضيق عينيه مستغربًا حديث ذاك الغاضب وماذا يقصد به، وما هو الثمن الذي يتوجب عليه دفعه، أيوجد ثمن لم يدفع بعد؟
لقد قام بدفع الثمن وتسديد كامل الفاتورة مقدمًا من كرامته التي هدرت أمام تلك صفا وأمام حاله وانتهى الأمر، هكذا هو تصوره للموضوع.
فأراد أن يحرق روحه فتحدث بإهانة وتقليل من شأن يزن:
_ التمن ده للناس الضعيفة اللي بتسمع الحديث وتطاطي راسها وتجول عُلم ويُنفذ وأمرًا مطاع يا صاحب الأمر.
وأكمل بعناد ولهجة تهديدية رافعًا قامته لأعلى:
_ لكن أنا لا يا باشمهندس، إنتَ لسه متعرفش الوش التاني والحقيقي لقاسم النعماني، ومن الأحسن إنك متعرفهوش.
قهقه يزن عاليًا وأجابه بكل ثقة:
_ إنتَ اللي كنت قاعدتك في مصر نسّتك عوايدنا وخلتكش تركز في الناس اللي حواليك زين.
وأكمل ساخرًا:
_ على العموم أنا عايزك تفتكر كلامك ده زين عشان هفكرك بيه قريب، قريب قوي يا متر.
استشاط ذاك الغاضب وكاد أن يتحدث لولا تدخل فارس الذي أراد أن يهدئ من الوضع بعدما رأى بعينيه أنه بات على وشك الانفجار.
أردف فارس بمداعبة لتلطيف الأجواء:
_ زينة مناظرة التيوس الشرسة دي يا شباب، بس لو زادت أكتر من كده هتتجلب لمصارعة والليلة هتغفّلج على الكل كليله.
وأكمل بنبرة تعقلية:
_ صلوا على النبي كده واهدوا، وإنتَ يا قاسم، يلا اطلع على فوق لعروستك.
ثم اتجه ببصره إلى يزن وتحدث بدعابة ساخرة:
_ وإنت يا يزن، تعالي لاعبني دور طاولة لجل ما أخسرك وأحزنك على شبابك قبل ما تطلع ل ليلى وتاخد منها جرعة النكد اليومية اللي ما بتعرفش تخمد من غيرها.
قهقه الجميع على سخرية فارس من شقيقته ذات الطباع الحادة عدا قاسم الذي رمق يزن بنظرة حارقة ثم تحرك وصعد للأعلى دون إضافة المزيد.
***
دلف لداخل حجرة نومهما، وجدها تجلس القرفصاء فوق الفراش وتضع وسادة صغيرة فوق ساقيها ومن فوقها جهاز اللاب توب وتنظر لشاشته بتركيز واهتمام مبالغ به، وصل إلى أنها لم تشعر بوجوده حين دلف للداخل.
تحدث متحمحمًا كي تنتبه لدخوله:
_ مساء الخير.
ردت عليه وما زالت عيناها مثبتة فوق شاشة الجهاز حتى أنها لم تكلف حالها عناء النظر لوجهه وهي تحادثه.
استشاط داخله من تجاهلها له، لكنه فسرها على أنه رد للثأر لكرامتها وتصنع الكبرياء واللامبالاة، لغسل ماء وجهها أمامه بعد ما صار منه ليلة زفافهما التي مهما حاولت تجاوزها إلا أنها بين الحين والآخر تكشف ملامحها وتتجنب الحديث معه بدون أدنى سبب، وهذا ما كان يؤرقه دائمًا.
تحرك إلى الخزانة وأخرج ثيابًا مريحة ودلف لداخل المرحاض.
أخذ حمامًا دافئًا وارتدى ثيابه وخرج من جديد ليجدها ما زالت على نفس وضعيتها، وقف أمام مرآته صفف شعره الأسود بعناية فائقة ونثر عطره الفواح فوق جسده.
وبعد ذلك تحرك للفراش وتمدد بجسده بجوارها وأسند رأسه للخلف، وما زالت هي على وضعها، تحمحم للفت الانتباه ولكن، ما زالت تلك الساحرة تنظر لشاشتها بتمعن شديد دون أن تعطي لحضوره أدنى اهتمام مما أثار فضوله وثارت كرامته أيضًا.
على غير عادته رفع قامته لأعلى وبات يتلصص ليرى ما الذي يستحوذ على تركيزها، نظر لشاشة الجهاز حتى يرى ما الذي يشغل عقل تلك العنيدة لهذه الدرجة!
نظر وليته لم يفعل، وجدها تتابع عملية جراحية لاستئصال المرارة، وجد الطبيب ممسكًا بالمشرط الخاص بالعمليات وقام بشق بطن المريض بكل هدوء ومهنية، وبدأت بعض قطرات الدماء البسيطة تسيل بهدوء والممرضة تقوم بتجفيفها بحرفية في مظهر تقشعر له الأبدان.
لم يستطع تمالك حاله واعتدل بجلسته وسريعًا انتفض وهو يهرول إلى المرحاض حتى يخرج ما بداخل أمعائه.
نظرت إليه باستغراب لحالته وأوقفت بث الفيديو وتحركت إليه سريعًا، وقفت أمام الباب وهي تتساءل بنبرة قلق وعيون متلهفة حين وجدته يفرغ ما بمعدته ووجهه اكتسى باللون الأحمر الداكن وآثار التعب والقرفة تظهر فوق ملامحه:
_ إنت كويس؟
اغتسل جيدًا وأمسك بيده المنشفة وتحرك إليها وهو يجفف فمه ووجهه وأردف قائلاً باستياء واشمئزاز:
_ هبقى كويس إزاي بعد الجرف اللي شفته ده، إنتِ اتجننتي يا صفا، إيه الجرف اللي بتتفرجي عليه ده؟
أجابته بنبرة متعجبة:
_ جرف، أولًا يا حضرت المحامي المحترم ده مسموش جرف.
وأكملت بنبرة علمية:
_ دي عملية لاستئصال مرارة ملتهبة وعلى وشك الانفجار كمان.
نظر لها باشمئزاز وأردف متسائلاً بتعجب:
_ وإنتِ إيه اللي جابرك في إنك تتفرجي على المذبحة دي؟
أجابته بنبرة ساخرة:
_ يمكن لأني جراحة مثلاً وده في إطار شغلي؟
نظر لها بذهول وأردف متسائلاً:
_ وإنتِ حجة بتشتغلي كده؟ أنا افتكرتك بكثيرك هتكشفي على عيل صغير ولا واحدة عندها مغص، لكن توصل بيكِ الجرأة إنك تشقي بطن الخلق بعدم رحمة كيف قاتلين الجتلة كده، ده اللي عمري ما كنت أتخيل إنك هتعمليه.
ضحكت بشدة وصلت حد القهقه وأرجعت رأسها للخلف من شدة ضحكاتها، نظر إليها بانبهار لطريقة ضحكتها المثيرة ووجهها الذي أنار بطريقة تسر الناظرين إليه. ابتلع لعابه بتوتر لما شعر به من أحاسيس ومشاعر جديدة عليه في حضرة تلك صفا.
وتحدثت هي ناظرة إليه بتفسير:
_ بص يا قاسم، أنا تخصص جراحة عامة، لكن في نفس الوقت دارسة شعبة عامة، يعني بعالج كل ما تتخيله، عيل صغير وواحدة عندها مغص زي ما حضرتك تفضلت وقلت، بس ده ميمنعش إني جراحة.
وأكملت بتفاخر مصطنع وهي تشير على حالها بأصابع كف يدها الرقيق:
_ وجراحة شاطرة كمان بشهادة دكاترتي في الجامعة واللي اشرفوا على تدريبي بذات نفسهم، وعشان كده لازم أطور من نفسي وأبقى على دراية كاملة بكل ما هو جديد في عالم الجراحة.
_ بتحبي شغلك يا صفا؟ جملة تساءل بها قاسم باهتمام.
أجابته مبتسمة بعيون فرحة:
_ كلمة بحبه دي قليلة قوي على اللي بحسه تجاه شغلي، الطب ده رسالة سامية، فاهم يعني إيه تخفف عن حد ألم مميت ولا تشيل عنه أذى محتم كان هيؤدي لدمار جسمه؟ ولا لما تشيل الألم عن عيل صغير بيبكي ومحدش عارف ماله ولا فيه إيه؟ حقيقي الموضوع ممتع ويستاهل تعب المهنة.
ابتسم لسعادتها وتحدث بنبرة مترجية:
_ طب ممكن تقفلي العملية دي وتتفرجي عليها بعدين، بجد مش قادر أشوف المنظر ده قدامي.
أطلقت ضحكاتها المثيرة من جديد حين تذكرت حالته وتحدثت بنبرة ساخرة أغاضته:
_ أنا اللي حقيقي مش قادرة أنسى شكلك وإنتَ مبرجل وباصص للعملية بذهول، وأكملت بتناسي وعدم تركيز في الحديث: آخر واحد كنت أتخيل إنه يخاف وإن عنده قلب زي البني آدمين وبيحس هو إنتَ يا قاسم!
نزلت كلماتها عليه زلزلت كيانه وشعر بطعنة ولكن لأجلها لا لأجله، لأجل شعورها به.
نظر لها بحزن عميق وتساءل داخله: أحقًا تريني هكذا صفا؟ رجلاً بلا قلب بلا مشاعر بلا حس؟
تنهد بتألم وأردف قائلاً لها وهو ينظر لمقلتيها:
_ على فكرة يا صفا، أنا مش وحش قوي كده زي ما إنتِ شايفاني، يمكن جلوبنا منسجمتش مع بعضها وده طبعًا يرجع لظروفنا اللي اتحطينا فيها ونظام الجبر اللي اتجوزنا بيه.
وأكمل مفسرًا لتصرفاته السابقة معها:
_ وأنا طول عمري مكرهتش في حياتي قد الحاجة اللي انجبر عليها وتتفرض علي.
نزلت جملته النارية عليها أدمت قلبها العاشق ومزقت ما تبقى منه، حولت بصرها للجهة الأخرى كي لا تخونها دموعها وترفع الراية البيضاء وتنهمر بحرارة أمامه.
أمسكت جهاز اللاب توب وأغلقته، وضعته بجانبها فوق الكومود وتحدثت وهي تواليه ظهرها وتتمدد فوق الفراش وتتدثر حالها تحته في محاولة منها للهروب بأحزانها بعيدًا عنه ولحفظ ما تبقى من كرامتها التي هدرها جدها تحت ساقي ذلك القاسي:
_ اقفل النور لو سمحت، أنا عايزة أنام.
شعر بغصة مرة داخل حلقه لأجلها وشعر كم كان قاسيًا بوصفه لعلاقتهما، وأنه زاد عليها، ولكن كان لحديثه بقية، كان سيرضي به قلبها الرقيق ويعتذر منها ولكنها تسرعت بغضبها.
تحدث هو باستحياء بنبرة خجلة مبررًا حديثه ومكملاً لما بدأ:
_ حجك عليا يا صفا، أنا مقصدتش الوصف اللي وصلك ولسه لكلامي بقية، أنا...
قاطعته بحديثها الحاد الذي يطغى على نبرته الغضب:
_ من فضلك يا متر، ما عايزاش أسمع مبررات إنتَ في غنى عنها، وأساسًا الموضوع كلياته لا يعنيني بشيء.
وأكملت بنبرة باردة وكلمات مهينة ثائرة لكرامتها:
_ وصدقني أنا لا أجل عينك في نظرتي لعلاقتنا العقيمة عديمة الفايدة دي، وبالنسبة لي هي وضع مؤقت ليس إلا.
استشاط غضبًا من كلماتها المهينة لشخصه ولا يعلم لما اشتعل داخله بوصفها لعلاقتهما بأنها عقيمة عديمة الفائدة ولكن تحامل على حاله وصمت كي لا يزيدها عليها.
وأغلق الضوء وتمدد بجوارها واضعًا يداه تحت رأسه ناظرًا إلى التي تواليه ظهرها دون اهتمام.
***
داخل مسكن يزن وليلى.
كان يجلس داخل بهو الشقة وبيده بعض الأوراق الهامة الخاصة بالمحجر ليستخلصها. تحركت إليه ليلى وهي ماسكة بيدها حاملة موضوع عليها كأسين من مشروب بارد قد صنعته داخل المطبخ كي يرطب عليهما في ذلك الطقس الساخن.
جلست بجانبه وأمسكت بكأس المشروب وتحدثت بابتسامة حانية وعشق ظهر داخل عينيها وهي تبسط إليه يدها:
_ العصير اللي بتحبه يا حبيبي.
قطع عمله ثم نظر لها وأخذ كأس العصير وارتشف منه القليل وأرجع ظهره مستندًا به إلى الخلف ناظرًا أمامه ببرود.
حزن داخلها وأردفت متسائلة بنبرة حزينة:
_ لسه زعلان مني يا يزن، أنا مجدرش على زعلك ده، روحي بتفارقني ومهترجعليش غير برضاك عليا يا حبيبي.
_ صح بتحبيني يا ليلى؟ سؤال متعجب طرحه يزن عليها باستهجان!
أجابته بقوة وثبات:
_ لسه بتسأل يا يزن، ده إنتَ النفس اللي أنا بعيش عليه، أنا عشجانة لروحك وجلبك يا واد عمي.
ينظر لها باشمئزاز وتحدث بقوة:
_ كدابة يا ليلى، ما بصدقش ولا كلمة من اللي بتجوليه، تعرفي ليه؟
نظرت له بألم تترقب باقي حديثه فهتف هو باتهام:
_ اللي بيعشق كيف ما بتقولي جَلبه ميعرفش الكره يا ليلى، وإنتِ جلبك مليان سواد وحقد على بت عمك الغلبانة.
وما أن استمعت لمبرراته حتى استشاط داخلها وتحدثت بنبرة حقودة وكأنها تحولت لأخرى:
_ جولي كده، بجا جلبك على ولوية بوزك الأيام اللي فاتت دي كلياتها لجل بت ورد؟
اشتعلت نيرانه ورمقه بنظرة حادة أخرستها وتحدث بلهجة صارمة مهددًا إياها:
_ أول وآخر مرة أسمعك تجولي على بت عمك بت ورد، الله في سماه لو سمعتها منك تاني لكون قاطع لك لسانك ورامية للكلاب تاكله، ده لو رضوا ياكلوه من الأساس، سمعاني.
ارتعب جسدها من صوته الجهوري وابتلعت سائل لعابها، وأومأت له بموافقة.
لانت ملامحه قليلاً وعاود الارتشاف من كأس العصير.
حين حزن داخلها وتحدثت بملامح وجه حزينة ونبرة صوت منكسرة:
_ عمرك سألت حالك أنا ليه بكره صفا وأطيج العمى ولا أطيجهاش كده.
التف إليها ناظرًا وأردف بضيق:
_ عشان جلبك أسود وأمك شربتك الجسوة والحقد من ناحية بت عمك، وبدل ما تحبيها وتاخديها في صفك وتطبطبي عليها عشانها وحيدة، سبتي حالك للشيطان يتملك منك ويكبر بغضك وحقدك على المسكينة.
هزت رأسها بنفي وأردفت بنبرة مختنقة من أثر احتقان دموعها:
_ لا يا يزن، أنا ما اتخلجتش بكره صفا لأ، كره صفا اتخلق وكبر واحدة واحدة جواتي وكل ده بسبب عمايل جدك وجدتك وحتى أبوك وأمك، كلياتهم كانوا بيفضلوها علي، كانوا بيحبوها وياخدوها جوه أحضانهم وأنا واقفة جار الحيط أتفرج عليهم كيف الغريبة، جدك عتمان عمره ما دخلني جوه حضنه.
وأكملت بشرود وهي تهز رأسها بحزن:
_ معرفهوش إن حضن جدك دي!
كان يستمع إليها بهدوء بعدما حزن داخله لأجل صوتها الصارخ ودموعها المسجونة داخل مقلتيها وتريد من يطلق سراحها لتنطلق وتصرخ تعبيرًا عن مدى آلامها.
تحدث إليها بنبرة حنون:
_ بس هما مكنوش بيعملوا كده كره فيكي يا ليلى، جدك وجدتك كانوا بيعوضوا غياب عمك زيدان عنيهم في حضنهم لصفا، هما اللي كانوا محتاجين الحضن دي يا ليلى مش صفا.
وأكمل مبررًا:
_ أما أبوي وأمي هما كمان كانوا حاسسين بحرمانها من لمة العيلة وما بيصدقوا اليوم اللي تيجي فيه هنا ويحاولوا يحاوطوها بحنانهم لجل ما يعوضوها.
صاحت قائلة بنبرة حادة غاضبة حاقدة:
_ صفا مكانش ناقصها أحضان يا يزن؟ أنا اللي كنت محتاجاها، أنا اللي عمري ما دُقت لحضن أبوي طعم، حتى أمي عمرها ما خدتني جوه حضنها ولا اتحدتت وياي كيف الأمهات بيعملوا مع البنت.
صرخت به وأذرفت دموعها الحبيسة حيث أنها لم تعد تستطيع الصمود أكثر:
_ حتى إنتَ يا حبيبي يا اللي اخترتك من صغري لجل ما تبقى خليلي، فوتني وجلبك مال لها هي، مع إن عمرها شافتك ولا حست بيك كيف ما أنا حسيتك، ورغم كده عشقتها بكل ما فيك.
وأكملت بشهقة خلعت قلبه معها وكسبت بها تعاطفه:
_ ولسه بتعشقها دلوقتي وبتدافع عنها وبتوبخني لجل خاطر عينيها.
سحبها وأدخلها لداخل أحضانه وبات يربت فوق ظهرها بحنان وأردف قائلاً:
_ حديث إيه اللي بتجوليه ده يا ليلى، صفا بقت مرات أخويا يعني اتحرمت علي كيف أمي وأختي.
كيف أفضلها عليكي وإنتِ مرتي وهتُبقي أم ولادي.
انتفضت من داخل أحضانه ونظرت إليه بترقب وأردفت متسائلة:
_ كان نفسي تجول حبيبتي، مش مرتي يا يزن.
أجابها بثقة:
_ الحكاية دي في يدك لوحدك يا ليلى، إنتِ الوحيدة برجولتك وجلبك النضيف اللي بيحب اللي حواليه ومعيشيش جواه أي كره أو حقد لغيره، اللي هتخليني أشوفك حبيبتي اللي ما بقدرش أستغني عنها.
_ اوعديني إنك تتغيري يا ليلى، ادي فرصة لجلبك يطهر من ذنوبه وخطاياه، حِبي اللي حواليكي يا ليلى، وجبلهم حبي حالك وطهري روحك.
ساعتها هشوفك حبيبتي اللي بحبها واتمناها، وإيه اللي يمنع وقتها جولي.
كانت تستمع إليه وقلبها يتمزق، صراع داخل روحها التائهة، تشتت يؤرجح عقلها، هي ليست بالشيطان، لكنها ترعرعت داخل أحضانه، تسمم عقلها بأفكاره، لطالما لم تجد من يأخذ بيدها لطريق الحق وينير دربها العاتم.
كانت تومئ له برأسها وتتساقط دموعها الغزيرة التي جعلته متأثرًا بعدما شعر بتشتتها.
أمسك كف يدها قبلها وتحدث بنبرة حنون:
_ جربي من ربنا يا ليلى في القرب منه النجاة، في حضرته جلبك هيرتاح وبصيرتك هتنور وكل شي قدامك هيوضح ويبان كيف عين الشمس.
وأكمل بنصح:
_ صلي يا ليلى، صلي بانتظام واقعدي بعد الصلاة كلمي ربنا واشكي له همك، جولي له على كل اللي تاعب روحك وواجع جلبك، هو اللي هيقدر يطيب جراحك ويريح جلبك.
بكت وبكت بمرارة وكلما زاد البكاء شعرت بالراحة وكأن دموعها تلك تنقيها من خطاياها التي لا حصر لها والتي فعلت معظمها بجهل منها وذلك لانشغال والديها عنها وعدم توعيتها للصح.
شعر بالأسى تجاهها وأخذها داخل أحضانه وشدد منه وتمسكت هي بضمته كمن وجد ضالته وظلت تبكي بمرارة حتى استكانت بعدما أفرغت ما بداخلها، ولكن يظل السؤال، هل يمكن حقًا لمن تربت داخل أحضان الشيطان أن تسلك الطريق الصحيح وتهتدي؟
دعونا ننتظر هل سيتغلب الطبع السيء أم التطبع.
***
مساء اليوم التالي.
داخل حجرة قدري، يجلس كل من قدري وفايقة وفارس بناءً على طلب ذاك القاسم الجالس مقابلًا لهم بملامح وجه مبهمة.
تحدث قدري متسائلاً بنبرة قلقة:
_ فيه إيه يا ولدي، جامِعنا بربطة المعلم ليه كده؟
تحدثت فايقة متسائلة:
_ فيه حاجة حصلت يا قاسم؟
أخذ نفسًا عميقًا ثم زفره بضيق وتحدث مهمومًا لما هو آت:
_ أنا مش هتجوز على بنتي عمي يا أبوي.
وأكمل بقوة وإصرار:
_ هروح ل إيناس وأحل وعدتي وياها وهجبل بكل اللي يطلبوه أهلها مني، بس مهغدرش ببنت عمي ولا هخون أمانة عمي زيدان اللي أمن عليها.
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الثامن عشر 18 - بقلم روز امين
التفت قاسم لوالدته تحدث بنبرة رافضة:
_ أني ما أخونش ثقة عمي فيا يا أبوي، حتى لو على رقبتي.
وكأن بكلماته تلك قد سكب مادة شديدة الاشتعال داخل صدر فايقة الملئ بالحقد، والتي انتفضت قائلة بنبرة خبيثة في محاولة منها لاستيقاظ ضمير صغيرها:
_ كيف يعني تسيب البنت بعد ما ركنتها جارك سبع سنين وكل الخلق هناك تعرف إنها خطيبتك؟
وأكملت لدغدغة مشاعره:
_ ترضاها على أختك دي يا قاسم؟ اللي ما نرضاهوش على بناتنا ما نرضاهوش على بنات الناس يا ولدي.
أما قدري فلم يعنيه الأمر بالكثير، كل ما كان يعنيه هو إتمام زواج قاسم من ابنة زيدان كي يضمن ورثها بين يديه وولده، وهذا ما عثر عليه بالفعل. وكل ما يشغل باله حاليًا هو كيف سيقنع قاسم بأن يطلب من صفا أن تتنازل له عن العشرين فدان التي تنازلت بهما رسميًا ووثقتهما.
تحدث فارس بنبرة حماسية متضامنًا مع قرار شقيقه:
_ عفارم عليك يا قاسم، تفكيرك عين العقل يا أخوي، لا مراتك ولا عمك زيدان كانوا يستاهلوا منك الغدر.
رمقته فايقة بنظرات نارية وصاحت بجنون:
_ يعني بنت الناس اللي وثقت فيه واستحملت ظروفه وتنها قاعدة جار سبع سنين، هي اللي تستاهل يتغدر بيها يا سي فارس؟
أجابها قاسم مفسرًا موقفه:
_ غلطة وعملتها من غير ما أحسب لها ولازم أصلحها يا أمي، ويا ريت تخرجي حالك برا الموضوع ده. أني هروح لهم وهتفاهم وياهم وهنفذ لهم كل اللي يطلبوه كتعويض لهم عن أي ضرر نفسي حصل لهم.
هنا لم يستطع قدري الصمت أكثر، وبالتحديد عندما استمع إلى ولده وأنه سيفقد نقودًا أمام تلك الغلطة، فتحدث بنبرة ساخطة:
_ ولما أنت ما تبغيش تغدر بالسنيورة بنت عمك، كان لازمه إيه من الأول كل اللي عملته ده يا شملول؟
وأكمل لائمًا:
_ في الأول كنت هتخربط لي كل اللي قعدت عمري كله أخطط له وأستناه، وبعديها شحطتني وياك وقعدتني ويا الراجل ومرته اللي كيف الحرباية، وقعدت تؤمر وتتأمر عليا وهي ما تسواش مليم أحمر، لا هي ولا جوزها الدلدول ولا حتى البنت، ده أنا شفت طمعهم فيك جوه عيونهم اللي تدب فيها رصاصة، وسكتت لحد ما أراضيك وأخليك تكمل جوازك من بنت زيدان.
ثم رمقه بنظرة مقللة لشخصه وأردف متسائلاً بنبرة ساخطة:
_ مالك يا واد ما رسيتش على بر ليه؟ اتفوج لحالك كده واعرف مصلحتك وينها يا حزين.
نظر له بتألم وأردف بتساؤل بنبرة مختنقة بالعبرات:
_ صح، ما أعرفش ولدك ماله يا أبوي؟
وأكمل بتألم وكأنه كان ينتظر ذاك السؤال بالتحديد:
_ أنا ضايع من حالي يا أبوي، ما أعرفش أرتاح، جواتي اتنين بيتعاركوا ومقطعين بعض طول الوقت، طول عمري وأنا مقسوم نصين وضايع. نص بيناتكم إنت وأمي، والنص التاني ويا ضميري اللي بيصرخ وما يريحنيش واصل، نص بين اللي أنا عايزه ويريحني، وبين اللي أنتم وجدي رايدينه.
وأكمل بألم يمزق قلبه:
_ من وأنا عيل صغير كان مزاجي مال للكورة، لحد ما في يوم حضرتك شفتني وأنا بلعب في الشارع ويا العيال، ما قدرتش أنسى الجتلة اللي أكلتها منك في اليوم ده. جلت لي هتسيب علامك وتخيب يا قاسم، ده أنا أدبحك بيدي يا واد، أنا عايزك تبقى دكتور ولا مهندس عشان ما تشرفني قدام جدك وأعرفوا كيف العلام بيكون، مش كيف زيدان ولده اللي واخد كلية تجارة خيبانة زيه.
ضحك ساخرًا وأكمل:
_ كنت دايما زارعني جار جدّي عشان ما أكون قريب من قلبه ويحبني عشان ينسي بيا بعده عن عمي زيدان. جدّي من ناحية يعلمني الأصول وكيف أحب إعمامي وولادهم وكيف أكون سند لعزوتي بعديه.
وأكمل بتألم:
_ ومن الناحية التانية إنت وأمي تعلموني كيف أكره ولاد إعمامي وأتفوج عليهم كلياتهم وأعتبرهم أعداء ليا ولخواتي. جسمتوني نصين بيناتكم.
وأكمل بنبرة مميتة مميلًا برأسه:
_ شرختوني يا أبوي.
تساءل بعيون لامعة بالدموع شقت صدر فارس الذي يستمع إليه بقلب يصرخ متألمًا:
_ جاي دلوقتي تجولي إرسي على بر واختار مصلحتك؟ متى اخترت شيء بخاطري أنا يا أبوي؟ متى كان ليا رأي وكلمة بيناتكم؟ طول عمري وأنا مجبور على كل حاجة، طول عمري متساج ومسير، من متى أنا كنت مخير؟
وأكمل مذكراً إياه:
_ فاكر لما جبت مجموع جليل في الثانوية العامة، قلت منك جَتلة مناسيهاش للنهاية. وجتها جلت لك هدخل تربية رياضية عشان ما أحقق حلمي وألعب كورة وأدرب العيال اللي بدرس لهم. وجفت في وشي وجلت لك لا، ما يحصلش أبداً. وكان يوم عيدك لما جدّي جرّ يدخلني الكلية اللي بتطلع المحامين عشان ما أمسك له قضاياه الكتيرة بدل الأستاذ عبدالجليل المحامي.
وضحك ساخرًا:
_ وبعدها اختار لي شجتي، عربيتي، حتى سريري اللي كنت بنام عليه كان على ذوقه هو.
وأكمل:
_ بعدت، كان نفسي أنسلخ من جلدي وأطلع من هنا بدون راجعة وأبعد عن كل حاجة. الكورة والحقد والتحكمات والظلم اللي ماليكم. رميت حالي في ظلام أول واحدة قابلتني عشان بس ما أهرب من جوازي من بنت عمي اللي إنت وأمي باصين لورثتها مش ليها.
وأكمل بصياح:
_ كنت عايز أهرب عشان ما أحميها من حالي ومنكم، بس معرفتش، وكأن الدنيا بتطلع لي لسانها وتجول لي متى اخترت شي بخاطرك يا حزين لجل ما تيجي دلوقتي وتختار.
ما أصعبه من شعور مميت حين تجد أقرب الناس إلي روحك هم من يسخرون من آلامك، والتي هي بالأساس من صنع أيديهم.
هكذا كانت نظرات قدري وفايقة الساخرة وهم يرمقون قاسم مقللين من حجم معاناته ومن شكواه، إلا من شقيقه والذي يشبهه بالأساس. كم كانت متشابهة روحيهما في التمزق، وكأنهما يتقاسمان الألم ذاته. كم كان داخل فارس مشوه دامٍ، كمثل داخل شقيقه!
كانت تستمع له بقلب متيبس لا يعرف للرحمة معنى، أما والده فقد صاح به بتجبر غير عابئ بحالة صغيره التي تقطع أنياط القلب:
_ ده بدل ما تيجي تتشكرني وتحب على يدي بعد كل اللي عملناه عشانك دي، تيجي ترمي علينا اللوم والعتب؟
وأكمل:
_ أنا عملت منك راجل ملو هدومك، جدك بيكبرك وما يخطيش خطوة واحدة غير لما بياخد مشورتك فيها.
واسترسل حديثه بمراوغة وكذب:
_ حتى بنت زيدان اللي خفت عليها من طمع النجعة والمركز كلياته في مال أبوها، وجلت أجوزها لك عشان ما أحميها من طمع الخلق فيها، تيجي تتهمي إني طمعان في ورثتها يا قاسم؟
وتساءل غاضبًا:
_ هو ده جزاتي أنا وأمك بعد كل اللي وصلناك ليه؟
ضحك ساخرًا على حاله.
أما فايقة التي تحدثت إليه بصياح وفحيح من بين أسنانها:
_ عملت فيك إيه بنت ورد؟ أكيد سحرت لك كيف أمها ما سحرت لزيدان قبل سابق.
وتساءلت بصياح حاد:
_ شربتك إيه يا ولدي؟ انطق؟
أجابها بنبرة حزينة وعيون متألمة لأجل والدته التي لم تشعر به قط وبحال قلبه الدائم التشتت والتألم:
_ شربتني حنانها من مجرد نظرة عينيها وهي بتبص لي، عرفتني إن لسه في الدنيا ناس جلوبها صافية ونضيفة، طبطبت على قلبي من مجرد حاجات بسيطة بتعملها بمنتهى العفوية، قابلت جسوتي وجبروتي بمنتهى الحنية يا أمي.
تحدث قدري لينهي تلك المناقشة عديمة الجدوى بالنسبة له، وخصوصًا بعدما استشف الإصرار من عين نجله والذي يتوافق مع رأيه بالأساس:
_ اعمل اللي يعيد عليك يا قاسم، الحكاية كلها من الأول ما كانش ليها لزوم. جدك لو كان عرف بالاتفاق دي كان عيشندل لنا كلياتنا وعَتجوم قيامتنا وياه وما نخلصش.
جحظت عينا فايقة من استسلام زوجها لقرار قاسم وضياع حلم حياتها بكسر زيدان على غاليته، فتحدثت باعتراض بنبرة غاضبة:
_ حديث إيه اللي بتتجوله دي يا قدري؟
رمقها بنظرة حارقة وتحدث بنبرة حادة أخرستها:
_ اللي سمعتيه يا فايقة وما أبغيش رط حريم واصل.
رمقته بعيون تطلق شزرًا تحت نظرات قاسم وفارس المتعجبة من حالة تلك المشتعلة نارًا من ذاك القرار.
فاق فارس على حاله وتحرك إلى شقيقه وتحدث بنبرة حزينة لأجله:
_ يلا عاود على شجتك يا قاسم، وأول ما ترجع مصر حل الخطوبة اللي ما كانش يجي لك من وراها غير مشاكل ربنا وحده اللي عالم كانت هترسي على إيه يا أخوي.
انسحب مع شقيقه للخارج تحت قلب فايقة المشعل بنار الحقد وارتياح عقل قدري من ناحية غضب أباه، وبدأ تخطيطه لما هو آت وكيف سيستفيد.
فاق على حاله ونظر على تلك التي ترمقه بنظرات نارية كارهة. نظر لها بتدقيق وتحدث مهددًا إياها:
_ اسمعيني زين يا فايقة وحطي الكلمتين دول حلقة في ودانك عشان ما تيجي بعد كده وتجولي إني ما خبرتكيش ونبهتك، ولجل كمان ما تيجيش شري اللي ما تقدريش عليه لو خربتي لي اللي في دماغي ورتبت له من سنين.
وأكمل مفسرًا:
_ أنا عارف ومتأكد إن غيرت الحريم قتلاكي ونفسك ومنى عينك تشمتي في ورد حتى لو كان على حساب ولدك ومستقبله.
وأكمل مهددًا بسبابته:
_ بس الله الوكيل ما تحاولي تحشري حالك وتتصلي بالمرة بتاعت مصر دي لكون خربتها على دماغك ودماغ اللي بتشدد لك كمان. سمعاني زين يا بنت سنية؟
رمقته بنظرات نارية لو خرجت لحولته إلى رماد في التو واللحظة، وتحركت إلى الخارج تاركة إياه لحاله.
دلف إلى مسكنه وكل ما يجول بخاطره هو الوفاء بوعد عمه له والمحافظة على تلك الصافية وكرامتها من الإهانة مهما كلفه الأمر. استمع إلى صوت حركة خافتة تأتي من المطبخ فعلم أنها بداخله. شعر براحة اجتاحت داخله وتحرك إليها ليرى ما تفعله.
اقترب من الباب وتفاجأ بجسدها اللين يصطدم بجسده الصلب بشدة. تهاوت بوقفتها ووقع من بين يديها ذاك الوعاء المملوء بالفيشار وتبعثرت حباته وانتشرت فوق أرضية المطبخ. أما هي فتهاوت بوقفتها وكادت أن تنبطح أرضًا لولاه. انحنى سريعًا بجذعه والتقط خصرها وضمه إليه محاوطًا جسدها بالكامل بين ساعديه.
ثوانٍ، ما هي إلا ثوانٍ فاتت عليهما ك دهر. نظر لداخل عينيها ذات اللون العجيب الذي اكتشف أنه لم يرهما بإتقان من قبل. ابتلع سائل لعابه حين أنزل ببصره واستقرت مقلتيه فوق شفتيها المنتفخة بلونها الوردي، والذي أقسم بداخله أنه لم ير بحياته أكثر منهما سحرًا. تمنى لو مال عليهما والتقطهما بين شفتيه وذاب معها برقة إلى البعيد والبعيد ليتناسى بهما كل آلامه التي تسكنه.
وما كان حالها ببعيد عنه، فقد أصابت جسدها وسرت به قشعريرة لذيذة. تمنت لو أن لها الحق لترتمي داخل أحضانه وتضل تشم لرائحة جسده التي طالما تخيلت رائحة المحبوب وعبقه، ثم تذوب معه داخل عالمه الذي ما زال عليها محرمًا.
وبلحظة وعَت على حالها وانتفض عرق الكرامة وثار بداخلها حين تذكرت كلماته المهينة لها التي لم ولن تفارق خيالها وباتت كظل منذ ذاك اليوم المشؤوم.
ابتعدت عنه مجبرة وتحمحم هو لتنظيف حنجرته ثم تحدث متسائلاً باهتمام أسعدها:
_ إنتِ كويسة؟
سحبت بصرها عنه سريعًا وتحركت لتجلب أدوات التنظيف لتلملم تلك الفوضى التي حدثت أثناء اصطدامهما، وأجابته بنبرة هادئة:
_ أنا زينة الحمد لله.
أراد أن يخرجها من خجلها ذاك فتحدث مداعبًا إياها:
_ شكلك صدقتي خلاص خلصتي مني وجربتي عملتي فيشار عشان ما تروحي على حالك بعيد عن خلقتي العكرة.
ابتسمت رغماً عنها أثر دعابته وأردفت قائلة بدعابة مماثلة:
_ وأهو اندلق واتفرد على الأرض من كتر نبرك.
قهقه عاليًا برجولة مما جعلها تترك ما تفعله وتنظر إليه بترقب وعيون منبهرة أثارته هو شخصيًا وتحدث بانبهار لم يستطع مداراته:
_ تعرفي إن عيونك حلوين جوي ولونهم عجيب!
ابتسمت وتابعت ما تفعله ساحبة عيناها عن ناظريه وتحدثت بهدوء:
_ كل اللي يشوفني لأول مرة يقول لي كده.
اشتعل جسده نارًا وتصلبت جميع خلايا جسده وصاح بنبرة عالية متسائلاً بحدة وعيون تطلق شزرًا:
_ ومين بقى إن شاء الله اللي يقول لك عيونك حلوين يا هانم؟
كانت منحنية بجسدها تلتقط حبات الفيشار بالجاروف. رفعت عيناها إليه تنظر لهيئته المخيفة وعيناه الجاحظة باستغراب. وتساءلت بداخله، بما تفوهت حتى يستشيط غضبًا وتشتعل عيناه هكذا؟
أزاحت ببصرها عنه وانتصبت متحركة إلى سلة القمامة، ووضعت بها ما في يدها وذهبت إلى الحوض كي تغسل كفاها، لكنها انتفضت عندما استمعت لصياحه المرعب قائلاً بنبرة غاضبة:
_ ما ترديش على سؤالي ليه، ما سمعانيش إياك؟
استدارت إليه متسائلة بملامح وجه حادة:
_ جرى لك إيه يا قاسم؟ بتعلي صوتك ليه كده، خضتني.
اقترب عليها ووقف قبالتها وسألها بجنون وغيرة شاعلة ظاهرة بداخله عيناه المتسعة:
_ مين اللي بيقول لك عيونك حلوة؟
ربعت يديها ووضعتهما فوق صدرها وأجابته بعناد:
_ كل اللي يشوفني يقول لي كده.
سألها بنظرات حادة كنظرات الصقر:
_ الدكتور، ولا زمايلك في الجامعة ولا مين بالظبط يا صفا، انطق؟
أجابته بنبرة استفزازية كي تحرق روحه:
_ أظن ده شيء يخصني لحالي، بتتحشر حالك وتدخلها ليه في خصوصياتي يا متر؟
أجابها بقوة وتملك:
_ حالك هو حالي يا دكتورة، ولا نسيتي عاد إنك مرتي؟
أمسكت وعاء كان ممتلئًا بالفيشار وموضوع جانبًا كانت قد صنعته له. وضعته بين كفيه بحدة وتحدثت وهي تنظر داخل مقلتيه بتحدي:
_ صوري يا متر، مرتك بشكل صوري. أوعاك تنسي اتفاقنا؟
وتحركت خطوتان للأمام. أمسكها من كتفها ولفها إليه ذاك الغاضب بعدما فهم مغزاها وأراد أن يتسلى ويزيد من نارها وأردف بوقاحة غامزًا بعينيه:
_ طب وبالنسبة للي حصل بيننا ليلة الدخلة، دي كمان كانت صوري؟
ابتلعت لعابها فتجرأ هو على التقرب منها أكثر وألتصق بجسدها محاوطًا خصرها بساعديه بعدما وضع وعاء الفيشار فوق المنضدة:
_ طب إيه رأيك نعيد توثيقه دلوقتي عشان ما نتمم الإجراءات الناقصة ونخليه رسمي وفهمي ونظمي كمان.
انتفض جسدها ووضعت ساعديها كسد لتُبعده بكل قوة لكنها لم تستطع حتى أن تزحزحه عن التصاقه بجسدها انشًا واحدًا فتحدثت بتلبك:
_ سيبني في حالي يا قاسم.
أجابها بثقة وحديث ذات معنى مؤكدًا لنفسه قبلها ملكيته لها:
_ حالك هو حال جوزك يا عروسة.
ابتعد يا قاسم وبطل هزارك البايخ ده. جملة تفوهت بها صفا.
أجابها بقوة:
_ بس أنا ما بهزرش يا صفا، أنا جوزك وليا عليكي حقوق.
وأقترب من شفتيها وتحدث:
_ وأنا بقى عاوز حقوقي ودلوقتي.
تفوّهت بقوة وهي تنظر لعينيه:
_ وأنا ما أبغيش يا قاسم، بتأخدني بالغصب إياك؟
وأكملت لتذكيره:
_ ومتنساش، إنت وعدتني إنك ما تجربش مني تاني، ووعد الراجل دين عليه، ولا إيه يا ولد عمي؟
ابتسم لها ليطمئن روحها عندما رأى مدى انزعاجها وغضبها، فك وثاقه من حول خصرها ليعطي لها حرية التحرك وتحدث بنبرة هادئ:
_ وأنا لسه عند وعدي ليكِ يا صفا، أنا بس حبيت أهزر وياكي.
خجلت منه ومن حالها وتركته وتحركت إلى غرفتها سريعًا.
زفر بقوة وابتلع لعابه من حالة النشوة التي أصابت روحه في قربها منه. إلى متى سيظل هكذا، يشتاق ضمتها، قبلتها، النظر داخل ساحرتيها دون أن تمنعه وتعاقبه بسحبهما بعيدًا عن مرمى بصره. إلى متى سيظل مطرودًا من نعيم جنته.
تحرك مجبرًا إلى البهو وجلس فوق مقعد وأمسك جهاز تحكم التلفاز وبدأ بالتقليب دون تركيز. كانت نظراته مثبتة فوق باب غرفة نومهما يترقب خروجها إليه لتؤنس وحدته الموحشة التي بدأت تصيبه في ابتعادها. لكنها خيبت آماله ولم تعيره أدنى اهتمام.
لم يستطع تفسير ما يحدث معه حين تبتعد عنه. هل هو تعود على وجودها؟ ولكن، كيف ومتى تعود؟ كان يفرك فوق مقعده بعدم راحة. كاد يجن من ابتعادها. وقف منتصب الظهر وأغلق التلفاز بعدما حسم أمره وتحرك ينوي الذهاب إليها لينهي حيرته وعدم راحته في ابتعاده.
تحرك وطرق باب غرفتها من باب الأدب ودلف إليها. وجدها تجلس فوق مقعد بالشرفة ممسكة بيدها بكتيب باللغة الإنجليزية مندمجة في قراءته إلى أبعد حد، أو هكذا تحاول أن توهمه.
تحرك إليها وتحمحم كي تنظر إليه، لكنها ظلت ناظرة بكتيبها.
سحب مقعدًا وجلس بقربها وتساءل:
_ عن إيه الكتاب اللي في يدك ده؟
أجابته بهدوء دون النظر إليه مما أشعل قلبه:
_ ده كتاب في الأدب الإنجليزي.
أردف قائلاً بنبرة حنون أثارت بداخلها:
_ ما تبصيليش ليه، للدرجة دي زعلانة مني يا صفا؟
رفعت بصرها ونظرت إليه وتحدثت بقوة:
_ طول عمري وأنا ما أحب اللي يقلل مني ويتمسخر عليا.
قطب جبينه وتساءل مستفسرًا بتعجب:
_ متى جَللت منك أنا؟
ابتسمت ساخرة بمرارة وأردفت بوجع ظهر بداخل عينيها:
_ غلط يا ولد عمي، صيغة سؤالك متجالة بطريقة غلط، السؤال الصح هو متى ما جَللتِش مني، متى احترمتني وعاملتني على إني بني آدمة ليا مشاعر وعندي كرامة وبحس.
أوجعه حديثها ومزق كيانه، حتى أنه أراد أن يسحبها لداخل أحضانه ويضمها بشدة كي يشعرها بالأمان ويمحي عنها كل آلامها الساكنة بأعماق قلبها والتي هي من صنع يديه. لكنه خشي ابتعادها عنه من جديد.
وضع يده فوق أناملها الرقيقة، ارتجف الكتيب من يدها أثر لمسته الحنون وتحدث بعيون حنون ولأول مرة بحياته:
_ حقك علي يا غالية، اعتبرني كنت أعمى ومش شايف الصورة واضحة قدامي.
وشفتها يا قاسم؟ سؤال خرج منها بمرارة.
أومأ بتأكيد ونبرة نادمة:
_ شفتها يا صفا.
وأكمل بحماس ليخرجها من حزنها:
_ أنا جعان، إيه رأيك أعمل لك مكرونة بالوايت صوص والمشروم وقطع الفراخ.
نظرت له باستغراب فأكمل متحمسًا بدعابة:
_ لا، ما أبغيش تبصي لي النظرة المشككة في قدراتي دي.
تساءلت مستفسرة بجبين مقطب متلاشية حزنها:
_ إنت صح بتعرف تطبخ؟
أجابها مبتسمًا:
_ جربيني وأحكمي بنفسك.
نظرت له بحيرة فأكمل هو مداعبًا وهو يسحبها من كف يدها:
_ إنتِ خايفة من إيه ما فهمتش أنا، إنتِ مش دكتورة وبتعوجي بطن الخلق وتشرحيهم كيف جتالين الجتلة، يعني أكيد مش هتغلبي وهتعرفي تلحقينا لو حصل لنا شوية تلخبط معوي.
ابتسمت رغماً عنها وهو يسحبها خلفه بحماس، ثم أجلسها فوق المقعد وبدأ هو بالطهي كمحترف.
وضعت كف يدها تحت ذقنها مستندة بساعديها فوق المنضدة وتساءلت بتعجب:
_ متى اتعملت تطبخ كده؟
أجابها متحمسًا لانسجامها:
_ انْجبرت أتعلم من لما سكنت لحالي في شجتي بعد ما اتخرجت.
ونظر لها وأشار بإصبعي السبابة والوسطى:
_ كان قدامي حل من اتنين، يا أتخلى عن حلمي في العيشة جوه القاهرة وإن يبقى لي مكتب من أشهر مكاتب المحامين فيها، يا إما أرجع لأهني تاني وأفتح مكتبي في سوهاج وأتخلى عن حلمي بأني أكتب اسمي بالدم بين أسماء الحيتان الكبار.
وأكمل بدعابة وهو ينظر لها مبتسمًا:
_ وكل التضحية دي عشان ما آكل الوكل البيتي اللي أحبه وأبعد عن الوكل الجاهز اللي كلياته أمراض وطعمه ما يتوكلش أصلاً.
وأكمل بنبرة حماسية:
_ ومن هنا حصلت المعجزة، قاسم اللي ما كانش بيعرف يملي لحاله كباية ميه عشان ما يشربها، بقى بيطبخ ولا أجدعها شيف.
كانت تستمع إليه بحماس واستمتاع ولاحظ هو ذاك. كان يعرف أنها تكن له احترامًا. وتحمل داخل قلبها عشقًا هائلاً له، لكنه أهان كيانها غير عابئ بقلبها العاشق، وليعلم الله أن البُعاد والتجاهل كان لأجل حمايتها لا لأجله. يعلم أنه ظلمها وقام بشطر قلبها العاشق بدون رحمة، ويعرف أن طريق السبيل إلى إرضائها والنيل منه صعب، ولكنه سيسلكه ويصل بالتأكيد، ولكن بالصبر والمصابرة.
بعد مدة كان يجلس مقابلًا لها مشيرًا إلى صحنها الموضوع أمامها بعناية وهو يتحدث بنبرة حماسية:
_ اتفضلي دوقي وجولي لي رأيك.
كانت تشعر بالكثير من السعادة لمحاولاته للتقرب منها وإرضائها بشتى الطرق وهذا ما وصلها من تصرفاته. ابتسمت له بسعادة وأمسكت بيدها الشوكة وبدأت بتذوق حبات المعكرونة وذهلت من طعمها اللذيذ.
نظرت إليه وتحدثت بانبهار:
_ براڤوا عليك يا متر، المكرونة لذيذة جوي.
مرر لسانه فوق شفتيه وهو ينظر إلى شفتيها بتشهي ومد يده سريعًا ووضعها على جانب شفتيها ومسح بإبهامه جزءً من معجون الصلصة البيضاء كانت موضوعة بجانب شفتيها بشكل مغري له. مسح الصلصة بإبهامه وأدخله بفمه وأمتصه بين شفتيه باستمتاع وهو ينظر لها بعيون صارخة راغبة مطالبة بإلتهام شفتيها.
ابتلعت لعابه وارتعش جسدها، سحبت بصرها عنه سريعًا وقامت بتناول طعامها في صمت تام وخجل.
حين ابتسم هو بخفة وتنهد بسعادة على حيائها الذي يزيد من تعلقه الزائد بها وإثارة مشاعره تجاهه.
بعد مدة كانت تتمدد فوق الفراش، تعطيه ظهرها وتنظر أمامها، تبتسم بشرود وتتذكر فعلته وحديثه وتصرفاته ناحيتها التي تدل جميعها على بداية عشقه لها. هي ليست بفتاة ساذجة كي لا تفرق بين الإعجاب والرغبة وبين العشق، وتأكدت هي من عشقه لها.
أما ذاك الذي يجاورها النوم وتفصل بينهما تلك الوسادة الملعونة، كان ينظر لشعرها المفرود فوق وسادتها بجنون. تتغلغل رائحتها العطرة أنفه وتدغدغ مشاعره تجاهها وتجعلها هائجة. زحف برأسه قليلًا حتى تلمس بأنفه خصلة من شعرها، أغمض عينيه وبدأ بأخذ نفس عميق احتبسه بصدره وأبتسم. تمنى لو يسحبها ويحتضنها بقوة حتى يسحق عظامها داخل أحضانه ويذيقها من الشهد ألوانًا. لكنه تمالك من حاله لأبعد الحدود كي ينهي خطبته من إيناس أولًا، وينتهي من ذاك الكابوس كي يرجع لحبيبته ويذيقها من العشق ألوانًا بما يليق بتلك الجميلة.
فاقت من نومها مبكرًا وتحركت من جانبه بهدوء كي لا تزعجه بنومته.
دَلفت إلى المرحاض توضأت وخرجت وارتدت الرداء الخاص بالصلاة وتحركت إلى الصالة كي تقضي صلاة الضحى. وأثناء سجودها خرج هو للبحث عنها بعدما فاق وتحرك ليبحث عنها كالطفل الذي يفتقد والدته.
تسمر بوقفته حين رآها ترفع كفيها وتناجي ربها بخشوع.
ما أجملها بعينيه فقد بات يراها ساحرة فائقة الجمال بكل حالاتها. ختمت صلاتها ووقفت ممسكة بسجادة الصلاة تتحرك بها.
تعجبت من ذاك الساند متكئًا على الحائط ويربع ساعديه أمام صدره وينظر لها بابتسامة وعيون منبهرة.
ابتسمت له بوجهها المشرق وأردفت:
_ صباح الخير، ثوانٍ وهجهز لك الفطور.
وتحركت إليه كي تدلف إلى غرفة النوم لتخلع عنها رداء الصلاة. وأثناء مرورها بجواره وجدت من يمسك كف يدها واعتدل مقابلًا لها وتحدث بابتسامة عاشق:
_ صباح الجمال، صباح الرضا.
ابتسمت بخجل وتحركت للداخل كي تخلع رداء الصلاة. تلاها هو ودلف إلى المرحاض كي يتوضأ ويؤدي صلاة الضحى.
جهزت سفرة الإفطار وجلست تنتظره. أتى بعدما انتهى من صلاته وجلس مقابلًا لها وبدأوا بتناول الطعام. تحمحمت هي وأردفت بنبرة مستأذنة:
_ بعد إذنك يا قاسم، أنا هنزل بعد الفطار عند جدي عشان عاوزة أتكلم وياه في موضوع خاص بالمستشفى.
لا يدري لما انقبض قلبه وشعر بغيرة عنيفة حينما ذكر اسم المستشفى. تنفس عاليًا كي يهدئ من روعه حتى لا يخزنها من جديد وتحامل على حاله وتحدث بدعابة كي يلاطفها ويجعلها تعتاد عليه أكثر:
_ موافق بس بشرط.
ضيقت بين حاجبيها باستغراب فتحدث هو بابتسامة هادئة:
_ تعملي لنا فنجانين قهوة من يدك ونشربهم ويا بعض في البلكونة وبعدها تنزلي على كيف كيفك.
ابتسمت وتحدثت بنبرة هادئة تلقائية:
_ بس كده، من عيوني.
رد عليها بنبرة حنون مراوغة:
_ يسلمولي عيونك.
اتسعت عيناها تنظر إليه باستغراب حاله وتصرفاته الجديدة الطارئة على شخصيته المعروفة بالجدية والغموض. ووقفت سريع كي تصنع له القهوة مع نظراته المتفحصة لها من الخلف. تفاجأت بها تضع فوق الحامل ثلاث أقداح ممتلئين بالقهوة.
بسطت إليه ذراعها وتحدثت بأدب:
_ اتفضل.
تحدث إليها بابتسامة وهو يتناول قدحه:
_ أنا صحيح جلت لك إني أدمنت القهوة من يدك بس مش لدرجة تعملي لي فنجانين بحالهم.
ابتسمت وتحدثت وهي تنسحب خارج المطبخ ساحبة معها الهواء الذي تتنفسه:
_ دي قهوة عملتها لجدّي وأنا هشرب قهوتي وياياه.
جابها معترضًا بدعابة:
_ بس دي ما كانتش اتفاقنا خلي بالك، لما تطلعي بتعملنا قهوة وهنشربوها في البلكونة كيف اتفاقنا وياكي.
ابتسمت بسعادة وتنهد بأسى وهو يتابعها وهي تخرج من باب الشقة وتغلقه خلفها ومعها بسمته ومرحه. حدث حاله متعجبًا:
ما بك يا قاسم؟ ما الذي يحدث معك يا فتى!
أأصابتك لعنة سحر؟
لا، بل أصابك عشق يا رجل.
أُصبتُ بسهم عينيها المسمم.
ولابد من الحصول على الترياق.
ترياقها في شهد شفتيها المولعة.
شربةً هنيئة من عسلها كافية.
لتشفي العلة وترد العليل إلى الحياة.
فآاااه وأه من لذة شهدك يا امرأة.
هزت كياني وجعلت عرشي الواهي مزعزع.
تدلت من فوق الدرج وجدت حُسن تخرج من إحدى الغرف التي كانت تقوم بتنظيفها. استقبلتها حُسن بترحاب شديد. سألتها صفا عن جدها فأرشدتها إلى وجوده داخل حجرة الاستقبال حالًا.
دَلفت إليه حاملة القهوة وهلت عليه بابتسامتها الصابحة التي يعشقها ذاك العتمان ويستبشر برؤياها.
وتحدثت بنبرة حنون:
_ صباح الخير يا جدي، أنا جايه عشان ما أصبح عليك وأشرب قهوتي وياك.
تهللت أسارير عتمان وتحدث بترحاب عالٍ وهو يشير إليها بالجلوس:
_ هل هلال القمر يا بنت زيدان، تعالي اجعدي جاري.
وأكمل وهو يلتقط قدح القهوة من يدها:
_ مع إني لسه شربت قهوتي بس هشرب تاني عشان عيونك يا غالية.
تحدثت بنبرة قلقة عليه:
_ خلاص يا جدي، طالما شربت قهوتك بلاش تشرب الفنجان ده عشان ما يضرك ويعلي الضغط عندك.
أجابها بنبرة حنون كي يطمئن هلعها الذي ظهر بعينيها:
_ اللي ييجي من يد الحبايب ما يضرش أبداً يا بتي، اللي بيضر الجسوة والفعل العفش.
ابتسمت له وجاورته الجلوس وبدأت بارتشاف قهوتها معه ثم تحدثت على استحياء:
_ جدي، أنا ليا عندك طلب وأتمنى ما تكسرش بخاطري فيه وتساعدني عشان ما يحصل.
نظر لها مستغربًا، فهذه هي المرة الأولى بحياتها التي تطلب منه شيئًا، فتحدث ليُشجعها:
_ ما عليكي إلا إنك تأمري وبإذن الله كل طلباتك مجابة.
ضحكت لدلال جدها لها وانقياده الدائم لرغباتها، عدا موضوع زواجها ولأسباب هي تعلمها.
فتحدثت بنبرة راجية:
_ أنا محتاجة مريم بنت عمي وياي في المستشفى، وهي كمان زهقانة من قعدة البيت ورايدة تشتغل وتحقق ذاتها. بس هي خايفة وحاسة إنك ما هتوافقش، بس أنا وعدتها إني هفتحك في الموضوع وأخليك كمان تأثر على فارس وتخليه يوافقون.
نظرت إليه وتساءلت بدلال كسابق عهدها معه وهذا أسعده كثيرًا:
_ ها، جلت إيه يا حبيبي، هتجف وياي، ولا هطلعني صغيرة قدام بنت عمي؟
قهقه عاليًا وأردف باستحسان:
_ طول عمرك بتغلبييني بكلامك اللي ياكل العجل ويدوب القلب يا بنت زيدان.
تساءلت بنبرة حماسية:
_ يعني موافق يا جدي، هتجمع فارس؟
أجابها بدعابة ليجعلها تتناسى ما حدث منه في السابق:
_ فارس مين دي كمان اللي أجمعها، اعتبري الحكاية خلصت خلاص وأنا هكلم يزن وأخليه يوظفها وبمرتب زين كمان. مبسوطة يا دكتورة؟
وضعت ما بيدها واقتربت منه وبدون سابق إنذار رمت حالها داخل أحضانه الحانية. شعر بالكثير من السعادة والرضا وحاوطها بساعديه وربت فوق ظهرها بحنان مما أسعدها وجعلها تحلق في سماء الرضا من شدة سعادتها.
في إحدى الشوارع الهادئة والمتواجدة داخل نجع النعماني، كان يتحرك ذاك المسحور يتلفت هُنا وهناك باحثًا بعينيه عن الحورية التي أبهرته من أول طلة له داخل عينيها الساحرة. ومنذ ذلك اليوم وهو يجوب الشوارع بحثًا عنها عله في ذات مرة يلتقيها صدفة.
فوجئ بوجود فارس أمامه حيث تحدث إليه بوجه بشوش:
_ دكتور ياسر، ده إيه الصدفة الجميلة دي!
ابتسم له ياسر وتحدث مرحبًا:
_ أزيك يا أستاذ فارس، أخبار حضرتك إيه؟
أجابه فارس بابتسامة بشوشة:
_ أنا زين الحمد لله.
وأكمل متسائلاً باستفسار:
_ خير يا دكتور، ماشي لحالك في الشارع وعم تتلفت حواليك ليه كده، بتدور على حاجة إياك؟
أجابه ياسر بإنكار ومراوغة:
_ لا طبعًا هدور على إيه، كل الحكاية إني لقيت نفسي قاعد فاضي وزهقان، فقلت أتمشى شوية من ناحية أفك الزهق وأمارس رياضة المشي المفضلة عندي، ومن ناحية تانية أستكشف معالم البلد اللي أنا قاعد فيها.
وضع فارس كف يده على كتف ياسر وربت عليه وتحدث بنبرة أخوية:
_ لما تلاقي حالك قاعد زهقان تعالي عندي في السرايا، بنقعد كلياتنا نسهروا بالليل ونتونس بالحديث، ابقى تعالي اقعد ويانا وشرفنا.
ابتسم ياسر وتحدث شاكرًا بامتنان:
_ متشكر جدًا على دعوتك الكريمة يا أستاذ فارس، ولو إني ما أحب أتطفل على حد في بيته، بس إن شاء الله هلبي دعوتك في أقرب وقت لأن شرف ليا أقعد معاكم وأشارككم الحوار، وأنا هبقى أبلغ الباشمهندس يزن لما أنوي الزيارة.
أجابه بترحاب:
_ بإذن الله يا دكتور.
وأكمل بتساؤل وهو يتأهب للمغادرة:
_ تأمر بحاجة؟
أردف ياسر بامتنان:
_ متشكر جدًا لذوقك يا أفندم.
انسحب فارس ماضيًا بطريقه وتحرك ياسر أيضًا عائدًا إلى مسكنه بعدما فقد الأمل في لقائها. تحرك حيث الاستراحة المتواجدة بالمستشفى والتي بنيت له خصيصًا وكانت من ضمن الامتيازات التي أغرته بها صفا لقبوله ترك موقعه المميز بالقاهرة.
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل التاسع عشر 19 - بقلم روز امين
عصر اليوم التالي كانت جميع العائلة تجتمع حول سُفرة الغداء. ولأول مرة بتاريخها، زيدان الذي يجلس على يمين عِتمان بعدما هاتفهُ عِتمان صباحاً وأخبرهُ أن يحضر هو وزوجته كي يتناولوا وجبة الغداء الأولى لإبنتهُ بصُحبة العائلة بعد زواجها، وذلك بناءً على طلب قاسم من جده، والذي أراد بهذا التصرف أن يرى السعادة بعيون صغيرتهُ التي بدأت بالاستحواذ الكامل على عقله وكل تفكيره، حتى أنه بات لا يفكر سوى كيف يستطيع إدخال السرور على قلبها البريء.
كانت تجلس بجانب قاسم، المجاور لعتمان على الجهة الأخرى. تنظر لوالدها الحبيب بعيون متشوقة لرؤياه العزيزة، وقلب يتراقص فرحاً من شدة سعادته وهي ترى والديها يجلسان بصحبة باقي العائلة كما تمنت كثيراً من ذي قبل.
تحدث مُنتصر إلى شقيقه وزوجته بنبرة سعيدة:
"منور دار أبوك يا غالي، منورة يا أم صفا."
أبتسمت لهُ ورد وتحدثت بنبرة خجلة:
"تسلم وتعيش يا أبو يزن."
حين تحدث زيدان لشقيقه الحنون:
"الدار منورة بأصحابها يا أخويه."
تفت رسمية بسعادة وهي تقوم بتقطيع لحم الماعز وتوزعه على الجميع بسعادة هائلة:
"وإنتَ أعز وأغلى أصحابها يا ولدي."
ثم نظرت إلى عِتمان الذي يشعر بسعادة ورضا لا مثيل لهما، ولكنه يحتفظ بهما داخله خلف ملامح وجهه الصارمة وتساءلت:
"ولا إيه قولك يا حاجة؟"
تحدث مُتلاشياً النظر لزيدان كي لا يضعف وتخونه لمعة عيناه التي تريد أن لا تُشيح بناظريها عن غالية:
"دي محتاجة سؤال يا حاجة."
استشاط قلب قدري وفايقة التي تشعر بنار تسري بداخل جسدها من جلوس ذاك الثنائي المتجاور أمام عيناها مباشرةً.
مال قاسم على أذن صغيرته وهمس بها:
"الجمر يفكر وأني عليا التنفيذ."
قطبت جبينها وتساءلت بإستفهام:
"لهو إنتَ..."
كادت أن تُكمل، قاطعها هو بعيون هائمة في جمال عيناها:
"أني اللي طلبت من جدك يدعي حماي وحماتي لجل ما أشوف الضحكة اللي منورة وش الجمر دي."
اتسعت عيناها تنظر إليه بعيون سعيدة ممزوجة بالخجل. عشقت انتسابه لوالديها بكلمة حماه. كم شعرت بالسعادة لأجل اهتمامه الذي يغمرها به ويؤكده يومًا بعد الآخر.
كانت جميع العيون تراقب همسهما بترقب شديد، منهم السعيد لأجل ذاك الثنائي المحبوب، كمثال الجد والجدة وزيدان وورد وباقي من يهمه الأمر. ومنهم المتربص بعناية ليرى ماذا يحمل لهما الغد ويتمنى من الله أن يخلف ظنونه، كيزن مثلاً. ومنهم الحاقد الكاره لسعادة ذاك الثنائي مثل فايقة وليلي. والغير مبالي بالمرة كقدري.
شرع الجميع في تناول الطعام.
نظر قاسم إلى جده وتحدث بنبرة جادة:
"كان فيه موضوع مهم كنت حابب أفاتحك فيه يا جدي بس انشغلت في الفرح."
قطب الجد جبينه وتساءل بإستفهام:
"موضوع إيه ده يا قاسم؟"
أجابهُ بوقار:
"الحاج كمال أبو الحسن كبير نجع الديابية وعضو مجلس الشعب. عرفت من مصادري إن الحزب هيتخلي عنه وهيخرجه من الترشيحات السنة دي. والجرار ده خدوه بعد ما سمعته ساءت وحكاية تهريبه للآثار فاحت واتفضح في كل حتة. وكنت بقترح على حضرتك إن عمي زيدان يترشح مكانه، وإني عندي اللي هيساعدنا من جوه المجلس بذات نفسه."
اشتعل قلب فايقة حقداً، واستشاط داخل قدري الذي توقف الطعام داخل حنجرته وبات يسعل بشدة. استغربت لهُ الجميع. ناولته والدته التي انتفضت من جلستها كأس الماء وتحدثت بحنان:
"سلامتك يا وليدي، اشرب."
تناول منها الكأس وتجرع ما بداخله دفعة واحدة بغضب. وابتلع لعابه.
حين تحدث الجد وهو ينظر إلى قاسم بتفاخر واستحسان متجاهلاً ما حدث مع قدري للتو:
"عفارم عليك يا قاسم، اللي يعجبني فيك إنك بتدعبس دايماً على المصلحة وتجيبها لحد عندك."
تحدث قدري بنبرة حاقدة غائرة لاحظها الكل:
"هو الموضوع زين ما قال لنا حاجة يا أبوي، بس زيدان ما يليق له إنه يبقى سيادة النائب."
وأكمل بتفاخر قاصداً بحديثه حاله بالتأكيد:
"الموضوع ده عايز راجل شديد وله هيبة في النجع، وعنده عزوة من الرجال اللي من صلبه لجل ما يساندوه."
وأكمل بتقليل واستياء:
"إنما زيدان أخوي مين اللي هيساندوه؟!"
تحدث قاسم بنبرة حادة اعتراضاً على حديث والده، وخصوصاً بعدما رأى نظرة الانكسار داخل أعين زيدان:
"لو حضرتك عندك راجلين، فعمي زيدان عنده بدل الراجل أربعة، ده غير رجالة العيلة والنجع كله اللي بيحبوه وهيساندوه بكل قوتهم."
ثم أكمل بنبرة تعقلية:
"ثم الموضوع ده ما ينفعش له غير عمي زيدان بالخصوص، هو الوحيد اللي متعلم ويروح مصر كتير، وده المطلوب."
تفت يزن مؤيداً لقاسم بشدة متغاضياً خلافهما:
"قاسم عنده حق يا عمي، عمي زيدان هو الوحيد اللي هينفع للموضوع ده لأن من شروط التقديم في المجلس إن يكون النايب متعلم ومعاه شهادة."
ووافقه الرأي فارس وحسن ومنتصر الذي تحدث بنبرة غاضبة ناظراً بحقد على ذاك الفاقد الحس والإنسانية:
"عيالي هما عيال زيدان وسنده، وأنا كمان وراك وفي ضهرك يا ولد أبوي."
تحدث زيدان بنبرة شاكرة متأثرة:
"تسلموا وتعيشوا يا رجالتنا، بس أنا معيزهاش يا منتصر."
ثم نظر إلى أخاه وتحدث بنبرة ملامة:
"خدها إنتَ يا قدري، تليق عليك أكتر يا أبو الرجال."
تحدث الحاج عِتمان موجهاً حديثه إلى قاسم بنبرة صارمة وهو ينظر إلى قدري:
"شوف الأوراق المطلوبة للتقديم وجهزها يا زيدان لجل قاسم ما يقدم لك في المحافظة."
ثم نظر إلى زيدان وتحدث بابتسامة خافتة مخبئاً خلفها سعادة لا توصف:
"مبروك يا سيادة النائب."
نظر لوالده وابتسم بسعادة وأردف قائلاً باحترام:
"ربنا يديمك فوق راسي يا أبويه."
هز عِتمان رأسهُ باستحسان وتحدث إلى ورد التي تنظر إلى زوجها بعيون تحبس داخلها الدموع لأجل كسرته على يد من يسمي بشقيقه:
"منورة دارك يا أم الدكتورة، مدي يدك وكلي من خير ربنا علينا."
ابتسمت له على جبره لخاطرها المكسور وتحدثت بابتسامة عرفان:
"تسلم وتعيش يا عمي، ودايماً الدار عمرانه بحسك وخيرك."
اشتعلت روح فايقة وشعرت أن البساط قد سحب من تحت قدميها وانتهى الأمر، ولكنها لن ولن تستسلم قط، وعاهدت حالها على أن لا تكن فايقة النعماني إن لم تجعل قلب زيدان وورد ينزف ويتقطع إرباً حزناً على ابنتيهما ووحديتهما.
أما صفا التي كانت تنظر لفارسها الذي أسعد أباها بخبر ترشيحه لمنصب مهم كهذا، ووقف بجانبه وسانده واعترض حديث والده المسموم باتجاه غاليها بقوة، وكان أيضاً سببًا في اجتماعها بأبويها على سفرة واحدة.
همست بجانب أذنه:
"شكراً يا قاسم."
ابتسم لها بسعادة وتحدث بمراوغة:
"شكرًا حاف أكده، إنتِ بخيلة ولا إيه يا دكتورة!"
ثم ضحك بخفة وأكمل بنبرة حنون:
"كله لجل عيونك يهون يا صفا."
اهتز قلبها وارتعش جسدها جراء نظرة عيناه العاشقة. شعر هو بفائدة رجولته الحقيقية عندما رأى السعادة بداخل مقلتيها الفيروزية. نعم، فإثبات رجولة الرجل تبدأ من سعادة أنثاه وإشراقة وجهها.
عاود الجميع إلى تناول الطعام من جديد بصمت تام.
في حين نظرت مريم إلى صفا بابتسامة هادئة لتذكيرها بالوعد التي قطعته لها من ذي قبل. فأبتسمت لها صفا وأومأت بأهدابها ثم حولت بصرها إلى جدها لتذكره بحديثها معه منذ الأمس.
فابتسم لها عِتمان وتحدث إلى فارس:
"بقولك يا فارس."
نظر له فارس وأجابه وهو يبتلع ما في فمه سريعاً من طعام:
"أؤمرني يا جدي."
أجابهُ عتمان وأردف شبه أمر:
"الأمر لله وحده يا ولدي، أني رايد إن مريم تشتغل في المستشفى مع صفا ويزن."
وهنا التي تحدثت واستشاطت من الغيرة هي ليلي قائلة بتهكم على ابنة عمها الخجول:
"ويا ترى الست مريم خريجة الخدمة الاجتماعية هتشتغل إيه هي كمان، لتكونوا بتعينوها وزيرة الصحة في نجع النعماني، ما هي المستشفى بتاعتنا ونعملوا فيها اللي على كيفنا."
وحولت بصرها إلى صفا وتحدثت بحقد دفين ونظرة كارهة لم تستطع تخبأتها:
"لدرجة إننا نمسكها لعيلة خريجة امبارح ما تعرفش تدي حتى إبرة لعيان ونعملولها قيمة وسط الخلايج بالعافية."
رمقها يزن بنظرة نارية لو خرجت لأحرقتها وحولتها إلى رمادٍ في الحال. ابتلعت لُعابها من نظرته خشية غضبه عليها من جديد.
في حين نظرت لها صفا والجميع بعيون متسعة مستغربين شنها لذاك الهجوم العنيف والغير مبرر.
حين تحدثت فايقة مبررة لصغيرتها ووريثة عرش مملكة حقدها العظيم:
"ليلي تقصد إن..."
ابتلعت باقي كلماتها داخل جوفها رعبًا عندما رأت نظرات عتمان النارية المحذرة والأمرة لها بالصمت التام.
شعرت مريم بالإهانة وانكمشت ملامحها وظهر الحزن بداخل عيناها البريئة، مما أحزن قلب نجاة على صغيرتها وأيضًا منتصر ويزن اللذان حزنا لأجل غاليتهما الرقيقة. وحتى قاسم الذي نظر إلى ليلي بحزن على حالة الحقد التي تتملك من قلبها.
في حين تحدث الجد بنبرة مهينة إلى ليلي وهو يرمقها بنظرة اشمئزاز:
"خلصتي السُم اللي بتنطريه من خاشمك ولا لسه يا بت فايقة."
ابتلعت لعابها خشية هجوم جدها اللاذع عليها، ولكن من الغريب أن الجد اكتفى بهذه الكلمات البسيطة ولكنها مهينة ومعبرة.
ثم وجه بصره إلى فارس وتحدث بحدة أرعبته:
"ما سمعتش صوتك ليه يا فارس؟"
نظر فارس إلى مريم وتحدث بنبرة لائمة على زوجته:
"مش لما أعرف رأي مرتي إيه، أقول أنا رأيي يا جدي."
نظرت له مريم وتحدثت بتحدٍ وقوة لا تعلم من أين أتتها:
"أني موافقة."
تحدث فارس بنبرة ساخرة:
"يبقى رأيي مبقاش له عازة يا جدي، مرتي موافقة وحضرتك قررت، وانتهى الأمر."
تلاشى عِتمان غضب فارس وشبه اعتراضه، وذلك لاعتراض عتمان على إدارة فارس الفاشلة لحياته مع مريم التي ذبلت منذ زواجها وتحولت إلى صامتة حزينة طوال الوقت.
تحدث عِتمان إلى يزن:
"يبقى على خيره الله، اعمل عقد زين وشوف هتشغل ست البنات في إيه يا يزن، واعمل لها شهرية مليحة تليق ببنت منتصر النعماني."
رفعت مريم بصرها سريعًا إلى جدها بلهفة وسعادة وتحدثت بعرفان:
"ربنا يخليك ليا يا جدي ويديمك فوق روسنا."
ابتسم لها وهز رأسه وتحدث باستحسان:
"مبارك يا بتي."
حين تحدث زيدان بنبرة حنون:
"مبارك التعيين يا زينة البنات."
أجابته بسعادة:
"يبارك في عمرك يا عمي."
وتحدث منتصر إلى غاليته بنبرة وعيون تشع حنانًا:
"مبروك يا بتي."
وانهالت عليها المباركات من الجميع عدا فارس وليلي وفايقة المعترضون. وحتى قدري كان سعيدًا بذاك الخبر وذلك بعدما استمع من والده أنه سيعطي لها راتبًا عاليًا. وكعادته، فهو لا يهمه إلا المادة.
❈-❈-❈
انتهى الغداء وتحرك جميع الرجال ورسمية إلى غرفة الاجتماعات العائلية لينتظروا حضور مشروب الشاي والفاكهة.
بدأت النساء بمساعدة العاملات بجمع الأواني والصحون من فوق سفرة الطعام لإدخالها المطبخ استعدادًا لجليها.
نظرت فايقة بحقد إلى مريم وتحدثت بفحيح كالأفعى:
"والله عال يا ست مريم، دايرة تخططي وتجرري لشغلك مع الست صفا من ورا جوزك ومن وراي؟"
تحدثت نجاة بقوة مداعبة عن ابنتها الرقيقة التي تعجز عن الرد:
"وإنتِ إيه اللي يزعلك في حاجة زي دي يا فايقة؟"
أجابتها بفحيح:
"اللي مزعلني إنها ماشية كيف الهبلة ورا اللي رايدة تخرب عليها حياتها يا ست نجاة."
كادت صفا أن ترد مدافعة، فبعثت لها والدتها نظرة تطالبها بالصمت وتجنب الدخول في تلك المشاحنات.
في حين أكملت فايقة بغضب:
"بدل ما تدور تتنطط في المستشفى تقعد في بيتها تربي بتها وتاخد بالها منها ومن جوزها، ولا تروح تجيب لها حتة عيل يشيل اسم ولدي بدل حتة البت اللي جايبها لنا وجاعدة عليها ليها أكتر من سنتين."
تحدثت نجاة بنبرة تهكمية:
"والله بتي جابت لولدك بت وفرحتك بعوضه، الدور والباجي على ولدي اللي داخل على التلات سنين متجوز ولحد دلوقتي مشفتلوش حتى برص."
وأكملت بنبرة حادة غاضبة كالإعصار:
"بدل ما تقعدي ترمي حديدك اللي كيف السُم على بتي وتسممي بيه بدنها، روحي شوفي حال بتك المايل واعدليه، لأني من النهارده ما هسكتش وهتكلم مع الحاجة رسمية تشوف حل للمسخرة اللي بتحصل دي."
أما ورد التي كانت تقف تشاهد الحرب الدائرة بهدوء وحمدت الله أنه نجاها وعائلتها من السكن وسط تلك العائلة المسمومة.
أمسكت يد صفا وسحبتها وخرجوا إلى الفراندا كي يجنبها وحالها شر تلك الفايقة وكلماتها المسمومة.
تحدثت ورد إلى صفا بنبرة قلقة:
"مكانش لازمة اللي عملتيه دي يا بتي، مالك إنتِ ومال مريم وشغلها؟ بتجيبي لحالك المشاكل ليه يا جلب أمك."
تنهدت صفا وأمسكت كف يد والدتها كي تطمئنها وتحدثت مفسرة تصرفها لوالدتها:
"مريم بت عمي وكيف أختي يا أمي، ما أقدرش أقف أتفرج عليها وأشوفها حزينة ومكسورة وأنا في يدي الحل ليها. مريم محتاجة يبقى عندها ثقة في حالها والثقة دي ما بتجيش غير لما تشتغل وتندمج مع الناس وتعرف إنها فرد منتج ومش عالة على حد."
تنهدت ورد وتحدثت بتوجس:
"ما قولتش حاجة يا بتي، وربي عالم إني كيف بحبها وبعزها، بس فايقة غدارة وجلبتها سودة كيف جلبها."
وأكملت ناصحة:
"ملكيش صالح بيها يا بتي، دي مرة سو وجرستها بالجبر اسأليني عليها."
وأكملت:
"آه يا مري، ما كنتش ريدالك تدخلي بين الناس دي، بس النصيب كان لازم يصيب يا بت زيدان."
❈-❈-❈
ليلاً داخل مسكن فارس ومريم.
خطى بساقية إلى مسكنه بعدما انتهى من جلوسه بصحبة شباب العائلة. دلف لغرفة نومه وجدها خالية ككل يوم، فمنذ ليلة زواج قاسم وصفا ومريم تغفو بغرفة صغيرتها لحالها.
تحرك بضيق واعتراض على ما يحدث ودلف إلى حجرة صغيرته. وجدها ممدة تدعي النوم بجانب طفلتها.
زفر بضيق وتحدث بنبرة هادئة كي لا يزعج صغيرته الغافية:
"قومي يا مريم وتعالي نتكلموا شوي برة، أني عارف إنك صاحية وبتتمثلي على إنك نايمة كيف كل يوم."
لم تُعر لحديثه اهتمام وظلت على وضعها. فتحدث هو مهدداً:
"قومي يا بت الناس بدل ما أعلي صوتي عليكي والبِت تتخلع."
انتفضت من نومتها بغضب وتحركت إليه بوجه عابس. سبقها هو وتحركت هي خلفه حتى وصلا لداخل غرفة نومهما التي دلفت إليها وأغلق هو بابها بهدوء.
ثم تحدث إليها بتساؤل غاضب:
"جالبة خلجتك عليا ليه يا مريم؟ ما كفاكيش إنك هجراني ونايمة جار بتك بقى لك كام يوم وحرماني من حقي الشرعي فيكي وأنا ساكت ومعتكلمش، كمان رايحة تتفقي ويا صفا على شغل من وراي؟"
"كان عاجبك منظري وأنا قاعد كيف الجردل في وسطهم وجدك بيؤمرني ويجبرني كيف العيل الصغير على موافقتي على شغلك؟"
وتساءل بنبرة حادة:
"ما جولتليش ليه على موضوع شغلك ده يا مريم؟"
كانت تستمع إليه وهي تربّع يديها وتضعهما فوق صدرها وأجابته بثبات وجمود:
"أقول لك ميتا يا فارس، هو أنت موجود في حياتي من الأساس ولا بتقعد وياي لجل ما أقول لك؟"
أجابها مقللاً من شكواها:
"بقول لك إيه يا مريم، أنا دماغي وجعاني ومفضييش لجلع الحريم ودماغهم الفاضية دي."
ابتسمت ساخرة وأجابته بنبرة بائسة:
"وأديني هشغل دماغي وأملأها بالشغل وأبعد عنيك لجل ما أدوشكش بدماغي الفاضية وحديثي اللي ملوش عازة عندك، زعلان ليه بقى!"
وتنهدت بأسى وتحركت لتخرج من جديد. أوقفها بقبضة يده وهو يجبرها على الوقوف. نظرت له فتحدث على استحياء وهو ينظر لداخل عيناها باحتياج:
"استني يا مريم، أنا، أنا عايزك."
نزلت كلماته على قلبها المسكين شرخته. أهذه هي كل قيمتها لديه؟ إفراغ رغبته البائسة بها وفقط؟
حزنت ثم تحدثت إليه بنبرة طائعة خاشية غضب الله عليها من عصيانها لإعطائها لزوجها حقه الشرعي بها:
"وأنا تحت أمرك يا ولد عمي."
شعر من نظرة عيناها بدونيته وكم هو أناني بلا شعور. فأمسكها وسحبها لداخل أحضانه وشدد عليه وأردف قائلاً:
"حقق علي يا مريم، لو ما عاوزاش خلاص، ما هجبركيش أنا."
هزت رأسها باعتراض وخرجت من بين أحضانه الباردة الخالية من المشاعر، وتحركت إلى خزانة ثيابها وأخرجت ثوبًا هادئًا للنوم وتحركت لداخل المرحاض. أما هو فزفر بضيق لاعنًا حاله وما أصبح عليه من حالة مزرية غير مرضية له ولا لزوجته.
❈-❈-❈
في مدينة القاهرة.
داخل مسكن إلهام والدة دكتورة أمل.
كانت تجلس داخل شرفة مسكنها ترتشف بعضًا من كأس العصير التي تمسك به بكف يدها. اقتربت عليها ريماس ابنتها المدللة والتي لا تهتم قط بأي شخص كان غير حالها وفقط.
اقتربت من جلسة والدتها وهي ممسكة بقنينة طلاء الأظافر، تطلي بالفرشاة أظافرها بعناية وجلست بمقعد مقابل لوالدتها.
ثم تحدثت بغرور:
"كلمتي بنتك عشان تعرفيها ميعاد الفرح؟"
أجابتها إلهام بنبرة باردة:
"عملالي بلوك ومش عارفة أوصل لها، بس كلمت مي صاحبتها وأخدت منها ميعاد، وهروح لهم كمان ساعتين عشان أتكلم معاها وأحاول أقنعها تتراجع عن قرارها المجنون ده."
وأكملت بعدم اهتمام:
"وأهو بالمرة أعزم مي ومامتها على الفرح."
تحدثت ريماس بنبرة معترضة:
"بصراحة يا مامي أنا مش فاهمة إنتِ ليه مش عاوزاها تسافر الصعيد، هي اللي اختارت تبعد عننا واختارت تعيش حياتها بالطريقة اللي تريحها، خلاص سيبها براحتها."
تحدثت إلهام ببقايا ضمير الأم المتبقي لديها:
"أختك غضبانة وزعلانة من اللي حصل يا ماسة، ولازم نعذرها ونديها وقتها لحد ما تتقبل فكرة جوازك من وائل وتنسي الموضوع تدريجيًا."
تفت ريماس بنبرة متعالية غاضبة:
"هي أصلاً ملهاش الحق إنها تزعل، واحد كانت واهمة نفسها إنه بيحبها لمجرد إنها كانت معاه في الجامعة، ولما اتخرجت عينها معاه في مستشفي باباه الكبيرة وأداها مرتب مكنتش تحلم بيه، كده خلاص بقى بيحبها؟"
وأكملت بتعالٍ وغرور وهي ترفع قامتها لأعلى متباهية بجمالها الأخاذ وشعرها الأشقر وبشرتها ناصعة البياض:
"ولما شافني في حفلة عيد ميلادها انبهر بجمالي وسابها وزحف ورايا، ومن وقتها بقى بيطاردني في كل مكان أروحه ويترجاني أدي له فرصة يقرب مني ونتصاحب، لحد ما أنا رضيت عنه واديته الفرصة، وفي خلال شهر واحد كان جايب أهله لحد هنا وخطبني من حضرتك."
وتساءلت باستخفاف لمشاعر شقيقتها الرقيقة:
"لو كان حبها فعلاً زي ما ادعت عليا كان خطبها طول الخمس سنين اللي عرفها فيهم."
تنهدت إلهام وتحدثت مفسرة:
"أمل لسه صغيرة ومش فاهمة الدنيا صح، مش قادرة تفهم إن اللي زي وائل ده فرصة هايلة للي زينا، ومن الغباء رفض طلبه أياً كانت الأسباب."
تفت ريماس بأنانية:
"ولما حضرتك مقتنعة بكده رايحة تقنعيها إنها متسافرش ليه؟"
واسترسلت حديثها بمنتهى الأنانية:
"بصراحة بقى يا مامي أنا شايفة إن قرار السفر ده أحسن حاجة لينا كلنا، هي ووائل خلاص، مينفعش يجمعهم مكان تاني."
وقفت إلهام وتحدثت بتعقل وهي تتأهب للخروج:
"ما تخليش غيرتك على خطيبك تنسيكي إن أمل دي أختك ومش هينفع تكملوا باقي حياتكم وأنتم مقاطعين بعض بالشكل ده."
زفرت ريماس باعتراض وعبس وجهها. تحركت إلهام إلى داخل غرفتها كي ترتدي ملابسها للاستعداد لزيارة ابنتها التي تستضيفها صديقتها بمنزلها.
بعد مدة كانت إلهام تجلس أمام السيدة إيمان والدة مي، تضع ساقًا فوق الأخرى بتعالٍ وتباهٍ. بعد مدة خرجت أمل من حجرتها مجبرة على مقابلة والدتها بعد محاولات عدة وإلحاح من إيمان لإقناعها بالخروج إليها لأجل خاطرها.
وقفت أمل متصلبة الجسد تتطلع أمامها في اللاشيء. في حين نهضت إيمان وتحدثت إلى مي التي تجاور أمل الوقوف:
"بعد إذنكم هاخد مي ونقعد جوه في أوضتي عشان تاخدوا راحتكم في الكلام."
وقفت إلهام وتحركت إلى أمل التي تراجعت للخلف وتحدثت بنبرة جامدة وملامح وجه صلبة:
"يا ريت حضرتك تتفضلي تقولي الكلمتين اللي جاية تقوليهم عشان تريحي بيهم ضميرك، لأني بصراحة معنديش وقت كتير عشان أضيعه في مناقشات عقيمة."
تنهدت إلهام وحركت رأسها يمينًا ويسارًا بأسى ثم جلست وتحدثت بنبرة مهمومة:
"هتفضلي لحد إمتي تعامليني بالجفاء ده؟"
وأكملت لائمة:
"بتعاقبيني على إيه يا أمل؟ بتعاقبيني على خوفي عليكم وإني عاوزة أضمن لكم جوزات مرتاحة عشان أطمن عليكم؟"
نظرت لها أمل وصاحت بتألم وهي تشير بسبابتها على حالها:
"على حساب كرامتي ومشاعري؟ قد كده كرامتي اللي اتهانت ملهاش أي قيمة عندك؟"
أجابتها بنبرة صادقة:
"يا بنتي افهميني، أنا أم وخايفة على بناتي من غدر الزمن، أنا ربيتكم لوحدي بعد باباك ما اتوفى ونسيت نفسي وضيعت عمري كله على تربيتكم، ما رضيتش اتجوز عشان ما أجيب لكمش جوز أم يضايقكم ويسبب لكم عقد تفضل ملزماكم طول حياتكم، علمتكم أحسن تعليم لحد ما بقيتي دكتورة قد الدنيا واختك في كلية ألسن، من حقي لما تيجي فرصة زي نسب دكتور وائل وأهله إني أتمسك بيها بكل قوتي."
أمل بنبرة صارخة:
"وأنا يا ماما، ومشاعري، والحقير اللي كان مفهمني إنه بيحبني وبعد ما خلاص قرر إنه يخطبني في عيد ميلادي، ظهرت له بنتك الجميلة وقعدت تلعب عليه بإسلوبها اللي إنتِ عارفاه كويس لحد ما رال عليها زي الأهبل وجري وراها، لو إنتِ فعلاً أم حقيقية وبتعملي لكرامة بنتك حساب كنتي رفضتي طلبه جوازه من ريماس."
حركت إلهام رأسها بيأس وتحدثت:
"للأسف يا أمل، إنتِ بتفكري بمشاعرك وده غلط كبير."
وأكملت بقوة:
"الدنيا دي عشان تبقي قوية فيها وتحصلي على أحسن الفرص والعروض، لازم تتركي قلبك وتنسيه خالص، ولو حسبتي جواز أختك من وائل هتلاقيه فيه خير كتير أوي ليكي إنتِ قبلنا كلنا."
نظرت عليها باستغراب فأكملت إلهام غير عابئة بنظراتها:
"أيوة يا أمل، لو حسبتيها بعقلك هتلاقي إن بمجرد جواز أختك من دكتور وائل ده هيعزز من منصبك في المستشفى، وائل وعدني إنه مستعد يرقيكي لمنصب رئيس قسم في المستشفى، وهيرفع مرتبك لأربع أضعاف."
رمقها بنظرة اشمئزاز وتحدثت:
"إنتِ إزاي كده، بيقولوا الأم بتحس بوجع بنتها لكن أنا مش شايفة ده قدامي."
أجابتها بقوة وجحود:
"الوجع الحقيقي في الفقر والغربة اللي إنتِ رايحة ترمي نفسك فيهم يا دكتورة."
أجابتها بقوة:
"وأنا راضية بالفقر والغربة دول وشايفة فيهم راحتي، وكل اللي طالباه منكم إنكم تنسوني وتخرجوني من حياتكم للأبد زي ما أنا هخرجكم، ويا ريت من النهارده متحاوليش تقابليني تاني، لأني مش حابة أفتكر أي شيء يربطني بتجربة الخذلان المرة اللي عشتها على يدك إنتِ واللي المفروض إنها أختي."
وتحركت إلى الداخل بقلب محطم فاقد الثقة في كل من حوله.
❈-❈-❈
بعد انتهاء الثلاثة أسابيع مدة إجازة قاسم، حوالي الساعة السادسة صباحًا بتوقيت القاهرة.
كان يقف أمام مرآته يهندم من ثيابه ويضع عطره فوق ذقنه النابت وعنقه تحت نظراتها التي تشتاقه حتى من قبل الرحيل. تختلس النظرات إليه بقلب ممزق من مجرد فكرة ابتعاد المحبوب. وما كان حاله بأفضل منها، فقد كان ينظر لانعكاسها في المرآة وهي تجهز له حقيبة ملابسه. تختلس النظر إليه بين البرهة والأخرى مع مراعاتها لعدم رؤياه لها، لكنه بالطبع كان يراها لعدم إحالة بصره عنها.
انتهت من وضع ثيابه وجميع أشياءه الخاصة وتحدثت بنبرة مختنقة لم تستطع السيطرة عليها:
"شنطتك جهزت يا قاسم."
تنهد بألم وتحرك إليها ونظر لداخل عيناها قائلاً بشكر:
"تسلم يدك يا صفا، تعبتك وياي."
أومأت له بأهدابها فتساءل هو باهتمام:
"ما عاوزاش حاجة أجيبها لك وياي وأنا راجع؟"
هزت رأسها بنفي مبتعدة بناظريها عن مرمى عيناه فتحدث هو من جديد:
"جولي اللي في نفسك، أشرى بصباعك على أي حاجة حباها وأنا أخلقها لك من تحت الأرض."
أجابته بنبرة ضعيفة متأثرة:
"تسلم يا قاسم، لو عاوزت حاجة أكيد هقول لك."
تنهد هو بأسى ثم أمسك كف يدها وتلمسه بنعومة أثارت كلاهما. نظر لداخل عيناها وذابا معًا بالنظرات. شعر بحاجته القوية لالتهام شفتاها وتقبيلهما برقة ونعومة. اقترب عليها ومال بجزعه، لكنها أبعدت جسدها سريعًا وتراجعت للخلف وهي تبتلع لعابها وصدرها يعلو ويهبط من شدة الاشتياق والتوتر. كانت تريد قبلته أكثر منه، لكنه الكبرياء لا غير.
شعر بإحباط رهيب جراء تراجعها وسحب بصرها وجسدها بعيدًا في حركة تدل على اعتراضها الشديد لاقترابه. تحمحم وعذر تصرفها.
أخذ نفسًا عميقًا كي يهدئ حاله وما أصابه، وتحدث بهدوء متلاشيًا تصرفها:
"أنا مش هتأخر في القاهرة، كام يوم أخلص فيهم القضايا الضرورية وأعاود طوالي، وزي ما جولت لك، أي حاجة تعوزيها رني علي."
نظرت له وأخرجت صوتها بصعوبة بالغة:
"توصل بالسلامة."
حمل حقيبته وتحرك للخارج وتحركت هي بجواره حتى وصل إلى باب الشقة. ثم نظر لعيناها. مد يده لها ليصافحها فناولته كفها برقة. أمسكه ضاغطًا عليه بنعومة وإثارة. ثم رفعها وقربها من فمه ووضع شفتاه الغليظة فوق جلد كفها الناعم وثبت نظريها كلّ بعيون الآخر وذابت العيون بنظراتها الهائمة. امتص هو جلد كفها في قبلة خشبت جسديهما معًا.
ثم أنزل كفها وتحدث بنبرة حنون أذابت قلبها:
"خلي بالك من نفسك يا صفا، وأنا مهتأخرش عليكِ."
هزت رأسها بتوتر. تحامل على حاله وخرج كي لا يتخطاه موعد إقلاع الطائرة. أمسكت الباب وتعلقت العيون ببعضها حيث أنه وقف بالخارج ولم تطعه ساقها على التحرك للمضي قدمًا. تحاملت هي على حالها وتحدثت لتنبهه:
"الطائرة هتفوتك كده."
ابتسم لها بخفة وهتف بنبرة حنون:
"فداكي يا صفا."
ابتسمت بحزن وتحاملت على حالها وبادرت هي بإغلاق الباب، وكأن إغلاقه كان سكينًا حادًا قطع معه قلبيهما وجعلهما ينزفان بشدة.
أسندت رأسها فوق الباب وأغمضت عيناها بتألم. رفعت كف يدها الذي طبع به قبلته وامتص جلده بشفتاه. وضعت شفتاها فوق موضع شفتاه وأغمضت عيناها وباتت تقبل موضعهما بقلب يريد الصراخ بأعلى صوته مطالبًا بعودته قبل الرحيل. أخذت نفسًا عميقًا تشم به رائحة عطره التي طبعت فوق جلدها والتصقت به.
أما ذاك العاشق الذي شعر بأن قلبه خرج من بين أضلعه وهرب إليها لكي لا يبتعد عنها ويضل بين أحضانها بالداخل. تنهد بألم وتحامل على حاله وتحرك إلى الدرج ليهبط ومنه للخارج بعدما ودع الجميع. كان فارس بانتظاره كي يصطحبه بسيارته إلى مطار سوهاج.
نظر لأعلى الشرفة على أمل رؤياها، لكنها حطمت آماله ولم تخرج لتوديعة. فتنهد هو وتحرك فارس منطلقًا بالسيارة. ثم نظر إلى شقيقه مترقبًا ملامح وجهه الحزينة وتساءل بدعابة:
"مالك يا قاسم، أول مرة أشوفك مهموم وإنت مسافر كده، ده أنت جبل كده كنت بتبقى طاير من الفرحة وإنت مفارق."
تنهد بألم ونظر لشقيقه وتحدث بنغزة داخل صدره:
"شكلي طبت ووجعت في عشج بت أبوها العالية يا فارس، وجع واعر جوي جوه قلبي من وقت ما سبتها فوق ونزلت."
تجللت أسارير فارس وهتف بصياح:
"وكتاب الله كنت عارف إنك عشجتها من وقت خناجاتكم اللي مكانتش بتخلص من يوم ما كتبتوا الكتاب."
وأكمل بنبرة عاقلة:
"صفا زينة بنات النعمانية وتستاهلك وإنت تستاهلها يا أخوي، وعين العجل إنك معتغدرش بيها ولا بوعدك لعمك."
تنهد بهدوء وأرجع رأسه للخلف ناظرًا أمامه بشرود يفكر فيما هو آت، وكيف سيتخلص وينهي خطبته من إيناس بدون خسائر معنوية لها. فبالأخير هو يكن لها احترامًا ولا يريد إيذاء مشاعرها وكبريائها.
❈-❈-❈
بعد مرور حوالي الساعة والنصف.
دلف من باب مكتبه بترحاب عالٍ من الموظفين والذين تساءلوا كثيرًا عن طول مدة غياب قاسم والذي لم يخبر أحدًا من المكتب بقصة زواجه بناءً على طلب إيناس لحفظ ماء وجهها أمام زملائها الذين ينتظرون زواجهما خلال الأسبوع القادم.
دلف إلى مكتبه وخلع عنه سترة حِلّته وعلقها بمكانها المخصص، ثم جلس بمقعده ودلفت إليه السكرتيرة الخاصة به ومعها ملفات القضايا المتوقفة على موافقته الشخصية كي يتم قبولها بالمكتب.
تحدثت نيرة السكرتيرة بترحاب وهي تضع أمامه أحد الملفات:
"المكتب نور بوجودك يا أفندم."
أجابها بهدوء:
"متشكر يا نيرة."
بالكاد انتهى من جملته ورفع بصره سريعًا وسلطه على تلك التي دفعت باب المكتب بحدة ودلفت تنظر إليه بنظرات مشتعلة وتحدثت إلى نيرة التي انتفضت بوقفتها قائلة بنبرة صارمة:
"سيبيني مع الأستاذ لوحدنا يا نيرة."
نظرت نيرة إلى قاسم لتتأكد من قراره فأومأ لها بأن تفعل ما طُلب منها وبالفعل خرجت.
وقفت تنظر عليه بعيون مشتعلة وتحدثت بنبرة غاضبة:
"هي حصلت كمان تيجي المكتب من غير ما تبلغني إنك جاي وأعرف من مكتب السكرتارية زيي زي الغريب؟"
نظر لها ببرود وتحدث بنبرة هادئة استشاطت داخلها:
"إهدي يا إيناس من فضلك وياريت متنسيش إننا في شغل والمكتب فيه زباين، ده غير إنه ما يصحش صوتك يبقى عالي كده قدامي."
كانت تنظر إليه مستغربة حالته ككل، نظراته الباردة وهو ينظر لها، نبرة صوته الجافة وهو يحدثها، أين قاسم؟ أين حبيبها الذي كان ينظر لها باهتمام ويحدثها بحماس؟ نعم، لم يكن لها يومًا عاشقًا بالمعنى المعروف، لكنه كان مهتمًا.
تحدثت وهي تدقق النظر بملامح وجهه التي لم تعد تعرفها، لا نظراته لا كلماته ولا حتى ملامحه التي زادت جاذبية ويبدو عليها الارتياح:
"مالك يا قاسم؟ إنت فيك إيه متغير؟ فين سلامك ولهفتك عليا؟ فين نظرة عيونك ليا لما كنت بتغيب عني يومين؟"
وأكملت بتساؤل حائر:
"وإزاي قدرت تبعد عني كل الوقت ده من غير ما تكلمني وتطمن عليا؟"
تنهد بأسى لحالتها الجنونية، وقف وتحرك إليها ليقابل وقفتها. وضع كفيه داخل جيب بنطاله وتحدث بنبرة هادئة:
"فيه حاجات كتير جدت يا إيناس ولازم نقعد ونتكلم. من فضلك اتصلي بوالدك ووالدتك وخذي لي ميعاد منهم عشان هاجي أزورهم بعد ميعاد المكتب، فيه كلام لازم يتقال قدامهم ويشاركونا فيه."
تنفست بهدوء وتحدثت إليه بنبرة جادة كآلة إلكترونية:
"لو هتتكلم معاهم في ترتيبات الفرح ما تقلقش، أنا وماما حجزنا القاعة، ومهندس الديكور اللي إنت سلمته الشقة خلص كل التعديلات اللي أنا قلت عليها، والفرش اللي إحنا حجزناه مع بعض قبل ما تسافر سوهاج هيوصل الشقة بكرة، والمهندس قال لي إن بعد يومين بالظبط هيسلمنا المفتاح."
وأكملت بجمود:
"كل حاجة جاهزة يا قاسم، مفيش غير كروت الدعوة استنيتك لما توصل عشان نختار تصميمهم سوا."
كان يستمع إليها بغصة مرة داخل حلقه. أين كان عقله؟ ضميره؟ أدميته وهو يشرع ويجهز حاله لذبح ابنة عمه وعمه الذي طالما اعتبره ولده الذي لم ينجبه.
حتى تلك المسكينة، ماذا ستفعل وكيف ستواجه الجميع بعدما يتركها خطيبها بعد خطبة وارتباط دام لسبع سنوات! حقًا معضلة صعبة، كيف ستحل يا ترى؟
يتبع..
رواية قلبي بنارها مغرم الفصل العشرون 20 - بقلم روز امين
تسائلت إيناس إلي ذاك الواقف ينظر إليها بشرودٍ تام ويبدوا علي ملامحهِ الإستياء والحُزن:
_ مالك يا قاسم؟
وصاحت بتساؤل وهي تنظر إليه بتشكيك:
_ فيك إية قل لي، إية اللي مغيرك بالشكل ده؟
إستمع كليهُما إلي طُرقات مُستأذنة فوق الباب فتحدث قاسم بنبرة صوت حادة:
_ إدخل.
دَلفت السكرتيرة الخاصة به وتحدثت بنبرة عملية:
_ شريف نُعمان برة يا أفندم وبيقول إنه واخد ميعاد من حضرتك.
تحدث إليها قائلاً بتفهم:
_ تمام، خلية يتفضل بعد دقيقتين بالظبط.
خرجت السكرتيرة وتحدث هو إلي إيناس بنبرة عملية:
_ اتفضلي علي مكتبك يا إيناس وزي ما قولت لك، هزوركم في البيت إنهاردة الساعة 8 وهنتكلم في كل حاجة.
كانت تنظر إلية بذهول وتسائلت بنبرة مُلامة:
_ إنتَ كلمت موكلينك وأدتهم مواعيد ومهانش عليك تكلمني حتي وتقولي إنك جاي.
تحرك إلي مكتبة وجلس بمقعدة وتحدث بنبرة جادة مُتغاضىً حالتها وسؤالها:
_ من فضلك يا أستاذة تتفضلي علي مكتبك علشان تشوفي شغلك.
طرقت السكرتيرة الباب ودلفت تتقدم خطوات العميل الذي هز رأسه بترحاب إلي إيناس كتحية منه، ثم تحرك إلي المكتب وبسط يدهُ إلي قاسم ليصافحهُ، وتحركت إيناس إلي الخارج.
أما عدنان فكان يجلس داخل مَكتبة مُنكبً علي أوراق بعض القضايا يقوم بمراجعتِها بإهتمام، إنتفض بجلسته حين فوجئ بتلك التي فتحت الباب دون إستأذان ودلفت كالإعصار المفاجئ.
إنتفض واقفً وتسائل بهلع:
_ فيه إيه يا إيناس، إية اللي حصل؟
بأنفاس لاهثة وعيون مُتسعة تطلق حُممً نارية سألتةُ مُستفسرة:
_ كُنت عارف إن قاسم جاي إنهاردة؟
زفر بضيق واسترخت أعصابهُ المشدودة وأرتمي بجسدهِ بتراخي فوق المقعد ثم تحدث بهدوء:
_ كلمني الساعة سبعة الصُبح وأنا نايم وقالي إنه في المطار وجاي علي القاهرة، وطلب مني أجهز له شوية ملفات خاصة بقضايا مستعجلة ولازم تدرس ويتاخد فيها قرار.
جحظت عيناها وتسائلت بصياح:
_ ولية ما قولتليش وإحنا قاعدين علي الفطار؟!
اجابها بنبرة باردة:
_ نسيت يا إيناس، بقولك كلمني وأنا نايم، وبعدين أنا كنت فاكر إنه بلغك إنه جاي على الأقل علشان تنسقوا مع بعض القضايا المتعلقة وتشوفوا هتقبلوا إية وترفضوا إيه.
تحركت وجلست بمقابلهُ وتحدثت بنبرة مُتوجسة:
_ قاسم متغير معايا أوي يا عدنان، معرفش ماله، ده طلب مني أبلغ بابا وماما إنه هيزورنا إنهاردة الساعة 8 بعد المغرب، وقال إنه محتاج يتكلم معانا ضروري.
تسائل عدنان مستفسراً:
_ طب وإنتِ قلقانه ليه كده، ما جايز يكون جامعنا علشان يتكلم في ترتيبات الفرح؟
هزت رأسها بتوجس وتحدثت:
_ لا يا عدنان، أنا قلبي مش مطمن لهيأتة وهو بيكلمني، حساة حد غريب عني أنا معرفهوش، مش لاقية فيه قاسم.
بيضيق عدنان عيناه وذهب بفكرهِ لتلك الفاتنة ذات العيون الساحرة وتيقن أن سحرها الهائل هو سبب تغيير ذاك الأبلة بالتأكيد.
❈-❈-❈
بعد خروج العميل من مكتب قاسم دلفت إلية السكرتيرة مباشرةً وتحدثت إلية بنبرة هادئة:
_ أدخل الزبون يا أفندم ولا تحب حضرتك تشرب حاجة الأول؟
هز رأسهُ نافيً ثم أردف قائلاً وهو يلتقط هاتفه من فوق المكتب وينظر بشاشتة:
_ متدخليش حد علشان هعمل مكالمة ضرورية، وأنا هتصل بيكي لما أخلص وأبلغك تدخلي العميل.
وأكمل بنبرة تأكيدية ذات مغزي:
_ مفيش مخلوق يدخل عليا المكتب مهما كان هو مين.
ونظر إليها بتأكيد:
_ مفهوم يا نيرة؟
أومأت له بتفهُم وخرجت، أما هو فنظر بشاشة هاتفهُ وأبتسم تلقائياً حين نظر لنقش إسمها، كان قد قرر مهاتفتِها بعدما شعر بحاجتهِ المُلحة للإستماع إلي نبراتها الحنون كي تمدهُ بالقوة وتُساندهُ وتدفعهُ للمضي قدمً نحو طريق تصحيح المسار المُتجة إلية، بسرعة البرق ضغط علي زر الإتصال وأنتظر مُتلهفً لإجابتها.
كانت تنتهي من إرتداء ثيابها وتلف حِجَابها الشرعي إستعداداً للنزول بعدما بعثت لها فايقة حُسن كي تستدعيها للجلوس معهم بالأسفل.
إستمعت لرنين هاتفها فتحركت إلي الكُومود وألتقطته ونظرت إليه، وبلحظة تخشب جسدها بالكامل وبدأ قلبها يدقُ بوتيرة سريعة عندما لمحت نقش إسمة المُسجل بهاتفها مُنذُ أكثر من سّبع سنوات ولم يُنير بشاشتها ولو لمرةً واحدة.
فاقت علي حالها وضغطت سريعً زِر الإجابة قبل أن ينتهي الرنين وتحدثت بنبرة مُرتبكة خجلة:
_ ألو.
وكأن روحهُ الهاربه منهُ قد رُدت إلية حين إستمع لرنين صوتها العذب، فأجابها بنبرة يملؤها الحنين:
_ كِيفك يا صفا؟
تنهدت براحة وشعرت بسعادة تغزو صدرها من مجرد إستماعها لحروف إسمها تخرُج من بين نبرات صوته الحنون:
_ اني زينة الحمد لله.
وتسائلت بإهتمام:
_ وصلت المكتب بالسلامة؟
أجابها:
_ واصل من أكتر من نص ساعة وجابلت موكل كمان.
شعرت بغيرة إقتحمت قلبها سريعً وتسائلت بنبرة حاولت بها تخبأة مشاعرها المُشتعلة بالغيرة:
_ موكل ولا موكلة، أجصد يعني جضية لراچل ولا لست؟
قهقة عالياً وتحدث بتفاخر ورجولة بعدما إستشف غيرتها علية:
_ راچل وشنبة يجف علية الصَجر كمان.
وأكمل بمراوغة وحديث ذات مغزي:
_ طمني جلبك يا صفا.
أجابته وهي تبتلع لعابها وتلعن غبائها لظهورها أمامهُ بتلك الحالة المزرية من الغيرة:
_ وهو حد كان جال لك إني جلجانة لجل ما تجول لي إطمني!
ضحك بشدة قائلاً بمداعبة:
_ الغيرة علي المحبوب مشروعة يا دَكتورة، وخصوصاً لما الحبيب يُبجا محامي طول بعرض وعيونه كحيلة ورموشة تدوب جلوب الحَريم دوب.
إشتعل صدرها من الغيرة ولم تدري بما تُجيبهُ، أتقصف جبهتهُ كَكُل مّرة لتُثبت لهُ أن الأمر لا يُعنيها، ولكن كيف وهو يُعنيها، بل وحديثه أشعل النار بداخل صدرها فجعلهُ متوهجً من شدة الإشتعال.
شعر بها فتحدث إليها:
_ روحتي فين يا صفا، معترديش عليّ ليه، ولا أني مش حبيب عاد؟
إبتلعت لعابها وأشتعل وجهها إحمراراً ولم تستطع إخراج كلمة واحدة من فمِها، فهم خجلها وأعطي لها العُذرفغير مجري الحديث كي يستدعيها إلي عالمهُ من جديد:
_ نمتي بعد أني ما مشيت ولا جِلجتي ومجالكيش نوم.
إبتسمت لمداعباته وقررت مُشاغبتة وتحدثت بنبرة مَرحة جديدة علية:
_ وإية اللي هيخليني منامش يا متر، ده أني حتي أول مرة أنام براحة إكده من يوم فرحنا، أخدت مخدتي في حُضني ونمت محسيتش بنفسي من كُتر الراحة.
شعر بسعادة من دُعابات تلك المُشاغبة وتحدث مُتوعداً بدُعابة:
_ طب إعملي حسابك إن أول حاچة هعملها بعد ما أچي لك إني هاخد اللمخدة دي ونزلها في الچنية وأولع فيها.
ضحكت هي وتحدث إليها متسائلاً:
_ معتسألنيش عولع في المُخدة ليه؟
إبتسمت وتسائلت بدلال خشب جسدهِ:
_ عتولع فيها لية؟
أجابها بنبرة هائمة أذابت جسدها:
_ عشان إتچرأت وخدت مكَاني، حُضن صفا ملك لچوزها وبس.
أغمضت عيناها وشعرت وكأن روحها تركتها وسرحت تتراقص في الفضاء، هل هي واعية أم أن هذا حُلمها التي طالما تمنتهْ حتي باتَ يُراودها بغفوتِها وصحوِها.
وأكمل ذلك العاشق بنبرة تكادُ تصرخُ من شدة إشتياقِهِ:
_ إتوحشتك يا صفا.
إتسعت عيناها وفتحتهما بذهول تحاول أن تستوعب ما قيل لها علي لسان مُتيمها وساحرُ عيناها، هل حقاً قال أنهُ إشتاقني، هل نسبني إلية وان حُضني هو ملكً لهُ!
إرتبكت حين سألها من جديد كي يستدعي صوتها لتُعيد البسمة إلي قلبهِ المُلتاع:
_ عتفضلي حرماني من صوتك إكتير إكدة؟
تحمحمت وتحدثت مُتهربه منه:
_ قاسم، كُنت عاوزة أستأذنك في حاچة.
أجابها مُتلهفً:
_ أؤمريني يا ست البنات.
إنتفض قلبها من كثرة حَنينهُ عليها، تحاملت علي حالها وأخرجت صوتها بصعوبة قائلة:
_ كُنت بستأذنك إني أخرچ إنهاردة بعد الظهر وأروح علي المستشفي لجل ما أتابع وأشوف آخر المستچدات مع دكتور ياسر، إنتَ عارف إن الإفتتاح جرب وأني لازمن أطمن بنفسي إن كُل حاچة بجت تمام.
شعر بحالة من الإستياء، وتملك منه شعور بالغضب والغيرة لمجرد ذِكرها لإسم ذلك الرخيم الذي لم يتقبلهُ مُنذُ أن رأه ليلة الإحتفال بالحِنة عندما كان سيتجرأ ويكشف عن جسد مالكة روحة ليُعطي لها إبرة الدواء المُسكن، لكنهُ تمالك من حالة وكظم غيظة كي لا يُحزنها.
وتحدث بهدوء وأستحسان:
_ بصراحة أخر حاچة إتوجعتها إنك تستأذنيني لجل ما تنزلي تتابعي شُغلك.
إبتسمت وتحدثت إلية بنبرة دُعابية مُستفزة:
_ هو مش إستإذان جَد ما هو إني بجنب حالي وچع الدماغ، لأن أكيد چدتي ومّرت عمي هيجعدوا يجولوا لي كيف عتنزلي الشُغل وإنتِ لساتك مكملتيش شهر چواز.
قهقه عالياً وتحدث مُستسلمً من تلك التي تعتز بكبريائها أمامهُ:
_ يا فرحة ما تمت، وأني اللي جولت لحالي إن الزمان ضحك لي والدَكتورة صفا بجلالة جدرها عتستأذنك يا واد.
ضحكت بإستحياء فتنفس هو بإرتياح ثم تحدث مُجبراً:
_ روحي علي شغلك بس خلي بالك على نفسك وأرچعي علي شُجتك طواليوأكمل بدُعابة مُحببه لقلبها:
_ وإبجي خُدي المُخدة في حُضنك وضُميها جوي بالليل لجل ما تودعيها عشان عولِعلِك فيها أول ما أرچع.
ضحكت بشدة وضحك هو وأضطر أسفً أن يُنهي أمتع مُكالمة أجراها طيلة سنوات حياتهُ، شعر من خلالها بالشغف والنشوي والسعادة.
❈-❈-❈
نزلت الدرج وتحركت إلي مجلس نساء العائلة وتحدثت بوجهها البشوش وضحكتها وحضورها الذي طغي علي المكان فزادهُ إشراقً:
_ صباح الخير.
رد الجميع الصباح عدا ليلي التي رمقتها بنظرة كارهه وتحدثت إليها بنبرة تهكُمية:
_ ناموسيتك كُحلي يا صفا هانم.
تجاهلت هجومها اللازع عليها حين أردفت رسمية بنبرة مُدلله متجاهلة حديث ليلي:
_ يسعد صباحك يا دَكتورة.
وتحدثت نجاة بوجهٍ مُبتسم وترحاب عالي يليق بتلك الصافية:
_ منورة دارك يا بِتيا.
جابتهتا صفا بإبتسامتِها البشوش:
_ تسلمي يا مّرت عمي، الدار منورة بوجودك.
وأردفت مريم مُتسائلة بإبتسامتها البريئة:
_ كِيفك يا صفا، زينة؟
بادلتها الإبتسامة تحت غضب ليلي وتحدثت بنبرة حنون:
_ الحمدلله يا مَريم.
تحدثت الجدة وهي تُشير إليها:
_ تعالي آُجعدي چاري لحد ما انده علي حُسن تچهز لك اللفطورتحركت إلي الجدة وجاورتها الجلوس وتحدثت بإعتراض لطيف:
_ ملوش لزوم يا چدة، أني فطرت جبل ما أنزل، أني هجعُد وياكم شوي وبعدها هروح أطل علي أبوي وأمي واشوفهم عشان هروح المستشفي أتابع التچهيزات، الإفتتاح جرب وعاوزة أطمن إن كل حاچة بجِت زين.
وكأن بكلماتها تلك قد أشعلت النار بقلب فايقة التي تحدثت بنبرة حقودة ظاهرة للجميع:
_ مستشفي إية اللي عتروحيها وإنتِ لساتك عروسة چديدة، إنتِ عايزة تفضحينا بين الخَلج إياك؟ أني أصلاً مفهماش شغل إية اللي بتچهزي له وهتروحية بعد ما خلاص إتچوزتي!
وأكملت بنبرة خبيثة كي تكشف للجميع عدم تربية صفا بالشكل اللائق وتخطيها لإتباع الأصول:
_ الظاهر إن سلفتي مكانتش فاضية لچل ما تعلمك الأصول زين، لأن لو كانت علمتك صُح كُتي جبل ما تلبسي هدومك وتنوي الطلوع تاچي تستأذني مني ومن چدك وچدتكونظرت إلي رسمية وتسائلت بنبرة خبيثة:
_ مش الأصول بتجول إكدة بردك ولا أني بتحدت غلط يا عمتي؟
وقبل ان ترد رسمية التي إنعقد لسانها خجلاً كان لصفا رأيً أخر حيثُ قامت بقصف جبهتها وإفشال مُخطتها قائلة:
_ أمي علمتني وفهمتني ديني صُح وربتني أحسن تربية يا مرت عمي، وديني بيجول ما أتحركش من مكاني خطوة جبل ما أخد الإذن من چوزي اللي أني عايشة في حمايتة ومسؤلة منيه، وأني جبل ما أنزل إتصلت بچوزي وأستأذنته وهو سمح لي ورحب كمان، ده غير إني إستأذنت ليلة إمبارح من كبيري وكبير الكُل.
نظر إليها الجميع فتحدثت مُفسرة:
_ أخدت الإذن من چدي ربنا يبارك لنا فيه.
وأني يا ست صفا، كُتي خدتي مني الإذن لجل ما تُخرچي؟ ولا ورد معلمتكيش إن زي ما چوزك ليه إحترامة حماتك هي كمان ليها إحترامها؟
جملة قالتها فايقة لمتابعة مُخطتها الدنئ لتوقيع صفا بالخطأتحدثت صفا بثقة ونبرة هادئة إستفذت بها فايقة:
_ أني إتبعت الدين والأصول وأستأذنت چوزي وكبيري يا مرت عمي ومحدش يجدر يغلطني في إكدة.
وأكملت بنبرة عقلانية كي تتفادي خطة تلك الحية الرقطاء قائلة بهدوء وأبتسامة خفيفة:
_ ومع إني مش مطالبة إني أستأذن من حد تاني بس أني بستأذنك في إني أخرچ يا مرت عمي.
وتسائلت بإبتسامة مزيفة:
_ راضية إكدة؟
نظرت لها ليلي وفايقة بقلبان يشتعلان غضبً حين تحدثت رسمية بإستحسان:
_ عداكي العيب يا دَكتورة.
حين وجهت نجاة حديثها إلي رسمية نبرة حادة وذلك لإحراج فايقة التي لا تُعطي إلي حديثها أية إهتمام أو جدية:
_ كُت عاوزة أتحدت وياكي في موضوع تأخير حَبل ليلي لحد دالوك يا مّرت عمي.
وأكملت بنبرة غاضبة:
_ بصراحة إكدة الموضوع طال وبوخ وأني خلاص، معُتش جادرة اتحمل وأصبر أكتر من إكدة.
إستشاط داخل فايقة ورمقت نجاة بنظرة نارية وصاحت بنبرة عالية مُردفة بحدة وهي تنظر إلي صفا:
_ ولازمته إية الحديت الماسخ اللي يحرج الدم دي جِدام الغُرب يا نچاة؟
تحدثت رسمية بنبرة حادة بعدما رأت حَرج صفا بعيناها:
_ غُرب مين اللي عتتحدتي عليهم يا بِت سَنية؟، وبعدين عتعلي صوتك علي سلفتك وتغلطيها ليه؟ المّرة عِنديها حَج، صبرت ياما ونفسها تشوف عوض ولدها بيتحرك جِدام عِنيها، وإنتِ وبِتك حاطين إديكم في الماية الباردة.
هتفت فايقة بنبرة غاضبة:
_ أني مسكتاش يا عمة، ومن وجت ما بِتي إتچوزت وأني بچري بيها عِند الدكاترة، وكُل اللي روحت لهم جالوا إن ليلي ساخ سليم ومفيهاش عيب يمنع الخِلفة، اللحكاية عايزة صّبر.
صاحت نجاة متسائلة بنبرة حادة:
_ لميتا هنصبروا يا فايقة، ولدي داخل علي سنين ونص چواز ونفسي أشيل عوضة علي يدي!
كانت تستمع إليهم والنار تتأكل بصدرها لحضور غريمتها صفا وإستماعها لهذا الحديث الذي يذبح روحها ويشعُرها بالكَسرة.
فتحدثت الجدة بهدوء:
_ إجفلي خاشمك يا حُرمة منك ليها.
وحولت بصرها إلي صفا وتحدثت بنبرة هادئة:
_ وإنتِ يا دَكتورة، إنتِ مش شاطرة وكل سنة كُتي عتطلعي بنمر زينة في الطِب، متكشفي علي بِت عمك وشوفي لها دوا يخليها تِحبل أومال؟
أجابت جدتها بهدوء:
_ أني مش تخصص نسا وتوليد يا چدة، ده غير إني لسه ببتدي طريجي ومعنديش خِبرة في شُغلي،، بس أني عرضت مساعدتي علي ليلي جبل سابج، وجولت لها إني سألت دكتور كبير عندي في الچامعة وجاب لي إسم دكتور شاطر جوي في الموضوع دِه ولية سِيط وياما ستات كتير ربنا كرمها علي يده.
ونظرت لتلك المُستشاطة وأكملت:
_ بس للأسف، ليلي رفضت مساعدتي وطلبت مني أبعد عن الموضوع ده وما أتدخلش فيه واصل.
رمقت فايقة ليلي وسألتها بنبرة حادة:
_ صُح الحديت اللي عتجولة صفا دي يا حزينة؟
وقفت ليلي وصرخت بأعلي صوتها بعدما فاض بها الكيل:
_ إيوة صُح يا أمّا، وأني جولتها لها جبل سابج وهجولها جِدامكم كِلياتُكم، لو الچنة هتاجي لي من خِلجة بِت ورد أني معيزهاش.
وتحركت لأعلي بدموعها وغضبها علي صفا الذي لو تفرق علي المحافظة بأكملِها لكفي وفاض.
نظرت فايقة إلي صفا وأردفت بلهفة كمن وجدت ضالتها:
_ شوفي عنوان الدكتور ده يا صفا وهاتيهولي واني هتدلي مصر ونودوها ليه أني وأبوها.
أومأت لها بطاعة حين تحدثت نجاة بإعتراض:
_ رچلي علي رچلك أني ويزن وين ما عتروحوا، بكفياكي طول السنتين اللي فاتوا وأني جاعدة كيف الهبلة ومعارفاش إية اللي عيُحصل عِند الدكاترة اللي عتروحولها إنتِ وبِتك دي!
❈-❈-❈
تحركت إلي منزل والدها وجدت والدتها تقف داخل المطبخ تعِدُ أنواع الحلوي المُحببة لدي زوجها الذي أصبح علي مشارف الوصول.
وقفت تلك الصافية وراء والدتها وأحتضنتها من الخلف دافنه وجهها داخل عُنق ورد التي شعرت بسعادة الدنيا تملكت من قلبها وتحدثت بنبرة سعيدة:
_ يا مرحب ببت جلبي اللي نورت دار أبوها.
أردفت صفا بنبرة حنون:
_ إتوحشتك جوي وإتوحشت حُضنك وريحة مِسكك يا ورد.
ضحكت ورد وتحدثت إليها بجُرأة لم تعهد عليها:
_ دالوك إفتكرتي حُضن ورد لما فارجك حُضن حبيبك!
شعرت بالدماء تنسحب من وجهها وعروقها بالكامل من شدة خجلِها، فتسائلت مُغيرة مجري الحديث كي تُجنب حالها حديث والدتِها:
_ أومال فين أبوي، مشيفهوش في الدار يعني.
أجابتها ورد بنبرة سعيدة:
_ لساته مكلمني وجال لي إنه داخل بعربيته علي أول الطريج في البلد.
لم يُكملا حديثهُما حتي إستمعا إلي صوتهِ من الخارج وهو يُنادي بصوتهِ علي صابحة قائلاً:
_ تعالي يا صابحة هاتي الحاچات اللي في العربية.
أسرعت إلية وما أن رأتهُ أمامها حتي رمت حالها بشغف لداخل أحضانهُ لتتشبع روحها من حنانهِ الذي لا يُضاهيه حنان.
فتحدث ذاك الذي كان يشعر وكأنهُ يتحرك داخل صحراء جرداء في نهار صيفٍ ساخن يتلوي عطشً وفجأة وجد أمامهُ بِئرً ملئ بالمياة العذبة فجري علية ليروي ظمأهُ الشديد، فتح ذراعية علي مصرعيهما وأحتواها داخلهُما وبدأ بمسح كفهِ بحنان فوق ظهر غاليته وتحدث:
_ إتوحشتك يا تاچ راس أبوكي.
أجابته وهي داخل أحضانة:
_ مش جدي ما اتوحشتك يا حبيبي.
ثم رفعت وجهها تتطلع إلي وجههِ وتُملي عيناها وتُشبعها من شوفته البهية وتحدثت:
_ كيفك يا حبيبي وكيف صحتك؟
أني زين ومليش زي طول ما أنتِ بخير، جملة نطق بها زيدان بنبرة حنون وعيون تنطق عشقً أبوي.
إستمعا كلاهُما لصوت تلك الغائرة التي صدح من خلفهما قائلة بدُعابة:
_ حمدالله على السلامة يا سي زيدان، طبعاً معتفتكرش تسأل علي المسكينة ورد ولا اللي چابوها طالما خدت حبيبتك جواة حُضنك.
إنفرجت أساريره كَكُل مرة يري فيها غيرتها علية وتحدث مُدللاً إياها:
_ مفيش حُضن يعوض حنانك يا غالية، وفتح لها ذراعه وسحبها هي الاخري لتُشارك صغيرته في حُضنه الكبير الذي يشمل الجميع بحنانه.
بعد مُده كانت تتوسط والديها الجلوس وتتناول بتلذُذ الحلوي التي صنعتها والدتها بيدها.
سأل زيدان صغيرته كي يطمأن عليها:
_ قاسم عامل إية وياكي يا صفا، بيعاملك زين؟
إبتسمت خجلاً وتحدثت كي تُطمأن قلب غاليها عنها:
_ الحمدلله يا أبوي، قاسم راچل صُح وبيتجي الله فيا وبيعاملني بما يُرضي الله.
أردفت ورد بإستحسان بعدما وجدت وجه صغيرتها قد آُنير بعد زواجها من قاسم:
_ قاسم راچل مفيش منيه، يشبهك يا زيدان ويشبه حِنيتك.
حولت بصرها سريعً علي أبيها وأردفت مُعترضة بنبرة صادقة:
_ حنية أبوي ملهاش زي يا أمّا، ربنا خلج زيدان واحد ومكررهوش.
إبتسم لصغيرته وأمسك كف يدها وضغط عليه بحنان، جلست معهما ما يقارب من الساعة وبعدها إتجهت بسيارتها إلي المَشفي لتُباشر عملها وتتابع آخر المُستجدات.
❈-❈-❈
إنتهي قاسم من أدائهِ لبعض الأعمال المُتراكمة لدية وخرج من مكتبهُ مُتجهً إلي مسكنه، تناول طعام غدائهِ الذي جلبهُ معهُ من الخارج من أحد المطاعم ثم تحدث إلي صفا وأطمأن أنها قد عادت من المَشفي.
دلف إلي المرحاض ونزع عنه ثيابهُ وأتجهَ إلي كبينة الإستحمام، وقف تحت صنبور المياة وحول مؤشرهُ علي المياة الدافئة ونزل تحتهُ وأغمض عيناه بإسترخاء وذلك لكي يُهدئ من روعة، إنتهي من أخذ حمامه وذهب إلي تختهِ ليغفوا ساعتان حتي يسترخي قبل أن يذهب إلي منزل إيناس ويبدأ حربهِ الشرسة الذي يعلم أنها لم ولن تكُن بالسهلةِ أبدا.
أفاق من غفوته علي صوت المُنبه، اغلقهُ وأتجهَ إلي المرحاض توضأ وخرج لأداء فرض الله علية، بعد مدة إنتهي وبدأ بمناجاة الله وتوسل إلية بأن يوفقهُ ويُساندهُ ويدعم سعيهُ بالوفاء إلي الوعد الذي قطعةُ لعمه بأن يحافظ علي تلك الصافية بالإضافة إلى عشقه الهائل الذي ظهر بقوة وبدون مقدمات.
إرتدي ثيابهُ وقاد سيارته إلي أن وصل لمحل إقامتها وبعد دقائق كان يجلس في مقعداً مُقابلاً الأريكة التي تحمل ثُلاثي الشر، كوثر، إيناس وعدنان.
تسائل قاسم مُستفسراً:
_ أومال فين أستاذ رفعت؟
نظرت لهُ كوثر التي تجلس بترقب واضعة ساق فوق الأخري وكف يدها تسند بهِ وجنتها، ترمقهُ بنظرات مُتفحصة ثم تحدثت بحديث مقصود:
_ رفعت في الشرقية بيحضر مناسبة عند حد قريبه من بعيد وهيبات في البلد، وبالمرة قال هيعزمهم علي فرح إيناس.
ثم تحدثت بنبرة مُستفسرة وهي تنظر له بعيون مُستشفه لما داخله بحكم خبرتها بالحياة:
_ خير يا قاسم، يا تري عايزنا في إية، إتكلم، إحنا سامعينك.
كهبت إيناس واقفة من جلستِها وتحدثت بهدوء حذر:
_ قبل ما تبدأ كلام قولي تحب تشرب إية؟
أجابها سريعً بإشارة من يده:
_ مفيش داعي تتعبي نفسك، ياريت تقعدي علشان نتكلم في المُفيد.
إستغرب عدنان طريقة قاسم الرسمية وملامح وجهه الجامدة وتسائل بدُعابة:
_ مالك يا أبني عامل زي اللي قاعد في مؤتمر رسمي كدة ليه، ما تفك شوية وبلاش شغل الرسم بتاع المحامين ده.
إبتسمت كوثر بجانب فمها بطريقة ساخرة وتحدثت بحديث ذات مغزي لتشجعهُ لما هو أت:
_ إسمع كلام صاحبك وأدلُق اللي في عِبك مرة واحدة يا قاسم.
أخذ نفسً عميقً وزفرهُ بهدوء كي يُساعدهُ ويعطيةِ القوة علي البدأ بالحديث في هذا الموضوع المُخجل الصَعب.
تناقل النظر بين ثلاثتهم وتحدث مُتشجعً:
_ أنا عارف إن الكلام اللي هقولة ده صعب علينا كُلنا بس لازم ﻧـــــ....
ولم يُكمل باقي جملتهْ لمقاطعة كوثر التي تحدثت بإعتراض:
_ مفيش داعي للمقدمات دي كلها يا مِتر، ياريت تُخش في الموضوع علي طول وتقول اللي إنتَ جاي علشانة.
تحمحم بخجل فحقاً الوضع ليس بالهين علية ولا عليهم وأكمل بتفهم:
_ حاضر يا أفندم.
وأخذ نفس طويل وتحدث متشجعً:
_ للأسف أنا مش هقدر أكمل في موضوع جوازي من إيناس، حصلت حاجات كتير أوي في التلات أسابيع اللي فاتوا خلتني أراجع نفسي، ولقيت إني من الصعب أخالف ضميري وأخون بنت عمي، ده غير إن عمي خلاني أوعدة إني أحافظ علي بنته الوحيدة وأني أصونها وما أجرحهاش.
جحظت أعين عدنان وإيناس وباتا يدققان النظر إليه بذهول وعدم إستيعاب لحديثهُ.
أما كوثر التي لم تتأثر ملامِحُها ولو بشكل بسيط مما إستمعته من قاسم، فهي قد إستشفت بذكائها وخبرتها التي إكتسبتها عبر سنوات عمرها التي لم تكن بالهينة وعانت فيها مُر الفقر وتخطي الصِعاب.
نظرت لهُ وتحدثت ساخرة بنبرة باردة رخيمة:
_ حلوة حتة الضمير اللي نزلت عليك فجأة دي، لا وملعوبة صح وكانت ممكن تدخل علي حد أهبل، بس عليا أنا لاء يا أبن الأكابر.
وأكملت بنبرة ساخرة مُهينة لشخصة:
_ إنتَ واعي للتخاريف والهبل اللي جاي تشتغلنا بيهم دول ولا أنتَ مِبرشم علي المِسا ولا نظامك إية بالظبط؟
إتسعت عيناه بذهول تأثراً بإستماعهِ إلي كلماتها المهينة والتي لا تليق بشخصيتهِ الجادة ولكنه تمالك من حاله وتحدث قائلاً بنبرة مُتماسكة مراعيً حالتها:
_ مفيش داعي للإهانة يا مدام كوثر، أنا مقدر إن الوضع صعب علينا كلنا، ولازم نساعد بعض علشان نتخطاه.
إعتدلت بجلستها وهتفت بنبرة حادة:
_ وهو أنتَ يا حبيبي لسه شفت إهانة، بقا بعد ما ركنت بنتي جنبك سبع سنين زي البيت الوقف وضيعت عليها فرص الجواز بدري، وبعد ما جهزنا للفرح وكل قرايبنا ومعارفنا عرفوا إن الفرح بعد عشر أيام وده علي حسب إتفاقك إنتَ وأبوك معانا لما كنتوا هنا، جاي بكل بجاحة تقول لنا معلش يا جماعة، سامحوني مش هقدر أتمم الجوازة علشان مخونش ثقة عمي فيا، ثقة مين يا أبو ثقة.
تحدث عدنان مُهدءً والدته موجهً نظراتهِ إلي قاسم:
_ إهدي من فضلك يا ماما، أكيد قاسم بيهزر معانا وما يقصدش اللي حضرتك فهمتيه ده.
أجابه قاسم بنبرة جادة غير قابلة للتشكيك:
_ أنا مبهزرش يا عدنان، أنا قاصد كل كلمة خرجت مني، وأنا مستعد إني أعوضكم بالمبلغ والترضية اللي إنتوا تحددوها علشان أكفر عن غلطتي.
خرجت إيناس عن صمتها مُتخطية صدمتِها وأردفت قائلة بنبرة لائمة غير مستوعبة:
_ إنتَ عاوز تفضحني يا قاسم؟ إنتَ مستوعب الناس ممكن تقول عليا إية لو سبتني قبل الفرح بإسبوع بعد خطوبة دامت كُل السنين دي، إنتَ كدة بتدبحني؟
ضيق بين حاجبية وتذكر ما الذي كان سيفعلةُ بصغيرته تحت قيادة تلك التي تصرخ عندما تبادلت الأدوار، شعر بدونيتة وكم كان حقيراً ولا يُفكر سوي بحالهِ اللعين وفقط.
وتحدث إليها متسائلاً:
_ ولو إتجوزتك هبقا بدبح مراتي اللي ما تستاهلش مني كدة، هي خلاص، مبقاش ليها حد غيري ومش هقدر أغدر بيها تحت أي ظروف، لكن إنتِ لسه الفرصة قدامك في إنك تلاقي راجل محترم يحبك ويكون ليكي لوحدك من غير ما تشاركك فيه ست تانية.
هتفت بنبرة معترضة:
_ بس أنا مش عاوزة ولا هقدر أكون لراجل غيرك يا قاسم؟
أجابها بنبرة تأكيدية:
_ مبقاش ينفع خلاص يا إيناس، صدقيني مش هقدر، لو إتجوزتك علشان نتفادي كلام الناس هبقا بظلمك لأني مش قدر أكون لك الزوج اللي حلمتي بيه وأتمنتية.
إنتَ بتقول إية يا قاسم، إنتَ مدرك وواعي للي إنتَ بتقوله، وصرخت بجنون قائلة:
_ بص لي كويس يا قاسم، أنا إيناس، حبيبتك.
وصاحت بصُراخ مُتسائلة:
_ إنتَ إية اللي جري لك، عملت فيك إية العقربة اللي إتجوزتها خليتك تتغير من ناحيتي بالشكل ده؟
إستشاط داخلهُ وأحتدت عيناه حينما إستمع لإهانة صغيرته فتحدث بنبرة حادة صارمة:
_ إيناس، صفا خط أحمر ممنوع أي حد يتخطي الحدود ويقرب منه.
وأكمل بنبرة حادة:
_ آخر كلام عندي جواز مش هينفع، وأنا تحت أمركم في أي تعويض مادي تحددوة بنفسكم.
ونظر لإيناس لعلمهِ مدي عِشقها للمادة وهذا ما لمسهُ من خلال حديثهُ الأخير معها وهو يحاول إقناعها بإتمام زواجهُ بها بعد صفا، ومنذ ذاك اليوم وهو يقوم بإسترجاع ذاكرته ومواقفها معه، شعر بالإهانة وبأنهُ بعنادهِ وهروبهُ من هويتة وجذورة قد تغافل وسلم حالهُ لتلك المُخادعة التي مثلت عليه العشق ولكنها أبعد ما تكون عنه.
وأردف قائلاً بنبرة جاده:
_ وأنا مستعد أكتب لك الشقة بفرشها بكل مستلزماتها بإسمك كنوع من أنواع التعويض، وأظن إنتِ عارفة تمنها كويس أوي، ده غير مبلغ مالي هديهولك تبدأي بيه تأسيس مكتب ليكي، لأن للأسف مش هينفع نكمل شغل مع بعض تاني في المكتب.
إشتعل داخلها عندما رأت غضب عيناه وأشتعال روحه لأجل غريمتها التي جلبتها لهُ بأيديها، وما زاد حِقدها هو تخطيتهُ وترتيبهُ لخطة الإنسحاب الكامل من حياتها، نظرت لهُ وتحدثت بفحيح وتوعد:
_ وإنتَ بقا فاكرني هبلة وبريالة علشان أوافق علي عرضك السخيف ده؟
وكمان عاوز تخرجني من المكتب اللي أنا بنتهولك علي أكتافي وعليت إسمة في السما بتعبي ومجهوديوأكملت بتوعد:
_ ده أنتَ تبقا غلبان أوي لو فاكر إنك ممكن تغدر بيا وترمي لي شوية فتافيت بعد ما ركنتني جنبك زي البيت الوقف كل السنين دي، وأنا هقف أتفرج عليك وأسكت زي الهبلة وأرضي.
وأكملت بتهديد صريح:
_ ده أنا أخرب لك حياتك وأدمرك، وأهد المعبد علي دماغ الكُل وعليا وعلي أعدائي يا قاسم.
رمقها بنظرات نارية وهتف بصياح:
_ لما تيجي تتكلمي مع قاسم النُعماني تبقي تتكلمي علي قدك يا شاطرة، وقولتها لك قبل كدة وهقولها لك تاني، مش أنا اللي بتهدد ومليش إيد بتوجعني علشان أتمسك منها وأتوجع.
وأكمل مذكراً إياها:
_ وبلاش تعيشي في دور المظلومة اللي إتغدر بيها لأن بصراحة الدور مش لايق عليكي، وأحب أفكرك إن الخطة دي كلها كانت فكرتك من الأول وتمت تحت رعايتك وإشرافك، فياريت متحملنيش الذنب لوحدي، دي خطة دنيئة من تأليفك وأنا إشتركت في تنفيذها وخدعت بيها عمي وجدي ولأخر لحظة كنت هدبح بيها بنت عمي بدون رحمة، جاية تصرُخي لما الأدوار إتبدلت وأتحطيتي مكانها.
وأفتكري إني من الأول كُنت رافض إني أكمل في لعبتك دي، وكنت ناوي أتخلي عن كل حاجه وأبدأ معاكي من الصفر ونبني نفسنا بنفسنا، لكن إنتِ اللي طمعتي وأصريتي إننا نكمل.
ورفع كتفيه وأردف بهدوء:
_ وأدي النتيجة، ولازم تتقبليها.
وأكمل بتألم حقيقي:
_ وإوعي تفتكري إن إنتِ لوحدك اللي هتطلعي من الموضوع ده خسرانة، أنا كمان خسرت كتير أوي ولسة هخسر، خسرت ضميري اللي فقدته أثناء رحلة السّبع سنين العجاف دول.
وأسترسل حديثهُ بنبرة حزينة مُتألمة:
_ وكفاية إني هعيش عمري كله وأنا بحتقر نفسي ومستصغرها علي كذبي طول السنين دي علي أهلي، وكفاية كمان إني هقضي اللي باقي حياتي وأنا جبان ومعنديش الجرأة إني أعترف لهم بالمؤامرة الحقيرة اللي لعبتها عليهم.
تحدثت كوثر بهدوء مُريب:
_ إهدي يا قاسم وما تخليش شوية عواطف هبلة تتحكم فيك وتحركك زي قطع الشطرنج، تعالي نتكلم ونحسبها مع بعض بالعقل.
وأكملت بنبرة صادقة:
_ لو فاكر إني هضحي بسمعة بنتي بشقة وشوية فلوس تبقا غلطان وحساباتك خرمت منك، إحنا من الشرقية يا قاسم، يعني من الآخر ناس فلاحين ولينا أصل وعيلة، واللي إنتَ جاي بتقوله ده تطير فيه رقاب.
ده غير إن بنتي خلاص، عدت 31 سنة وفُرصها في جوازة كويسة من شاب ظروفة مناسبة قَلت، ده غير إن أبوها كان قلقان ومكنش موافق علي الموضوع كله من الأول وأنا اللي ضغطت علية لحد ما أقنعته، يعني لو عرف قرارك ده أقل حاجه هيعملها معايا ده لو يعني طلع كريم، هيطلقني ويرميني في الشارع رمية خيل الحكومة، يعني إنتَ كدة بتخرب بيتي.
وأكملت بشرح:
_ ده غير أهلة اللي مش هيسكتوا لما يعرفوا إن بنتهم اللي ليها سبع سنين مخطوبة لواحد شغاله معاه في مكتبه.
وأكملت بنبرة خبيثة كي تستدعي قلقة:
_ واللي ساعات بييجي عليهم وقت والمكتب ده بيفضي عليهم هما الإتنين لوحدهم.
إتسعت عيناه من تلميحاتها الغير أخلاقية بالمرة فأكملت هي:
_ تفتكر إن ناس فلاحين زي دول عندهم الشرف أهم من النَفس اللي بيتنفسوة هيقفوا يتفرجوا علي بنتهم وسُمعِتها اللي هتبقا في التُراب ويسكتوا؟
كان يستمع إلي حديثها بقلبٍ يتمزق وروحً مؤرجحة، فبرغم خُبث تلك المرأة وتلاعُبها بالحديث إلا انها مُحقة بتفكيرها وبنظرة المُجتمع لإبنتها، ساخطً هو علي حاله وغباءهُ وتشتتهُ الذي أوصلهُ لتلك النهاية الحَرجة والمؤلمة للجميع، مُشفقً هو علي تلك الأم التي تحاول جاهدة أن تُنقذ سُمعة إبنتها ويعطيها الحق "ولكن" لم يعد الأمر بيده، هو قام بقطع وعد علي حالهِ قبل عمه بأن يحمي تلك الصافية وبأن لا يقوم بجرحها والغدر بها مهما كلفهُ الآمر من خسائر، يكفي بأن يكون رجُلً في حماية إمرأته.
زفر بهدوء ثم تحدث بنبرة حزينة:
_ أنا مُستعد أسافر لأهل أستاذ رفعت بنفسي للشرقية واشرح لهم موقفي الصعب وهكون تحت أمرهم في كل اللي يحكموا بيه، ولو أضريت أتنازل ل إيناس عن كُل مليم كسبته طول سِنين شُغلي أنا موافق.
تحدث عدنان بعدما رأي دموع شقيقتهُ وعدم إستيعابها لما يجري من حولها:
_ الحكاية مش حكاية تعويض وفلوس يا قاسم، إنتَ وإيناس بينكم حب وعشرة وأيام ومواقف حلوة كتير، إزاي هترمي كل ده ورا ظهرك وبسهولة كده تتخلي عنها.
وقف منتصب الظهر وتحدث بهدوء وهو يُغلق زر حلته استعداداً للمغادرة:
_ أنا قُلت كل اللي عندي يا عدنان، وصدقني الموضوع صعب عليا أكتر منكم، لكن ساعات الدنيا بتجبرنا نغير طريقنا اللي كنا راسمين نكمل فيه، أنا مستني قراركم النهائي وزي ما قولت، أنا تحت أمركم في كُل اللي هتطلبوة.
وقفت كوثر وصاحت بنبرة عالية غاضبة:
_ لا ده أنتَ عبيط بجد بقا ومش فاهم إنتَ بتعمل إية!
وأكملت بتهديد صريح:
_ ده أنا هخرب الدنيا وههدها فوق دماغك وهروح لجدك وعمك اللي إنتَ خايف منهم دول وهفضحك قدامهم وهقول لهم علي كل حاجه، هقول لهم إن ابنهم المحترم كان بيلعب بيهم طول السنين اللي فاتت وكان ناوي يتجوز علي بنتهم، بس البية شكله خاف للموضوع يتعرف ويخسر الملايين اللي هيورثها من ورا عمه وجده، وقال لنفسة بدل ما أخسر مغارة على بابا اللي ههبش منها، أرمي إيناس في أقرب صفيحة زبالة وأكمل أنا وأستمتع بالعز ده كُله لوحدي.
كان ينظر إليها مذهولاً، أهكذا يرونهُ بأعينهم، رجُل حقير دنئ لا تهمهُ سوي المادة!
إحتقر حالهُ ألاف المرات ولامها علي إلقاء حالهِ وسط أحضان هؤلاء الأفاعي، ولكن ما كان يشغل عقلهُ ويبُث القلق داخل روحه هو تهديد تلك الحيةِ الرقطاء بإخبار عمهِ، ماذا سيفعل لو علمت صغيرتهُ بتلك المؤامرة الحقيرة، هو لا يخشي معرفتها "ولكن" ليس قبل أن يبني بينهُما جُسوراً طويلة من الثقة لتأسيس حياتهما وبناء أساسٍ مُتماسك وهذا ما يعمل علية حالياً ويحاول جاهداً، حتي يَكُن لهُ رصيداً كافياً لديها كي يشفع لهُ عندها ويمحي خطاياه، وحينها سيذهب هو إليها ويعترف لها بكُل ماضية المُؤلم ويتوسل إليها طالبً منها السماح والغُفران.
تحدث بنبرة تعقلية إستطاع إيجادِها بصعوبة:
_ بلاش ننهيها بالشكل ده، خلينا نفارق بالمعروف زي ما بدأن.
تحدث عدنان بنبرة حزينة:
_ مفيش معروف في الغدر يا صاحبي، هو ده تقديرك لمشوار صداقتنا الكبير، يا خسارة يا قاسم.
تحرك قاسم إلي الخارج ضاربً عرض الحائِط بصياح كُلٍ من كوثر وإيناس وتوعدهما بالإنتقام الشديد منه والأذية لهُ ولكل أحبائة.
بعد خروجهُ نظرت إيناس إلي والدتها وصرخت بصياح:
_ إنتَ هتسيبية يغدر بيا ويروح يعيش حياته وكأن مفيش حاجه حصلت؟
رمقتها كوثر بنظرة مُشتعلة وهتفت بفحيح كالأفعي:
_ أسيبة؟ ده أنا مبقاش كوثر وشعري ده علي واحدة ست إن ما خليتة يلف حوالين نفسة ويرجع لك مزلول ويتمني تنسي الكلام اللي قاله، وتوافقي إنك ترجعي له تاني.
بسطت ذراعها إليها وتحدثت بقوة:
_ إتصلي لي علي رقم أمة حالاً وأديني التليفون، أنا هعرفهم مين هي كوثر.
هتف عدنان بترقُب:
_ إهدي من فضلك يا ماما وفكري بعقل قبل ما تعملي أي خطوة.
هتفت قائلة بحدة:
_ عقل، وهما اللي عملوة ده فيه ريحة العقل!
ضغطت إيناس علي رقم فايقة وأنتظرت، خطفت كوثر الهاتف وترقبت للرد، أما فايقة التي كانت تجلس بصحبة الجميع، إستمعت إلي صياح العاملة وهي تناولها الهاتف الذي كان متواجداً بالمطبخ:
_ المحمول بتاعك بيرن يا ست فايقة.
إلتقتطه منها ونظرت في شاشتة، وارتبكت حين وجدت نقش إسم إيناس الذي بالكاد تعرف قراءة حروفة، حيثُ أنها خرجت من الصف الخامس الإبتدائي ولم تستكمل مراحل تعليمها.
إنسحبت قائلة للجميع بكذب:
_ دي خيتي بدور اللي بتتصل، هطلع أكلمها من فوج وأشوفها عاوزة إية.
لم يعيرها أحد إهتمامً وبدأ الجد حديثهُ مع صفا ويزن بخصوص تجهيزات المَشف.
دَلفت فايقة إلي مسكنِها وأغلقت خلفها الباب وهي تتلفت حولها كاللصوص، وما أن نظرت إلي شاشة الهاتف الذي صمت عن الرنين لتُبادر هي بالإتصال حتي وجدته يصدح من جديد، ضغطت زر الإجابة وما أن وضعت الهاتف علي أذنها حتي إستمعت إلي صياح تلك الغاضبة التي تحدثت:
_ إسمعيني كويس يا ست إنتِ، لو كنتوا فاكرين إن إنتوا أذكية وبسهولة إبنك هيبيع بنتي ويتخلي عنها وأنا هرضي واقف اتفرج تبقوا غلطانين، بلغي جوزك إن لو معقلش إبنة وخلاه ييجي بكرة لحد بنتي ويعتذر لها ويتمم الفرح أخر الإسبوع ده.
وأكملت مهددة:
_ لو معملش كدة بعد بكرة الصبح هكون عندكم في سوهاج وهبلغ أبوة بكل حاجة، هقول له إن جوزك وإبنك بعد ما جم واتفقوا معانا علي الفرح وخلوني جهزت كُل حاجه ودعيت المعازيم، جايين يقولوا خلاص، مبقاش ينفع.
أما فايقة التي إنفرج فاهها واتسعت عيناها بذهول من قوة وجبروت تلك الشمطاء وتحدثت سريعً بعدما فكرت:
_ إهدي يا ست كوثر وخلونا نتكلموا بالعجل، في اللول إكدة لازمن تِعرفي إن لو إنتِ رايدة الچوازة دي تتم جيراط، فأني رايداها تتم أربعة وعشرين جيراط، وليا أسبابي لكدة.
وأكملت بإستحسان:
_ وكويس أوي اللي إنتِ عِملتيه ده، لأني كُت حاطة يدي علي جلبي وخايفة لتوافجوا علي فسخ الخطوبة وترضوا بكلام قاسم.
كانت كوثر تستمع إليها بذهول مُستغربة حال تلك الأم، فحتي كوثر ليست بالأم الصالحة بما يكفي، لكنها تدافع عن حقوق وراحة صِغارها بإستماتة.
تحدثت كوثر بنبرة أهدي بعدما إستشفت بفطانتها صدق حديث تلك السيدة وذلك بعدما لمست الغل والحقد من بين نبراتها، فتحدثت بهدوء قائلة:
_ لو علي كدة يبقا متفقين وأنا معاكي، إتفضلي قولي لي ناوية علي إية.
أجابتها فايقة قائلة بنبرة مليئة بالحقد:
_ ملكيش صالح باللي هعمله، إنتِ كل اللي يهمك إن جوزي وإبني عيكونوا عنديكي بكرة لجل ما يراضوا عروستنا الزينة ويتفجوا علي ميعاد الفرح.
وأغلقت معها الهاتف ونظرت أمامها وضحكت بشماتة قائلة بصوتٍ مسموع:
_ كَن الدنيي عتنصفك يا فايقة وهتاخدي بإنتجامك من حرجة جلب زيدان وهو شايف بِته بتموت جدامة من نار جلبها الوالعة، هانت يا فايقة، هانت خلاص.
رفعت هاتفها أمام عيناها ونظرت بشاشته وضغطت زر الاتصال بزوجها الذي لم يظهر طيلة اليوم، حيث أخبرها مُنذُ الصباح أن لدية بعض الأعمال داخل المركز وعليهِ الذهاب.
كان فوق فراشهِ يحتضن تلك اللعوب الذي تزوجها كي تعوضهُ عن النقص الذي يشعر به من خلال علاقته بفايقة. إستمع لرنين هاتفه.
توقف عن ما يفعل ونظر لتلك الغاضبة جراء فعلته وتحدث بلهاث:
_ معيزش اسمع لك صوت لحد مخلص المكالمة، فاهمة يا ماچدة؟
خرج إلي الصالة سريعً وأخذ نفسً عميقً كي ينظم من أنفاسة وتحدث مُتحكمً في صوته بصعوبة:
_ إيوة يا فايقة.
صاحت تلك الشيطانة بعويل ودموع التماسيح التي تصنعتها قائلة:
_ إنتَ فين يا قدري، تعالي شوف المُصيبة اللي حَلت فوج روسنا وعتخرب بيتنا وترمينا في الشارع بعد العُمر ده كلياته.
يُتبع.