الشمس كانت بتغيب ع الجبل، والدنيا في البلد واخدة لون دهبي كده يشرح القلب. سلمى كانت واقفة في البلكونة، شعرها الطويل سايباه ع ضهرها، وعيونها الخضرا باصة على الزرع اللي قدّامها، ساكتة بس في قلبها كلام كتير. أبوها نادى من تحت: «يا سلومة! يابتي، حضّري القهوة، عندنا ضيوف مهمين من مصر.» نزلت بسرعة وهي بتعدل الطرحة: «حاضر يا بوي.» دخلت المطبخ وهي بتكلم أمها: «مين دول يا أمه؟
«أصل عمك الحاج الشناوي هييجي يزور أبوك، مع مراته وعياله. الناس دول كانوا عايشين معانا زمان قبل ما يسافروا مصر ويبقوا مليونيرات. شكلهم جايين يطلبوا حاجة من أبوك.» سلمى قالت بهدوء: «وأنا مالي، الضيوف ضيوف أبويا.» بعد ساعة، وصلت العربية الفخمة قدام بيتهم. الباب اتفتح وخرج منه شاب طويل، لابس بدلة غالية، نضارة سودة، وماسك موبايله بإيده، كأنه نازل من فيلم مش من عربية. كان آدم. بص حواليه كأنه مش مصدق إنه واقف في “قرية”… لف
راسه وقال لأمه بصوت واطي: «إحنا جايين هنا ليه تاني؟ قولتلك مش عايز أتجوز من هنا.» أمه رمقته بنظرة: «بس شوف البنت الأول، وبعدها إحكم. جمالها يرد الروح، وأدبها معروف.» دخلوا البيت، وأول ما عينه وقعت على سلمى، اتفاجئ… هي كانت داخلة بالصينية، لابسة جلابية بسيطة، طرحتها ملفوفة بطريقة تقليدية، وعينيها خضرا بتلمع في النور، وشها بريء وجميل بطريقة تخلي الواحد يسكت غصب عنه. لكن هو بسرعة خبّى انبهاره، وابتسم ابتسامة مصطنعة.
سلمى قدمت القهوة وقالت بأدب: «اتفضل يا خوي.» آدم أخدها وقال بهدوء: «شكرًا.» الجو بقى فيه صمت تقيل، الأم بتحاول تفتح كلام، وأبوها بيحاول يخلّي الجو هادي، وسلمى قاعدة ساكتة، بتحط عينيها في الأرض. بس آدم؟ كان متضايق. حاسس إنه مش في مكانه. وبعد ما خرجوا من البيت، وهو راكب العربية، قال لأمه: «مع احترامي لكل الناس هنا… بس دي مش مراتي.» أمه بصّت له وقالت: «يا آدم، الجمال مش كل حاجة، والبنت دي محترمة وعلى خلق…» قاطعها:
«أنا متعلم وسافرت بلاد برة، إزاي هعيش مع واحدة متربية في بلد كلها عادات وتقاليد؟ لكن اللي ما يعرفهوش آدم… إن الأيام الجاية هتخليه يندم على كل كلمة قالها. عدّى يومين عالزيارة، وسلمى بقت تتهرّب من نظرات أمها، اللي من ساعتها وهي ساكتة بس عينيها فيها كلام. كانت قاعدة جنب جدتها في الحوش، وجدتها بتسرّح لها شعرها بإيدها المليانة تجاعيد الزمن: «مالك يا بت؟ وشك ماله؟ «مافيش حاجة يا تيته.» «الواد اللي جالك دا مش عاجبك؟ سلمى
سكتت شوية وقالت بهدوء: «هو اللي مش عاجبه يا تيته… ما قالهاش صريحة، بس شكله شايف نفسه كبير علينا.» الست العجوزة ضحكت ضحكة خفيفة: «اللي يشوفك يا سلومة، ويعرف قيمتك، عمره ما يقول كده. واللي ما يشوفش، يبقى أعمى.» في نفس الوقت، في القاهرة، آدم كان قاعد في مكتبه، بيشرب قهوته وبيراجع ورق مهم، بس عقله مش مركز.
من غير ما يحس، لقى نفسه بيقلب في صور الموبايل… لحد ما جات صورة فيها سلمى واقفة في الخلفية، كانت أمه واخداها بالعافية. قعد يبصلها ثواني… وبعدين ضحك بسخرية: «جميلة، ماشي… بس مش بتاعتي.» حاول يرجّع تركيزه للشغل، بس حاجة جواه بدأت تتفتح، زي شرخ صغير في الحيطة. في بيت البدري، أم سلمى كانت بتقول لجوزها: «الناس دول ما قالوش عايزين البت ولا لأ، ولا طلبوا، ولا حتى اتصلوا يشكروا.» «يبقى ما كانوش قاصدين جوازة..»
قالها الحاج عبدالسلام وهو بيقطع حتة عيش، وبنبرة واضحة: «وسلمى ما تتعرضش لحد ما يستاهلها.» تاني يوم، سلمى كانت طالعة مع أخوها الكبير «حسين» يزوروا عمة أبوهم المريضة في بلد جنبهم. ركبوا العربية البيك أب الصغيرة، وسكتوا في الطريق، وسليمى كانت ساكتة تفكر… مش في آدم، لأ، في الكلمة اللي قالها أبوها. “ما تتعرضش لحد ما يستاهلها”… هي عارفة نفسها، متربية على الكرامة، بس مش قادرة تمنع نفسها من التساؤل:
«ليه حسيت إنه كان شايفني قليلة؟ وفي آخر الفصل، في القاهرة: آدم كان راجع من اجتماع، وتليفونه رن. كان رقمه القديم من الصعيد، رقم ناس أبو سلمى. رد، وصوت رجولي قال له: «أستاذ آدم؟ مع حضرتك حسين البدري… أختي سلمى كانت معايا في الطريق، وحصل لينا حادث بسيط، العربية اتزحلقت، وهي اتصابت خفيف بس لو ممكن توصلنا بطبيب نثق فيه في سوهاج، إحنا قريب من هناك لأن حضرتك عندك علاقات …» آدم وقف مكانه، ولأول مرة قلبه دق بدقّة مختلفة…
«سلمى؟! اتصابت؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!