تسير بنا الحياة، لنسير معها وسط سراب لا ندركه إلا عندما نفيق على صرخة تضوي بين أعماقنا، وكأنها صرخة الصحوة. ولكن ليست الصحوة دائمًا تأتي كالإنذار، بل أحيانًا تأتي وكأنها تريد أن تخبرنا بأن لا وقت أمامنا، فالوقت قد أذن بالرحيل وأعلنت الحياة صافرتها وهي تودعنا. ولكل منا وداع، وفي النهاية نحن من نختار كيف يكون وداعنا. لترحل النفس وترحل معها القلوب، متأملة كل شيء حولها لتبقى العبرة في النهاية. والعبرة لا تُصنع بدوننا، فليختر كل منا عبرته كما يشاء، ولتتوارث دروس عبرتنا لغيرنا.
كانت تسير مثل الغريب الذي قد ضل طريقه، لتشرد في سنين عمرها القادمة. وقد نسيت ما مضى وكأن الحياة لا تريد لها للحظة بأن تصحو من غفلتها. فالنهاية قد صنعتها هي بأعمالها، وقرر الزمن بأن يكافئها بها حتى ترحل لعالم لا ينفع فيه مال ولا بنون، عالم سنسأل فيه عن حياتنا فيما قد فنيناها. أحست بأن عيناها لا تستطيع الرؤية لتبقى الصورة مشوشة أمامها، لتتشبث في مقود سيارتها وهي تضغط على فراملها وكأنها تضغط على زر النهاية، حتى تفقد صوابها وتنجرف بها السيارة لتنحدر لأسفل، لتضوي آخر صرخاتها حتى تنفجر السيارة، لتسقط نانسي ويسقط معها كل شيء.
*** امسك هاتفه بألم وهو يتأمل كل شيء حوله بشرود. ليدخل عليه أخاه وبصوت هادئ: سمعت الخبر يا أدهم. أدهم بشرود: ما كنتش متوقع إن نهاية نانسي هتكون كده يا أياد. أياد بأسي: ربنا يرحمها. إحنا المفروض نروح نستلم جثتها، متنساش إنها كانت مرات أبونا الله يرحمه. ليتطلع له أدهم وهو يحرك رأسه بالإيجاب. *** لينظر إليه أياد بتساؤل: إنت كويس يا أدهم؟ ***
عاد بعد أن قرر الرحيل للنهاية، ولكن قد خانه الرحيل وعاد به ثانية. عاد به لكي يقف على قبرها وهو يبكي، لا يعلم لماذا يبكي ولما الآن البكاء. ليجلس بجانب قبرها بألم قائلاً: إنتي اللي اخترتي الطريق ده يا نانسي. قولتلك بلاش، حبك للدنيا عماكي وعميتيني معاكي. كان لازم أصرخ فيكي وأقولك لأ، بس للأسف كنت ضعيف زيك. ولما فوقت سيبتك لوحدك بدل ما أفوقك معايا. مخفتش عليكي من نفسك. سامحيني يا حبيبتي. أيوه حبيبتي يا نانسي، والله كنت بحبك بس إنتي اللي نسيتي حبنا وحولتيها لمجرد مصلحة. كنت بتقطع من جوايا وأنا شايف رجولتي بتتلغي قدام حبي ليكي. كرهتك وكرهت نفسي. فكرت إني هفوقك لما روحت لجوزك وقولتله على حقيقتك، بس كنت غبي وسيبتك وسافرت، ودلوقتي رجعت عشان أشوفك هنا.
ليظل يتطلع إلى المكان الذي حوله بأسي، حتى يسمع صوت أحدهم وهو يقول له: إنت كويس يا أستاذ؟ لينظر له شادي بألم وهو ينهض، مودعًا إياه وهو يقول: هبقى أجي أزورك تاني؟ *** جلست بجانب زوجها بحب لتقول بصوتها الحاني: مالك يا أدهم بقيت ديما سرحان؟ ليظل هو يجول بنظره بعيدًا، حتى يقول: مش عارف يا مريم، حاسس إني تعبان. لتضمه إليها بحنان قائلة: مالك يا حبيبي؟ فيك إيه؟ أدهم بشرود: تفتكري حياتي ممكن تنتهي زيهم كده؟
تفتكري إن حياتي صح؟ لتبتسم إليه بحب قائلة: طول ما إحنا بنفكر كده، صدقني حياتنا هتبقى أحسن. عاتب نفسك ديما واسألها أنا صح ولا فاكر نفسي صح، وساعتها هتعرف إذا كانت فعلاً حياتك ماشية صح ولا لازم تغيرها. ليتطلع إليها أدهم بحب: برتاح أوي لما بلاقي نفسي تايه، وأجي أترمي في حضنك وأشكيلك همي. نعمة جميلة أوي لما تلاقي الراحة في أقرب الناس ليك. ليجذبها إلى حضنه ويضمها بشدة قائلاً: ربنا يخليكي ليا يا ملاكي! ***
أيام لا تُمحى من الذاكرة قد قضيناها سوياً، لتزيل ذكريات كنا نظن بأنها لا تُنسى. ولكن لكل شيء وقت وينتهي، حتى الحياة سيأتي يوم ونرحل جميعاً من عليها. فكيف للذكريات التي نصنعها لا تُنسى؟ نعم يظل أثر ريحها يحاوطنا، ولكن ليبق منها العبرة أو الحنين لما قد مضى.
وقفت بجانبه وهي تبتسم برؤية حب قد أخفاه أحدهما، ليعيش به سنين طويلة. والآخر قد ظل طيلة حياته يبحث عنه. لينظر القلب لنفسه متعجباً على غبائه، فالحب الذي بحث عنه لسنوات كان أمام أعينه. ولكن ليس كل شيء نريده تبصر به العين. ولكن الحياة قد لعبت لعبتها معهم أيضاً، لتكشف لهم حباً قد أخفاه الزمن. ربما قد خاف من المجهول، أو ربما لم يكن الوقت قد حان ليعلن الزمن عنه. ولكن في النهاية اجتمعت القلوب وتلاقت الأعين.
أدهم: يستاهلوا بعض فعلاً. مريم بشرود: ربنا يسعدهم. أدهم: طيب ما تيجي نبارك لهم بقى، ولا هنفضل واقفين كده؟ ليتطلع إليهم جلال باسماً وهو يقول: أنا مبسوط أوي إنكم قبلتوا دعوتي، متشكر أوي يا أدهم. ليبتسم له أدهم قائلاً: مبروك يا جلال، ربنا يسعدك إنت والبشمهندسة! لتقترب
إيمان من مريم بحب قائلة: متشكره أوي يا مريم، لولاكي كان حبنا هيفضل ضايع بسبب إن كل واحد فينا مستني من التاني يتحرك خطوة. بس بسببك إنتي الخطوة اتحركت وخلتيني أعمل حاجة عشان حب عمري بدل ما أنا عايشة وحاسة إن قلبي مقسوم نصين، نص مستني وصابر على يوم ممكن يجي أو ما يجيش، ونص تاني الأمل اللي جواه قرب يضيع مع السنين.
مريم بحب: متشكرنيش يا إيمان، أنا معملتش حاجة. هي دي كانت نهاية حبك وكان لازم تعيشيها، والحمد لله النهاية جت زي ما إنتي اتمنيتي. لتبتسم لها إيمان بحب، وهي تمسك في يدها طفلاً. لتقترب منه مريم قائلة: مش عايزة تسلمي على طنط مريم؟ ليقترب منها مروان: أنا بحبك أوي يا طنط مريم، لو بابا وماما جابوا بنت هخليهم يسموها مريم، وهدعي ربنا إنها تكون زيك. لتضحك إيمان
وتهبط لمستواه وتحتضنه: من عنيا يا حبيبي، أوعدك إن أول بنوتة هنسميها مريم. لتقع نظرة جلال عليها باسماً، وكأنه يشكرها بامتنان. *** جلست أمام الطبيبة بخوف قائلة: ها يا دكتورة طمنيني؟ لتتطلع إليها الطبيبة مبتسمة: مبروك يا مدام مريم، حضرتك حامل وفي الشهر التاني كمان. لتنظر إليها مريم بفرحة قائلة: بجد! الطبيبة مبتسمة: آه بجد، إنتي مش مصدقة ليه؟ لازم ترتاحي كويس وتخلي بالك من نفسك، مفهوم؟ مريم بفرحة: حاضر.
لتنهض هي بحلم قد باتوا يحلمون به سوياً، لتعود بذاكرتها إلى يوم قد أمحته هي مع الماضي. ولكن للقلب حنين أحياناً لذكريات تزعجنا، لتبتسم بحب قائلة بداخلها: الحمد لله! لتذهب إليه في عمله، وتبتسم وهي تراه جالس على كرسي مكتبه منهمكاً في بعض الأعمال، حتى يقول أحمد: نورتي الشركة يا مريم. ليرفع بوجهه بعيداً عن الأوراق التي أمامه وبصوت هادئ: إيه المفاجأة الحلوة دي يا حبيبتي. ليرحل أحمد تاركهم، حتى
يقترب هو منها وبصوت حنون: وحشتيني، زي ما وحشتيني صح؟ حتي يتطلع إليها بحب مقبلاً إياها. لتبتسم له بخجل: أدهم عيب. أدهم: عيب ليه؟ طب عشان عيب دي بقى أنسي، هاخدها يعني هاخدها. لتبتعد هي عنه قليلاً، حتى يجذبها إليه بحب ليقبلها قبلة طويلة قد ذابت هي معها ونسيت كل شيء. حتى يبتسم لها قائلاً: مريم إنتي روحتي فين؟ لتفتح هي عيناها ببطء، ليتطلع إليها ضاحكاً، حتى ينحني ثانية ليقبلها بحب.
ليقف بهما الزمن للحظات، ويسير بهما لعالم قد خصصه إليهم فقط. حتى نسوا كل شيء حولهم. أدهم بحب: إنتي خطر عليا بجد، أنا بقول بلاش شغل النهارده. لتضحك هي قائلة: مش ملاحظ يا حبيبي إنك مبقتش تحب الشغل خالص، بعد ما كان عشقك الأول والأخير. أدهم ضاحكاً: ده كان زمان، بس دلوقتي مبقاش حد يقدر يشاركك في حاجة. لتدعابه مثل الأطفال قائلة: احممم، ميرسي ميرسي يا دكتور.
أدهم ضاحكاً: هههههههه أنا لو كنت بفكر أرجع لمهنة الطب من تاني، دلوقتي مينفعش أفكر نهائي في الموضوع ده. ماهو ماينفعش دكتور القلب يعالج المرضى ويسيب نفسه. مريم ضاحكة: سلامتك يا حبيبي. لينهض هو من على الكرسي الذي أمامها قائلاً: مريم أنا عندي اجتماع بعد ربع ساعة، يلا يا حبيبتي على البيت، شكلي هيبقي وحش أوي لما رئيس مجلس الإدارة يروح متأخر، لأ وكمان هيبقي سرحان.
لتقترب هي منه بزعل مصطنع: طيب مش هقولك على المفاجأة اللي أنا جايلك عشانها يا أستاذ، ومقدرتش أصبر، وقولت لازم جوزي حبيبي أول حد يعرف. ليتطلع إليها قليلاً وهو يقول: مريم إنتي روحتي للدكتورة، وقالتلك إنك... مريم بحب: حـــــامــل يا أدهم في ابننا أو بنتنا. ليضمها إليه بحب قائلاً: وكل ده وقاعدة ساكتة؟ حسابك معايا بعدين بس بعد ما هو ييجي بالسلامة. مريم: فرحان يا أدهم.
ليضمها إليه ثانية: فرحان بس دي كلمة قليلة على اللي أنا حاسس بيه دلوقتي، سامحيني يا مريم إني حرمتك وحرمت نفسي من السعادة دي قبل كده، كنت خايف ربنا يحرمني من النعمة اللي بدل ما كنت أحمد عليها، فكرت للحظة إني أتخلص منها، يااا الحمد لله. لتبتعد عنه قليلاً وهي تضع أناملها الصغيرة على وجنتيه لتمسح تلك
الدمعة لتقول بصوت حاني: أنا مبسوطة أوي يا أدهم وفرحانة عشان كل حاجة كنت بحلم بيها بقيت بتتحققلي، فعلاً أحلامنا بتتحقق بس لازم نصبر الأول. ليمسك يدها بحب ليقبلها: بـــــــــحــــبــــــك يا أجمل حاجة في حياتي، يا نور عيني. ليقطع عليهم تلك اللحظات دخول أياد مبتسماً: شكلي جيت في وقت مش مناسب، أنا بقول أمشي أحسن.
ليلتف ليغادر وهو يقول: الاجتماع بدأ على فكرة، ومستنيين رئيس مجلس الإدارة، أنا هقولهم مش فاضي، وراه حاجات مهمة. لتضحك هي على حديث أياد قائلة: لأ أنا خلاص همشي، عشان معطلكمش. أدهم بحب وهو يتأملها: قولهم رئيس مجلس الإدارة مش فاضي، يلا يا مريم. ليعود إليهم أياد: بقي أدهم باشا، مش فارق معاه الشغل؟ عملتي إيه فيه يا بنت عمي؟ لأ إنتي بقيتي خطر على أخويا. ليضحك
أدهم على حديث أخوه الصغير: بقيت أب ولسه معقلتش، وهتبقى عم وبرضوه زي ما إنت. ليتطلع إليه أياد بفرحة: عم!! يعني مريم... أدهم: أيوه ياسيدي، وبعد 7 شهور بالتمام والكمال، هخليه هو اللي يعقلك وهسيبله المهمة دي. أياد بحب وهو يحتضن أخاه: ياا يا أدهم ده أجمل وأحلى خبر سمعته. لتتلاقى أعينهما، ضمت حباً عانى منه القلب بسبب سطوة عقل صاحبه، حتى أعلن القلب بأن السطوة له هو وفقط.
أصبحت للحياة هدنة، أعلنتها معهم، ليصبح الدفء والسعادة هما رفيق دربهم. ولكن للدرب رفقاء آخرون، فلا حياة بسعادة كاملة، ولا حزن تدوم به الحياة. تعالت ضحكاتهم، لتقترب هي منه هامسة: أنا عايزة أركب خيل يا أدهم. لتسمع إلهام همساتهم قائلة: تاني يا مريم؟ طب أعمليها كده، ولو هو وافقك على جنانك ده أنا الوحيدة اللي هقفلكم.
ليضحك أدهم على زوجته قائلاً: آه وتيجي بليل تقوليلي آه يا أدهم هموت، وهولد، انتي نسيتي يوم ما قررتي أنك ترجعي تشتغلي معايا؟ يوم واحد وقولتي مش قادرة وطلع كله عليا بالليل. استهدي بالله كده يا حبيبتي وأنا هعملك كل اللي انتي عايزاه، بس لما عبد الله يوصل بالسلامة إن شاء الله. ليأتي إليهم أحمد ضاحكاً: تقريباً إحنا مسبناش شجرة لغير ما جمعنا منها فاكهتها. لتأتي هبة من خلفه وهي تمسك
إحدى سلات الفاكهة قائلة: يا أحمد لسا فاضل الشجرة ديه مجبتش منها، أنا بحب التين أوي يا أحمد قوم بقى. أحمد ضاحكاً على منظرها: اقعدي يا حبيبتي وأنا هخلي سعد يجبلك كل الشجر لحد عندك وأنتي اختاري، ما هو أنا أصل مبقاش فيا حيل أمشي وراكي. ليتطلع إليهم أدهم ضاحكاً: هو إحنا فاكرنا نتجوز ليه يا أحمد؟ ده أنا مكنش فيه زي، كنت أشخط الشخطه الكل يترعب، أما دلوقتي للأسف. مريم بطفولة: قصدك إيه يا أدهم؟ هو أنا بخوفك؟
أدهم بدعابة: هو أنا بقدر أتنفس قدامك؟ مبقولش غير حاضر، يعني تصحيني بليل تقوليلي عايزة أتكلم يا أدهم أنا زهقانة، وفي الآخر تسيبيني وتنامي. لينظر أحمد إلى زوجته: طيب هي عايزة تتكلم، أما اللي عندي ما بتفكرش غير في الأكل. لتضحك إلهام عليهم بسعادة: مصدقتوا تطلعوا كل اللي جواكم، تقريباً كده هتستنوا العاصفة الليلية. ليتطلع كل منهما إلى زوجته، حتى يقولوا في صوت واحد: ربنا يستر!
ليأتي صوت أياد إليهم من الخلف، وشاهي تضحك من خلفه وهي حاملة طفلها، وأياد يسير بتعب قائلاً مقلداً إياها: عايزة اطلع فوق الشجرة يا أياد، لحد ما في الآخر بسبب الهانم أقولها انزلي تقولي خايفة، ساعة بقولها متخافيش يا حبيبتي، هنزلك زي ما طلعتك تقولي طب امسك أدهم كده وأنا هنزل لوحدي. لينظر إلى طفله: عشان لما أقولك يا ابني إن أمك مجنونة، أبقى صدقني، ربنا يهديكي يا شاهي يا بنت أسعد.
لينظروا جميعاً إليهم ضاحكين، وهم يرونه يحمل حذاء طفله الصغير، ويتطلع إلى زوجته بغيظ. ليصبح يوماً لا يُنسى، وكل منهما ذكرى قد حفرها بنفسه في ذلك المكان. ليأتي الليل ليعلن هدوئه وهدوء نسماته، ليظل سحر الظلام سحراً خاصاً، تستكين به النفوس. لتقف بشرود وهي تتأمل ذلك النجم الساطع، قائلة بصوت حانٍ: يا ريت نفضل عايشين هنا في المزرعة يا أدهم. ليقترب منها ليضمها من الخلف
وهو يتحسس بطنها المنتفخة: وأنا كمان بحب المزرعة دي، عشان ليها ذكريات عندي كتير. لتلتف إليه بخجل قائلة: الجو جميل أوي، ما تيجي ننزل نتمشى. ليتطلع إليها أدهم باسماً: انسي، مش هتنازل عن الليلة اللي وعدتيني بيها، اللي بسببها لغيت كل اجتماعاتي، وجبتك زي ما طلبتي المزرعة، واتحججتي وقولتي عايزين كلنا نروح سوا، جبتهملك وقولت مش مهم، يلا بقى. لتبتعد بوجهها بعيداً عنه قائلة: يا أدهم!
ليحملها هو للداخل: الدكتورة قالت مفيش أي خوف. ليضعها برفق على الفراش، وهو يتطلع إليها مبتسماً، ليقترب منها بحب: وحشتيني أوي! لتنطفئ الأنوار، ويبقى نور القمر وحده ساطعاً، بين سواد الليل وأحلام العشاق، تاركين لنا الخيال سارحاً بنا معهم، ويبقى للحب طعماً آخر لا يعرفه إلا من تذوق طعمه بنفسه. وعلى كابوساً أخذ يصارعها، فتحت عيناها بخوف وهي تتطلع إليه، لتنظر إليه بألم، حتى يضوي صوت أذان الفجر في كل مكان، لتضع
هي يدها برفق عليه قائلة: أدهم اصحى الفجر أذن. ليتطلع إليها بحب: ماشي يا حبيبتي، أنا نازل أصلي في المسجد. لتتطلع إليه بوهن: خلي بالك من نفسك! ليضحك عليها قائلاً: ده أنا رايح المسجد يا مريم. لتقول بصوت مرتعش: استودعك الله الذي لا تضيع ودائعه. ليتطلع إليها بحب، وهو يبتسم. لتضع هي يدها على بطنها قائلة بضعف: يــــاربــــ.
ليهبط من على درجات السلم، وهو يتطلع إلى أخيه مبتسماً: بكون مبسوط أوي وأنا ماشي جنبك ورايحين نصلي، يا الدنيا دي غريبة أوي، من حال لحال، الحمد لله إن ربنا اختار لنا الحال الأحسن. ليبتسم له أياد بحب: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين) ليتأمله أدهم مبتسماً: ودي أجمل هداية، القرب من ربنا راحة جميلة أوي. ليسير أياد بجانبه بحب، حتى يدخلا من باب المسجد على نفس الخطى، وعلى نفس الخطى يخرجان.
لتضوي صوت رصاصة عالياً، حتى يسقط أدهم بوجع: أنا كويس يا أياد متخافش، لو حصلي حاجة خلي بالك من مريم ومن ابننا. ليبكي أياد: لأ يا أدهم، أنت اللي هتربي ابنك إن شاء الله. وعلى صوت صرخة قد أتت من غرفتها، اتجهت إليها إلهام بخوف: اتصلي بالإسعاف يا شاهي، بسرعة. لتظل تجول بنظرها باحثة عن هاتفها: أحمد، متكدبش عليا، أدهم فيه حاجة أنا حاسة إنك بتكذب عليا، ومريم بتولد. أحمد بألم وهو يتطلع إلى وجه أياد
الذي يجلس أمام إحدى الغرف: متقوليش لمريم حاجة دلوقتي، مش هتستحمل الصدمة، أدهم في غرفة العمليات ادعيله. لتضع إلهام يدها بوجع حتى تكتم صوت شهقاتها: كنت حاسة إنه فيه حاجة، ليسقط الهاتف من يدها حتى تجلس على أقرب مقعد قائلة: يــــاربــــ، رجعه لينا يــــاربــــ. ويصرخ طفل معلناً الحياة، ليبث بوجوده روحاً أخرى قد كانت في عداد الموتى، ليبقَ الله رحيماً بقلوب عباده. أخذت تجول بنظرها بتعب،
لتبحث عنه قائلة بصوت متعب: أدهم فين يا شاهي؟ وماما إلهام كمان فين؟ شاهي بألم: أدهم كويس يا مريم، بس جاله شغل مستعجل واضطر إنه يسافر. مريم بخوف: لأ يا شاهي، أدهم فيه حاجة، أنا حلمت بيه وهو بينادي عليا وبيقولي هرجعلك تاني متخافيش. لتبتعد شاهي عنها حتى لا ترى دموعها: أنا هروح أناديلك الدكتور. لتخرج شاهي، وتفر من عينيها هي دمعة حتى تقول بصوت واهن: يــــــاربــ خيب ظني، ورجعنيولي يــاربــ. ليخرج الطبيب معلناً
بوجه متعب: لو تعرفوا، إنه كان بينه وبين الموت خط رفيع أوي، مش هتصدقوا، ديه معجزة إن ربنا يكتبله عمر جديد، والرصاصة متدخلش القلب. لتبكي إلهام: الحمدلله، الحمدلله، محدش هيربي ابنك غيرك يا ابني. وبعد أيام قد مضت بأحزانها، ارتسم الفجر من جديد، ولرب الكون حكماً عظيمة نتعظ منها. جلست بجانبه وهي تتكئ برأسها على صدره بحب قائلة: ورجعتله أرضه.
أدهم: أيوه، للأسف أبويا ظلمه وأخد أرضه منه، يمكن اللي حصلي كان إنذار من ربنا عشان أرجعله حقه. مريم بحب: وهتتنازل عن حقك يا أدهم؟ ده كان هيموتك. أدهم بشرود: أنا كنت مستني لحظة عقابي يا مريم، عشان أعرف إن ربنا خلاص سامحني. مريم بدموع: أنت كنت هتروح مني. ليضمها إليه بشدة: وربنا رجعني ليكي تاني، انتي وابننا. ليتطلع إلى الطفل الذي يتوسطهما بحب قائلاً: أوعى تطلع زي بابا يا حبيبي، وتعيش حياتك كلها بقلب تايه.
لتضع هي قبلة حانية على كفه الممسكة به قائلة: أنت ليه محكتليش عن فرح؟ أدهم: وانتي عرفتي فرح منين؟ مريم: مامتها لما عرفت اللي حصلك جتلك عشان تطمن عليك، أنا دلوقتي فهمت أنا ليه شوفت بنت صغيرة كانت واقفة بتضحكلك وهي بتمد إيديها ليك، وانت بتقولي هرجعلك تاني يا مريم متخافيش.
ليبتسم إليها أدهم بحب: فرح يوم ما شفتها، فكرتني بيكي أوي، شوفت الطفلة اللي في عينيكي فيها، نظرة عينيها فيها جمال حاسسني إن في الحياة لسا فيه مريم تانية، وأكيد هيكون فيه نسخ كتير منك عشان يبقى للوجود معنى. بس في مريم واحدة وبس هي اللي بتاعتي وليا. هي حبي اللي فضلت أدور عليه طول حياتي، ويوم ما لقيته لقيت النور. لتبتسم له بحب: أدهم، أنت اللي كتير عليا.
ليتطلع إليها بشوق: جمال الروح بيفضل طول العمر ليه ضوء ساطع، ضوء بيجمع كل الناس حواليه، عشان ينور لهم حياتهم، وانتي كنتي الضوء بتاعي بروحك وطيبتك ونقائك. أنا محبتش مريم كإنسانة بشكلها، أنا حبيتها كروح. ليفتح طفلهم عيناه ضاحكاً، وكأنه كان يسمع والده وهو يتغزل في أمه.
ليسير العمر، وتسير الحياة، راحلة بلحظات قد بعثها لنا الزمن كغفوة، محملة لنا بغيرها معلنة بأن له حكايا وقصص كثيرة قد عصفت بنا ومازالت ستعصف. لنظن أن العاصفة دائماً تكون محملة بالأتربة، وقد نسينا أن بعد العاصفة أيضاً مطر، تطيب به أرواحنا ونحن نستنشقه، وتعشقه العين عند رؤيته.
لحظة قد سقطت فيها دموعهم، وكل منهم تنظر لأبنائها وهي تراهم يكملون مسيرة حبهم، حباً قد أعلنته الحياة لهم دون مشاقة، وكأن الزمن أراد أن يزرع بذوره أولاً عند آبائهم، ليجمعوا هم تلك الثمار. وقف مازن وهو يضم زوجته الباكية ليقول بحب: الولاد كبرونا يا صافي، مازن ورهف اتجوزوا. لتتطلع إلى أولادها الاثنان وهي ترى فرحتهم قائلة: كبروا يا مازن، يااا أنا حاسة إني شايفه نفسي معاك دلوقتي يوم ما اتقابلنا واحنا شباب، قبل.
ليقطع حديثها هو: قبل إيه؟ لاء الفترة دي انسيها خالص، إحنا عمرنا ابتدا من أول يوم بقيتي ليا أنا وبس. لتقترب منهما فتاة تشبه أمها كثيراً وبصوت طفولي يدل على مرحها: انتوا قاعدين هنا بتعيدوا في ذكرياتكم، وسيبين العيال لوحدهم، يلا بقى عشان نتصور معاهم. ليضحك مازن على ابنته، التي كانت ثمرة حبهم ليقول: شايفة بنتك يا صافي. لتبتسم صافي له بحب: مش بنتي لوحدي بنتك انت كمان خد بالك. ليقف المصور وهو يلتقط صورة لهم.
ومن هنا قد أصبح للزمن ذكريات أخرى سيجنيها. ونسير بخطانا لنرى قلوبًا أخرى ليجمعنا بهم الزمن في مكانٍ تشتاق له العين كثيرًا مهما استمرت في رؤيته. وقفوا وهم يودعون بأعينهم آخر يوم سيقضونه أمام بيت الله الحرام. لتتطلع أعينهم للكعبة محملةً بحبٍ يملأ جميع القلوب. لينظر لها جلال بحب: يا بحس براحة متتوصفش، ربنا يكتبهالنا في كل سنة باقية من عمرنا. أيمان بحب: يارب يا جلال.
لتمتد يده بحب وهو يمسك يدها حتى يسيروا سويًا وهم يغادرون الحرم، تاركين قلوبهم هنا. ليقف شاب وفتاة، ناظرين حولهم ليتأملوا كل الوافدين، حتى يقول الشاب: ماما وبابا أهم يا مريم. ليقتربوا منهم بحب ليحتضناهم هم. وينحني كلٌ منهما ليقبل يد والديه. ليتطلع جلال إلى زوجته باسمًا وهو يرى نظرة عينيها لولده الذي أحبته وكأنه ابنٌ لم تنجبه واحدة غيرها. ليقترب من ابنته ويضمها إليه. لتكتمل صورة الحب في صورة أخرى.
ومع كل لحظة قد أحس فيها بشيبته كان يراها بابنته الصغيرة، حتى بعد أن أنجبوا مولودهم الثاني التي قد سمياها ليلي. ليقف بجانبه بحب وهو يمسح دمعتها بكفه بحنان: بتفرحي بتعيطي وبتزعلي برضوه بتعيطي، ياحبيبتي ديه بنتنا النهارده بتتجوز. مريم ببكاء: هتوحشني قوي يا أدهم. أدهم بحب: ماشا هي أهي، مبسوطة، عيطت دلوقتي يعني على فراق أدهم. لتلتف إليه مريم بحزن: هاتلي بنتي منهم يا أدهم، أنا ألغيت الجوازة دي. ليضحك أدهم على
زوجته حتى يضمها إليه بحب: ماهي ديه سنة الحياة يا حبيبتي. ليقترب منهم شاب يشبه والده كثيرًا وبصوت ضاحك: طب جوزوني أنا كمان واخلصوا مني، عشان الجو يخللكم. ليضحك أدهم: انت مستعجل على إيه يا واد أنت، ده انت عندك 25 سنة، ده أنا اتجوزت أمك على الـ 30. لتضحك مريم قائلة: قصدك 32 يا حبيبي.
ليتطلع أدهم لها بخبث: ولسا عندي صحة على فكرة. حتى يقترب منها قائلاً: بقولك إيه، ما أتفق مع أحمد دلوقتي وأخلص من الواد ابنك كمان، وتفضلي ليا أنا وبس يا جميل، واحلى شهر عسل في الغردقة. ليقترب منهم أياد بضحك: أبو العروسة مبقاش معانا خالص، المأذون وصل عشان كتب الكتاب ولا أنا هبقى وكيل العيال وهتخلع يا أدهم. أدهم ضاحكًا: ولد اخرس، انت بتكلم أخوك الكبير كده إزاي.
ليضحك أياد قائلاً: ده أحنا خلاص قربنا نبقى جدود ونشوف أحفادنا وبنجوز ولادنا النهارده، وبرضوه لسا ولد واخرس. أنا وربنا خايف على ابني منك. لتضحك مريم بشدة على زوجها وهي تتطلع إليه. حتى ينحني لها ليقبل يدها بحب: كنتي وهتفضلي الوحيدة اللي ببقى معاها إنسان مختلف، بكون زي المراهق اللي لسا بيحب. حتى يضع بكفه على رأسه ليتحسس ذلك الشيب الذي أصبح يكسوه. لتبتسم له هي بحب،
لتفر دمعة من عينيها قائلة: كنت بتقولي لو فضلت طول عمري أسعدك مش هقدر للحظة أعوضك عن اللي فات، ده انت عوضتني وبزيادة كمان يا أدهم. حتى تلتف إلى ابنتها بفرحة قائلة: قمر ماشاء الله عليكي يا حبيبتي. حتى تأتي إليها شاهي وهبة مبتسمين: هتفضلي واقفة بعيد كده يا مريم، ده انتي حتى النهاردة أم العروسة.
لتسير معهم وهي تتطلع إلى عيني زوجها، لتري في عينيه حب سنين طويلة قد بدأ صامتًا، حتى أتت لحظة قد ظنت فيها بأنها تعيش حلماً ستفيق منه، لتتزوجه بدون أن تشعر متى وكيف حدث ذلك، لتدخل معه سجناً قد صنعه هو لها، لتكشف الحياة لهم انتقامًا قد نال منهم الكثير، حتى تنتهي بهم الحياة بل قصتنا إلى يوم قد اجتمع فيه الحب بدموع الفرح. وتبقي القلوب دائمًا تائهة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!