الفصل 45 | من 65 فصل

رواية كن لي أبا الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم روميساء نصر

المشاهدات
18
كلمة
2,387
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 69%
حجم الخط: 18

جاءه رنين الهاتف فالتقطه مسرعاً ينطق بلهفة: ها، إيه عرفت عنها حاجة؟ مليكة مراتك يا أسر بيه، مش لاقيينها. سأل مستفهماً بوجه منعقد متهجم: يعني إيه مش لاقيينها؟ يعني ملهاش وجود، دورت عليها ومش لاقيها، ودورت في كل الأماكن اللي ممكن تروحها وملقتهاش. وروحت عند أبوها وأمها والاتنين مالهمش أثر ومحدش موجود. صرخ به بإنفعال بعدما اندفع الدم بأوردته من شدة الغضب والغيظ من تلك العائلة التي اختفت أيضاً. هل كان الجميع يخدعوه؟

وكل هذا كان تمثيلية رخيصة؟ كانت هي بطلتها… وهو المغفل الموهوم والمتيم بعشقها. يعني إيه مش لاقيها؟ أنا عاوزك تجيبهالي بأسرع وقت. أنا مش بديلك فلوس أنت والبهائم اللي مشغلهم عشان تقولولي حجج وأعذار. أنا عاوز نتيجة، أنا عاوزك تجيبهالي في أسرع وقت. لا أما هاخد رقبتك انت واللي مشغلهم قصادها. حياتها قصاد حياتكم، أنت فاهم؟ حاضر يا أسر بيه، هحاول أدور عليها تاني. أنا مش عاوزك تحاول، أنا عاوزك تنفذ.

قالها بصراخ غاضب قبل أن ينهي المكالمة ويغلق الخط بوجهه. مش معقول، مالك هنا.

نطقت بها فتاة في منتصف العقد العشرين، ذات بشرة حنطية وقوام رشيق، بعدما اعترضت طريقه. فوقف مندهشاً من التي لم تكن على بال أو خاطر. فمنذ ما يزيد عن خمس سنوات لم يراها. عندها احتدمت ملامحه عندما تذكر ذلك اليوم التي أنهت معه علاقته بسبب ارتباطها بمالك المشفى التي تعمل بها. ولنضجت وأخذت تتحجج بحجج واهية بأن العمر يمر، وبأنها لن تقضي حياتها معه تحت أفكاره الوهمية التي لن تطعمها، ولن تأتي لها بعقد غالي الثمن أو ملابس ذات ماركة كبيرة. ويشاء القدر بعدما تركته أن يقابل مايا التي عاونته على مشروعه وعلى تلك الأوهام بالنسبة للأخرى التي تحولت إلى حقيقة على أرض الواقع، وأصبح من رجال الأعمال الكبار. ولم يبذل أي جهد بمعرفة أخبارها التي انقطعت.

أخرج كلماته المتعجبة من وجودها هنا حتى لا يظهر لها مدى ضيقه برؤيتها التي عقرت مزاجه أكثر مما هو: إيه دا، هايدي بتعملي إيه هنا؟

أكملت بفرحة وسعادة وعيناها بدأت تتفحص يداه التي وجدتها فارغة من أي حلقة فضية تدل على ارتباطه، مما جعلها تهلل فرحاً وقلبها يرقص على أطناب تلك الفريسة التي أهملتها بالماضي. الحمقاء الساذجة التي ركضت خلف طبيب صاحب مشفى كان على وشك الإفلاس بسبب لعبه في البورصة وخسارة أمواله. بعد مرور سنتين على زواجهم لم تتحمله، وما زاد شجاعتها على تركه هو رجل الأعمال الذي أمامها الآن، التي حاولت في السابق الوصول إليه ولكن كانت محاولاتها كلها فاشلة، ولم تتمكن من الوصول إليه. والآن جاءت فرصتها على طبق من ذهب، فلما لا تنتهزها؟

أنا شغالة هنا، أنت اللي بتعمل إيه هنا؟ ورجعت إمتى؟ ابتسم بسخرية على لمعة عينيها وفرحتها برؤيته، ولكنه نطق بكلمات خيبت ظنها، ليس فقط بل حطمته إلى أشلاء لن تقدر على لملمته. تحدث بكامل ثقته وسعادته: أنا هنا مع مراتي. لم تقدر على ابتلاع كم خيبة الأمل التي أخذتها وملامحها التي انعقدت وهي تكرر كلمته باستنكار: مراتك؟ وأومأ لها بابتسامة حالمة بعدما أعجبته تلك الكلمة التي نسبت سهيلة إليه بأنها زوجته هو وملكه: آه، مراتي.

وأومأت له ثم تساءلت بخبث بعدما تحولت ملامح وجهها للنقيض: آه، تمام. بس بتعملوا إيه هنا؟ يا رب يكون خير. أجاب بحزن قد سيطر عليه بعدما فاق على حقيقة مرض زوجته: هي تعبانة، عندها ورم في المخ. حاولت رسم معالم الحزن على ملامحها باحتراف، ومن داخلها ترقص فرحاً على ذلك الخبر الذي أعاد لها حلمها الذي تحطم منذ قليل: يا حبيبتي، ألف سلامة عليها، ربنا يشفيها. وأومأ على الدعاء باستجابة شفاء زوجته، ثم استأذن منها:

بعد إذنك يا هايدي، مضطر أستأذن، عندي مشوار ضروري. نتقابل في ظروف أحسن من كده مرة تانية. ابتسمت له بتنميق تؤكد عليه: آه، شووور. هنتقابل. سلام. بادلها السلام ثم انصرف مغادراً للخارج. تبدلت تلك الابتسامة المنمقة إلى أخرى خبيثة تعبئ الشر لها، ونفسها الخبيثة تتحدث بداخلها:

اممممم، مراتك عندها كانسر يا حرام. يعني احتمال تموت بأي جرعة دواء زيادة. وطبعاً هتكون محتاج لواحدة جنبك عشان تحتويك. والواحدة دي أنا. ويستحيل أضيعك زي المرة اللي فاتت. المرة دي لازم أمسك فيك بإيدي وسناني! ظلت تضحك بهستيرية كالمجنونة لا تصدق ما يقوله: أنت مجنون صح؟ أنت مجنون. مين دا اللي مات ومين اللي قال كدا؟

أنتو كدابين، كلكم كدابين. تعالي يا أسر، بيقولوا إن ابننا مات. تعالي. سكتهم. بيقولوا إن ابننا مات. تعالي قولهم لا ما ماتش. ليه؟ ليه عملت فينا كدا؟ ليه؟ لييييه؟ ابنيييييي، ابنييييي، ابنييييييي. ظلت تضحك بهستيرية كالمجنونة لا تصدق ما يقوله، حتى ظهرت غيامة سوداء أخذتها بعيداً عن واقعها الأليم هذا، تهرب منه لأنه أصبح فوق طاقتها التي أهلكت وتحطمت إلى الأبد، ولن ترجع إلا بذلك الروح التي غادرت بعيداً على يد زوجها.

ظل أبوها ينادي عليها وكفه يلطم وجنتها حتى تفيق، ولكن لم تستجب له. فخرج من الغرفة فزعاً ينادي بهستيرية على طبيب ينجدها وينتشلها من غيبوبتها تلك. لم يدرك دموعه التي انسالت عنوةً عنه رعباً على حال ابنته. قاطع طريقه طبيب يسير بالممر، فلم ينتظر أن يفهمه ما يريده وسحبه من ذراعه بقوة إلى غرفة فلذة كبده، ابنته. تحدث الطبيب وهو يجاريه في سيره مستفهماً: أنت واخدني على فين يا أستاذ؟

توقف عن الحديث عندما وجد نفسه أمام فراشها، وذلك الرجل الباكي الصامت الذي أخذ أنفاسه للتو يطلب منه بصراخ يملؤه الزعر: الحقني، بنتي مبتردش عليا، شوف مالها. لم يعرف كيف يهدئ ذلك الصارخ عليه، فله الحق أن يجن على تلك الحورية النائمة. فذلك اللقب يليق عليها كثيراً، حتى أنه يخشى استيقاظها حتى لا يصاب بأزمة قلبية ويكون أسير لها. تحرك بعدما صرخ الآخر عليه بنفاذ صبر: أنت واقف عندك بتعمل إيه؟ يلا اتحرك، شوف مالها.

أخرج من ثلاجة صغيرة بجانب سريرها حقنة مهدئة بعدما فحص حالتها ورأى تقريرها الطبي المعلق على الفراش. أعطاها تلك الحقنة وعيناه تتفقد كل تفاصيلها. وما جعل صدره يختنق بالهواء تلك الكدمات الزرقاء بوجهها التي لم تقدر حتى على إخفاء جماله ورقته. قطع حبل أفكاره وتأمله بها سؤال والدها: ها يا دكتور، بنتي مالها؟ تنهد بخفوت ثم قام من مكانه وربت على ذراعه يطمئنه:

مفيش، هي خلاص هتبقى كويسة، بس انهيار عصبي. يا ريت متعرضهاش لأي ضغط نفسي. ولما تفوق تناديلي، وأنا هاجي هنا من وقت للتاني وهطمن عليها. بس أنا مضطر أستأذن حالياً لأن عندي مرضى تانيين. أومأ له جلال ثم جلس بجوار ابنته. بينما الآخر فغادر عنوة عن روحه التي تريد الإقامة بجوارها. ذهب وصورتها لا تغادر ذهنه وقلبه الذي تعلق بها. يخفق بقوة كلما تذكر وجهها الممتلئ بتلك الكدمات.

طوال اليوم أخذ مزاجه يتقلب، أحياناً عصبي، وأحياناً شارد هادئ، وأحياناً أخرى يزمجر غضباً عندما يصعب عليه معرفة من فعل بها ذلك وما حكايتها ولماذا وصلت إلى تلك الحالة. صدح صوت رنين هاتف جلال بالغرفة، فرد مسرعاً بلهفة ينتظر إجابة الطرف الآخر الذي أملي عليه تفاصيل ما يريد معرفته: الو، الو يا باشا، إحنا مراقبينه أهو، وهو دلوقتي ماشي في طريق صحراوي وإحنا ماشيين وراه. أمرهم:

خليكوا وراه، إياكم يبعد عن عنيكوا. بس إوعوا يلاحظ إنكم بتراقبوه، وحضر الرجالة معاك، خليهم يحصلوك عشان لو كان معاه رجالة تعرفوا تسيطروا عليهم. وأول ما يوصل للمكان اللي رايحه تهجموا عليه. أنت فاهم؟ مش عاوز أي حاجة توقفكم. أنا عاوزه حي تجيبهولي حي، أنت فاهم؟ حاضر يا باشا، كلامك أوامر. بالتوفيق يا رجالة. أغلق الخط وشرد بعقله بعيداً وعيناه مثبتة على نقطة وهمية أمامه.

حية سوداء اللون تقترب من فراشها بسرعة شديدة حتى تمكنت ووصلت لها، تلتف حولها من مقدمة قدمها حتى وصلت إلى رأسها وجسدها يلتف حولها ويعتصرها. حاولت الصراخ والتحرك حتى تفلت منها، فوقعت عيناها على مالك الجالس أمامها وباقي جسد الحية يلتف على رقبته يخنقه ومعالم آثار الاختناق تظهر على وجهه الأزرق حتى كادت روحه تهرب من جسده. ظل صوت صراخها ينخفض حتى انعدم ولم يظهر وهي ما زالت تحاول إخراجه وتلك الحية تقرب رأسها وأنيابها منها تريد أن تخلص عليها.

أفاقت من نومها مفزوعة تصرخ بقوة حتى كادت أحبالها الصوتية تتمزق. جسدها متبلد مثل الجليد ينتفض بقوة من ذعره. ركضت والدتها ووالدها نحوها، تلقيها أمها بحضنها حتى تطمئنها وتقلل من ذعرها ونوبة رعبها تلك. ظلت تربت على ظهرها بحنين تهدهدها بلطف: اهدي، اهدي، مفيش حاجة. ظلت تبكي وتئن في حضن والدتها بهستيرية تبرطم بكلمات تحكي فيها عن ما رأته حتى ينقذوه: الحية، الحية هتموته، هتموته.

ظلت تتحرك بلا هوادة بحضن والدتها تريد أن تخبرها بما رأته، لكن عقلها ولسانها يمنعانها. لا تقدر على التحكم فيما تقوله، تشعر بعاصفة قوية تحتل قلبها ستدمره من شدة خفقه وجسدها الذي يتحرك بلا هوادة كأنها لا تملك سوى التحرك والبكاء حتى تخبرهم بما تريد. أخذت والدتها تهدئها وتحاول السيطرة على نوبة فزعها تلك: أهدي، أهدي، مفيش حاجة، دا كابوس يا حبيبتي. أخذت تصيح بكلمات غير مفهومة، حاولت سرقتها من عقلها لتخرجها على لسانها

بعدما جاهدت في إخراجها: مااااااالك، هتموته. ماااااالك، الحقوووووه. الحية، الحية هتموته… يا ماما، مالك. ظلت هكذا تتحدث من بين صراخها حتى دلف إليهم مالك مندفعاً نحوهم يلقي تلك الحقيبة من يده وعلامات الفزع ظاهرة عليه عندما سمع صراخها من أمام الغرفة. هتف بفزع وساقاه تسرع إليها: إيه فيه؟ هي مالها؟ إيه اللي حصل؟ أجابته والدتها بعدما ابتعدت عنها:

معرفش، هي قامت من النوم كدا وعمالة تنادي عليك وبتقول إنك هتموت وحية، باين كان كابوس. أخذها بين ذراعيه يضم جسدها المرتعش الذي نتج عنه اصطكت أسنانها من شدة ذعرها. لفت ذراعيها حول جسده تضمه بشدة كأنه سيغادرها إلى الأبد. ربت بيده بحركات دائرية على ظهرها ونبرته التي لم تخلو من الحنين والحب: اهدي، اهدي، مفيش حاجة، أنا أهو ومفيش أي حاجة. أنتِ خايفة من إيه؟

نطقت بكلمات تترجاه فيهم بعدم تركها ووجهها الذي امتلأ بدموع أغرقته. حاولت دفنه بين ثنايا عنقه وجسدها الضئيل لا يكفيه اقترابه منها فقط، بل تريد شق قفصه الصدري والاحتماء به حتى تأمن عليه وبأنه لن يتركها أبداً: متسبنيش، هي كانت عاوزة تاخدك مني وبتلف حواليك. أنهت كلماتها بنحيب يتبعه شهقات بكاء كانت تلحف عنقه وظلت تتابع حتى اخترقت قلبه سببت له آلام دامية. تساءل بهدوء بعدما أسند ذقنه على رأسها وطبع قبلة فوق شعرها:

قالتها بين نشيج من البكاء. قابله هو وبادله بلطف وحنين حتى يحاول تهدئتها: طب خلاص، اهدي، دا كان كابوس، مفيش أي حاجة من الكلام اللي بتقوليه دا. أخذ يمسح بكفه على جسدها وفمه لم يقف عن ترتيل آيات الله حتى تهدأ ويسكن قلبها بالأمان. وصل أمام مستودع قديم دلف إليه وأخذ يمر من بعض الممرات حتى وصل إليها ملقاة بإهمال أرضاً تعاني من حالة مرضية شديدة. عندما رأته أخذت ترجوه وعيناه لم تكف عن البكاء:

أبوس إيدك بقا ارحمني وسيبني، أنا مبقتش قادرة. عاوزة ترتاحي… من عنيا، حاضر. أشهر السلاح بوجهها وعيناه تنطق بالشر وضحكته الرنانة المقتظة بالشر تجلجل بأذنها: أهو كدا بقا هريحك مني ومن الدنيا كمان.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...