كان يقف يوجه السلاح بوجهها بدون رحمة، بينما هي كانت ترتعش خوفاً، مغمضة الأعين تردد الشهادة، تدعو ربها أن ينجيها من براثن الشيطان. جاءت صورة ابنتها وجلال وذكرياتهم معاً، حتى تكون تلك الصور الأخيرة التي تراها قبل وفاتها. أخرجت نشيجاً حاراً مؤلماً، وعيناها لا تتوقف عن إطلاق عباراتها، ومن داخلها تتقطع، منتظرة خروج تلك الطلقة التي ستنهي حياتها وتفارق أحبابها.
صرخت بذعر ويداها تضعها على أذنها بعدما انطلقت أصوات ضرب النار، لكن لم يصيبها شيء. فتحت عينيها بحذر تتفقد حالتها باندهاش بأنها لم يصيبها أي أذى، وأن تلك الأصوات بالخارج. حمدت ربها على تلك الفرصة التي رزقها بها الله حتى تحيا.
بينما الآخر الواقف كان يشهر السلاح بوجهها، قرر الهرب من هؤلاء الذين يشتبكون مع رجاله بالخارج. لا يعلم من أين هم ومن أرسلهم، لكن من المؤكد أنهم سيقتلونه إذا ظل بمكانه. توجه نحو الأخرى التي سحبها وراءه. حاولت منعه وأخذت تدافع عن نفسها بقوتها الهازلة، لكنها تلقت ضربات على وجهها جعلتها تصرخ من الألم، وسحبها من شعرها مرة أخرى عنوةً عنها إلى الخارج.
لفت نظرها تلك الزجاجة الملقاة أمامها، فحاولت دفعه بقوتها التي استجمعتها وهي تركله أسفل الحزام. فتركها الآخر منحنياً بألم بعدما ألقاها بسبابة قذرة. أخذت هي تلك الزجاجة وهشمتها فوق رأسه، فسقط أرضاً فاقداً الوعي. ركضت مسرعة إلى الخارج، ودموعها الفرحة وضحكتها على وجهها، تحمد الله على إنقاذها من ذلك الشيطان الحقير. لكنها وقفت مكانها عندما عارضها ذلك الرجل المسلح بصوته الحازم: "اقفي مكانك، متتحركيش".
كانت معها شقفة من الزجاجة التي هشمتها على رأس ذلك الشيطان، خبأتها خلف ظهرها، لكن خاب أملها عندما وجدت الكثير من الرجال المسلحين يحوطونها. ظنت بأنهم رجال طارق وأنها ستكون بالجحيم لا مفر. ابتلعت غصة بحلقها وشحب وجهها بشدة، وأحست بأن المكان حولها يدور ويأخذها بدوامة سوداء. استسلمت لها وسقطت مغشياً عليها.
أسرع أحد الرجال بحملها وحمل ذلك الفاقد الوعي تخرج منه الدماء، وخرجوا من ذلك المكان ووضعوهم بالسيارات وانطلقوا حيث سيأمرهم جلال. اتصل به أحد الرجال: "أيوه يا باشا، مشينا وراه لحد ما دخل مخزن وهجمنا عليه، وهو الوقتي معانا هو والست ال خاطفها، بس هي مغمي عليها دلوقتي، فأتصرف ازاي واعمل فيهم ايه؟
"عاوز تجيبهالي بسرعه على المستشفى ال أنا فيها، وهو تلقحه في أي مخزن قديم من بتوعنا، وعاوزك تربيه، عاوزه يتمنى الموت وميلقهوش لحد ما أجيلك." "حاضر يا باشا." "بسرعه، عايزك تجيبهالي هنا بسرعه، عشر دقايق الاقيك في وشي." أغلق معه المكالمة وأخذ المصحف من جانبه وأكمل ما قطعه من ترتيل آيات الله بصوته العذب.
لاحظ تحرك يدها وصوت همهمة يصدر منها، فأسرع بالضغط على زر بجواره يستدعي أحد الأطباء. فوصل إليه حازم مسرعاً، مثل الطائر الذي يرفرف فرحاً من شدة شغفه للقاء أحبته. تحدث جلال بامتنان وحمد الله: "الحمد الله إنك جيت، شكلها هتفوق ومش عارف هتصرف معاها ازاي." ابتسم له بلطف: "متقلقش، أنا هتصرف معاها."
ثم توجه إليها مسرعاً حتى يملأ عينيه منها، فقد اشتاق لرؤيتها عندما تركها تلك المدة وغادر، وصورتها لم تتزحزح عن مخيلته. جلس بجوارها على الفراش وعيناه ما زالت تتأملها وتتأمل شفتاها التي تهمهم بكلمات. حاول أن ينصت لهم حتى يفسرهم، فكانت تلك الكلمات ما هي إلا: "آسر... آسر... ابني... ابني... آسر... تعالي."
ابتلع تلك الغصة المريرة بحلقه عند ذكرها اسم رجل لا يعلمه وابنها ذلك التي تتحدث عنه. فتجهم وجهه بالألم، والتقط يدها يقيس النبض، وأخذ يرى معدل ارتفاع أو انخفاض ضغطها ومؤشراتها الحيوية. لكن ما زاد انعقاد قلبه هو تلك الكدمات على جسدها ووجهها المنتفخ الذي ظن أنه من البنج، لكنه ممتلئ بالكدمات.
توقف قلبه للحظة عن الخفقان عندما فتحت أهدابها وأشرعت عن فيروزتها التي سحرته، وعندها اضطرب قلبه يدق بعنف، حتى أنه شعر بأنه من الممكن أن يتوقف منه. قطع تلك الملحمة بينه وبين ذاته جلال، الذي أخذها يضمها بين أضلاعه، يحمد الله على سلامتها، يتمتم بحب وحماس حتى يجعلها تنتبه لحماسه ذلك وينسى ما حدث لها، حتى لا تفوت بإنهيار عصبي مرة أخرى. "سلامتك يا قلبي، تعرفي مين جايلك حالا؟ إيمان أمك." نظرت إليه بعينان متسعة واكتفت بالصمت.
فقاطع حديثهم رنين الهاتف الذي رد عليه جلال: "أنا جايلك تحت أهوه." أغلق المكالمة ووجه حديثه لمليكة التي بعالم آخر: "مليكه، أنا نازل أجيبلك أمك، هي تحت دلوقتي." توجه جلال إلى الأسفل فوجدها فاقدة الوعي، ويبدو على وجهها آثار التعذيب. غلت الدماء بأوردته، حتى أنه أقسم على أن يرى لذلك الحقير الويل منه على ما سببه لابنته وحبيبته. أخذها وتوجه بها للطبيب حتى يتفحصها ويرى حالتها، وبداخله يتقطع لأجل ما حدث لما تبقى له من الدنيا.
إيمان ومليكة. بعد الانتهاء من فحصها، نصحه الطبيب قائلاً: "انت لازم تعمل محضر في ال عمل فيها كدا، هي في حالة ضعف تام واتعرضت للتعذيب ومعندهاش أكل ولا تغذية، ومع سنها دا ربنا يستر، يا ريت تهتموا بيها، ولازم تغذية وتمشي على الفيتامينات ال هكتبهالها دي، وأنا اديتها حقنة هتفوقها دلوقتي وتقدر تاخدها. أنا هخرج أمر على المرضى، تقدر تستنى هنا لحد ما تفوق."
أومأ له جلال وجلس بجوارها حتى بدأت تفيق من إغمائها، فاقترب منها يناديها حتى تنتبه له. "إيمان، أنا جلال، سامعاني؟ انتِ هنا معايا." نظرت إليه بأعين زائغة، وعندما اتضحت الرؤية، انهارت تبكي وتحمد الله بداخلها على نجدتها من يد ذلك الشيطان. احتضنها جلال حتى تهدأ، فتشبثت به بقوة كأنها وجدت ملجأها بعدما فقدت الأمل في العيش والبقاء على قيد الحياة. أبعدها عنه ومسح دموعها متمتماً: "قومي معايا، مش عاوزه تشوفي بنتك." نطقت باسم
ابنتها من بين نشيج مؤلم: "مليكه، هي فين؟ وحشتني أوي." رجع خصلات شعرها المشعثة للخلف مكملاً: "قومي بس واجمدي كدا عشان تشوفيها، مش لازم تشوفك كدا، خليكي قوية." حدثته برجاء باكي: "أنا عاوزة أشوف إيمن، اتصل عليه واتصل على مليكه وقولهم يجوا، وحشوني أوي." أومأ لها بلطف: "حاضر، بس مش هتشوفي مليكه غير لما أشوف ضحكتك وأشوفك رجعتي كويسة زي الأول واحسن... أنا هرن على إيمن يجيلك." تكتفت تقاطعه بلهفة: "وبنتي، بنتي، عاوزة أشوفها."
أومأ لها بألم، فكيف يخبرها عن ما حدث لابنتها وهي بتلك الحال. رن جلال على إيمن حتى يأتي إليها وقص عليه ما حدث، فأخبره بأنه سيأتي في أسرع وقت. *** كانت تجلس على الفراش في أحد الغرف، والخوف والشحوب يحتل وجهها، ولكن يوجد ابتسامة على وجهها رقيقة تزين وجهها. كانت تبادلها لمالك وهو يبادلها إياها حتى يبعث في قلبها الاطمئنان والحب والأمان. انتهت من جلسة الكيماوي، فأخذها مالك إلى غرفتهم وأخذت الدواء.
جاءه صوت الهاتف الذي يعلن عن اتصال أبيه. "الو يا بابا." "تعالي يا ابني وديني عند عمتك المستشفى." "ليه، خير؟ إيه حصل ل عمتي؟ "معرفش، تعالي بسرعة وديني." "حاضر، هجيلك أهو." نطقت سهيلة بها: "في إيه يا مالك؟ "عمتي في المستشفى." تسائلت بقلق: "ليه مالها؟ خير؟ "معرفش، أنا لازم أروح دلوقتي، وهرن على حد يجيلك الأول يقعد معاكي." أومأت له قائلة:
"رن على أسر خليه يجي، عاوزة أشوفه، ومليكه باين إنها عند مامتها فمش هتعرف تيجي معاه." "حاضر، هرنلك عليه اخليه يجي." اتجه إليها يميل عليها، يقبل رأسها، ومن بعد ذلك توجه للخارج حتى يحدث أسر على الهاتف. "الوو يا أسر، اطلع على مستشفى ****، سهيلة هناك وعاوزة تشوفك." تسائل أسر بقلق: "ليه؟ مالها سهيلة؟ "مش وقته، هنبقى نتكلم بعدين، المهم روحلها، لأن أنا عندي مشوار ضروري وقالتلي أكلمك عشان عاوزاك." "حاضر، هروحلها، سلام."
"سلام." ذهب مالك إلى الفيلا وأخذ أيمن معه وتوجهوا إلى المشفي الذي يوجد بها إيمان ومليكة وجلال. عند سهيلة. دق باب الغرفة، فأذنت للطارق بالدخول. فدلف إليها أسر. تفتت بسعادة وفرحة باسمه: "أسر." دلف إليها بابتسامته ناطقاً بمرح: "حبيبتي ال وحشاني." عوجت فمها تتحدث بعتاب بعدما عبس وجهها: "وحشاك دا كله ووحشاك متجيش غير لما أطلبك، ماشي ست مليكه خدتك مني يا أخويا يا ابن مرات عمي وعمي."
تبدلت ملامح أسر إلى العبوس عندما ذكرت اسمها أمامه. فلاحظت الأخرى فتسائلت: "ماله يا أسر؟ زعلت ليه؟ انتبه لسؤالها وحاول أن يبتعد عن أفكاره وأن يبعدها عن التحدث عنها: "هاه، مفيش حاجة، المهم انتِ طمنيني عليكِ." أجابت بلطف: "أنا الحمد الله بخير، ومتزعلش عشان جيبتك من عند حماتك." عقد حاجبيه متسائلاً: "قصدك إيه بجيبتيني من عند حماتك؟ أجابت بتلقائية: "هو مش انت كنت مع مليكه عند طنط إيمان عشان هي في المستشفى؟
مالك راح لها على هنا؟ سألها بوجه مقتضب حديدي: "مستشفى إيه؟ عقدت حاجبيها بدهشة وهي ترفع كتفيها للأعلى: "معرفش. هو انت متعرفش؟ ومليكه كمان؟ نهرها بصوت عالٍ غاضب: "ما تخلصي يا سهيلة، رني عليه من غير أسئلة كتير." تعجبت من طريقته وانفعاله: "حاضر، هتصل عليه وأسأله." وقامت بمكالمة مالك الذي رد عليها وسألته: "الو يا مالك، هو انت وصلت؟ "اسمها ****، بتسأل ليه؟ جابت بتلعثم وهي تنظر للآخر حتى يجيبها فأشار
لها بأن لا تخبره بوجوده: "هاه، بسأل ليه... لا عادي، مفيش، بطمن بشوف بعيده ولا قريبة." "أوكي يا حبيبتي، مش عاوزة حاجة." "عاوزة سلامتك." "سلام." أخبرت سهيلة أسر بعدما انتهت: "اسم المستشفى ****. عاوزها ليه بقا... هو انتو متعرفوش إنها تعبانة؟ قاطع ثرثرتها تلك وقبلها من رأسها متمتماً: "أنا همشي دلوقتي وهبقى أجلك بعدين، سلام." ردت عليه السلام وهي تشعر بأمر خاطئ بينهما.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!