دلف مالك إلى الغرفة وتفاجأ بوقوفها خلف الباب وعيناها مليئة بالدموع. تشكلت على وجهه آثار الصدمة واقترب منها مسرعاً محاولاً أن يمتص أي رد فعل غاضب منها، لكنه تفاجأ بها تحتضنه وتتعلق برقبته تتفوه ببعض الكلمات المعسولة: "مالك، أنا بحبك أوي وعمري في حياتي ما هحب حد زيك."
كان الصمت حليف مالك، فلم يرد أن يتحدث وظل يحمد ربه على تخطي هذه المشكلة وأنها لم تسوء حالتها. حملها بين يديه فتعلقت بعنقه، فذهب بها ووضعها على الفراش. تقابلت أعينهما معاً وظهر على ثغره ابتسامة محببة. بادلته إياها هي الأخرى بابتسامة، ثم قربت رأسه منها وهي ما زالت متعلقة بعنقه، ثم طبعت قبلة رقيقة على شفتيه حتى تعبر بها عن عشقها وحبها الجارف. انصدم هو من فعلتها وبدأ في الإفاقة من صدمته وتحول وضعه من الجمود وبادلها مشاعره الجارفة بقبلة شغوفة جعلته يعشق ملمس شفتيها الذي أدمنهما.
اقتحم أسر عليهما الغرفة وعلامات وجهه لا تبشر بخير. فانتفض كل منهما لينظرا إلى الواقف أمامهما في ثبات غير مكترث إليهم وإلى ما يفعلونه. حاول أن يعيد شتات نفسه، ثم قام بغضب من جلسته واقترب من أسر بغضب ممسكاً بتلابيب بدلته: "إيه اللي جايبك هنا؟ قام أسر بإفلات قبضة مالك من عليه يحدثه بجدية: "مليكة فين يا مالك؟ نظر له بغضب: "ليك عين تسأل عليها بعد اللي عملته فيها؟ هتف به بحده: "متغيرش الموضوع، مليكة فين؟ نطق كلماته بسخرية
لازعة أصابت الآخر بمقتل: "وأنت جاي تسألني عليها ليه؟ ما تشوفها راحت فين، لا تكون هربت مع عشيقها." حاول تملك أعصابه حتى يخرج منه بفائدة: "مالك، اخلص متخلنيش أتصرف معاك تصرف مش هيعجبك. مليكة هربت من المستشفى ومنعرفش هي فين." حاول أن يستفهم ما يقوله هذا فاندhش مما يقوله متمتماً بذهول: "انت بتقول إيه؟ إزاي تهرب وتسيب المستشفى وكمان إيه اللي هيعرفني مكانها؟ قاطعهم صوت سهيلة المستفسر:
"هي مليكة مالها يا أسر ومستشفى إيه اللي هربت منها؟ هي مليكة كويسة؟ هتف باسمه بعدما تغاضى عن كلمات وأسئلة الأخرى: "مالك، مليكة متصلتش بيك ما كلمتكش، أكيد هتحاول توصل." تحدث ببرود مستفز: "مكلمتنيش، بس حتى لو كلمتني عمري ما هقولك على مكانها لأنك متستهالش للأسف." ازدادت عين أسر قتامة من شدة الغضب وانقض عليه يهاجمه حتى يضربه على تجرؤه بلفظ تلك الكلمات. تحول كلياً وأصبح مثل الطير الجريح: "انت عاوز تمنعني عنها إزاي؟
دي مراتي، فاهم يعني إيه؟ محدش هيقدر يبعدها عني، لا أنت ولا أبوها... ولا هي نفسها هي كمان." اندفعت سهيلة نحوهم وهي في حالة ذعر وخوف تدافع عن مالك: "ابعد عنه يا أسر، انتوا إيه اللي حصلكم وبتضربوا بعض ليه ومليكة فين؟ أنا مش فاهمة حاجة، فهموني." ابتعد كل منهم عن الآخر عند تدخلها. فوجهت حديثها إلى أسر: "أسر، قولي مليكة مالها وإيه اللي حصل خلاكم زي الأعداء كده؟ حاول أخذ أنفاسه المتقطعة ثم قبل رأسها بلطف متمتماً:
"مفيش حاجة يا حبيبتي، سوء تفاهم وباذن الله هيتحل." حلفت ما قاله مُصرة على معرفة ما يحدث: "لا، يستحيل، فيه سبب وسبب قوي كمان." تحدث مالك بغضب وكره ونظرات تدق بالشر نحوه: "البيه شك في مراته وفكر إنها بتخونه وراح ضربها وهي حامل لحد ما سقطت، لأ وكمان مش مكفيه اللي حصل وكمان كان عاوز يموتها." تفاجأت من حديثه ولم تقدر على التعبير غير بدموعها التي سالت على وجنتيها بغزارة. فوجهت كلامها إلى أسر: "الكلام ده صح يا أسر؟
قول صح ولا غلط؟ انت مش معقول تعمل كده، انت بتحب مليكة... لأ، انت بتعشقها، مستحيل تأذيها. قولهم قولهم إن ده كذب وإنك معملتش حاجة." كان يحاول أن لا يضع عينه في عينيها خشيةً من أن يفقد صوابه وينهار أمامها باكياً. توجه إلى الخارج بسرعة حتى يبتعد عن أسئلتها تلك... تركها وراءه تبكي وتنادي عليه برجاء حتى ينكر ما قاله مالك.
اقترب مالك منها وضمه إلى صدره حتى يهدئها. قام بحملها ووضعها على الفراش. مسح دموعها المنزلقة على وجنتيها فتعالى فجأة صوت بكائها ليتبدل بصياح. شعرت بألم كبير في رأسها فصرخت بقوة من الوجع. تفاجأ الآخر من حالتها هذه. فانتفض من مكانه يسألها بقلق: "مالك، فيكِ إيه؟ بتصوتي ليه؟ أشارت له على رأسها بعدما فقدت النطق وأحست بنوبة من الدوار تأخذها إلى عالم آخر. *** عند مليكة.
دلفَت إلى المرحاض الملحق بالغرفة وقامت بأخذ حمام دافئ. انتهت وقامت بارتداء العباءة المريحة. توضأت وقامت بالخروج من المرحاض. توجهت إلى المصلى الموضوعة على الكرسي في أحد أركان الغرفة. أخذتها وجلست بين يدي الله تشكو له حزنها ووجعها وآلامها:
"يا رب، يا رب، أنت أعلم بحالي. أنا عانيت كتير في حياتي أوي ومش قادرة خلاص أستحمل. كنت ما صدقت إنك عوضتني بـ أسر اللي حبيته من كل قلبي، بس خلاص تعبت وقلبي من كتر ما انجرح خلاص اتدمر ومبقاش بيحس. لي يا رب أخذته مني؟ أنا كان روحي فيه وكنت عاوزاه ونفسي فيه. كنت عاوزة أشوفه قبل ما يكتمل في بطني، كنت عاوزاه لأنه منه هو، هو اللي، هو اللي للأسف قتله...
يا رب أنا مبقتش قادرة ومش قادرة أكرهه. مش قادرة، نفسي أترمي في حضنه وأعيط. قلبي واجعني أوي ومحتاجة جنبه، بس مش قادرة أرجع، مش قادرة. أنا متأكدة من إنه لو عرف الحقيقة زمانه دلوقتي تعبان عشاني وعشان اللي عمله فيا. أنا حاسة بيه، حاسة بوجعه وحاسة بكل آه هو بيخرجها...
يا رب خفف وجعي ووجعه هو كمان. أنا آسفة يا ابني، بس مش قادرة أكرهه، مش قادرة. كل أما أحاول أكرهه أفتكر كل لحظة في حياتي حلوة هو كان السبب فيها. أفتكر حضنه ليا لما أكون خايفة وسهرانة واهتمامه لما أكون تعبانة... أنا عارفة يا رب إن ده اختبار منك، بس أنا مش قده ومش قادرة أرجع. عاوزه أبعد عنهم وعن أسر وعن كل حاجة لأني اتدمرت."
كانت تنطق كلماتها من بين دموعها وبكائها وحرقتها على ما حدث لها. مالت بأناملها حتى تمسح دموعها. تذكرت حديثه عندما كان ينهيرها عندما يرى دموعها. ابتسمت والدموع على خديها، ثم هبت واقفة طوت المصلى ووضعتها على الكرسي، ثم ذهبت إلى فراشها لتستريح. "أريد أن أبكي وأبكي، لعلي هذه الدموع ستطفئ نار قلبي المشتعل وتبطل تفكيري." دلفَت إليها فريدة بعد أن طرقت على الباب، تحدثت وهي تضع صينية محملة بالطعام الصحي الشهي اللذيذ:
"يلا بقا يا قمر، عاوزاكي تخلصي الأكل ده كله عشان وشك دبلان واصفر أوي." تحدثت بامتنان على كرم تلك السيدة اللطيفة: "شكراً يا طنط، بس أنا هنام دلوقتي، ماليش نفس خالص للأكل." جلست أمامها ومعالم الحزن ظاهرة على وجهها: "كده أزعل منك والله، ولا انتِ بقا مقروفة من أكلي ومش عاوزة تاكلي من إيدي؟ وجهت لها ابتسامة رقيقة تحمل الهموم والألم والحزن: "لأ والله يا طنط ما أقصد كده، بس أنا ماليش نفس وجعانة نوم وعاوزة أنام."
ربتت على وجنتيها بحب ودعم: "حاضر، هسيبك تنامي، بس لازم تخلصي الأكل ده كله الأول ومش عاوزة مناقشة ولا مقاطعة، يلا كلي." بدأت مليكة في تناول الطعام حتى تناولت ما يكفيها من الطعام. عندما انتهت، أخذت فريدة الطعام وخرجت من الغرفة حتى تتركها لتنام. *** في المستشفى عند حازم وجلال. "هي موجودة عندي دلوقتي في البيت ووالدتي قاعدة معاها." "أنا متشكر جداً ومش عارف أقولك إيه يا دكتور على اللي عملته في غيابي معاها."
"مفيش داعي للشكر، أنا عملت اللي المفروض يتعمل." "أنا هعدي عليك بكرة آخدها من عندك وأسفرها عشان تبعد عن هنا نهائي." حاول تدارك الموقف حتى يجعل الأمر لصالحه فأكمل: "ليه طيب هتاخدها؟ ما تسيبها، وأهو محدش عارف مكانها عندي ووالدتي قاعدة معاها وأنا هبات في الشقة بتاعتي." "كتر خيرك، بس أنا كده كترت عليك، لازم أنقلها من عندك لأن ممكن أسر يوصلها بأي طريقة." "طب ممكن أكون معاها... معاها إزاي يعني؟ تنحنح بحرج وأجاب
بعدما أحضر الإجابة بذهنه: "يعني أقصد إنها هتكون محتاجة لرعاية طبية، فلازم أكون معاها." "أكيد طبعاً، لما نحتاجك هنكلمك يا دكتور، متقلقش." "تمام، اتشرفت بحضرتك، بعد إذنك هستأذن عشان أروح." "اتفضل، في رعاية الله." *** عند إيمان.
فاقت واستعادت وعيها وظلت تنظر حولها بتوهان حتى وجدت نفسها داخل غرفة فارغة. وجهت عينيها وانتباهها إلى الذي فتح باب الغرفة لتجده جلال. اطمأن قلبها عند رؤيته، بينما هو ذهب لها مسرعاً جلس بجوارها متسائلاً: "انتِ كويسة؟ حاسة بحاجة؟ نفت بوهن: "لأ، بقيت بخير الحمد لله." "الحمد لله على كل شيء." تساءلت بقلق على ابنتها: "بنتي فين يا جلال؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!