كان يقود السيارة بسرعة كبيرة متوجهاً إلى المكان الذي أخبره عنه ذلك الشخص، الذي عينه حتى يعرف مكانها. وجد شيئاً غريباً أثار دهشته، وهو وجود صورة مليكة بمفردها في كاميرات المستشفى، ووجودها مع شخص ما في كاميرات مراقبة المول المقابل للمستشفى. وجدوها تعانق سيارة هذا الشخص وانطلقوا بها مغادرين المكان.
كانت جالسة على الفراش تنتحب من البكاء وتفرك عينيها التي توهجت احمراراً من كثرة البكاء. سمعت صوت طرق على الباب فقامت بمسح دموعها بطرف كم جلبابها وأخرجت صوتها المتحشرج يأذن للطارق بالدخول. فتح حازم الباب وتقدم منها. أعطاها الهاتف التي كانت تتحدث منه. "كلميه يا مليكة، أنتِ كدا بتعاقبي نفسك قبل منه، مش بتعاقبيه هو." تساقطت منها دموعها فمسحتها بقسوة قبل أن يراها، ثم ردت عليه بتردد، وقلبها يعشقه ويريده وعقلها ينفرها منه:
"مش هقدر أكلمه ومش هقدر أواجهه دلوقتي، أنا عاوزة أبعد عن كل حاجة دلوقتي لحد ما أستعيد روحي تاني." أغمض عينيه بحصرة على نفسه من ما يفعله وما يقوله مع التي أعجب بها وكان على وشك الوقوع في حبها: "للأسف روحك مش هتسترجعيها غير معاه هو، لأنه معاه روحك ومالكها في قلبه، ارجعيله أحسن وارحمي نفسك. هو عمال يرن من ساعة ما صلحت الخط وركبته تاني."
وضع الهاتف بجوارها ثم خرج وأغلق الباب خلفه. فأسرعت تلتقط الهاتف من جانبها لترى كم مرة اتصل بها، فوجدت أنه اتصل بها عشرين مرة ويوجد رسالة في صندوق الرسائل منه. ففتحتها بلهفة ترى ما محتواها، فانهارت تبكي وجعاً وقسوة عندما رأت نص الرسالة: "مش هسيبك تضيعي مني وأقعد أتفرج، أسف بس مش قادر أعيش من غيرك، ارجعلي." "كنت مفكرة لما أبعد هرتاح وهعذبك في بعدي، طلعت غلطانة وطلعت أنا اللي بتعذب على عذابك أنت… ليه ليه؟
بتعمل فيا كدا ليه مش عاوزني أبعد عنك لييييه؟ وصل بسيارته ليجد سيارات رجاله واقفين أمام العمارة. توجه نحوهم بسرعة يسأل بلهفة: "هاه، فين البيت؟ "الشقة في العمارة دي يا أسر بيه، والشقة بتاعة دكتور شغال في المستشفى، جبنا بيته وهو نفسه اللي ركبها عربيته، يعني أكيد هي عنده."
انطلق أسر إلى الأعلى وتوجه خلفه رجاله مباشرة. وصلوا إلى الدور الموجود به الشقة. دق على الباب بحدة وسرعة مثل قلبه الذي يدق بقوة لرؤيتها. آتاه صوت حازم من الداخل. بعدها مباشرة فتح الباب فأزاحه أسر من طريقه ودلف إلى الداخل سريعاً يبحث عنها بمقلتيه في أرجاء المكان حتى ركزها كالصقر. على حازم يهدده بحدة: "من غير شوشرة، مراتي." يفهم حازم قصده، لكنه أراد أن يلعب معه قليلاً ويسقيه نار الانتظار. فرد عليه بحدة وغضب: "مراتك مين؟
وأنت جاي تتهجم عليا في بيتي ليه؟ تطاير شرار الغضب من عينيه مزمجراً بنبرة غاضبة: "أنت عارف أنا أقصد مين كويس، مراتي مليكة اللي أنت أخدتها معاك من المستشفى." رد عليه بوجه منعقد بالدهشة كأنه لا يعلم ما يقوله: "أنا مش فاهم، أنت بتتكلم على إيه؟ ومليكة مين دي اللي في المستشفى؟ تشنج جسد الآخر من شدة الغضب وصرخ بحدة بالكتلة الثلجية التي أمامه:
"أنا صبري نفذ، هتقولي هي فين وإلا أخلي رجالتى يطلعوها بطريقتهم وساعتها أنا مش هسكت وهيبقى شكلك زبالة قدام أهل بيتك وجيرانك." كانت تنصت إلى حديثهم من خلف الباب وقلبها يقفز فرحاً بوجوده وينتفض خوفاً من مواجهته. ارتاعت بشدة من نبرة تهديده فقررت أن تخرج وتوقفه عند حده. فتحت الباب على مصراعيه، عيناها تنظر إليه بقوة لا تعلم من أين جاءت بهذه الجرأة لتواجهه وجهاً لوجه.
نظر الجميع إلى تلك الواقفة في ثبات وتحدي. ينظر إليها أسر الذي كان كالثور الهائج منذ قليل، فالآن قلبه ينفطر وجعاً على حالتها. يتفحصها بعينيه ليرى عينيها المنتفختين من كثرة البكاء وشحوب وجهها والكدمات الموجودة على وجهها الذي كان هو السبب بها.
قطع نظراته صوت انفتاح الباب المجاور التي خرجت منه والدة حازم، التي وقفت بعينين واسعتين من الصدمة والكارثة التي بشقتها. فمنزلها معبأ برجال عملاقة يرتدون ملابس سوداء يسدون عين الشمس. ربعت الأخرى ذراعيها أسفل صدرها تضغط على لحم كتفها بأناملها حتى تطمئن نفسها قبل أن ترد بثبات ونبرة فاترة: "عاوز إيه يا أسر؟ أنا هنا أهو، كنت عاوزني في إيه؟ لسه في وجع تاني عاوز تسببهولي؟ أو لسه عاوز تكمل انتقامك مني؟
بتدور عليا عشان تقتلني صح؟ اطمن، أنا خلاص مت وأنت اللي دبحتني.. دبحتني بسكينة لمة لما طعنتني في شرفي وإني بخونك، لما قتلت ابني اللي كنت هموت وأشوفه قبل ما يكتمل في بطني." فاضت دمعة من بحر الدموع المختزن في عينيها، أزالتها بسرعة وأكملت حديثها: "هاه، جاي ليه؟ لو عاوز تضرب اتفضل، بس أحب أطمنك إن مش هحس، لأن مفيش ميت بيحس بحاجة." اقترب منها عدة خطوات وهو يردد بحذر: "ممكن تيجي معايا؟ هنكمل كلامنا في البيت." نظرت إليه
بتهكم وبنصف ابتسامة ساخرة: "أنت متخيل إني هرجعلك تاني وأعيش معاك بعد كل اللي حصل؟ لااااااا، انسى انسى مليكة بتاعة زمان….. أنا يستحيل أرجعلك تاني ومش هقبل على نفسي إني أعيش مع واحد زيك." كانت كلماتها كالسكين الحاد الذي يغرسه في قلبها قبل قلبه. شعرت بوخزات في قلبي فعلمت أنها وخزات قلبك أنت، لأن قلبي أصبح جماد لا يشعر ولا يحس إلا بك أنت.
اقترب أسر منها بخطوات سريعة، التقط يدها بين يديه فانتفضت تبتعد عنه وتبعد يدها عن ملمس يده. أخفضت عينيها وهي تصرخ به من بين نشيج مؤلم: "قولتلك ابعد عني، مش عاوزاك، أنا بقيت بكرهك، اطلع برا وسيبني في حالي." أمسكها من ذراعيها يصرخ بها من شدة الألم الذي قطع قلبه من كلامها: "كذابة، بصي في عيني وقولي كلامك دا تاني وهسيبك وأمشي ومش هعترض طريقك تاني، بس بصي في عيني الأول وقولي الكلام دا تاني."
حدقت بعينيها المنتفختين إليه حتى وقعت عيناها على عينيه المشعين بالندم ويصرخان من الوجع ويرجونها بأن تسامحه وتعفو عنه. تحدثت بتلعثم: "ا ا أنا م م مش ع عاصمتت." فجأة وبدأت عيناها تقطر بالدموع، حتى طأطأت رأسها تخفي تلك الغيامة الممتلئة بالدموع التي سقطت على عينيها. تحول ذلك البكاء الضعيف إلى نوبة هيستيرية، ظلت تضربه بقبضتها وتدفعه بيدها الصغيرة بكل غضبها وحزنها وآلامها منه وهي تصرخ به:
"حرام عليك، حرام عليك، ابعد عني بقا، ابعد عني يا أسر، مش عاوزة أشوفك تاني."
كان يقف أمامها كالصخرة الصامدة لا يتحرك، حتى التقط يدها ضمها إليه وحاول تقييد حركتها. ظلت تعافر وتتحرك بلا هوادة حتى تتخلص من قيده. لم تستطع الصمود أمامه، فانهارت وانهار جسدها معها ووقعت مغشية عليها. فالتقطها بذراعيه يحملها، أسندها على صدره وذراعيه أحدهم أسفل ثنية ركبتيها والأخرى أسفل عنقها. ضمها إليه ووضع رأسها على صدره محل قلبه حتى يصمت ويخف ألمه ولو قليلاً بقربها. تقدم بها للخارج وسط ذهول الواقفين وتوجه بها إلى الأسفل.
أسرعت فريدة إلى حازم بعدما خرج آخر فرد من باب شقتها: "أنت هتسيبه ياخدها وينزل؟ دي أمانة عندنا يا ابني، اجري خدها منه." "هربت على يداها الموضوعة على كتفه متمتماً: اطمئني يا أمي، هي كدا هترتاح لما ترجعله ومتخافيش، أنا سبتها لأن أنا عارف إن من مصلحتها إنها تفضل معاه." أخرجت تنهيدة حارة وهو تلومه على ما فعله: "يا ابني، أبوها عارف مصلحتها أكتر وهو مش عاوزها ترجعله تاني.. ليه بقا أنت تقرر من دماغك؟
قطعت عليهم الحديث شهد جارتهم وابنة أخت فريدة. وجهت حديثها المتلهف إلى خالتها لمعرفة ما حدث في عمارتهم وبالأخص بشقة خالتها: "مين الرجالة دول يا خالتو؟ وكانوا هنا بيعملوا إيه؟ ومين البنت اللي معاهم دي؟ تأفف حازم وصاح عالياً من تطفلها عليهم: "هو أنتِ مش هتبطلي تحشري نفسك في اللي مالكيش فيه؟ نظرت إليه بضيق وهي تلوي شفتها العلوية باحتقار مرددة بنزق: "هو أنا كنت سألتك أنت يا دكتور التعقيد أنت؟
أنا بسأل خالتو ومحدش وجهلك كلام، يبقى تقف على الصامت ومن غير نفس." اغتاظ من ردها الحاضر عليه، فالتلمعت عيناه بفكرة لمضايقتها. كان يفعلها معها بصغرهم حتى يثير استفزازها وغضبها: "عم شهيد، روح خالتو بتنادي عليك." انفعلت من وصفه لها بهذا المدعي عم شهيد، فحركت إصبعها اتجاهه بتحذير: "أنت تلم نفسك معايا وأنت بتتكلم، أنت شايفني راجل قدامك يعنى؟ أخذ يستخدم البرود في نبرته حتى يغيظها:
"الصراحة، أه شايفك ولد. روحي شوفي البنات يا حاجة عاملين إزاي وتعالي اتكلمي، يلا. عم شهيد من هنا، عاوزين ننام، اتفضل من غير مطرود." أحست شهد بعدم الرغبة بوجودها وبالحرج الشديد، فخرجت من الشقة بدون كلمة. فعاتبته والدته بعدما انسحبت بنت أختها بصمت على عكس عادتها واستشعرت ضيقها منه: "كدا يا حازم؟ تزعلها وتمشيها زعلانة من هنا؟ لا وكمان بتكرشها؟ يا بجاحتك يا أخى." أضاف بتهكم من تلك الفتاة التي تزعجه:
"خلاص بقا يا ماما، دي عيلة رزلة أساساً ومعندهاش دم ولا بتحس. أنا طول عمري أشوف البنات بتعيط ومرهفة الحس، إلا دي عليها حس يخرم الودان." ضحكت فريدة على حديث ابنها مرددة: "والله شكلك كدا هتقع في أراضيها في الآخر." أحس برعشة مشمئزة عندما ربطتهم معاً بمصير واحد، فأكمل بضيق: "ليه؟ من قلة البنات شايفاني أحول عشان أتجوز عم شهيد؟
كانت شهد تقف تنصت إلى حديثهم الذي جعل قلبها ينفطر. ركضت مسرعة إلى غرفتها، جعلت كل من بالبيت يندهش منها. أغلقت عليها حجرتها وجلست على الفراش تبكي وتأن، كلما تذكرت حديث هذا المعتوه التي تحبه. نعم، تحبه منذ الطفولة، لكنه كان دائماً يجرحها بحديثه عليها بأنها مثل الرجال، لا تحمل من الأنوثة شيئاً. قامت بهمة بعدما ظلت كلماته تتردد على عقلها وتوجهت لخزانتها. أخرجت منها فستان رقيق جداً ارتدته ووقفت أمام المرآة تتفحص جسدها بعينيها ويدها تسير على كامل منحنيات جسدها المثير البارز من الفستان.
حدثت نفسها بثقة: "ما أنا موزة أهو، جاته شكة في قلبه، أومال إيه عم شهيد دي؟ ثم أنا اللي غلطانة برضه، كلامي كله دبش ولبسي كله عامل زي لبس الرجالة فعلاً، وخافية حلاوتي وجمالي لحد ما خلاص فكر إني ولد." تغيرت نبرتها إلى وعيد: "بس وحياة أمك فريدة اللي هي خالتي، لا أجيبك زاحف يا حازم، وبكرة المراية تقول شهد قالت."
ذهبت وأبدلت ثيابها بأخرى مريحة، ثم توجهت إلى فراشها ودست يدها أسفل الوسادة. أخرجت من أسفلها صورة له، قبلتها ووضعتها مرة أخرى ونامت وابتسامة حالمة على محياها. فاقت سهيلة من إغماءها، فهتفت باسمه حتى يتقدم إليها عندما لم تقدر من شدة الألم أن تقيم رأسها: "مالك." انتبه لها مالك واقترب منها ملتقطاً يدها يقبلها بحنان ولطف وشغف: "فرت منها دمعة هاربة." ثم أكملت بصوت متحشرج: "هو أنا هموت يا مالك؟ نظر إليها بعتاب
وأكمل بنبرة متلهفة خائفة: "إياكي أسمعك بتقولي كدا تاني، أنتِ فاهمة؟ أنتِ بإذن الله هتعيشي ومش هسمح إن يحصلك حاجة أبداً، وأوعي يا سهيلة تفكري في الفكرة دي تاني، أنتِ فاهمة؟ أنتِ هتعملي العملية وهتنجح بإذن الله وهتخفي وهترجعي أحسن من الأول." انتفضت رعباً عند حديثه عن العملية، تردد بهيستيرية ورعب، وعيناها لم تؤثر في العمل بدورها:
"لا عملية لا يا مالك، أنا خايفة، ممكن يحصلي حاجة، أنا خايفة أموت وأسيبك يا مالك، أنا بحبك أوي." قام مالك بضمها إليه حتى يهدئها، بينما هو فرت منه إحدى العبارات الحارة الذي أزالهم وهو يربت على ظهرها بحنان: "متخافيش، يا قلبي، أنا هفضل معاكي دايماً وعمري ما هسيبك أبداً ومش هيحصلك حاجة بإذن الله طول ما أنتِ واثقة في ربنا وبتدعي إنه يشفيك." شددت على احتضانه ودفنت وجهها في عنقه تدعي من قلبها بأن يشفيها الله من مرضها هذا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!