قطع حديثهم نبرته الحادة: "معندناش بنات للجواز." نظر الجميع إلى الواقف بثبات أمام الباب. ظلوا يراقبونه وهو يتقدم بخطوات ثابتة. تحدث بنبرة غاضبة موجهًا حديثه إلى أبو شهد: "إنت إزاي يا عمي تخطب بنتك لواحد وهي مخطوبة؟ إنصدم الجميع من حديثه وإنتفضت شهد واقفة على أثر حديثه. همت على التحدث: "إنت بتق...
قاطعها الآخر بنظراته الحادة التي أسكتتها على الفور. ثم ولى نظره إلى الجالسين أمامه بنظرات حادة ثاقبة. شعروا بعدم الرغبة في تواجدهم، فانصرفوا على الفور بعد الاستئذان. بقي والد ووالدة شهد وفريدة وحازم وشهد فقط. فنطق والد شهد: "إيه اللي إنت عملته ده يا ابني؟ شهد مخطوبة إزاي؟ أنا لو ما كنتش بعتبرك زي ابني وعارف إنك عاقل ويستحيل تعمل حاجة زي دي إلا لو كان فيه سبب مهم... ما كان هيبقى فيه تصرف تاني...
إيه اللي خلاك عملت كده وخليت الناس تخرج من باب بيتي وهما مكسورين الخاطر؟ زفر حازم في هدوء محاولاً أن يأخذ أنفاسه بهدوء ليتحدث معه: "يا عمي أنا عارف إن اللي عملته ده غلط وأسلوبي كان متهور، بس أنا طالب إيد بنتك وعايز أتجوز." عم شهيد، اللي واقف جنبك ده. نظر إليه بذهول من طلبه. ثم قوص فمه إلى الأمام ينظر إلى حازم وإلى تلك الواقفة تضع رأسها أرضًا. ظهر على ثغره ابتسامة فرحة، ثم جذب حازم في أحضانه ليبارك له:
"ألف مبروك يا ابني، حلال عليك. الله يكون في عونك منها." إنصدمت الأخرى وإنسحب من جسدها الدم. نظرت إلى والدها بذهول: "إنت بتقول إيه يا بابا؟ مين قال إني موافقة؟ والدها على الرد، لكن قاطعه حازم ممسكًا يده حتى يصمت. فتحدث حازم بمشاكسة ومرح: "هو إنتِ تطولي يا بايرة؟ إنتِ تحمدي ربنا وتبوسي إيدك وش وقفا إني قبلت بيكي وهنقذك من العنوسة."
نظرت إليهم بصدمة وانفرجت عيناها من هول ذلك الكلام الكاذب. إشتعلت بالغضب وأسرعت إليه بخطوات سريعة. إلتقطت يده وقامت بعضها فصرخ الآخر من الوجع. فتركته وابتعدت عنه ووجهت حديثها إليه: "أنا عانس وبايرة يا دكتور الخانقة إنت... طب أنا بقى مش موافقة عليك يا حازم. يلا بقى." تعالت قهقهات الضحك من حولهم على أفعالهم. وأردفت فريدة من بين ضحكاتها: "لا مش معقول. إزاي دول يتجوزو؟
دول ناقر ونقير. أكيد هيخلفوا عيال هبلة أو مختلين عقليًا." أم شهد من بين ضحكاتها: "عندك حق والله. أنا معرفش أنا كنت بتوحم على أرجوز وأنا حامل فيه." تحدثت شهد بتعالٍ: "هو فيه أرجوز قمر زيي كده؟ الأرجوز ده يبقى هو. مش أنا." تحدث بنبرة حادة غاضبة آخرصتها: "بت انتِ! أنا مش قولتلك متتعديش حدودك تاني معايا." ذهب إليها جاذبًا يدها وسحبها خلفه ليستأذن من والدها: "بعد إذنك يا عمي، هقولها كلمتين يعقلوها وارجعهالك تاني."
إنصرف هو وهي إلى شقته ووقفا معًا في البلكونة. وجه حازم نبرته المهددة لها: "أنا مش قولتلك تلزمي حدودك ومتتخطيهاش؟ ربعت يدها ووضعتها أمام صدرها حتى تستمد منها القوة، ثم ردت عليه بضعف وبصوت مختنق من البكاء: "أنا اللي اتعديت حدودي. وإلا إنت اللي أهنتني الصبح وجرحت في شرفي. لا وفوق ده كله جاي تبوظ الجوازة وتقول كلام فارغ. استفدت إيه بقى لما عملت كده؟ رد عليها بنبرة يحتاجها التوتر: "أنا هتجوزك."
قهقهت عالياً باستهزاء من حديثه حتى اختنقت عيناها بالدموع التي زرفتها. فمسحتهم بقوة وهي تحدثه: "إنت عاقل والا مجنون؟ عايز تتجوز عم شهيد؟ هتسيب كل البنات القمر الكويسين الكيوت وتاخدني أنا؟ طب ليه؟ إيه اللي يجبرك على كده؟ أنا مش موافقة يا حازم. أنا عمري ما أرضى إني اتجوز واحد مبيحبنيش."
همت على المغادرة لكن أوقفتها قبضة يده التي أحكمت على يدها. ثم تحرك من مكانه ووقف أمامها. التقط وجهها الملطخ بدموعها وملس عليه ماسحًا دموعها تلك. نظر في عينيها محدثًا إياها:
"أنا كنت بقول عليكِ عم شهيد مش عشان إنك وحشة، لا عشان كنتِ بتتصرفي زي الرجالة. عمري ما شفت رقتك. عمري ما شوفتك بتعيطي أبدًا. بس دلوقتي عرفت إن اللي بشوفهم بره بيبقوا بيتصنعوا الرقة، لكن إنتِ مش زيهم. إنتِ رقتك بتطلع غصب عنك. مهما حاولتِ إنك تخفيها. حتى ضعفك واحتياجك ليا محسيتش بيهم غير النهارده. يمكن كل حاجة جت متأخر شوية، بس مش مهم. المهم إنها جت ولحقناها. أنا بحبك يا شهد."
وقعت هذه الكلمات على مسامعها فانصدمت. واقفه إنشدت أوتارها ووقفت أمامه كالوتر بدون حركة. رفرف قلبها فرحًا من تلك المفاجأة التي جعلت عيناها تحدق به بذهول، تشعر بارتعاش جسدها على أثر تلك الفرحة التي لا تقدر على مقاومتها. فركت عيناها بيدها ورفرفت بعينيها وهي تقول: "اقرصني. اقرصني بسرعة." إنكمشت ملامح وجهه مستغربًا من ردة فعلها بعد قوله لها بحبك. فنطق بصدمة: "نعم يا اختي؟ نظرت إليه بجدية:
"بقولك اقرصني. عاوزة أتأكد إني صاحية وإلا بحلم." نظر إليها بعينان متفحصة وعلي ثغره ابتسامة لئيمة: "غالي والطلب رخيص." قام بقرصها من يدها بخشونة فصرخت من الوجع: "آه خلاص خلاص مش بحلم خلاص." قهقه الآخر ضاحكًا على حبيبته المجنونة فتحدث من بين ضحكاته: "هموت وأعرف عملت إيه في دنيتي عشان ربنا يرزقني بواحدة هبلة زيك." عقدت الأخرى حاجبيها بضيق تغمغم بشراسة وهي تسدد له الضربات بكتفها: "طب شوف بقى مين الهبلة اللي هتتجوزك...
أنا مش موافقة يلا." همت على المغادرة وهي تشعر بالغضب يتملك منها على حديثه الدائم في استفزازها. فشعرت بيده الخشنة التي قبضت على معصمها تجذبها نحوه. إصطدمت بصدره العريض فشعرت بالتوتر وحرارة الخجل تنبعث من وجهها. حاولت أن تبتعد عنه وتلملم شتات نفسها وتقلل من توترها حتى لا ينفضح أمرها.
حاوط خصرها بكفه وجذبها نحوه حتى تلتصق به تمام. فنظرت له بعينيها فوقعت أسيرة لعينيه التي تسحرها. أفاقت من سحر عيونه على اقترابه منها منقضًا على شفتيها يقبلها. رفعت الأخرى يدها محاولة أن تدفعه بعيدًا عنها، لكنه التقط يدها بيده الأخرى مثبتًا إياها حتى يشل حركتها. فغرزت أسنانها على شفتيه حتى يبتعد عنها، صادرًا منه بعض التأوهات وواضعًا يده على فمه متوجعًا وعلامات الضيق ظاهرة على وجهه. نظر إلى يده فوجد علامة على وجود دماء. إستشاط غضباً من الواقفة أمامه التي لا تعرف ما الذي أصابها. لا تعلم ماذا تفعل، هل تهرب راكضة من أمامه أم تظل لترى ما الذي فعلته به من أذى. ترددت في حديثها فنظرت إلى أغمض قدمها تضع إصبعها على مقدمة شفتاها
تعضها حتى تقلل من توترها: "أنا آسفة عشان عضيتك." تكمل بنرفزة وهي تركل بقدمها الأرض: "بس إنت اللي قليل الأدب ومصنتش الأمانة اللي معاك." أدمعت عيناها وأشاحت بوجهها بعيدًا عنه حتى لا يرى دموعها. إنصدم وتفاجأ من ما قالت، فماذا تقصد بصون الأمانة؟ جاء ليلتقط يدها فنزعتها منه بشراسة وهي ما زالت لا تنظر له.
همهم بخفوت وقد شعر بتأنيب ضميره على هذا الذنب الذي فعله وخيانة الأمانة الذي أعطاها له والدها ولم يصونها مثلما قال، فقد خانته مشاعره وغواه الشيطان وتمكن منه في لحظة ضعف جعلت الأمور بينهم تسوء: "شهد أنا آسف على اللي عملته وإني مقدرتش أحافظ على الأمانة الغالية اللي آمن عليها أبوكي. مينفعش بعد كده نبقى لوحدنا. أنا كنت مفكر إننا هنبقى زي زمان مش هيحصل تجاوزات، بس الشيطان اتمكن مني...
آسف ليكي ولأبوكي اللي اعتبرني زي ابنه ومفكرش إني ممكن أذيكي... بس غصب عني آسف."
إستدارت له بعدما أزالت دموعها ثم ابتسمت له بتفهم وشعرت بالسعادة تسيطر عليها عندما أوقفته عند حده بطريقة صحيحة، فليس السكوت بهذه الأمور يعد شيء صحيح لأن الطرف الآخر سيتمادي في أفعاله. والا الصوت العالي وتدخل الأهل سيأتي بنفع، بل بالعكس، فسيؤدي إلى فسخ الخطبة وستكون صورة سيئة عن الخاطب في نظر الأهل. هو بشري وأخطأ وتمكن الشيطان منه وهذا ليس بعيب، فواجب عليك المعاتبة والنصح وعدم الجلوس معه بدون محرم حتى إذا كانت درجة
القرابة شديدة فالنفس أمارة بالسوء. ولكن إذا لم يستمع إليك فعليك بتبليغ أهلك أو فسخ الخطبة أو تعجيل الزواج على حسب الشخص الذي أمامك ودرجة معرفتك به. لا تتهاوني في هذه الأمور وتقولي إنه سوف يصبح زوجك. لا تعلمي ما في الغيب. يوجد الكثير من الزيجات انخربت على أتفه الأمور، فما سيكون نظرتك إلى نفسك عندما يأخذ منك الرجل ما يريد ويتركك ويأتي غيره بحجة الخطبة ويفعل ما فعله الآخر. الخطبة ما هي إلا وعد بالزواج، يا يوفي هذا الوعد
يا يخلفه.
جلس أمامها على ركبة ونصف وأخرج من جيبه علبة من الأطيفة فتحها وأخرج منها خاتم من الذهب الأبيض رائع في الجمال. شهقت الأخرى بسعادة وفرح فألبسها الخاتم. نظرت هي إلى يدها التي بها الدليل على أنها على علاقة به وشعرت بالسعادة تغمر قلبها فرحًا. إعتدل واقفًا يخبرها بفرحة شديدة: "جهزي نفسك يا عروسة، هروح أطلب من عمي نكتب الكتاب دلوقتي."
إنصدمت من ما قاله وعندما أدركت موقفها كان قد غادر المكان وذهب لوالدها. وبالفعل بعد ساعتين تم العقد بحضور أهل المنزلين فقط حتى يحددوا ميعاد لحفل الزفاف. *** عند أسر ومليكة في السيارة.
أصبحت الرؤية مشوشة أمامه وشعر برعشة تستحوذ جسده وغيامة سوداء تحيط به. أفاق منها على أثر صوت صياح بجانبه وصريخ بالخارج وصوت رنين الكلاكس. قبض بيده على المقود وانحرف بالسيارة عن مسارها فتوقفت تلقائيًا عن السير عند ضغطه على زرار ما في نظام أمان السيارة. حذف رأسه للخلف بتثاقل على حافة الكرسي يستند بظهره وهو مغمض العينين بتعب. مد يده إلى الجالسة بجانبه ترتعش من الخوف وتبكي في صمت. حثها على الاقتراب منه فأمسكت بيده الممدودة إليها وانتبهت إلى حالته المزرية. فجذبها إليه محتضنًا إياها حتى يبث إليها الأمان بين أحضانه.
ربت على كتفها بلطف: "متقلقيش، كل حاجة تمام. ماتخفيش." خرج منها نشيج حار تخلله بكاؤها المذعور. دثت ذراعها في الفراغ الموجود بين القميص وجاكيت بدلته. حاوطته بتملك دافنة رأسها على صدره الذي يعلو ويهبط محاولًا أن يأخذ أنفاسه. تحدث هو بتعب ووهن: "خدي تلفوني اتصلي على أبوكي يجي ياخدك."
إنتفضت مبتعدة عنه وعيناها تتفحصه بالكامل وعلامات الذهول تستحوذ على ملامحها. فشعرت بغصة بحلقها لم تقدر على ابتلاعها بعدما اخترق القلق والخوف قلبها من حالته تلك. إقتربت منه واضعة أناملها فوق وجهه متحسسة إياه بقلق وتردد: "مالك؟ في حاجة بتوجعك؟ إنت كويس؟ رد عليها بوهن وهو ما زال يستند برأسه للخلف على المقعد ومغمض العينين: "أنا كويس. يلا كلمي أبوكي يجي ياخدك عشان تحضري معاهم."
ترددت في حمل الهاتف حتى تتصل بوالدها، فهي تريد أن تطمئن عليه ولا يهم بأن تحضر خطوبة والدتها. لكن يوجد صوت بداخلها يحثها على تركه وبأن لا تظهر له أي اهتمام. تجاهلت ذلك الصوت وحاولت مجددًا أن تستفسر عن الذي أصابه: "أسر لو سمحت لو تعبان قولي نروح للدكتور ومش مهم أروح لبابا." أخذ يتحدث برجاء في أن تذهب وتتركه حتى تستمتع بحفل خطبة والديها، فتلك الزيجة ستتسبب في فرحها واخراجها من تلك الحالة.
دست يدها بجيبه وأخرجت الهاتف حتى تهاتف والدها. *** عند جلال وإيمان. جلسوا معًا ثلاثتهم، جلال وإيمان وأيمن، وانتهوا من ذلك الحفل الصغير. وقطع احتفالهم هذا صوت رنين هاتف جلال. إلتقط جلال الهاتف من جيبه فظهرت علامات الضيق على وجهه عندما رأى اسمه الذي ينير شاشة الهاتف. رد عليه بضيق وبأسلوب مندفع: "عاوز إيه يا أستاذ أسر؟ مش عارف توصل لبنتي صح... إنسها أحسنلك لأني مش هعرفك طريقها وهسيبك تندم على اللي عملته فيها الأول."
ردت الأخرى بقلق من ردة فعل والدها: "أنا مليكة يا بابا مش أسر." عقد حاجبيه بصدمة وذهول من أثر ذلك الصوت ليرد بلهفة: "إنتِ بتعملي إيه عند أسر؟ وإلا تليفونه وصلك إزاي؟ أنا مش فاهم حاجة. إنتِ كويسة يا بنتي؟ حاولت أن تلتقط أنفاسها بأريحية حتى تهدئ من روعها: "أنا كويسة وبخير يا بابا. أنا مع أسر وكنت بكلمك عشان خطوبتك إنت وماما." رد عليها وهو يصب غضبه على الهاتف يعتصره بين يديه: "بتعملي إيه مع زفت؟
وإيه اللي خلاكي تسيبي بيت حازم وتروحي له تاني؟ اعتلت علامات الدهشة وجهها عند ذكر أنها كانت عند حازم: "إنت إيه اللي عرفك إني أنا كنت عند حازم؟ رد عليها بغضب: "أنا اللي بسألك مش إنتِ... إيه اللي وداكي عند أسر؟ "أنا ما روحتش، هو اللي جه عندي حازم وأخدني. وممكن تهدي عشان نعرف نتكلم." زفر الآخر بضيق: "هنتكلم في إيه وإنتِ ماشية على مزاجك ومكلفتيش نفسك تكلميني تعرفيني اللي حصل؟
وإلا لما سبتي المستشفى وهربتي واتفقت مع حازم ياخدك وياخد باله منك." تحشرج صوتها من البكاء: "يا بابا أنا مش عاوزة أتكلم في أي حاجة. أنا عاوزة أحضر خطوبتك. ممكن تيجي تاخدني؟ "إحنا خلصنا خلاص... بس مش مهم أجيلك فين دلوقتي؟ نظرت إليه قبل أن ترد على والدها شعرت بأنه ليس على ما يرام. إقتحم قلبها شعور بالخوف عليه فتراجعت عن موقفها: "خلاص يا بابا أنا مش هاجي أدام خلصتوا." "طب وفيها إيه لما تيجي؟ مكانك إيه؟ خليني أجي آخدك."
"لا خلاص. أنا كنت عاوزة أحضر وكنت هسيب أسر وهو شكله تعبان فهستنى معاه وهبقى أجي بكرة بإذن الله." ليرد عليها بنبرة حزينة: "لسه بتحبيه ومش قادرة تنسيه بعد كل اللي حصل." "أيوه يا بابا." "مش هقولك غير ربنا يوفقك معاه، بس كرامتك يا مليكة خط أحمر محدش يقرب منها." أنهت المكالمة وبحثت بالهاتف عن اسم معين حتى تهاتفه. ***
كانت تجلس على المصلى تسجد لربها وتستغفره وإنهارت في البكاء ثم إنتهت وشعرت بالراحة تتخلل قلبها حتى أذاب جبل الشر الذي كان يستحوز على قلبها ويعم بدلاً عنه الخير. إنتهت وخرجت من غرفتها وتوجهت إلى الجنينة حيث ستلتقي به في الأسفل.
نزلت إلى الجنينة المليئة بالأشجار والأزهار الملونة التي تنعكس عليهم أشعة الشمس المضيئة. شعرت بارتياحية وبأن الحياة ترقص أمامها بفرح وسعادة. نظرت إلى الأشجار التي تحتضن بعضها في حب وود بأغصانها التي تتمايل على بعضها والسحب التي ترقص على أنغام زقزقة العصافير والشمس المشرقة التي تبعث أشاعتها في سعادة. وقعت أنظارها عليه وهو يلوح لها بأن تأتي لتسرع إليه راكضًا.
نظر إليها وإلى ابتسامتها وإلى شعرها الذي ينساب خلفها كشلال من الحرير. وصلت أمامه بنشاط فوجه نظره إلى الطاولة. نظرت الأخرى إلى محل أنظاره فوجدت طاولة يوجد بها صحون مليئة بوجبة الإفطار. تحدث معها بمرح وهو منحنيًا يبعد الكرسي حتى تجلس عليه: "اتفضلي سينيوريتا." جلست على الكرسي ضاحكة بمرح: "ميرسي." جلس مقابلها: "تعرفي إن ضحكتك حلوة أوي."
شعرت بالقلق والارتباك وتوعك أسفل بطنها فأزاحت خصلات شعرها خلف أذنها بحرج تشعر بحرارة الخجل تنبعث من وجهها فأجابت عليه برقة: "شكرًا." بدأ بتغيير مجرى حديثه حرصًا على عدم إحراجها: "يلا بقى عاوزك تخلصي الأكل ده كله عشان إنتِ باين عليكِ إنك ضعيفة." أخذت عفاف تتناول الطعام بحرص وارتباك من هذا الذي تصلت أنظاره عليه. وضعت الملعقة جانبًا ووجهت حديثها إليه: "هتفضل تبصلي كده كتير؟ ما تاكل." "ما أنا كلت وشبعت."
عقدت حاجبيها بتعجب: "إزاي وإنت طبقك لسه متحركش منه حاجة؟ "حد يبقى قدامه العسل ده كله وما يشبعش." شعرت بالخجل الشديد وتوردت وجنتاها. أخفضت رأسها وعضت على شفتاها بخجل وأسرعت بالقيام من أمامه ذاهبة إلى غرفتها. *** عند مليكة وأسر.
ظلت تنظر إليه وتراقبه بقلق حتى أتى إليها السواق ليساند أسر ويجلسه في الخلف لترجع هي الأخرى بجانبه حتى تسانده. كانت تجلس بجواره تشعر بتخبط في أفكارها ومشاعرها وكيانها كله، فهل الذي تفعله صحيح أم خطأ؟
تود لو أن تلك الليلة المشؤومة تفقدها من ذاكرتها حتى تغفر له أو على الأقل تلك الآثار والكدمات التي بجسدها تختفي حتى لا تتذكر. نظرت إلى ملامح وجهه بضياع وإلى حالته وضعفه وتتذكر هجومه الشرس في تلك الليلة. تشعر بأن ذلك اليوم لم يكن هو وأنه شخص آخر وتتمنى لو كان شخص آخر ليس بحبيبها وزوجها. واجهها شعور باحتضانه والبكاء والنحيب على صدره لكن منعتها كرامتها من الاقتراب منه حتى.
إنطلق السائق بهم إلى شقتهم. وقام السواق بمساندته حتى وصلوا إلى باب شقتهم. دلف به إلى الداخل ووضعه على الفراش وهم بالخروج ولكن توقف على أثر صوتها: "ممكن تساعدني نطلب له دكتور... قاطعه صوته المرهق: "امشي إنت يا إسماعيل واستنى تحت عند العربية متتحركش." أومأ له إسماعيل وتركهم مغادرًا الغرفة. نظرت إلى الملقي أمامها بغضب: "إنت مخلتهوش يطلبلك دكتور ليه؟ إنت مش شايف نفسك حالتك عاملة إزاي؟ رد عليها أسر بوهن:
"أنا دايخ وعاوز أنام. ممكن تسيبيني أنام وأجلي أي كلام لبكرة لأني فصلان ومش قادر." ترقرق الدموع من مقلتيها: "طب قوم كل حاجة أو اشرب حاجة عشان خاطري." شعر بخيبة أمل تحتاجه، فهو كان يظنها سترتمي بين أحضانه لكن للأسف خاب ظنه بها فقد تغيرت تمامًا وكان هو السبب في تغيرها هذا. لم يتوقع أن يحدث بينهم كل هذا الجفاء والبُعد. طأطأ رأسه بخيبة أمل وأنزل يده ووضعها جانبًا. ثم انتبه إلى حديثها:
"أنا هجيبلك عصير تشربه وأكل عشان إنت مأكلتش ونزفت دم، هو ده اللي عمل فيك كده." قامت من مكانها حتى تنفذ ما قالته. بعدما لم يصل منه أي رد. جهزت الطعام وآتت به ووضعته أمامه: "خلص الأكل واشرب العصير." همت على الوقوف لكن منعها مهمهمًا: "اقعدي كلي معايا." ردت عليه باقتضاب: "مش جعانة."
أخذ يكرر عليها طلبه برجاء حتى وافقت وجلست معه وهو يأكل. وعندما وضعت أول لقمة بفمه أحست بجوعها فبدأت بالاكل حتى انتهوا. وأخذت محتويات الطعام وذهبت مغادرة الغرفة ثم ذهبت للنوم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!