الفصل 57 | من 65 فصل

رواية كن لي أبا الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم روميساء نصر

المشاهدات
19
كلمة
2,663
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

كان يجلس بالخارج مطأطأ رأسه للأسفل وعلي ملامحه آثار الحزن. شعر بيد قاسية تربت على كتفه، رفع نظره إلى تلك اليد فوجده مالك واقفًا وعلى محياه ابتسامة. "تقدر تروح أنت ومراتك، سهيلة نامت ومش هتفوق دلوقتي خالص، فروحوا أنت واستريحوا." ارتسم على ثغره ابتسامة تدل على الارتياح عندما جاء له مالك وحدثه، يخبره بطريقة غير مباشرة أنه سامحه. "حاضر، همشي وهبقى أعدي عليكوا تاني."

"هحتاجلك انت ومليكة بكرة ضروري، عايزكوا تساعدوني في حاجة." أخذت ملامح وجهه علامات الاستغراب. "هنساعدك في إيه؟ هو في حاجة إنت مخبيها علينا ولا إيه؟ قوّصت مليكة فمها إلى الأمام تنظر إليه نظرات ثاقبة مغتاظة منه، ثم وجهت حديثها إلى مالك: "هتعمل مفاجأة لسهيلة صح؟ قام بالتربيت على كتفها بمرح محدثًا إياها: "صح يا أختي، يا رب تسكتي بقى ومسمعلكيش صوت، ومش عايزها تعرف حاجة." تغيرت نبرته بتهديد:

"يعني بؤك الحلو ده يتقفل خالص، فاهمة؟ وضعت يدها على فمها مشيرة إليه بيدها بأنها لن تقول شيئًا. ضحك على حركتها مضيفًا: "برافو عليكي، افضلّي كده." قاطع حديثهم أسر: "يلا بينا عشان منتأخرش يا مليكة." سحبها من معصمها حتى تسير معه، فقامت بجذب يدها منه بحدة ثم نطقت باقتضاب: "أنا عارفة الطريق وبعرف أمشي لوحدي." تقدمت أمامه تسبقه إلى المصعد. نظر الآخر إلى الواقف يشاهدهم باستمتاع وتشفي يحاول كتم ضحكاته.

"استحمل، استحمل، لسه هتتنفخ كمان وكمان." نظر إليه الآخر بغضب تاركًا إياه يقهقه من الضحك، وأسرع في خطواته حتى يلحق بها. أمام المستشفى وبالتحديد داخل السيارة. اعتلت السيارة ثم حاوطت جسدها بحزام الأمان، جلست بهدوء تام وثبات. ربعت يدها أمام صدرها وركزت أنظارها على الطريق الخالي من المشاة. "أنا عايزة أروح عند خالو أيمن، بابا رايح يخطب ماما وعايزة أكون معاهم في اليوم ده."

زفر بغضب من معاملتها له ثم شغل السيارة واندفع بها إلى الأمام بسرعة كبيرة. بالكاد لم يلف حوله حزام الأمان وبسبب سرعته المفاجئة نتيجة غضبه وتسرعه، أوقف السيارة ونظر إلى الأخرى الجالسة بجانبه وجدها مسلطة عيناها إلى الأسفل من شدة الصدمة بعدما انتفضت للأمام على أثر تحرك السيارة المفاجئ. ولكن لم ترتطم بشيء صلب ك الآخر. سحبها إليه بشدة فارتخت بين أحضانه باكية من هول تلك الصدمة.

ربت على ظهرها حتى يبعث إليها الأمان، تاركًا جرحه الذي أصاب مقدمة رأسه. انتبهت الأخرى إلى حالها وبأنها ستستسلم للمرة الثانية أمامه. فحاولت الابتعاد عنه ولكنه ممسك بها بشدة لا يريد الابتعاد عن روحه. فمجرد التفكير بأنها كانت على وشك أن يحدث لها مكروه أصابه بالجنون. "ابعد عني بقى."

أفاق على صوتها الذي يحتوي على الألم وابتعد عنها تاركًا إياه وبصرة إلى الأمام بعدما شعر بخيبة أمل في العودة إليها مرة أخرى ونفورها منه لتلك الدرجة. خطفت بعض النظرات إليه حتى ترى ما الذي يجعله ساكنًا بمكانه كمن لدغته حية. ارتعشت يدها عندما لاحظت خط الدماء الذي يسير بطول وجهه.

انتفض قلبها بالخفق رعبًا وذعرًا عليه فتزحزحت بجلستها نحوه مقتربة منه بتردد وهي تسحب من أمامها بعض المناديل الورقية حتى تمسح تلك الدماء التي تلطخ وجهه. صدر منه بعض التأوهات من أثر ملامستها له فانتفضت يدها من الذعر وابتعدت عنه من شدة خوفها. مدت يدها مرة ثانية وجسدها ينتفض من الخوف عليه والرعشة تصيب جسدها. شعر بخوفها ذلك فالتقط يدها بين يديه وأحكم عليها جيدًا ثم نظر إلى عيناها التي تشبه بريق اللؤلؤة في لمعانها وجمالها.

أشفق على حالها وعلى رعشة جسدها بين يديه. ملصت يدها من بين يده وأمسكت بوجهه بيد مرتعشة وقامت بمسح كل آثار الدماء التي على وجهه. وصل إليه صوته المنهك: "في علبة إسعافات عندك هاتيها." بحثت عنها في حالة من الذعر حتى وجدتها. التقطتها بيد مرتعشة حتى تداوي جرحه. انتهت من وضع تلك اللاصقة الطبية وأخذت يدها تسير على وجهه بيد مرتعشة والدموع تنهال على خديها كسيل. كأنها تستدعيه بأن يجذبها إلى أحضانه. فأجابها وضمه داخل حصون ذراعيه.

دفن رأسه داخل عنقها مشتمًا رائحتها الذي أدمنها وحرمته منها. شعر بأنه يريد أن يأخذها ويذهب بها من ذلك الكوكب اللعين بعيدًا عن تلك المشاكل. يسجنها في كوكبه الخاص كوكب مليء بعشقه وشغفه وحبه فقط. ابتعدا عن بعضهما جسديًا لكن روحهما متشبثة ومتعلقة ببعضها البعض. فهيهات من أنتم حتى تكتمون حبكم عن أنفسكم. لن تستطيعون إخفاءه أبدًا. لمس أسر على خديها برقة حتى داعبت أنامله شفتاها المقتظة المنتفخة الشبيهة بلون الكريز.

فشعر بالرغبة في تذوقهم. نفرت منه وابتعدت عنه وأشاحت بوجهها بعيدًا عنه إلى الناحية الأخرى ثم نطقت بحدة: "ممكن توصلني عند ماما وبابا بقى." تحرك الآخر بالسيارة وهو يشعر بحالة دوار تنتابه. فهو لم يأكل منذ يومين مع نزيف رأسه سيؤدي إلى تدهور صحته. نطقت أمها بكلمات حادة حتى لا تسمح لها بالنقاش والمجادلة والرفض كعادتها:

"جايلك عريس النهارده بالليل، ادخلي استريحي واجهزي عشان تقابليه. واعملي حسابك هتقابليه، أبوكي موافق عليه أصلاً وقال إنك لازم هتقابليه وتقعدي معاه." وقعت تلك الكلمات على آذان كل من حازم وشهد كالجمرة المشتعلة التي أصابت قلوبهم أيضًا. شعر حازم بوخز في قلبه من أثر استماع تلك الكلمات، آتٍ بداخله فكرة وهي أنها ستكون ملك لشخص آخر غيره. فاشتعل قلبه توهجًا على أثر تلك الفكرة.

نظر إليها وعيناه تحمل الكثير من الكلمات الذي لا يقدر على البوح بها. نظرت الأخرى إليه مستنجدة به بأن ينقذها من ذلك المأزق. ولكن وضعت عيناها أرضًا تشعر بانكسار قلبها وخيبة أملها في حبيبها التي طالما أرادت أن تكون له زوجة. لكن لعنة على ذلك الحب الذي يجعلنا نخسر كرامتنا فداء له. قررت بداخلها عدم التفكير به مرة أخرى وبأن تبدأ حياتها من جديد بدونه وتمحي حبه من قلبها. لكن هل ستقدر على ذلك؟

"أنا موافقة أقابله النهارده يا ماما." وقعت كلماتها على قلبه كالحمم البركانية التي تشعل قلبه. تحرك بسرعة خارجًا من المنزل وأغلق خلفه الباب بعنف مما أدى إلى حدوث ضجة في أنحاء المنزل. ارتاعت الأخرى على أثر الصوت وأسرعت إلى الداخل حاملة معها آلامها ودموعها ووجعها. أسدل الليل ستائره عليهم ورن جرس المنزل معلنًا عن قدوم هذا العريس. قام والد شهد بفتح الباب واستقبال الضيوف بالتهاني الحارة. في الداخل في غرفة شهد.

كانت جالسة أمام المرآة تنظر إلى نفسها بتحسر تحدث نفسها: "كان نفسي يا حازم أكون بتجهز لك إنت مش لغيرك." فرت دمعة هاربة على خديها. مسحتها بسرعة عندما سمعت صوت طرق الباب. أذنت للطارق بالدخول. دخلت والدتها وخالتها وأخذت والدتها تقبلها بحب وتضمها بيدها وباليد الأخرى ماسكة بكأس من الفخار ملئ بنوع من أنواع البخور. تحرك ذلك الشيء من حولها وهي تقول بعض الكلمات:

"خمسة وخميسة من عين الحسود يا حبيبتي. الله أكبر، بإذن الله ربنا يوفقك وتوافقي عليه وتفرحيني بيكِ وبولادك قبل ما أموت." قضمتها الأخرى مقبلة رأسها: "بعد الشر عليكِ يا ماما." نطقت فريدة بكلمات حانقة من ذلك الدخان الذي سيتسبب في خنقها: "ما تبطلو شغل النكد ده بقى، يلا ريحة البخور خنقتني." اعتدلت والدة شهد تسألها: "اتصلتي ب حازم؟ اتأخر قوي والناس جوه وهو لسه مجابش الجاتو." "متقلقيش، زمانه جاي الغايب حجته معاه."

لعنت نفسها على غبائها فهي كانت تضع أملًا بأنه سيمنعها عن مقابلة هذا الشخص، لكن للأسف فهو يشارك في هذا. أردفت بحماس مصطنع حتى تدعم نفسها وتظهر لحالها أنه لم يعد يفرق معها: "يلا يا ماما الناس قاعدة بره لوحدها مينفعش كدا." أومأت لها والدتها على كلامها ثم خرجوا معًا إلى حجرة الصالون. وضعت شهد الضيافة والمشروبات وجلست بجوار والدها وعلامات الحزن لم تغادر وجهها. أفاقت من حزنها على أثر حديث الآخر:

"إحنا يا عمي جايين نطلب إيد بنت حضرتك لأخويا الصغير حسين، وطبعًا إنت عارف حسين زي ابنك الصغير، فإيه قول حضرتك؟ جاءه صوت أحدهم يقاطع حديثهم بحدة: "معندناش بنات للجواز." في غرفة عفاف. دلف إليها ماهر وهو يتقدم خطوة ويؤخر الأخرى. جلس أمامها حتى يشد انتباهها، لكن للأسف فشل في ذلك فهي أصبحت كالجسد بدون روح. أصبحت كجثة جامدة ليحاول التحدث معها:

"أنا عارف إنك بتحبيه وبتحبيه أوي كمان، وإنك مستاهليش إنه يعمل فيكِ كده. هو غبي مش عارف إنك بتحبيه أوي كده لدرجة إنك كنتِ هتعملي أي حاجة عشانه عشان تحصلي عليه." عندما وقعت الكلمات على مسامعها انتبهت له وتحرك عقلها الباطن لاستيعاب الأمر الذي تريد التحدث به. فهي لا تريد أن يعاتبونها على فعلتها فأنصتت إليه. فكلامه ليس به أي عتاب فهو يفهمها حقًا. ركزت عليه وعلى حديثه فشعر الآخر بالسعادة تغمره من أجل نجاحه في أول خطوة.

فأكمل حديثه ويحمد ربه على استجابتها له: "بس يا عفاف، عاوز أسألك سؤال." فتوقف وانتظر أي إشارة منها. هزت رأسها بالإجابة لتحسه على إكمال. فرح الآخر وأكمل حديثه ويحمد ربه على استجابتها له: "هل هو يستحق كل الـ... أنتِ عملتيه ده؟ هل قدر حبك الكبير ده؟ هل قدر إنك عملتي حاجات كتير غلط عشانه؟ هو...

عشان تحصلي على قلبه اتسببتي في إنك كنتِ هتقتلي واحدة واتسببتي في قتل طفل بريء ووقعتي بين راجل ومراته ودمرتي حياتهم بالكامل. بجد هو غبي أوي عشان يسيب واحدة زيك بتحبه أوي كده، بتحبه لدرجة إنها داست على كرامتها وعملت حاجات شبيهة بأعمال الشياطين عشانه؟ بدأ في مراقبة ردود أفعال وجهها فرأى دمعة هاربة من مقلتيها نزلت ونزل معها باقي الدموع التي أغرقت وجنتيها. عاتبت حالها على ما فعلت فتحدثت بندم:

"أنا غلطانة، أنا عملت حاجات كتير غلط. هو مش غلطان، لا أنا أنا اللي غلطانة. أنا اللي الحب عما ني وخلاني أكون شيطانة. خلاني أدمر حياة اتنين عمرهم ما تسببوا ليا بأي أذى. بس أعمل إيه؟

أنا حبيته وحبيته أوي كمان، أوي أوي. بس أنا مش غلطانة. مش إن اللي حبيته، لا مش أنا. هو دا هو دا اللي حبه. أنا ماليش ذنب، بس أنا كنت غبية في حبي. بدل ما أتمناله السعادة مع شريكة حياته اللي حبها واختارها، دمرتهم واتمنيت الموت ليها عشان تبعد عنه. بس أنا مالقيتش حد يقولي كده ويشجعني على كده. أنا كنت ببقى عاوزة أمنع نفسي عن اللي بعمله، بس كنت بلاقي كل حاجة متوفرالي. كنت بلاقي تشجيع من أمي عشان أكمل وأعمل ده لحد ما بقيت أنا اللي بتصرف من نفسي ومش عاوزة توجيه. كنت كارهة نفسي، بس كنت بصبر نفسي بإنه هيسيبها ويتجوزني."

صمتت وأجهشت بالبكاء المرير على كل ما فعلته. ونظرت إلى اليد الممدودة إليها ثم رفعت عيناها إليه فوجدت على ثغره ابتسامة جميلة جذابة سحرتها وجعلتها تغرق في بحر وسامته. نظر باعينه إلى يده الممتدة إليها فوضعت يدها في تردد وخوف. التقطها وأحكم عليها ثم جذبها من مكانها محدثًا إياها:

"يلا، عاوزك تقومي تاخدي شاور وتغيري هدومك وتتوضي وتصلي. وصدقيني هترتاحي جدًا لما تصلي. صلاتك ودعائك أحلى وأحسن وأريح من أي علاج نفسي أو أي دكتور." ابتسمت برقة على معاملته لها فهي لم تعتد على أن يعاملها أحدهم بكل تلك الرقة لتسأل نفسها: "هو أنا اللي كنت السبب في إن الناس يعاملوني وحش كده؟ أكيد طبعًا. أنا كنت بتعامل بطريقة وحشة جدًا معاهم وليهم حق كانوا يكرهوني." أفاق على طرقعة أصابعه أمام عينيها فانتبهت إلى حديثه:

"إيه؟ روحتي فين؟ يلا أنا هخرج على ما تجهزي نفسك وتصلي وهعدي عليكِ نخرج الجنينة كمان ساعة. أوك؟ "أوك." خرج ماهر من الغرفة وتركها بمفردها فدلف إلى المرحاض وجهزت حالها حتى تصلي. عند أسر كان يقود السيارة والرؤية مشوشة أمامه. حتى سمع صوت صياح من حوله وصوت رنين كلاكس السيارات وضجيج عالٍ. كان على وشك أن يخرق رأسه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...