في يوم من أيام الشتاء شديد البرودة، تتسابق البحار الهائجة بموجتها الغاضبة لحد ما عملت دوامة كبيرة تاخدنا على أرض في الصعيد.
بالتحديد فوق سطح بيت كبير، البلد يقف شاب طويل، ملامحه رجولية بس عنده نسبة جمال كبيرة، بيجذب أي حد ليه بكلامه الموزون، في بداية العشرين. يبص للسما بيدور على نجمته المفضلة في عز النهار، لكنها اختفت بليل بمجرد طلوع النهار. حل مكانها سحب كتير اتجمعت في السما وكونت سحابة كبيرة مخيفة، خلت قلب رحيم يتأكد أنها هتبقى ليلة شتوية كلها عاصفة وزعابيب.
نزل أوضته بوش كله حزن وبقلب مكسور على فراقه من حبيبته، وبقى مفتقد كمان نجمته اللي في الأرض. تحت بيت بسيوني شادر كبير وأنوار كتير بتدل على أنه فيه فرح. وقفت بنت متوسطة الطول، ملامحها مش جميلة، بس مجرد ما حد يتكلم معاها يتشد ليها بسبب خفة دمها، عندها 19 سنة. استعدت تروح للكوافير لتزينها. وقبل ما تطلع سعده من أوضتها، فضلت تبص لكل ركن فيها، بصة وداع. اتنهدت بحزن، ومسكت شنطة فيها كل حاجة هتحتاجها في الكوافير ونزلت.
فضلت تبص للسما اللي مغيمة طول الطريق لحد ما فجأة سحابة كبيرة اتخبطت في سحابة أكبر وحصل صوت مخيف خلى قلب سعده يتنفض بخوف. وبدأ المطر في أخد وضعه الطبيعي بعد انصدمهم ببعض. جريت بسرعة لحد ما دخلت الكوافير، ودعت ربنا يعدي اليوم على خير. اختفت الشمس ورا السحب بكسوف من غدر البشر لبعضهم، وبدأ الكل يستعد للفرح.
رحيم قام بحزن ونار جوه صدره، يلبس جلابيته البيج وجزمته السودا، غصب واقتدار من أبوه بحجة أنه ابن الكبير. وقبل ما يطلع من البيت، تنادي عليه بنت عمه اللي جمالها الطبيعي بيغطي على بنات كتير. يبص ليها بوش مش ظاهر عليه أي تعبير. فقالت فرح بمشاكسة: إيه يا واد العم، مش ناوي تاخدني معاك عاد؟
وقف رحيم، استنى لحد ما جت وقفت جنبه، طولها كان قريب جدا من طوله. وأول ما قربت جنبه، اتحرك ركب عربيته وهي قعدت جنبه. كان ساكت ومش عنده أي استعداد يتكلم أو حتى يسمع حرف. لكن فرح بسعادة قالت: متتخيلش فرحتي لسعده جد إيه، إني بحبها جوي، دي صاحبتي الوحيدة من الابتدائي. رحيم هز راسه لكلامها، لكن في الحقيقة ولا كان مركز ولا سامع منها حرف، وبيهز راسه زي الإنسان الآلي اللي مطلوب منه أول ما يسمع صوت يهز راسه.
وقف شاب متوسط الطول والجمال، يقول بصوت عالي: ياما جلت مش هحضر أم الفرح ده، يعني مش هحضر. مامته: يا عيب الشوم يا عويد، إنت عايز أهل البلد تاكل وشنا؟ ده فرح بنت عمك يا ولدي، اغزي الشيطان واحضر واجف جنب أبوك وعمك، هما مش ليهم غيرك يا ولدي. عويد يرفض بعصبية: فرح بنت عمه سعده على عوض، بالله عليك إنت لو عندك بنت ترضيها ليها الجوازة دي. امه: يا ولدي هي رضيت، إنت مالك.
عويد حس أنه ممكن يقتل قتيل بسبب ضغط أمه عليه، نزل وساب البيت خالص. وأول ما نزل الشارع، اتصل بصاحبه رحيم، اللي أول ما وصلت له الرنة، فتح بعصرة جوه قلبه، واستنى عويد يتكلم. عويد: فينك يا صاحبي؟ رحيم غمض عينه ثواني وهو نفسه روحه تطلع ويرتاح من كتر الصراع الداخلي اللي هو الوحيد حاسه. حاول يطلع صوته بعد ما كح نضف حلقه. رحيم: داخل على الفرح اهو. عويد بثورة: إنت لحد إمتى هتفضل تعمل كده في نفسك...
فوق يا رحيم واعجل قبل فوات الأوان. رحيم اتنهد ورد بضعف: خلاص يا صاحبي، أنا وصلت. عويد قفل السكة في وشه، ولعن غباء صاحبه وبنت عمه. دخل عوض، الشاب اللي في نص التلاتين، الكوافير وهو بيسقف وبيرقص. وقفت سعده وهي بتبتسم، واخدها وراحوا على الفرح في وسط طبل وزمر وزغريط. وأول ما حطوا رجلهم في الفرح، بدأت عاصفة قوية من أثرها صوت صفير قوي، مقدرش يغطي على صوت قلب سعده اللي بقى ينبض بخوف.
وأول ما قعدوا على الكوشة، هجم عليه شاب معاق عنده شلل نصفي وبيتكلم بتقل، وفضل يضرب العريس وهو بيشتمه بحرقة على وجع قلب صاحبه رحيم. ادخل بسرعة عويد وشد زعزوعة ونزل بيه من على الكوشة وفضل يهدي.
أما رحيم كان واقف زي اللي متجمد في مكانه. كانت مشاعره تشبه العاصفة اللي بتتخبط يمين وشمال، وملهاش مكان محدد تروحه. كان بيسمع صوت طلقات النار في الهوا، حس إن الطلقات دي خارجة من جوه قلبه وصوتها طالع للجميع، بس محدش حاسس بوجعه وصراخ آنين قلبه وهو شايف حلم حياته بيتهد وبتتزف على واحد غيره.
كان نفسه يموت في لحظة ما كتب المأذون كتابها، ويكون الشادر ده هو عزاه. أيوه، هو حاسس إن اليوم ده مات والنهارده بياخدوا عزاه. أصله إزاي هيقدر يعيش يوم وروحه مفرقاته. واقف بيشوفها وهي قاعدة بتحاول ترسم البسمة على وشها وتتعايش مع الأمر الواقع ومع نصيبها المحتوم. كان بيبص عليها زي المدبوح، ومستني روحه تطلع. كل لحظة بتمر عليه بيحس إنه بيتخنق أكتر. قرب منه صديق عمره وقال:
بكفاية اللي بتعمله ده في نفسك، روح وبلاها عذاب يا صاحبي. بص رحيم بعيون سكنها القهر وقال: العذاب لسه هيبدأ يا صاحبي، اللي فات كان يا دوب بنجربه، واللي جاي أمر وواعر جوي. عويد وهو بيبص عليهم هما الاتنين ومش عارف يعمل إيه عشانهم. الحيرة مزعت قلبه. طبطب على كتفه وقال: وحياتي ما تقلقني عليك أكتر من كده. كان نفسي أكون وياك، لكن مش هقدر عشان سفري بكرة. ابتسم رحيم بوجع وقال:
شوف حالك إنت، ومتشلش همي يا عويد، وادعيلي ربنا يرحمني ويقدرني على نار فراقها. نص ساعة والفرح خلص بسبب سوء الأحوال الجوية. كان بيت العريس في القاهرة، وطلب أبو سعده من عويد يروح معاهم يوصلهم. أبو سعدة: بقولك يا عويد، ما تروح مع أختك القاهرة، وصلها ومنك تصبح الصبح على جامعتك. عويد بغيظ من برودهم: إني مش هوصل حد، ولو حتى مافيش مواصلات خالص بكرة هاخدها زحافي لباب الجامعة.
أمه كانت مكسوفة من كلامه، لكن أبوها كان متفهم كل الوضع. العريس أخد العروسة وطلع بيها على القاهرة في عربية ملاكي، أهده بيها كبير البلد توصله لحد بيته في القاهرة.
رحيم كان واقف في مكان كاشف الطريق اللي هتمشي منه العربية، وفضل متابعها لحد ما اختفت من قدام عينه. حس بشعور غريب لأول مرة، عايز يصرخ زي طفل. كان الإحساس فعلا غريب. ده معيطش يوم وفاة أمه. كان قاعد وسط الرجالة أسد برغم صغر سنه، وكان مقتنع إن رحمتها من المرض اللي كانت بتعاني منه أحسن من أنها كانت تعيش وتفضل تتعذب.
راح مكانه الخاص مع سعده اللي في أرض زراعية مهجورة وجنبها ساقية كبيرة. قعد وسند ضهره على شجرته الوحيدة اللي في المكان. مكنش حاسس ببرودة الجو حواليه. النار اللي جوه في قلبه كانت كفيلة تحرق البلد كلها. خرجت من جوفه آآآه وجع وألم، وحضن أسماءهم المكتوبة على الشجرة لآخر مرة، وودع أحب مكان لقلبه، واتمنى ليها السعادة.
مشي زي المكذوب التايه لحد ما وصل بيته، وهو مش عارف إزاي رجله ساقته لهنا. رمى ثقل جسمه على سريره، وبص لسقف الأوضة. وهنا عقله صورله قدامه كل المباح والغير مباح بيحصل لحبيبة عمره. غمض عينيه بوجع، هرب وفضل يتقلب على جنبه يمين وشمال زي السمكة بتتقلي على نار من جمر. حط إيده على عينه مش قادر يتحمل تخيلاته ووجع قلبه. قام وفتح شباك الأوضة على مصرعيه بيحاول ياخد نفس يجدد رئته، كأن المكان حواليه انعدم من الأكسجين وروحه يتتسحب من جسمه بالبطء.
طلع نهار يوم جديد، لكن من غير شمس. كانت وصلت سعده بيت جوزها، اللي أول ما دخل فضل يسقف وهو بيقول: عايزك في خلال ربع ساعة تكوني جاهزة ليا. سعده قلبها اتقبض ودخلت على أوضتها، وبقت مش عارفة تعمل إيه ولا تتصرف إزاي بحكم سنها الصغير. فضلت تاكل في ضوافرها من كتر التوتر وجسمها بدأ يتلج أكتر ويرتعش.
عوض سابها تجهز وراح يجهز هو كمان. فتح درفة المطبخ وطلع منها إزازة خمرة وفضل يشرب منها على بق واحد. وبعدها طلع من جيبه سيجارة محشية وشربها وعمل دماغ لوز اللوز. وقام وهو متسلطن، فتح عليها باب الأوضة، لقاها زي ما سابها. قرب منها بوش كله عصبية وضربها أول قلم وهو بيقول: ده حاجة بسيطة تعلمك المرة الجاية أما أطلب منك حاجة تتنفذ على طول.
سعده اتنفضت وفضلت تبص له بخوف وكشت في نفسها وهي بتعيط، وبرضو متحركتش من مكانها. عوض جاب اخره منها لأنها برضو مش بتنفذ اللي يطلبه منها، ومسكها فضل يضرب فيها بكل وحشة واغتصبها بدون رحمة لعذريتها وجهلها بيوم زي ده. كانت بتصرخ تستنجد بحد يلحقها، زي ما بيحصل في بلدها. لكن في القاهرة كل واحد من سكان العمارة في حاله ومش له علاقة بحد خالص.
عدى على رحيم أصعب يوم في حياته. حس بنغزة زي السكينة بتطعن قلبه بقوة، معرفش سببها إيه. حط إيده على قلبه ودعا ربنا إن توأم روحه تكون بخير. وراح لصاحبه اللي خلاص هيسيبه هو كمان ويسافر يكمل تعليمه في القاهرة.
خرج عوض من الأوضة وسابها ورا ضهره مرمية على السرير من غير تبرير لانتهاك روحها، كأنها بنت ليل رخيصة. انكمشت في نفسها وهي بتحضن نفسها جامد أوي، وأخدت بالها من علامات ضوافره اللي سابت علامات على جسمها. طبطبت على جرحها بحنان، بس جرح قلبها عمرها ما هتعرف تطيبه. ودموعها نزلت شلالات، وقالت لنفسها:
كنت فاكرة إني بعاندك يا رحيم، لكن طلعت بعاند نفسي، واهو هعيش من بعدك المرار، واهو بدأت رحلة عذابي مع قلب قاسي لا عنده رحمة ولا مودة.
راح عويد محطة قطر، وكان واقف جنبه عيلته، أبوه، عمامه، ورحيم صديقه الصدوق وصاحب طفولته وصباه اللي أول مرة هيفترق عنه، برغم إنه أكبر منه بخمس سنين. وشباب كتير أصحاب عويد، وكل واحد فيهم يمسكه شوية يقوله شوية نصايح تمشي مع جيل من الستينات، مش مع شاب طول وعرض وحليوه وخصوصا صعيدي. ورايح يدرس كلية تجارة. كان عويد واقف لا حول له ولا قوة، يجامل ويبتسم ويهز دماغه بيأكد لهم إنه سمع وفهم كل كلامهم. صمم.
لكن قبل ما يسبهم، رجعت دورة تانية أشد من الأحضان والقبلات المودعة بحرارة. أول ما شافه وش القطر ظهر من بعيد وداخل المحطة، سكتت أصوات المودعين والسلامات. بمجرد ما عويد حرر نفسه منهم وقدر يتحرك عشان يركب القطر، حاول بعض منهم الإمساك بيه. وبعد كام خطوة اتكلم عويد بعصبية مدريها ورا نبرة هادية: خلاص يا عشرتي وعزوتي، إني حفظت الدرس زين، كفاية عاد، القطر هيمشي. الحاج بسيوني أبوه يمسك فيه جامد:
مستعجل على إيه يا عويد، اصبر سلم على أهلك وناسك كلهم. عويد تأفف بضيق واضح، لكن العزوة ولا هما هنا، والكل مد إيديه لعويد بيستعدوا لجولة تالتة من الوداع. قرر عويد إنه يمنعها وجرى نط جوه القطر بمجرد ماهدى عشان الركاب تركب، وهو بيقول لأبوه بصوت عالي: متقلقش عليا يا حج، حديثك واضح ومفهوم وعيتنفذ بالحرف. سايق عليكم النبي ما حد فيكم يتعب نفسه ويقول حاجة تاني واصل، إني خلاص حفظت أم التعويذة اللي عتجولوهالي دي من صباح ربنا.
لكن عويد مقدرش ميلبيش نداء أبوه، فالدقائق الأخيرة وهو ماددله إيديه بيدعوه لحضن أخير وعينه فيها سحابة من الدموع. عويد نزل حضن أبوه بكل حب، وبعد دقيقة بعد عن أبوه على أصوات الناس بتقوله القطر هيمشي، وفعلا شاف القطر بيستعد عشان يمشي. باس إيد أبوه اللي بتمسك هدومه وطلع يجري وراه. (الحج شكله عنده نفس وصحة عال العال) الحاج بسيوني: يا عويد يا ولدي اوعاك وسكك مصر الوعرة، خلي بالك من روحك يا ولدي. عويد بص عليه وهو نفسه يلطم:
يابا الحج أنا رايح القاهرة، مش هاجر واصل. عويد بص قدامه وكمل جري، خبط في بنت لابسة جلابية سودة وطرحة سودة وريحتها تكفي إنه يعرف مين الكائن اللي ريحته غطت على المحطة كلها، حتى لو على بعد 100 متر. عمل نفسه ماشافهاش، ولسه هينط في القطر، جبته من هدومه وقعته وقالت بلهجتها الصعيدية: اخص عليك يا واد عمي، ياللي في مقام جوزي، إكده عتمشي من غير ما تسلم علي سلامات سلامات.
بعد ثواني قام عويد من الأرض بعد ما كان باصص للسماء وبيدعي عليها بحركات مسرحية، من غير ما يديها اهتمام ومسك مناخيره من الريحة البشعة: سلم عليكِ حنش، وبعدها يلمك جبر جوه حضنه، جولي إن شاء الله يا سعديه. سعديه بصت للسما بفرحة وهي ترفع إيدها على الآخر: إن شاء الله يا واد عمي. بعد ما أمنت على كلامه، مسكته من هدومه وهي بتكمل الوصايا والموشح:
ركز معايا، أوعاك بنات مصر يدخله عليك بالحنجل والمنجل، ولا هما أحلى مني ولا هيقدروا يوصلوا في يوم لقوامي وجمالي. عويد زقها وقال وهو يجري: ده محدش في المجرة كلها هيقدر يوصل لجمال أمك. روحي يا شيخة، حتى مش عارف أدعي عليكِ بإيه وإنتي فيكي كل العبر. سعديه مسكت طرحتها السودة وشاوراتله بيها بسعادة: كل اللي يطلع من خشمك زين الزين، بس إنت قول إن شاء الله. زقها برجله بعد ما نط جوه القطر: إن شاء الله يا بومة.
وظهر من جديد صوت أبوه وهو بيجري ورا القطر. (الله أكبر عليك يا حج الصحة بووومب) الحاج بسيوني: نسيت يبني أوصيك تركز في قرايتك وعلامك وسيبك من المصالح الفاضية واوعاك تباوع لصنف حرمة. عويد لطم وهو يعض شفته بغيظ: هو إنت سبت حاجة موصتنيش عليها يا حج، روح يا حج روح ارتاح كفاية عليك إكده النهارده. ولف دخل يقعد وهو بيبرطم: ده إنت محسسني إني رايح أفغانستان أحارب، مش القاهرة أتعلم.
قعد بارتياح بيحاول ينسى كل الموشح اللي سمعه، وبيتخيل فالأيام الحلوة اللي مستنياه في بلد التمدن والحرية، ومكانته اللي هتتغير بعد ما ياخد شهادته ويقدر يتوظف ويعوض أهله عن كل قرش هيصرفوه عليه وعن كل تعب وحرمان قرروا إنهم يواجهوه في سبيل أن عويد يتعلم ويعلي شأنه ويعليهم معاه. غمض عينيه وابتسم وهو سرحان، ومفوقش غير على صوت جهوري اتكلم جنبه. الصوت: تذكرتك...
من غير ما يفتح عينه ومازالت شبح ابتسامته البلهاء على شفته، مد إيده في جيبه وطلعها أدهاله. الكمسري بعد ما بص فيها، يخبط بقلمه جامد على دفتره. فتح عويد عينه بخنقة وهو بينتقم من شفته اللي تحت من الغيظ وقال بلهجته الصعيدية: هو إني مكتوب عليا الصداع، عايز إيه يا أبونا. الكمسري: التذكرة دي درجة تانية. عويد من غير ما يفهم: أيوه خير، إيه بجى اللي المفروض أعمله؟ الكمسري بصوت عالي: يا أخينا يعني إيه تعمل إيه!
تذكرتك درجة تانية بجولك... عويد حط إيده تحت دقنه: أيوه سمعتك وإنت عتجولها وقولتلك، وإيه يعني. وكمل كلامه بعصبية: نفسي تقول جملة مفيدة، يا تسيبني أنام عاد ومتتعبنيش. الكمسري بتأفف: العربية دي درجة أولى، وإنت حاجز درجة تانية، يعني المفروض تاخد بعضك وتاخد تذكرتك وتروح تجعد في درجتك اللي حاجزها. فهمت حضرت جنابك الجملة دي، ولا أجيب الأمن يرموك من القطر. عويد يرفع سبابته بتهديد:
وعزة جلالة الله كل اللي بيحصل ده كتير.. بقى عايز ترميني إني من القطر.. إنت مخابرش إني ورايا عيلة وناس تجدر تاكل ظلط السكة الحديد دي كلها بقضبانها بقطوراتها كماني.. ولو تحب وجف القطر وارجع بيه بضهرك لورا هبابة وإنت هتشوفهم وهتتوكد من كلامي زين قوي. الكمسري بزهق وخلق ضيق: مش معاك تذكرة القطر اللي إحنا فيه، هتدفع تكمل يا أما... عويد قاطعه: بس بس بس من غير أما دي، لأن بيحصل بعدها حاجات مش زينة، عايز كام. الكمسري بصرامة:
100 جنيه. طلع عويد محفظته اللي فيها بس 100 جنيه، أدهاله وهو بيدعي عليه في سره: لسانك ده، ولا متظبط على سرعة القطر، روح يا شيخ وترجع على مهلك، الهي تتزف على عروسة هبلة والعيال تجري تحدفك بالطوب، الهي تتمرجح على مرجيحة حبلها دايب.
الكمسري أخد الفلوس ومشي، وهو بيبصله بقرف وعويد قعد على الكرسي وبص للشخص اللي قاعد قدامه وبيبصله بقرف هو كمان. وعويد حط إيده فوق هدومه بيتأكد من وجود كردان أمه اللي أدهولوا يبيعه أول ما يوصل ويصرف منه على سكنه وجامعته وأكله لغاية ما يعرفوا يدبروا له فلوس تانية. واتنهد براحة لما اطمن إن كل راسماله موجود.
في بيت بسيوني، وصل هو ومراته وبنته ومعاهم سعديه بنت أخوه وأخت سعده اللي صممت ترجع مع عمها وتقعد معاهم شوية. وطلعوا هما الاتنين للدور التاني أول ما وصلوا البيت. وسعديه أول ما دخلت من باب البيت اترمت على الكنبة العربي تعيط في مشهد درامي وهي بتتقلب على السرير وماسكة قماش الكنبة بإيدها. سعديه: رجعهولي سالم وغانا يارب وصبرني إني وهو على نار الفرقة والبعاد.
أم عويد بصتلها وهي بتمصمص شفايفها، وراحت قعدت بعيد عنها ومستنية المسرحية بتاعتها تخلص عشان هي متأكدة إن سعديه مش هتصمد في الدور أكتر من دقايق. وبالفعل ده اللي حصل، وهي بتسمع عمها بيقول لمراته: الحاج بسيوني: همي يا أم عويد حطيلنا لقمة ناكلها، إلا الواحد حاسس إن معدته خوّت. ردت مراته وهي تشهل في عمايل الأكل: حاضر يا حج دقيقة ويكون عندكم. نزل بسيوني، وبعدها رجعت أم عويد لسعديه لقتها لسه زي ما هي. زعقت فيها بعصبية:
مالك يا بومة؟ ردت سعديه وهي بتتعدل في قعدتها: هيكون مالي يا مرات عمي، ابنك سابني وراح بلد اللي يروح ميرجعش. ضحكت عليها وهي بتضربها بهزار على كتفها: يا بت اتجلى متبجيش مكفية إكده وتعمليلي زي المعدة. أبوكِ قال لعويد ياخدك وهو عيتقندل وعياخدك وخلصنا... قومي عاد يلا قشي البيت بالسباطة وغرقيه ميه بصابون عشان البراغيت طول الليل مخلتناش ننام أنا ولا عمك، وطول الليل كل واحد فينا بيهرش للتاني...
وكماني نفضي الدكك من عفريت الخبيز على ما أحضر لعمك الوكل. سعديه قامت بسعادة من تأكيد مرات عمها ليها إن عويد ليها مهما يحصل: حاضر يا مرات عمي. وكملت بنبرة شريرة وهي فاتحة عينها على الآخر: بس لو ابنك متجوزنيش هجتله. ضربت أم عويد على صدرها بخضة: يالهوووي ولدي، تفي من بقك يا بت. بصقت سعديه زي الهبلة وقامت تروق في البيت وتتشقلب باستعراض باليه مائي في بحيرة البجع، ولا كأنها من شوية كانت بتمثل الحزن ولا أمينة رزق.
ياترى مين الظالم ومين المظلوم؟ سعده ولا رحيم؟ ياترى عويد هيعمل إيه لما يوصل أرض المعز؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!