وصل بدر إلى البستان، فابتهجت أخته وعانقته. ثم زرع الفرع وسقاه بالماء. وبعد شهر أصبح شجرة عظيمة وارفة الظلال، لكل ورقة منها أغنية، وهناك أغاني بعدد أوراقها، وكلها جميلة. إذا لمست واحدة منها غنت لك. وكل يوم كان بدر وأخته يتسامران تحتها وينظران إلى البستان الذي امتلأ بالفراشات والرياحين والعطر الشذي. بعد مدة جاءت الأختان. ولما شاهدتا كل هذا النعيم، اشتد حقدهما.
وقالت إحداهما للأخرى: "لقد أردنا أن ننتقم منهما، فزادت سعادتهما. لا بد أن نتخلص من هذين اللئيمين لكي يصبح كل شيء في هذا البستان من نصيبنا. هذه المرة لا يجب أن نخطئ." قالت إحدى الأختين لبدور: "كل ما في هذا البستان رائع وجميل، ولكن ينقصه شيء أخير. إذا حصلت عليه اكتملت أحلامك أنت وأخاك. فهذا الشيء ليس للزينة بل للتسلية، وبه يحلى السهر في المساء لما يكون الطقس دافئا والنسيم عليلا."
أحست بدور بالسرور وسألت: "ما هو هذا الشيء العجيب؟ نظرت إحدى الأختين إلى الأخرى وقالت: "إنه طائر ملون بارع في رواية القصص والأسْمار من أقدم الأزمان، وهو يحكيها لفراخه كل يوم فتسمعها وتحفظها. وعلى أخوك أن يتحايل على الطائر ويأخذ من عشه فرخا، ولما يكبر قليلا سيبدأ في رواية ما سمعه." سألت بدور: "هل تعلمين أين يوجد ذلك الطائر؟
أجابتها المرأة: "يقال إنه يعيش وسط السحاب. هذه المرة لن ينزل أخوك تحت الماء، بل سيطير في السماء." ردت بدور: "لا تقلقي، سيجد طريقة لإحضار فرخ الطائر." لما رجع بدر، أخبرته بحكاية الطائر الذي يتكلم. فقال لها: "لدينا كل شيء، ولا أرى حاجة إليه." فوضعت يدها على وجهها وبكت على فراق أبويها. فأشفق بدر عليها وقال: "سآتيك به، لعله يؤنس وحدتك."
فاستعد للرحيل وحمل بعض الأشياء معه، فهو يعرف أن شيخ البحر يحب الهدية. وقبل أن يرحل، أخذت بدور منديلا وطرزته ثم سكبت عليه عطرها وقالت له: "ضعه في جيبك لأكون دائمًا معك، فليس لي غيرك. وأنصحك أن لا تغامر من أجلي، فالأمر هذه المرة أصعب من قبل، وهذا الطائر كان في حوزة ملوك الجن ولن يتركك تأخذ فراخه بسهولة." أجابها: "اطمئني، إذا شاء القدر أن يقودني إليه فسأتدبر أمري." وصل بدر إلى الشاطئ. ولما قابل الصياد العجوز،
تعجب لرؤيته وسأله: "ألم تتعلم مما حصل لك في رحلاتك؟ كل مرة كنت تنجو بأعجوبة. عن ماذا ستبحث هذه المرة؟ أجابه: "الطائر الذي يتكلم." ضحك الصياد وقال: "لا يوجد طيور تتكلم، من روى لك هذا الهراء؟ قال بدر: "كل مرة كان الناس يسخرون مني، وفي الأخير أجد ما أبحث عنه. أنا متأكد أن هذا الطائر يعيش في مكان ما، ووحده شيخ البحر بإمكانه أن يدلني عليه." قال الصياد: "إن ذهبت إليه فسيطردك."
رد بدر: "سأعرف كيف أقنعه." ثم دفع زورقه في البحر واتجه إلى الشرق مثلما تعود أن يفعل. وبعد أيام، خرج شيخ البحر من الضباب وقد ظهر الغضب على وجهه وصاح: "لقد حذرتك بأن لا تعود إلى هنا. لا أريد أن أسمع أي كلام، عد من حيث أتيت، هيا أسرع." قال بدر: "حسنا، ولكن أولا أنظر ماذا أحضرت لك." وأخرج له جبنا وجرة خمر معتقة. فقال شيخ البحر: "لا أريد خمرا، فلقد سكرت المرة السابقة وقلت هيبتي بين قومي." ثم تذوق الجبن فلم يعجبه.
أراه بدر كل ما في القارب، لكن لم يرق له شيء. ولما انحنى الفتى ليرجع بضاعته إلى كيسه، سقط من جيبه منديل بدور، فالتقطه شيخ البحر وأعجبته الرسوم المطرزة عليه وشم رائحة العطر الشذي، فانتعشت روحه. وسأله: "لمن هذا المنديل الجميل؟ أجابه: "إنه لبدور أختي، وبإمكانك أن تحتفظ به إن شئت." قال: "لماذا جئت هذه المرة؟ قال بدر: "من أجل الطائر الذي يتكلم، هل تعلم عنه شيئا؟
تعجب الشيخ ورد: "إنه يعيش في جبل قاف القائم وسط الدنيا، وهذا المكان يسكنه الجن، وقمته تبلغ عنان السماء." قال بدر: "لهذا السبب يعتقد الناس أنه يعيش على السحاب، لكن كيف السبيل إلى ذلك الجبل؟ أجاب شيخ البحر: "لا أحد يعرف أين يوجد، لكن سمعت أنه في البحر وليس على الأرض، وهو محاط بحجاب يجعله غير قابل للرؤية. ويقال إنه في القاع يوجد أخطبوط ضخم يغرق بأذرعه الطويلة كل المراكب التي تقترب منه."
إحتار بدر، فلا يوجد دليل إلى هذا الجبل. وفكر في الرجوع، فقد فعل كل ما بوسعه. غاص الشيخ في البحر ثم صعد وفي يده سلة مليئة بالمرجان واللآلئ ونجوم البحر، وقال لبدر: "هذه هدية لبدور، وبلغ لها سلامي." يشكره الفتى وقال في نفسه: "على الأقل لن أعود خالي الوفاض إلى أختي، فهي تحب الأشياء الملونة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!