الفصل 21 | من 49 فصل

رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
28
كلمة
3,214
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 43%
حجم الخط: 18

الصخب يحيط بها ها هنا. إنها ليست غريبة عن هذا العالم، ولا حتى عن هؤلاء كلهم. هي بالفعل تعرف أغلبهم. البعض هنا ضمن دائرة أصدقائها، لولا أن تذرعت بالتوق إلى صحبتهم الليلة خاصةً لما تمكنت من الحضور. ولكن حضور ماذا؟

ذكرى زواج “عثمان البحيري” من امرأته العجيبة “سمر حفظي”. تلك التي سمعت عنها روايات على مدار السنوات القليلة الفائتة. إنها تراها الآن، أخيرًا حظيت بالفرصة لتراه هو أولاً، ثم زوجته بجواره. إنهما أمامها مباشرةً على ظهر اليخت التابع له، وفي نفس الوقت يحمل اسم زوجته. إذن الشائعات كلها صحيحة و”عثمان البحيري” قد وقع في غرام تلك الفتاة رأسًا على عقب. الأعمى سيرى كم يعشقها حقًا، من طريقته في لمسها، النظر إليها، الاهتمام بأدق تفاصيلها وعدم سماحه لها بالابتعاد عنه طرفة عينٍ. كان يحاصرها طوال الوقت ملاصقًا إيّاها به. ألهذا الحد يحبّها؟

لم تنسى بعد ما سمعته عن الطريقة التي تم بها الزواج. لقد أقاما علاقة قبيل عقد القران الرسمي، وكان هذا الخبر حديث المدينة والطبقة المخملية قاطبةً. تضمن حرفيًا: “فتاة متسلّقة تسطو على قلب ابن أعرق وأثرى عائلات المدينة وتدفعه للزواج بها”. إن “سمر حفظي” فعليًا لم تكن سيئة، كما ترى. فهي امرأة جميلة، ملتزمة، وتبدو مطيعة وهادئة للغاية. ليست كما وصفوها بأنها متسلّقة ومتصيّدة ومتطفلة على عالم الأثرياء. إنها أعذب وأرق من ذلك، هذا واضحٌ جدًا، إلا إذا كانت ممثلة بارعة وتتقن دورها.

-هاي!

أجفلت لسماع صوتًا رجوليًا أتى من الجوار مباشرةً، قريبًا جدًا. أدرات رأسها مستطلعة، لترى شيء. كائن، جعل نبضات قلبها تسكت لجزء من الثانية. إنها تحبس أنفاسها بالفعل بينما نظراتها تنزلق عليه كليةً. رجل بدا في قمّة نضجه سواء في العمر والوسامة. تقسم بأنها لم ترى مثله قط، حتى في البلاد التي نشأت بها، وجميع الرجال والشباب الذين تعرفت إليهم واشتهروا بالفتنة والجمال، إنهم لا شيء إلى جانبه. ذاك الماكث أمامها، بدا إنه لا يحب

التقيّد بالرسمية، إذ تجرّد من سترة بذلته الأنيقة، وكذا ربطة عنقه وقد شمر عن ساعديه أيضًا ليكشف عن ساعدان قويّان. تاهت حقًا في تأمل تفاصيله. جلده البرونزي الفريد، يناقض زرقة عينيه وشقرة شعره الذي تهدّلت بعض خصيلاته الطويلة على جبينه. أنفه المستقيم وفمه الممتلئ بمثالية غير معهودة. لحيته الخفيفة زيتونية تلتمع تحت الأضواء الملوّنة كالآلئ. إن له بنية مميزة، ضخمة، ومتناسقة. إذا وقفت إلى جواره حتمًا ستبدو في غاية الضآلة،

فأين تذهب فيه؟

الآن فقط انتبهت لتلك السيجارة المتوارية خلف كفّه الغليظ، حين رفعها ليدسّها بين شفتيه الورديتين ويمتصّ عبقها بقوة قبل أن يصل إلى عقبها، فيسحقها بمنفضة فوق الطاولة التي جلست إليها قائلًا وهو يمد لها يده للمصافحة: -أنا أسمي رامز. رامز الأمير!

تغلغل صوته عميقًا بأذنيها، خاصةً مع نطقه بهذا الاسم. اسمه. مع اقترابه النسبي منها تاخمت رائحة عطره الثقيلة الجو المعبّق بعبير البحر، فكان مزيجًا لعينًا أثملها. ظلّت تحدق فيه ببلاهةٍ، وكأنه لم يتحدث ولم يعرف عن نفسه للتو.

داعبت ابتسامة معابثة ثغر “رامز الأمير” بينما يمرر عيناه مرارًا وتكرارًا على كل جزء منها. وجهها، وجسمها صارخ الأنوثة، والذي كان أول شيء اجتذبه إليها وجرّه جرًّا إليها حتى أفضى به إلى الوقوف أمامها مترقبًا ردًا منها، كما يفعل الآن بالضبط. -أنا حابب أتعرّف عليكي! تحدّث إليها ثانيةً ولا يزال مادًا يده. -قولّي لو مضايقك هابعد فورًا. ارتفعت حاجباها دهشةً وهي تقول غير مستوعبة شيئًا: -نعم! عاوز إيه؟

ضحك “رامز” بخفةٍ وبطريقة أذت مشاعرها المرهفة، ثم قال من جديد: -بقول ممكن نتعرّف؟ أنا سألت صحابي عليكي بس محدش عارفك. وشوفتك قاعدة لوحدك، يضايقك لو قعدت معاكي؟

رغم إن حدسها أنبأها بأنها على وشك ارتكاب أكبر حماقة بعمرها، لكنها لم تقاوم رغبتها الشديدة بالتنعم بصحبة هذا الرجل خطر الوسامة، نوع لم تصادفه طوال عمرها وتجزم بأنها لن تفعل مرةً أخرى. هزت رأسها سامحةً له بالجلوس إلى طاولتها التي تتّسع لفردان فقط. فشدّ كرسي وجلس قبالتها متكئًا بطرف زندِه إلى سطح الطاولة الزجاجي.

أبعدت عينيها بصعوبة عن فتحة قميصه التي أبرزت من ورائها جزء من صدره الواسع العضلي. ركّزت فقط على عينيه الآن ولم تنبس بكلمةٍ بعد. لم يتعجل “رامز الأمير” خطبًا بينهما، ودام صمتهما لبضع لحظاتٍ طويلة. بقى يرنو إليها بتفحص أكبر. جميلة مثل حورية، فتنة، وليست مجرد جسد مثير فقط. ليست مثل الفتيات اللاتي اعتادت صحبتهن، لا في شكلها ولا ذلك النمط الرخيص منهن. كانت فخمة، وعلامائم الأصالة تبدو عليها. ملامحها الناعمة، بشرتها الخمرية

توحي إليه بخاطر عجب منه، كأنها مقتبسة من الطبيعة النقيّة. ليست متكلّفة. حتى ثوبها المكشوف، ربما جريئًا، لكنه ساهم في تأكيد هذا الخاطر عليه. زينة وجهها بسيطة للغاية، إلا الكحل الأسود الذي خطّطت به عينيها. عينيها الذهبيتان، وتلك الشامة التي برزت فوق شفتها العلية. تلك الملامح المتفرّدة كلها، لم يرها في أنثى واحدة. ما أثار فضوله لمعرفتها لحظةً بلحظة. فهي لا تبدو مثل أقرانها من النساء الأخريات. إنها… مختلفة!

-اسمك إيه؟ سألها بغتةً. سؤاله هذه المرة جعلها تثوب إلى رشدها قسرًا. فتسحب نفسًا عميقًا قبل أن تجاوبه بثباتٍ: -شمس. اسمي شمس. -شمس! قلّب أسمها بين شفاهه معجبًا بشدة. كم يلائمها الاسم حقًا. يستوقف “رامز” أحد النُدُل في هذه اللحظة ويأخذ منه كأسيّ شراب. يدفع لها بواحد ويحتسي رشفة من خاصته دون أن يحيد عنها بناظريه. -مش بتشربي؟ كان أول اختبار لنيل بغيته منها الليلة. وجاء ردها في الحال هادئًا متزنًا: -بشرب. سوفت درينك بس.

ورفعت كأسًا آخر كانت تشربه قبل أن ينضم إليها. أومأ لها وقال برويّة: -ماقولتليش لسا.. انتي مين بقى؟ يعني جاية تبع مين؟ حانت منها إلتفاتة نحو “عثمان البحيري”. كان يراقص زوجته الآن على أنغام غنوة شعبية صاخبة. اندهشت “شمس” إنها قد نسيته لدقائق ما إن ظهر المدعو “رامز الأمير” أمامها. عاودت النظر إليه ثانيةً، وجدته يرنو إليها بترقب، فقالت بتوترٍ طفيف: -أنا جاية مع صاحبتي. لينا الشقيري لو تسمع عنها. رفع “رامز” حاجبه منبهرًا

وقال: -لينا الشقيري طبعًا نار على علم. دي أكبر بزنس ومان في البلد. بس غريبة يعني إنك بتقولي صاحبتي! عبست “شمس”: إيه الغريب؟ -أصلها مش من سنّك. لينا ست متجوزة وعندها ولاد كبار. انتي شكلك صغيرة. -فعلًا! تديني كام سنة يعني؟ خمن “رامز” بنصف عينٍ: -ممم مش أكتر من 20 سنة! ابتسمت “شمس” حتى بانت أسنانها اللؤلؤية، وكانت أول مرة تبتسم له فتبثه سحرها الذي أدمنه. أرهف لها جميع حواسه وهي تقول برقة فطرية:

-لأ أنا أكبر شوية. 23 سنة. رامز بابتسامته الجذّابة: -مابعدناش كتير. بردو صغيرة. إنفتحت “شمس” أكثر له وانساقت بأسئلتها: -وانت.. عمرك كام؟ -تديني كام؟ خمنت مثله زامة فمها بحركةٍ طفولية: -ممم ممكن.. 30 سنة!؟ أطلق ضحكة صغيرة وقال بمرحٍ: -لأ أنا كمان أكبر شوية. 34 سنة. قلّدته في نفس اللحظة: -مابعدناش كتير. وضحكا معًا، لتنقشع من هنا غمامة الغرابة بينهما، يصبح كل شيء أسهل وأكثر مرونة. -يعني انتي مش عايشة هنا؟ أجابته “شمس”

وهي تعبث بكأسها الفارغة: -لأ. أنا ومامي عايشين في لندن من زمان. من وأنا صغيرة أوي. -وباباكي فين؟ نظرت له في صمت لهنيهةٍ، وقالت: -بابي.. مات. ساد التعاطف قسماته فورًا وهو يقول: -أنا آسف جدًا! ابتسمت بحزنٍ قائلة: -عادي. أنا مش بزعل لما بفتكره. -الظاهر كنتي بتحبيه أوي. -آه. كنت ولسا بحبه أوي. وصوّبت بصرها تجاه “عثمان” تلقي عليه نظرةً خاطفة، لتسمعه من الجهة الأخرى يقول: -مامتك جت معاكي ولا سايباها في لندن؟

نظرت إليه “شمس” وقالت: -مامي بتشتغل ومش سهل تسيب شغلها في أي وقت. أنا جيت مع لينا بس هارجع لوحدي. استغربت “شمس” الألق الذي لمع بعينه للحظة. لم يرد في الحال، إنما احتسى بقيّة شرابه في جرعةٍ واحدة، ثم قام فجأةً ما سبب لها إجفالًا. -تعالي نرقص.

لم يكن طلبًا حتى. ابتسمت “شمس” لثقته الشديدة بنفسه، ولم تمانع أبدًا. منحته يدها ووثبت من فوق مقعدها. سارت معه إلى حلبة الرقص البرّاقة. وكما توقعت، كان طوله الفارع محرجًا كثيرًا لها، وأوضح للعيّان كم هي قصيرة. لكنه سرعان ما أخذ كل مخاوفها وقلقها بعيدًا. بمجرد أن توسطا الحلبة، وضمه إليه محيطًا خصرها بساعديه، يراقصها على وقع موسيقى بطيئة، الأكثر حميمية على الإطلاق. تشابكت نظراتيهما، ولم تكن “شمس” بحاجة لتبادل كلمة معه. كان الحديث البصري أبلغ وأعمق، والإحساس به وبقربه ودفئه لا يقدّر بثمنٍ.

لكنه هو الذي تحدّث بصوتٍ خفيض للغاية: -هاترجعي امتى لمامتك؟ علا صدرها وهبط متأثرًا بالحالة التي تخوضها لأول مرة بحياتها. بالكاد جاوبته: -بكرة. طيارتي معادها 8 بليل. -تؤ. انتي تنسي المعاد ده خالص. مافيش سفر بكرة. -يعني إيه؟ -انتي قولتي إنك ماكملتيش هنا أسبوع. ماينفعش تنزلي مصر وتقضي فيها إجازة قصيرة أوي كده. خليكي شوية. هزت “شمس” كتفاها قائلة: -يعني هقعد أعمل إيه هنا؟

افتتن “رامز” أكثر بجمالها. مع هبوب الرياح المعاكسة التي عبثت بها وانتثر شعرها كله من حولها ملامسًا وجهه وعنقه: -هاتقضي وقت حلو. معايا. رمقته بذهول مرددة: -معاك؟ إزاي!؟ -هالففك البلد حتة حتة. وكل يوم هاتشوفي حاجة مختلفة. بس الأول لازم أرجع القاهرة عشان أظبط شغلي. بكرة الصبح هاطلع على هناك وقبل ما الليل يلون السما هاتلاقيني هنا عندك. رفرفت “شمس” بأجفانها محدقة فيه، وقالت: -رامز. أنا ماعرفكش! رد ببساطةٍ:

-هاتعرفيني يا شمس. قطبت مفكرة، لتقول بتردد: -مش عارفة! واصل “رامز” الضغط عليها بحنكته وأسلوبه الخاص قائلًا: -مافيش حاجة اسمها مش عارفة. مش هاتسافري. ولو قلقانة من قصة سفري للقاهرة خلاص مش هاسافر وهاخلص كل حاجة بتليفون. بس هاتقعدي زي ما قلت لك. ماتقلقيش أنا مش هاخطفك يعني. وعشان تطمني أكتر هاسيب الشقة إللي قاعد فيها وهاحجز في الفندق بتاعك. رفعت “شمس” ذقنها لأعلى وقالت متحديّة: -تنزل في الفندق إللي أنا فيه يعني؟

انت عارف الليلة في الفندق ده بأد إيه؟ انت غني ولا إيه يا رامز!؟ ابتسم بثقة وطفى عرقه المتعجرف في الحال وهو يقول بصوتٍ أجش: -خليكي معايا شوية زي ما قلت لك. وهاتعرفي إجابة السؤال ده بنفسك. شمس بعناد: -لأ.. انت حتى ماقولتليش بتشتغل إيه! لعق “رامز” طرف شفته السفلى وهو يتفرّس بها بشهوانية صريحة متمتمًا: -أنا ممكن أقولك بشتغل إيه.. في مكان معيّن. شمس بفضول: -فين؟ مال صوبها ليهمس في أذنها: -على السرير!

شهقت “شمس” بصدمةٍ عنيفة في الحال. دفعته بقبضتيها في صدره فورًا. لحسن الحظ كان الحضور أكثر انشغالًا من ملاحظة ما يجري بينهما. ساد العداء ملامح “شمس” وهي تلقيها بوجهه بخشونةٍ: -ده في أحلامك. في أحلامك! واستدارت عائدة إلى طاولتها. أخذت حقيبتها ومعطفها وانطلقت مهرولة إلى الطابق السفلي، حيث قسم آخر للحفل أكثر هدوءًا، حيث تتواجد “لينا الشقيري” وزوجها أيضًا.

من قمّة اليخت، وقف “رامز” مشرفًا عليها من وراء السور المعدني، يراقبها من حيث لا تراه، ويقسم بأنه ليس أخر المطاف معها. **هكذا بدأ.. هكذا انتهى.. لا يمكنها أن تصدق.. قصة الحب.. العشق المتأجج الذي جمعها برجل عمرها.. أتنتهي هكذا!؟

خالت “شمس البحيري” بأنها ستبكي دمًا بدل الدموع لشدة الحزن الذي ينهش من روحها. اليوم وبعد حادث اصطدامها بزوجة أبيها الراحل، منحتها سببًا إضافيًا لتغمر نفسها بحالة الكآبة أكثر. لم يعد أيّ شيء مستساغ من بعده هذه المرة. لقد تركته من قبل ولم تنهار إلى هذا الحد. كان لديها أمل بأنهما عائدان حتى ولو رغم أنف أمها. ولكن العائق الآن هو أخيها. كيف تجتمع بحبيبها ما دام الأخير يرفض هذا ويتوعده بالدمار!؟

إنها تحب “رامز الأمير”. تحبه ويمكنها أن تموت فعليًا لأجله. تحبه وتريده بكل ذرة في كيانها، بكل عرقٍ ينبض بجسدها. حياتها تتوقف عليه حقًا. -رامـز! همست “شمس” اسمه من بين شفتيها اللاهثانت. تكوّرت على نفسها بالسرير الفوضوي. الآن هي وحيدة، تتلظّى بالحمى وتهذي باسمه بلا انقطاع. ستعود أمها في أيّ لحظة، وربما “عثمان”. لكنها بحاجة لشخص واحد فقط حالًا. الجميع يعرفه. يعرفون علّتها ويعذبونها. -رامـز!

هذا بالضبط. لن يداويها إلا داؤها نفسه. “رامز الأمير”. **ما حدث للتو، كان كارثيًا! طوال إثنى عشر سنة زواج، لم يتخيله حتى في أكثر خواطره بشاعة. ماذا فعل!؟ لقد تعدّى على زوجته، ابنة عمه، حبيبته. إنها امرأته بطبيعة الحال ولا يمكن لأحد لومه. ولكن لماذا يشعر بأنه أقترف جريرةً نكراء!؟

فيما مضى كان الأمر يسير بينهما بكل شغفٍ وحب. حتى كلّما تظاهرت بالإعراض عنه، سرعان ما كانت تلين وتبادله الحب بحب أشدّ. أما هذه المرة، لم تمنحه أيّ شيء. لقد انتزع منها كل شيء حقيقةً، وضربه الواقع في الصميم، لحظة تأكد بأنها حقًا.. لم تعد تريده. من تريد إذن!؟ من؟

أطبقت شفاهه وإلتوت من شدة الغضب. إلتفت إلى جانبها من الفراش. كانت ترقد على وجهها، تتدفن رأسها بوسادتها لتكتم صوت بكائها. لم يترفّق “صالح البحيري” بحالها البتة وقبض على ذراعها مجتذبًا إيّاها بعنفٍ، لتنقلب في غضون لحظة راقدة على ظهرها، متشبثة بالملاءة حول صدرها. -مين هو؟

سألها بهدوء مخيف. حدقت “صفيّة” فيه عبر دموعها الساخنة التي غشيت عيناها وأفاضت من حوافها. انحشر صوتها بحلقها، لم تستطع ردًا. ليستنفذ صبره ويصرخ بوجهها ممسكًا إيّاها بذراعيها بشدة كادت تكسر عظامها: -انطقـــي ميــن هـو.. إللـي مابقتيـش تطيقـي حتـى لمستـي بسببـهميــن؟؟؟؟ نطقت بأعجوبة جملة من كلمتين: -طلّقني يا صالح!

سحقًا لغبائها إذ ظنّت بأنها إن كررت ذلك على مسامعه فسوف يذعن. لقد استفزته أكثر إلى حد جعله يؤذيها، ودفعها للصراخ ألمًا بينما يشدد قبضتيه حول ذراعيها تاركًا علامات وكدمات هناك حتمًا. -أنا هاعيّشك في سواد يا صافي! تمتم بصوتٍ كالفحيح وقد أظلمت نظراته بخطورةٍ. وقف شعر رأسه الناعم وجسده كله وهو يتوعدها بالأسوأ: -مابقاش صالح ابن رفعت البحيري. لو ماندّمتكيش على إللي قولتيوه شوفي مين يقدر ينقذك مني!!!

يكفي إنه ذكر من يكون أبيه ليلقي بها بأعمق أودية الفزع والعذاب. هل ذكر بأن التعدّي السابق عليها كان كارثيًا؟ حسنًا، إنه يفعل بها الآن أبشع ما يمكن تخيّله على الإطلاق. هو بنفسه، “صالح البحيري”، يدمر روح وجسد زوجته وابنة عمه انتقامًا لشيء لا يعلمه، شيء لم يجزم به، ولكن صمتها وإصرارها أفقداه صوابه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...