ضغطت هاتفها بين عضدها وأذنها، بينما كانت تغلق سحاب حقيبة سفرها. في نفس الوقت، كانت تستمع إلى صوت أمها الهادر عبر الطرف الآخر من الخط: -عمري ما هاسامحك يا شمس، عمري ما هاسامحك على إللي عملتيه فيا! زفرت "شمس البحيري" بضيق شديد لسماعها ذات العبارة المكررة لمرة لا يحصيها العدد. تأكدت من إغلاق حقيبتها جيدًا، ثم ارتمت بجوارها فوق الفراش وهي ترد بهدوء على أمها:
-مامي، أنا أعتذرت أكتر من مرة. مش عشان نزلت مصر وروحت أشوف عثمان، لأ، عشان عملت كده من وراكي. أنا مش فاهمة إيه إللي مزعلك بالشكل ده؟ أنا أول مرة أسافر لوحدي! انفجرت "رحمة" ساخطة بطريقةٍ أجفلت الأخيرة سأمًا: -انتي مش بس عصيتي كلمتي، انتي كسرتي وصية أبوكي يا شمس. أبوكي وصّاكي وهو حيّ ماتروحيش للناس دي وروحتي بردو.
الحديث بالنسبة إليها انتهى عند هذا الحد، ولم تعد بقادرة على سماع مزيدًا من التقريع. فقالت أخر كلماتها بحزمٍ: -أنا مش عارفة أتكلم معاكي بالطريقة دي يا مامي. بصي، أنا طالعة حالًا على المطار، كمان كام ساعة هاكون عندك وساعتها أتكلمي وبهدليني براحتك. باي. وأغلقت الخط دون أن تستمع إلى أي رد منها.
ضاق صدرها بنفس الوقت وأحسّت وكأن الغرفة الفسيحة قد خلت من الأكسجين. ورغم أن السيارة التي طلبتها لتقلّها إلى المطار لن تأتي إلا بعد نصف ساعةٍ تقريبًا، لكنها لم تستطع المكوث هنا أكثر. قامت ساحبة مقبض حقيبتها وجرّتها ورائها متجهة نحو باب الغرفة. مدت يدها مجتذبة عتلة الباب الفضيّة.
كانت مندفعة بشكلٍ أهوج، لدرجة لم تراه في البداية وهو يقف على أعتاب الغرفة مباشرةً. اصطدمت به متأوهة بشدة وكاد توازنها أن يختلّ، لولا أمسك بها في اللحظة المناسبة. سقطت الحقيبة للوراء ما إن تركت المقبض من يدها، لتتشبث غريزيًا بكتفيّ الغريب. لا!
ليس بغريب. رفعت بصرها لأعلى لتتمكن من استطلاع هوية الحائط البشري الذي أعترضها بهذه القوة. إنها تعرفه. تعرف هاتين العينين تحديدًا. لقد رأتهما مرةً واحدة ولم تنساهما للحظة. رأتهما البارحة. رباه! هذا هو. هو بنفسه. القرصان الذي سطى عليها ليلة أمس على يخت أخيها وراقصها. وليس هذا فحسب، لقد أبدى نواياه الخبيثة بسرعة أذعرتها ودفعتها للفرار منه في الحال. كنيّته تلك التي تراها بوضوح بنظرات عينيه الآن. -انت!!!
صاحت عبر إطباقة أسنانها. ودفعته عنها على الفور، فأفلتها برضاه. تراجعت "شمس البحيري" خطوتين للخلف، بينما اتعدل "رامز الأمير" في وقفته ببطءٍ مسوّيًا ياقتيّ قميصه بيد، وفي يده الأخرى يرفع باقة الزهور قانية الحمرة مدققًا أيّ عطب صار لها. لحسن الحظ، لا زالت سليمة. مثالية. يفوح منها عبيرٌ زكي للغاية. -مساء الورد على أحلى وردة!
قالها "رامز" مبتسمًا تلك الابتسامة التي يعتمدها لإذابة قلب أعتى النساء والفتيات جاذبيةً وغرور. بمجرد أن نطق ولامس صوته حسّيتها السمعية، ضاعت في تأمل تفاصيله مجددًا. كيف لرجل مثله أن يكون بهذه الجاذبية والفتنة، والخطورة!!
بدأً من عينيه الزرقاوين، انتهاءً بذوقه في الزياء. قميصه المنشّى أسود اليوم، قد أدخله بسرواله الجينز الغامق، وأحاط خصره بحزامٍ من جلد السِباع، النمور على وجه التحديد. بالأعلى رأت قلائد ذهبية مدلاة من عنقه الصلب الطويل إلى صدره البارز من وراء تلابيب القميص. إن شكله أمس والآن رغم وسامته الفطرية، إلا إنه لم يمنع حذرًا ما بداخلها عن تنبيه غرائزها. هذا الرجل خطير. أجل كان مدعوًا إلى حفل أخيها، مختلطًا بالطبقة العلية وربما يكون مثلهم ثريًا ذو مستوى رفيع، لكنه لا يزال...
خطر! لم يصارحها أبدًا بطبيعة عمله ولم يتحدث عن شخصه مطلقًا، ما أتاح لمخيّلتها افتراضات بشأنه كارثية. فهل هو زعيم عصابة؟ تاجر مخدرات؟ أسلحة؟ أو الأسوأ... تاجر هوى، يصطاد التفيات الحسناوات ليتاجر بهن ويستمتع معهن في آنٍ. محتمل أن تكون على خطأ تمامًا، ويمكن أن يكون كل ما تفكر فيه. وبين هذا وذاك، يظل الرجل وسيمًا، ساحرًا، تخشى إن فرض غوايته عليها أن يسلبها إرادتها. ما جعلها تتساءل، إذا قام بخداعها هل ستصدقه؟
-على فكرة اسلوبك قديم اوي! عقّبت "شمس" بجفاءٍ لا تعلم كيف اعتمدته. حتى رفع حاجبه تعبيرًا عن دهشته، وقال بهدوء: -معقول، شايفة أسلوبي قديم؟ إللي عرفته منك إن حياتك كلها كانت برا مصر. يعني الغزل القديم هنا بالنسبة لك المفروض يبقى جديد لانج! لوت شفتيها وقد استفزها هدوئه، لتهتف مسيطرة على حنقها بصعوبة: -بقولك إيه، أنا مش فاضية لك. عندي طيارة بعد ساعتين. انت إيه إللي جابك عندي أصلًا وعرفّت رقم أوضتي إزاي؟ شعّت على وجهه
ابتسامة جانبية وهو يجيبها: -أولًا انتي تنسي طيارتك دي خاالص، مافيش سفر. ثانيًا، سألت الريسبشن عنك، وعرفّت رقم الوضة بسهولة. شمس باستنكار: -إزاي فندق زي ده يسرّب معلومات النزلاء؟ مستحيل! -صدقيني حصل. أنا ليا أسلوبي الخاص. ولحسن حظي... البنت إللي ماسكة الريسبشن ما استحتملتش خمس دقايق من المغازلة إللي قولتي عليها قديمة. قالت لي كل المعلومات إللي عندها عنك. مش ناقص كانت تديني نسخة من مفتاح أوضتك لو طلبت.
ومضى ضاحكًا بطريقة أثارت غيظها، ثم ما لبث مزاجه المرح أن إنحسر فجأة، ليسألها بجدية: -صحيح انتي إزاي ما قولتيليش إنك من عيلة البحيري؟ اجتاحتها رعشة قوية جرّاء عبارته الأخيرة. بأعجوبة كبحت اضطرابها وقالت بثباتٍ متقن: -أنا ما قربش ليهم ولا حتى من بعيد. رامز بغرابةٍ: -إزاي؟ الريسبشنست قالت لي أسمك، شمس يحيى صالح. انتي أخت عثمان البحيري صح؟ ردت أسرع مِمّا يجب: -ده مجرد تشابه أسماء. أنا اسمي شمس يحيى صالح الطوبجي!
هكذا ذكرت لقب جدّها لأمها، "جابر الطوبجي". جاء على خاطرها كطوق نجاة وقد صممت أن يبدو إدعائها حاسمًا لا يقبل الشك. لم تختلج عضلة بمحيّاها، بينما يومئ "رامز" متنهدًا بارتياح جمّ: -طيب هايل جدًا، طمنتيني والله. شمس باقتضاب: -يعني إيه طمنتك؟ -أصل عثمان البحيري صاحبي، لأ وأكتر من صحاب. أنا كنت شايل الهم أول ما سمعت اسمك الثلاثي. وأكمل لاعقًا شفته السفلى بطرف لسانه، ذات الفعل الذي رأته أمس وتأذت مشاعرها:
-انتي عجبتيني، وفي نفس الوقت تطلعي أخت صاحبي! عصفت كلماته بكيانها للحظاتٍ طويلة حوصرت خلالها بين التوتر والصمت. لكنها حشدت عزيمتها أمام سلطان هيمنته الذكورية العاتية وصاحت بعصبيةٍ: -وأفرض كنت أخت صاحبك، أو ما كنتيش أصلًا. انت عايز مني إيـه!؟ -عايزك!
كلمة واحدة قالها، ثم كأنما سأم التباعد عنها، خطى للأمام بإصرارٍ. فقامت متراجعة إلى داخل الغرفة. دلف "رامز" راكلًا الباب بقدمه. وضع باقة الزهور فوق أول طاولة قابله دون أن يزيح ناظريه عنها لثانية واحدة. -انت مجنوون!!! صرخت فيه. أومأ موافقًا إياها: -أنا مجنون فعلًا.
وقبل أن تفكر بالالتفات إلى أيّ مكان لتفر منه، قبض على رسغيها بقوةٍ. لم تبرح الصرخة حدود حنجرتها. تسمّرت فجأة حين ركع على ركبةً واحدة أمامها. رفع "رامز الأمير" رأسه لينظر إليها قائلًا بنظراتٍ متضرعة، آسرة: -أنا مجنون بيكي، من أول ما شوفتك. مارفعتش عنيا عنك. اسألي على رامز الأمير، هاتعرفي إن عمري ما مشيت خطوة لواحدة، بس مشيت ليكي انتي يا شمس. أيوة عجباني، وعايزك. أرجوكي، من فضلك، إديني فرصة واحدة بس!
المشاعر، الحالة الغريبة التي تبثها كلماته، كل هذا تخوضه لأول مرة بحياتها. لبرهةٍ خالت وكأنها دهرًا. بقيا يحدقان ببعضهما، إلى أن نطقت أخيرًا بصوتٍ أقرب للهذي: -فرصة لإيه يا رامز؟ احنا مافيش حاجة بينا أصلًا، ولا أي حاجة!
قام "رامز" واقفًا قبل أن يرتد لها طرفها. أجفلت بينما لا يزال ممسكًا برسغيها، يدفعها بظهرها حتى وضع الحائط خلفها حدًا لتراجعها. أفلتت آهة لا تنم عن أيّ ألم من بين شفتيها. نظراتها متعلقة بنظراته حتى اللحظة. يوشك ما كانت تخشاه على الوقوع. إنها مستسلمة تمامًا بين يديه. -هايبقى في!
تمتم "رامز" بصوته الرخيم، مقربًا جسده من جسدها بشدة ولكن دون تلامس. كانت تحس فقط بالحرارة المنبعثة منه تكاد تحرقها، لكنها تحب ذلك. بل أغمضت عينيها فجأة، مستعذبة لمساته على طول مرفقها، لأعلى ذراعها، ثم كتفها. لمسات كالريشة، كأنه ينوّمها مغناطيسيًا وهو يضيف باسلوبه المقنع:
-أنا هانفذ كل شروطك. هانعرف بعض كويس. أنا مش طالب منك أكتر من فرصة شهر واحد بس. خليكي هنا معايا، شهر يا شمس، ولو حسيتي بعده إنك مش حابّة الموضوع كله هابعد. أوعدك إني هابعد ومش هحاول أقرب لك تاني. أرجوكي توافقي، وإلا هايجرالي حاجة بجد!!
الضعف العام الذي تستشعره الآن، في قربه. إنه أجمل شعور راودها على الإطلاق. لم يأتي رجل يجعلها تشعر هكذا. يبدو إنه قد أتى الآن. لا زالت "شمس" تمهل نفسها فرصة لتعثر على كلماتٍ مناسبة، وتزدرد لعابها الذي سال تأثرًا بمفاتنه وشذى عطره الثقيل الذي يلف رأسها ويخدّرها. قالت هامسة وكأنها تتمنى لو إنه لن يسمع ما ستقوله لأنها حتمًا سوف تندم عليه لاحقًا: -رامز، انت كمان عاجبني!!
**بأوامر من سيد المنزل، تم نقل حقائب عائلة "مراد أبو المجد" إلى جناح آخر غير الذي تسكنه أخته نصف الشقيقة. وقادت كبيرة الخدم أفراد العائلة إلى مساكنهم. أما "عثمان البحيري" الذي خلا وجهه وذاته كليًّا من أيّ تعبير حيوي، لم يبرح مكانه ببهو القصر، يجلس هناك منذ غادرت أمه ولحق بها "مراد". صورتها تطارده، تعذّبه، صوت بكائها يؤلمه بشدة وكأن هناك قبضة قاسية تعتصر قلبه وتأبى أن تتركه. هل كان ليخطر هذا على باله بيومًا من الأيام؟
أن يخذل أمه، أن يبكيها ويسبب لها هذا الألم الجسيم! لقد حدث اليوم، وهو بنفسه الذي طالما صدّ عنها الأذى وحماها من كل شيء كما حمته ورعته في صغره. فشل اليوم بحمايتها وخيبة عمرها. السيدة "فريال المهدي"، أمه، حبيبته الأولى، حبه الأكبر، والأبدي، أغلى الناس على قلبه. لقد نبذته، ويخشى إنها كانت تتحدث بجدية، بجدية كبيرة.** -عثمان!
انتزعه صوت صديقه من أفكاره الشاردة. نهض "عثمان" واقفًا ليستقبل "مراد" الذي اجتاز مدخل الباب وسار صوبه مباشرةً. بدون أي كلمة، تعانقا عناق الأخوين، وكلاهما يعتبر الآخر بمثابة أخًا له. تباعدا بعد نصف دقيقة تقريبًا، وكان أول ما قاله "عثمان" بصوتٍ مثخنٌ بالقلق: -أمي يا مراد، راحت فين فريال هانم؟ طمأنه "مراد" رابتًا على كتفه:
-ماتقلقش يا عثمان، أنا وصلتها بنفسي للأوتيلو ماسيبتهاش إلا لما أطمنت عليها وحجزت لها بنفسي أوضتها كمان. أطمن. أومأ "عثمان" مرارًا، ثم تساءل دون يتراخ عبوس وجهه شعرةً: -ما قالتش حاجة؟ هز "مراد" رأسه قائلًا: -مانطقتش طول الطريق. قالت بس عايزة تروح فين. كانت بتحاول تمسك دموعها بس! أغمض "عثمان" عيناه بقوة حين وخزته الكلمات بعمق فؤاده. تنفس بثقلٍ جمّ وقد واجه حقًا صعوبة في التنفس، ما أثار قلق "مراد" الذي قال فورًا:
-عثمان، انت كويس!؟ لم يرفع "عثمان" رأسه فورًا، بل أمسك برسغ "مراد" وضغط عليه يطمئنه، ثم نظر إليه ببطءٍ قائلًا بهدوء: -قولي هي فين؟ -هقولك، هقولك إللي عايز تعرفه كله. بس فهمني الأول في إيه؟ إيه حكاية شمس أختك دي؟ طلعت منين؟ وإيه إللي بينك وبين رامز الأمير؟ أنا نازل مخصوص لما كلّمني وقالّي إن بينكوا مشكلة مش هاتخلص إلا بموت حد فيكوا! تستوحش نظرات "عثمان" الآن ويغدو صوته أكثر عداءً:
-وعنده حق. لما يكلمك تاني قوله أحسن له يبعد عن أختي، وإلا هو عارف كويس أنا أقدر اعمل فيه إيه. مراد بدهشة: -للدرجة دي يا عثمان!؟ إيه إللي حصل لكل ده؟ عثمان، ده رامز، رامز صاحبنا، احنا التلاتة عارفين بعض من سنين. إيه ممكن يقلبكم على بعض كده؟ صاح عثمان بغضبٍ: -مـراد، النقاش في الموضوع ده منتهي بالنسبة لي. شمس أختي، مش هاتتجوز رامز الأمير، ولأخر مرة بقولك تقوله، لو فكر يقرب ناحيتها، أنا هاقتله. مش بهزر، هاقتله!
إنه يعرف صديقه كفايةً ليدرك تمامًا بأنه لا يقول هزلًا. "عثمان البحيري" لا يمزح الآن، ويبدو حقًا أن الوضع بين الأصدقاء ليس على ما يرام. المرة الأخيرة التي اجتمع ثلاثتهم كانوا على أتم وفاقٍ ووئام. ماذا حدث؟ ولماذا يرفض "عثمان" نسب "رامز"؟ لقد تناسبا فيما مضى عندما أقترن "مراد" بابنة عمه الراحل، "هالة رفعت البحيري". ما الفرق بين "مراد" و "رامز"؟ لماذا يرفضه بهذا الشكل الصارم! -تسمحلي أخرج من هنا و أخد بنتي في إيدي؟
كان هذا الصوت لامرأة. كان لـ"رحمة" تحديدًا. انضمت إلى المشهد فجأة وتعلقّت فورًا نظرات "مراد" بها فضولًا، بينما يستدير "عثمان" ليواجهها قائلًا بحدة: -قلت لك قبل كده يا رحمة، لو عايزة تمشي أنا مش مانعك، بس شمس مش هاتخرج من البيت ده إلا على بيت جوزها. وقفت "رحمة" على بُعد ذراعين منه، في ثوبًا أنيقًا يبرز مفاتنها الأنثوية. يُعزز لون بشرتها الخمرية بلونه الزيتوني المزركش. اتّسمت ملامحها بالجدية وهي تقول:
-أنا من أول يوم وافقت تكون تحت رعايتك، لأني واثقة إنك قادر تحميها من الصايع ده إللي عايز يضحك عليها. لكن إنهاردة اكتشفت إنك مش هاتقدر تحميها من الست والدتكو. أنا استحالة أسمح لأي حد مهما كان يقرب من بنتي أو يئذيها! وأكملت بتقريرٍ شامخة الرأس: -أنا هامشي زي ما قلت لك، وشمس هاتيجي معايا. أنا أمها، وهقدر أخد بالي منها كويس يا عثمان. -خلصتي؟ سألها دون أن ينفك عن النظر إليها باستخفافٍ. ثم قال بهدوئه المعهود:
-أخر كلامي انتي سمعتيه، ومش هاكرره تاني يا رحمة. شمس وصية أبويا. أختي، أختي أنا. أمها على عيني مش مانعك تكلميها أو تشوفيها، ولكن تاخديها وتمشي، إنسي. أنا إللي مش هاسمح لك يا رحمة. لفتها رعشة طفيفة من رأسها لأخمص قدميها، كلّما نطق أسمها ونظر إليها بهذه الطريقة. تخال وكأن "يحيى البحيري" قد قام من الأموات وعاد ليتجسّد فيه مرةً أخرى. زمّت "رحمة" فمها قائلة بتزّمتٍ حانق:
-طيب بص بقى يابن يحيى، أنا هامشي وهاسيبها لك. بس عايزاها تكلّمني وتقول إن أي حد اتعرض لها. شمس خط أحمر، ومنغير تحفظات لا انت ولا فريال هانم ولا ميّة زيكوا يقدروا يلمسوها طول ما أنا عايشة. أنا رحمة، أنا تربية يحيى البحيري، تربية أبوك!
أسفرت هذه الخطبة القصيرة التي ألقتها بسرعة تباعًا عن احمرارًا قوي افترش محيّاها، وتسرّت اللهاث عبر فمها وهي ترنو إليه بنديّة سافرة. ران الصمت بينهما لبضع ثوانٍ مطوّلة، وتحت أنظار "مراد" الذي وقف يراقب ما يجري بينهما بذات الفضول. من جهة "عثمان"، بدا هادئًا للغاية وهو ينظر في عينيها بتلك الطريقة التي دائمًا ما تهدد ثقتها. لكنها الآن لم تكن تحفل لأيّ شيء سوى ابنتها وسلامة وضعها هنا بعد ذهابها. قال "عثمان"
فجأة باسلوبه البارد: -انتي تربية يحيى البحيري، لكن أنا بقى اسمي عثمان البحيري. عثمان البحيري واحد بس في العيلة دي. لا يشبه أبوه ولا عمه ولا أي راجل اتخلق وعاش هنا. خليكي تحت إيدي أحسن يا رحمة، وماتخلنيش أحطك في دماغي. إللي بيني وبينك شمس. وشملها بنظرة دونية أخيرة قائلًا: -مع السلامة يا... مرات أبويا! وأولاها ظهره ماضيًا نحو الخارج وهو يهتف: -يلا يا مراد.
تبعه "مراد" على الفور، لتبقى "رحمة" بمفردها الآن، تتميّز حنقًا من قوة وسيطرة هذا الرجل الذي خرج من ظهر زوجها الراحل. إنه حقًا أعتى منه بمراحل. لقد مات "يحيى البحيري"، لكن على ما يبدو أنه قد حرص على أن يترك خليفةً له، أهلٌ لثقته وجديرٌ بكل ما تركه من سلطة ونفوذ. إنه يستحق كل هذا، هو فقط ولا غيره.
**باءت كل محاولاتها ببدء أيّ حديث معه بشأن حفل زفاف خالها. لقد وعدت الأخير بأنها ستحضر، وستفي بهذا الوعد مهما كلفها الأمر. ولكن كيف تقنع زوجها صعب المراس؟
إن ما بين "فادي حفظي" و"نبيل الألفي" ما يفوق العداوة والبغضاء. لقد كاد "نبيل" أن يعتدي على "سمر حفظي"، لولا أنقذها زوجها باللحظة الأخيرة. وكان إنتقام "عثمان الحيري" لأجلها حدثًا تداولته الصحف والمجلات لفترةٍ. لقد سلب منه كل شيء، وجعله يبدأ حياته العملية من الصفر، وها هو يزهر من جديد، بل ويتزوج. لم تصدق "هالة البحيري" أذنيها حين أخبرها خالها بموعد عقد قرانه وحفل زفافه معًا. لقد بكت فرحًا لأجله، ولا بد أن تشاطره
سعادته. إنه الأقرب إليها الآن، بعد وفاة أبيها، وهجرتها مع زوجها بعيدًا عن أخيها وابن عمها الذي لم ينفك منذ كانت تطارده بحبّها أن يلقيها إلى أول رجل طالبًا لها. خالها "نبيل" هو من دعمها، وقف في صفها دائمًا، وهي تثق به أكثر حتى من ثقتها بزوجها ووالد صغيرها.**
-أنا مستنيكي! أفاقت "هالة" من شرودها محدقة بـ"فادي". كان يجلس قبالتها، يستطلع حاسوبه الخاص بينما تصنع هي سندويشات الفطور لأجل صغيرها وعمته قبيل ذهابهما إلى المدرسة. تمتمت "هالة" باستفهام: -بتقول حاجة يا فادي؟ رد عليها "فادي" دون أن يحيد بعينيه عن الحاسوب: -بقالك ساعة عايزة تقولي حاجة ومترددة. أنا حافظك يا هالة. يلا قولي، أنا سامعك. رفرفت بأجفانها مضطربة من حسّه الفذّ، لكنها لم تنبس بكلمة. ليرفع بصره الآن ناظرًا
إليها: -اتكلمي يا هالة، ماتخبيش عني حاجة. أجل، هذه فرصتها يقدّمها إليها، وقد وفر عليها سيلٌ من المقدمات على أيّة حال. تنفست "هالة" بعمقٍ، ثم قالت بشجاعة: -فادي، فرح خالو نبيل الخميس الجاي. وأنا هاحضر!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!