الفصل 4 | من 49 فصل

رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الرابع 4 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
67
كلمة
2,429
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 8%
حجم الخط: 18

انقضى النهار في قصر آل البحيري، رواحًا بين تناول غداء عائلي، ثم الجلوس بالحديقة الداخلية امتثالًا لرغبة رب العائلة. كان عثمان يختتم إحدى نقاشاته العقيمة مع صهره، بأن تنازل عن الجدال تمامًا ليريح رأسه فقط، عندما عادت سمر وأقبلت على المجلس منفرجة الأسارير.

تعلّقت نظرات عثمان بها، وقد لاحظ بأنها بدّلت ثيابها، بل إنها في الحقيقة خلعت حجابها وتركت شعرها الذي استطال حتى لامس كتفيها، حرًا بانسيابية حريرية. تولّد بداخله شوق جارف إليها، ولم يستطع إلا أن يُغذّي التوق الشديد بصدره على اعتبار إنهما أخيرًا سيمارسان حياتهما الزوجية بدءًا من الليلة.

تلك البادرة التي قامت بها رغم إنها زادته اشتعالًا، لكنها أسعدته كثيرًا. فكرة إنها أعلنت له عن قبولها إياه بظهورها هكذا، جعلته يتعجّل الوقت للإختلاء بها بغرفتهما دون أن يزعجهما أحد. لقد انتهت المهلة التي حددها لزوجته وقد توقّع أن تعاند وتزداد نفورًا منه، لكنها الآن تقدم له دعوة صريحة. يا لفرحته. "حبيبتي!

نطقها عثمان بلا تحفظ وهو يمد ذراعه لزوجته. لبّت سمر دعوته وسارت تجاه الأريكة الصغيرة التي جلس فوقها طائعة، على مرأى من أخيها وزوجته. جلست سمر ملاصقة لعثمان دون أن تبدي ذرة رفض، بل على العكس وغير المتوقع تمامًا، كانت هادئة، مبتسمة وهي تلقي بيديها فوق قدمه، بينما يلف ذراعه حول خصرها الدقيق. قرّب فمه من أذنها هامسًا بحرارة: "أنا مش مصدق نفسي، إللي أنا شايفه ده حقيقي؟ انتي طلعتي تغيري هدومك وتلبسي الفستان ده عشاني؟

قلعتي الحجاب عشاني يا سمر؟

داعبت أنفاسه الساخنة أذنها وجانب عنقها، ما جعل القشعريرة تسري بأوصالها وهي بالكاد تحافظ على أعصابها من الإنفلات. كل ما تفعله ما هو إلا اكتساب مزيدًا من الوقت. لم تكن تنوي حقًا قضاء ليلة حميمية معه، إنما مجرد مداهنة، خباثة إن صح القول لكي توهمه بتقبلها إياه وستطلب منه أخذ الأمور تدريجيًا. بالتحايل ربما كل شيء يسير وفق إرادتها، وإن كان حقًا يحبها كما يدعي فسيذعن لرغبتها، ولكن السر في الطريقة. يجب ألا يلتمس منها رفضًا وإلا فإنها الملامة.

"أنا وعدتك إني هحاول! بادلته الهمس مديرة رأسها قليلًا نحوه. فامتزجت أنفاسهما معًا، مما ولّد أجواء من اللهفة والتوتر في آن. انبلجت ابتسامة جانبية على ثغر عثمان وهو يمشّط ملامح وجهها الجميلة مسبلًا عيناه بجاذبية لا تقاوم. لوهلة كاد ينسيا الرفقة من حولهما، لولا أن برز صوت فادي مبدّدًا سحر اللحظة. "إيه يا أبو النسب هاتعطف وتلطف قدامنا ولا إيه؟ احترم وجودي أنا وبنت عمك على الأقل!

استجابت سمر على الفور لتعليق فادي وقد نجح بإثارة اضطرابها بشدة، بينما عثمان يتصرف بقمة البرود وهو يدير رأسه لينظر إلى صهره المتحزلق قائلًا: "أديك قلتها، انت وبنت عمي مش أغراب يا فادي. دي بنت عمي، وإللي جنبي دي أختك." "على أساس يعني الحب والغرام مقطعين بعضهم معاك، ده أنا شاهد على الليلة كلها." تنهد عثمان بعمق وهو يسحب سمر إلى حضنه أكثر، ثم قال دون أن يخفي بريق نظراته الشيطانية مصوبة إلى الأخير:

"بصراحة يا فادي مش هاخبي عليك، أنا أبقى قوي لأي حد إلا مع سمر. ضعيف جدًا، بحبها أوي يا فادي، ومش بقدر أتحمل بعدها عني. عايزها جنبي وفي حضني طول الوقت. لو مش هاتكون قلة ذوق مني كنت خدتها حالًا وطلعنا على أوضتنا. أنا عمري ما بشبع من أختك، مش بشبع منها خااالص!

وقد أتت كلماته أكلها، ولم يغفل عن البخار الذي كاد يخرج من أذني فادي تأثرًا بكلماته التي أثارت حفيظته بشدة. ابتسم عثمان بظفر وهو يضاعف من استفزازه لـ فادي بأن يداعب زوجته ويقبّله قبلات سطحية أمامه. بدأت هالة تتململ بدورها وقد خشيت تفاقم غضب زوجها الذي تعرفه جيدًا، بقيت تنظر له بترقب قلق. لم يخيّب فادي توقعاتها، وانفجر فجأة مدفوعًا بكل الحنق والحقد بداخله على زوج أخته.

"طبعًا، ما هو ده مربط الفرس مش قصة حب والهري إللي شغال تقوله. راجل كازانوفا زيك، هايعجبه إيه في أختي البسيطة يعني؟ عشان كده ما استغربتش لما اتجوزت عليها من كام سنة، ولا أستبعد حتى إنك تكون اتجوزت عليها تاني. يمكن بقى مش رسمي، عرفي، فعرفي زي ما عملت معاها هي نفسها وسرقتها سرقة. فاكر يابن الأصول؟ فاكر جوازك العرفي من أختي؟ "انت بتقول إيه!؟

رددت سمر بصدمة. التفت لها الجميع عدا عثمان. جمد بمكانه. رفع فادي حاجبه وهو ينقل نظراته بين أخته وزوجها قائلًا: "الله! هو ما حكالكش ولا إيه؟ "حكالي إيه؟ إيه إللي تعرفه ومخبيه عني يا فادي؟ سخر فادي منها. "إللي أعرفه ومخبيه عنك؟ ده أمة لا إله إلا الله كلها تعرف القصة دي، بس شكل الباشا هو إللي مخبيها عنك."

وحت منه التفاتة نحو عثمان الذي احمرّ وجهه من شدة الغضب، لكنه التزم الصمت رغم ذلك، ليستطرد فادي مستمتعًا بإشعال الفتنة بين الزوجين. "معقولة ما قولتلهاش إزاي اتعرفت عليها؟ ولا جبت حتى سيرة العقد العرفي إللي سرقتها بيه قبل ما تكتب عليها رسمي؟ معقولة!؟ اتقدت عينا عثمان وهو يرمق شقيق زوجته بنظرات كانت لتحرقه عن آخره، وتمتم من بين أسنانه بلفظ نابٍ وقد نجح لأول مرة بحياته بإخراجه عن طوره. "يابن الو×××!!! ***

في هذا التوقيت عادةً ما يكون شريكه العجوز لا يزال بمقر عمله، وقد عرف منذ بضعة أيام بأن الابن الضال والذكر الوحيد المتبقي بعائلة عزام يقضي عطلة ترفيهية بوسط المدينة، لذا كان يدرك بأنها بمفردها الآن في المنزل، فلم يتردد بالتوجه إلى هناك فور أن انتهى لقائه مع ذاك الشاب المتشرد من وجهة نظره.

كان في اقتحامه للمنزل جنونًا لم يعهد نفسه عليه قط في حياته، وكأن قوى أخرى تحركه، وكأنه قد عاد بالزمن للوراء، لسنوات طويلة كان لا يزال على أبواب مرحلة شبابه. كان يحب ويعشق بجنون، فتاته الجميلة شاهناز وصديقة صباه. كان مهووسًا بها وذلك قبل أن تعلمه المعنى الحقيقي والمجرد للغضب، يوم اكتشف خيانتها له مع ابن عائلة البحيري، عثمان البحيري، نده وعدوه اللدود.

ذلك الغضب هو عينه الذي يستشعره الآن، والذي يجتاحه بضراوة لا يفقه لها أدنى مبرر وهو يندفع بمنزل شريكه غير عابئ بتوقيف الخدم إليه. صعد الدرج للطابق الثاني خلال لحظات، ولم يكن بحاجة لإرشاد، إذ انبعث صوتها تدندن مع غنوة أنثوية رقيعة بصوت سكب بنزينًا فوق نيران غضبه الحارقة.

ثاني اقتحام لغرفتها كان الأعنف، انتزع منها شهقة فزعة وهي تلتفت من حيث كانت تقف أمام المرآة، تستعرض على جسمها المغري ثوبًا رياضيًا أسود اللون، قصير وبلا أكمام، وضيق جدًا حتى خُيّل إليه بأنه عرضة لأن يتمزق تحت وطأة تضاريسها البارزة بإغواء. "الشيطانة!!! "انت اتجننت! إزاي تدخل عليا بالشكل ده؟ مين سمح لك تطلع هنا أصلاً؟

تجاوز نبيل الألفي عتبة باب غرفتها مغلقًا الباب من خلفه بركلة قوية من قدمه، واتجه نحوها رأسًا. تصرفات لم تفعل بها إلا شحنها بمزيد من الغضب. "قوليلي إنه كداب!!! "هس نبيل من بين أنفاسه العنيفة." كان قد وقف أمامها مباشرة، لا تفصله عنها سوى خطوة واحدة. بقيت مايا تواجهه بوجه خالٍ من أي تعبير، حتى تابع كلامه بينما تزداد ملامح وجهه الوسيمة تقلصًا بفعل الغضب.

"قوليلي إن الواد ده بيكدب، لما قال إنك اتفقتي معاه على جواز متعة. انتي.. انتي إللي طلبتي منه كمان، قوليلي إنه كداب يا بنت حسين وأنا هاصدقك. مش بس كده، ده أنا هاجيب رقبته تحت رجلي كمان، قوووولي!!! لكنها أبدًا لم تشفِ صدره بجواب كان يتوق لسماعه ولو كذبًا، بل ابتسمت ولم تصل إلى عيناها وهي تقول ببرود:

"لأ مش كداب، كل إللي قاله وليد صح من غير ما أسمعه. وأنا بصراحة مش فاهمة سبب حميتك ده شيء أصلًا ما يخصكش. بس اللوم مش عليك، أبويا إللي موليك أمور مش من حقك." "آ آااااااااااااااه! بترت عبارتها متأوهة، حين امتدت قبضته وكمشت ذراعها العاري، كاد يدميها فعليًا وهو يمسك بها هكذا هادرًا بعنف. "انتي عارفة انتي إيه؟

انتي ×××××××، واحدة زيك استحالة تعيش حياة طبيعية بعد إللي عملتيه. مين راااجل يقبل على نفسه يشيّل وحدة زيك اسمه ويخلف منها ولاده؟ ميـــــن؟؟؟ رفعت يديها ودفعته بكل ما أوتيت من قوة عبثًا، لكنه أفلتها فجأة بإرادته، بينما تصيح به. "محـدش.. انت مين قال لك أصلاً إني باصة لجواز وولاد؟

أنا دفنت الأوهام دي من زمـااان أوي يا نبيل بيه. مايا عزام إللي قدامك دي بقت واحدة ست، ست وبس، ما عندهاش قلب ولا مشاعر. ف أي كلمة قولتها دلوقتي لا أثرت ولا هتأثر فيا، لأني ما بقتش حاسة بحاجة. عارف إيه إللي بقيت بحس بيه؟ جسمي.. بحس بجسمي بس." انتفخت فتحتي أنفه وهو ينفث عبرهما أنفاسه الملتهبة. "لأ انتي بقيتي ×××× بس!! ابتسمت من جديد ولم ترد عليه، فأردف بخشونة تنافس حرائق عينيه الزرقاوين.

"أبوكي عمل إيه عشان تحطيه في الموقف ده قصاد نفسه؟ أنا مش عارف أعمل إيه! أروح أقوله إيه؟ أروح أقوله بنتك تبقى... وطبق فمه عاجزًا عن نطقها، فحثته هي ملوحة بذراعيها الناصعين.

"كمل.. كمل ماتتكسفش. إذا كنت أنا مش مكسوفة.. أنا إللي هقول لباباه. هقوله إن هي دي بقت حياتي، إني لا يمكن أفكر في جواز واستقرار. أنا بفكر في حاجة واحدة بس.. متعتي في الدنيا دي. أنا باخد متعتي في أي وقت وبأي طريقة يا نبيل. وليد كان مجرد بداية.. أنا بس انشغلت في حياتي المنهية وما كنتش فاضية لنفسي. ولكن خلاص أنا جيت هنا، دبي. أرض المتعة الحقيقية، وهلاقي كل يوم ألف فرصة وألف صيد!

تكوّرت قبضته رغمًا عنه، وكم أراد تسديد لكمة لأي شخص، لأي شيء، عداها. يا للتناقض. كيف يراها؟ ما هي نظرته عنها في هذه اللحظة؟ أهي عاهرة؟ أم مجرد فتاة طائشة؟ ولكنها ليست بفتاة، بحق الله، إنها امرأة بالغة، راشدة، تدرك ماهية أفعالها جيدًا. من عذر لها، من عذر على الإطلاق. رغم كل هذا، ورغم كل ما سمعه من فاها، تقدم ناحيتها ببطء قائلًا بهدوء لا يشي بأي مشاعر حقيقية يطمرها صدره.

"طالما ده هدفك الأساسي، ومافيش حاجة غير المتعة تهمك، يبقى ليه مانتفقش يا مايا؟ ما أنا في الآخر راجل بردو، وراجل عازب والمتعة مهمة في حياتي، مهمة جدًا." ظلّت ثابتة بمكانها، بينما يقف وهو يكاد يلامس جسدها بجسده. نظراتهما معلّقة ببعض، أنفها الدقيق مقابل ذقنه العريض، تشعر بتردد أنفاسه الدافئة وهو يهمس لها بخطورة وتلك النظرة الواعدة والمتوعدة في آن تطل من عينيه.

"مش محتاجة تدوري على صيد يا مايا، أنا هنا قدامك. بعرض عليكي علاقة معايا، وبشروطك كمان. وأوعدك.. هاعيشك أيام عمرك ما حلمتي بيها، وهاعلمك.. يعني إيه متعة بجد!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...