الفصل 3 | من 49 فصل

رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الثالث 3 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
65
كلمة
2,630
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 6%
حجم الخط: 18

خرجت “شمس” على الفور من الحمام الملحق بغرفتها. لتجد أخيها لا يزال بانتظارها. كانت قد ارتدت ثوبًا أكثر احتشامًا الآن. من قماش الأورجانزا بطبعةٍ موّردة، ثلثيّ أكمام، طويلًا بفتحةٍ تصل لأعلى الساق. وقد جفّفت شعرها، ولا تزال مبقية وجهها على نضارته الطبيعية دون قطرة مكياج. "ها! كده حلو؟ التفت “عثمان” مبتعدًا عن النافذة ليوجه عيناه صوب أخته. طالعها بنظراتٍ عابسة، ثم استقرت عيناه على وجهها.

ارتبكت ابتسامتها، بينما يقول بتجهمٍ: "أول ما وصلتي هنا، فاكرة كلامنا؟ فاكرة كلامي معاكي عن ستايل لبسك تحديدًا يا شمس؟ أومأت برأسها مرةً واحدة، وقالت: "فاكرة يا عثمان، وأنا وعدتك إنّي هاغير ستايلي كله. فعلًا بدأت أجيب هدوم وحاجات كتير أون لاين! عثمان بحدة: "المنظر إللي ظهرتي بيه إنهاردة ده مش مقبول يا شمس! بررت في الحال:

"انت قلت لي اتعامل هنا كأني في بيتي، وقلت لي إن ده بيتي فعلًا مش مجرد كلام. أنا ظهرت كده عشان كنت فاكرة إني في بيتي! انقبضت عضلات فكه وهو يتريّث لبرهةٍ قبل أن يقول بسلوكٍ أكثر تفاهمًا:

"ده بيتك يا شمس، بيتك ولكِ فيه ورث زيي وزي صافي. بس البيت ده فيه حراسة وخدم وأحيانًا كتير ضيوف زي ما شفتي إنهاردة. أنا ما أقبلش حد يشوفك كده، ومجرد فكرة ظهورك بالبكيني سواء دلوقتي أو حتى قبل ما أعرف بوجودك بتجنّنني. أختي أنا، ماتبقاش عرضة لنظر إللي يسوى وإللي مايسواش! تمعنت “شمس” بكلماته، وابتسمت لا إراديًا ملتمسة غيرة الأخ على أخته. وسعدت كثيرًا لسماعها كلمة "أختي" التي خرجت من فاهه.

لحظة ثمينة لطالما حلمت بعيشها حتى ولو كلّفتها الكثير. "انتي بتضحكي!؟ اتسعت ابتسامتها عندما رأته وقد صار أكثر نزعًا للعصبية. أخاها الذي اشتهر ببرودة أعصابه، لم تتخيل أن تكون سببًا لتحطيم الثوابت الذي جُبل عليها. ردت عليه من بين ضحكاتها: "لأ و الله، مش بضحك على كلامك. أنا بس مبسوطة أوي! "مبسوطة! " عقّب بغرابة. فأومأت قائلة وهي تسير تجاهه:

"أمم.. أصلي بصراحة طول عمري كنت بتمنى أعيش معاك موقف زي ده وأحس إن ليا أخ. أنا عرفت لما كان عندي 10 سنين إن ليا أخ، بابي قالّي وورّاني صورتكم. من يومها وأنا نفسي أشوفك وأقرّب منك، بس وصية بابي كانت مقيّداني. تعرف إننا اتقابلنا قبل كده؟ قبل ما أجلك وتعرف إني أختك! لوهلةٍ نسي نقطة الخلاف بينهما، وولّى ما تقوله تركيزه. أطال النظر إليها يحثّها على الإفصاح. ابتسمت “شمس” وأخبرته وعيناها ملؤهما الحب والاعتزاز به:

"عيد جوازك العاشر، كنت عامل حفلة على اليخت بتاعك وعزمت صحابك. عرفت إن صحابك مسموح لهم يعزموا أصحابهم وحظي إن في عندي أصحاب مشتركين بين الناس إللي عزمتهم. ركبت أول طيّارة ونزلت الإسكندرية من ورا ماما. حضرت الحفلة وقعدت طول السهرة متنحة فيك، ماشلتش عيني من عليك وكنت في خناقة مع نفسي. منعت نفسي 1000 مرة ليلتها كل ما أحس إني عايزة أقوم وأترمي في حضنك، أشم ريحة بابي فيك، وأحس إني مش لوحدي في الدنيا دي!

اختنق صوتها بالدموع فجأة، وتفاجأت أكثر بنوبةٍ عنيفة من البكاء. إتيانها على سيرة أبيها جعل شيئًا ما بداخلها ينفجر. توتر “عثمان” بشدة ممّا طرق عليها بلحظةٍ هكذا، ولكن ردة فعله جاءت بسرعة. اندفع نحوها ولف ذراعه حول خصرها، ضمّها بين أحضانه على الفور. فتركت لنفسها العنان ومضت تبكي بحرارةٍ على صدره. أخذ “عثمان” يهدئها ماسحًا على رأسها بحنو: "شمس، إهدي شوية يا حبيبتي، إيه بس ده كله؟ وتركها تفرغ ما بصدرها لبضع دقائق أُخر.

ولم يكترث أنها فعليًا قد أغرقت قميصه بدموعها. أحسّت “شمس” بالحرج فورًا عندما رأت صدره مبللًا بالكامل. حاولت إصلاحه عبثًا وهي تربت على صدره مغمغمة بصوتها الباكي: "أنا آسفة جدًا، أنا آسفة يا عثمان، أنا آ... "خلاص يا شمس! " قاطعها بلطفٍ. "ماحصلش حاجة." وابتسم مكملًا وهو يمسك بكتفيها:

"ياريتك جيتيلي من زمان، أنا لو كنت أعرف ما كنتش سيبتك لحظة واحدة بعيد عني. صدقيني، لو كنت عرفت، لو كان بابا صارحني قبل ما يموت حتى، كنت هاجيلك برجلي، حتى لو هو حاول يمنعني، ما كنتش هاسيبك." ابتسمت له ولا زالت الدموع عالقة بأهدابها. مد “عثمان” يده وأزال ما تبقّى من دموعها وهو يقول: "انتي مش لوحدك يا شمس، طول ما أنا عايش على وش الدنيا مش هاخليكي تحسي بالوحدة أبدًا. أطمني خالص، أنا جنبك دايمًا."

تألقّت عيناها بابتسامةٍ مشرقة الآن. اقتربت منه ثانيةً وعانقته مرةً أخرى، ولكن هذه المرة دون دموع. *** في مطعم شهير بمجمّع الترفيه العالمي. جلس “نبيل الألفي” إلى طاولة لفردين، يتناول وجبته الشهية باستمتاعٍ، دون أن يلقي بالًا للشخص الجالس قبالته منذ ساعةٍ تقريبًا. وقد بدأ صبر الأخير ينفذ بالفعل. "صحتين وعافية يا باشا! " هتف الشاب العشريني بسأمٍ واضح.

لم تهتز شعرةً من “نبيل” وتناول ملعقة الأرز المدخن وأعقبها برشفةٍ من كأس العصير. ثم أخيرًا تطلّع إليه، ولكن دون أن يترك طعامه تمامًا. "الرز المدخن في المطعم ده حقيقي ماحصلش، وصفة الشيف تُدرّس! بدت نبرة التهكم واضحة بصوت “نبيل”، ما أثار حفيظة الأخير وهو يرد عليه محتدًا:

"بقولك إيه باشا، انت شكلك واخدني جولة وبهواك تتسلّى عليّ. بس أنا لا مؤاخذة مش صايع ولا عاطل، أنا راجل ورايا مشاغل، وبصراحة ضيّعت وقت كفاية في البلد دي. لو جاي في تفاهم نتكلم أحسن، أو أقوم أمشي وأنا عارف هاتصرف إزاي." أظلمت عينا “نبيل” في هذه اللحظة، لكنه ما زال ثابتًا وهو يقول بهدوء:

"بص يالا، أنا أسهل حاجة عليا دلوقتي أعمل تليفون صغير تترمي بيه في أقذر سجن هنا في البلد وتقعد جوا لحد ما يبان لك صاحب. بس أنا حتى مش شايف إنك تستاهل إني أبذل أقل مجهود وأعمل حاجة زي كده." هتف الشاب بنزقٍ مغتاظ: "أومال طلبت تقابلني ليه معاليك؟ لعلمك أنا مش عيّل هفأ وهأبلع أي كلمة تقلّ مني. انت شكلك فهمان بص كويس. شوف مين قاعد قدا آ." بتر الشاب عبارته.

بلحظة واحدة كانت طاولة الطعام بينهما قد انقلبت بفعل قبضة “نبيل”، الذي لم يدّخر ثانية أخرى وانقض عليه ساحبًا إيّاه من ياقة قميصه. كانت لدى “نبيل” نظرة مستقبلية، حين تواصل مع زوج إبنة شريكه ووافق الأخير على اللقاء به على أرض محايدة، فقام بحجز المطعم بالكامل تحسبًا لأيّ ظرف. وقد أستحق هذا. "إلـ..حـ..ـقـ.ونـ..ي!!! بالكاد نطقها الشاب بصعوبةٍ، عندما زج “نبيل” به نحو الحائط وحشر ساعده بمنتصف حلقه فكاد يختنق.

قسا فم “نبيل” وهو يهسّ من بين أسنانه: "شوف حواليك يا نجم، المكان ده كله ليا أنا وانت طول ما احنا لسا قاعدين. عاملّي دكر ياض؟ ده أنا أفعصك وماخدش فيك يوم! قوة الشاب العشريني الجسدية بدت إنها لا تُذكر مقارنةً بقوة “نبيل” الذي تجاوز منتصف الأربعينيات. تخبط الشاب بعنفٍ طلبًا للهواء، ولكن عبثًا لم يتركه “نبيل” طرفة عينٍ. استجدى وهو يتنفس بصعوبةٍ بالغة: "طيب خلاص، يا باشا، نتكلم. هأعمل.. إللي انت.. عايزه.. يا باشا!

التوى ثغر “نبيل” بابتسامةٍ شيطانية. أفلته مرةً واحدة، لينتفض الشاب منخرطًا في نوبةٍ قوية من السعال الشديد. سوّى “نبيل” ثيابه وعدل هِندامها وكان شيئًا لم يكن. عاد إلى مقعده بخطى واثقة وانتظر بصبرٍ. انضم إليه الشاب بعد لحظاتٍ. أعاد الطاولة ومقعده إلى مكانهما، وجلس أمامه ثانيةً، لكن نظراته صارت أكثر خنوعًا بعد ما أظهره “نبيل” من قوة بأسٍ لا يُستهان بها. "أنا اسمي وليد يا باشا! " عرّف الشاب عن نفسه. نبيل بصلابةٍ:

"عارف أسمك، عارف عنك كل حاجة من يوم ما اتولدت لحد اللحظة إللي شايفك فيها قدامي دي. تحب أقولك لون لِباسك الداخلي؟ أجفل المدعو “وليد” مرتبكًا، بينما يستطرد “نبيل”: "أنجز وهات من الآخر، عايز إيه من مايا عزام؟ قطب “وليد” جبينه قائلًا بنزعةٍ عصبية: "لو زي ما سيادتك بتقول عارف عني كل حاجة من يوم ما اتولدت، يبقى أكيد تعرف إن مايا مراتي، أنا أتجوزتها من خمس سنين."

"أيوة عارف، وعارف كمان إنها قطعت علاقتها بيك من 3 سنين. يعني ما طاقتش تعيش معاك أكتر من سنتين. رجعت ترازيها وتضايقها تاني ليه؟ والسؤال الأهم ما طلّقتهاش ليه؟ "عشان جوازنا ماكنش عادي، لما يخلص برضه مش بطريقة عادي ودي الأصول." عبس “نبيل” قائلًا: "مش فاهم! تقصد إيه بجوازكوا ماكنش عادي!؟ تنهد “وليد” ومد جسده للأمام. عقد ساعديه أمامه فوق الطاولة ومضى يقول:

"أنا اتعرفت على مايا في مول تجاري، كنت وقتها شغال في وكالة تابعة لبراند برفانات ومكياج مشهورة. دخلت مايا تشتري وكنت معاها خطوة بخطوة. كلمة مني كلمة منها اتعرفنا وتبادلنا أرقام التليفونات. كنت متوقع إننا هانقضي فترة في الأول لحد ما نعرف بعض عشان يعني لو اتفقنا وحصل ارتباط وكده. بس فاجئتني في أول مقابلة لينا، بعد ما اتكلمنا شوية وتقريبًا عرفنا عن بعض كل حاجة في قاعدة واحدة. لقيتها بتطلب مني الجواز!

بالرغم من ثبات “نبيل”، إلا إن “وليد” تمكن بسهولةٍ من استشفاف الذهول بعينيه. أردف “وليد” مفصحًا عن السر الأكثر فداحةً وبلا أدنى ترددٍ: "زي ما سمعت كده، مايا طلبت تتجوزني، وحددت كمان شروط للجواز ده وخيّرتني بـ آه أو لأ." نبيل بإنصات: "كانت إيه الشروط!؟ -أول شرط الجواز له هدف واحد بس.. المتعـة! حدق فيه “نبيل” بعدم فهمٍ، لم يفهم مقصده تحديدًا، وشكّ بأنه قد سمع الكلمة الأخيرة أساسًا. ولكن “وليد” أكدها قائلًا:

"مايا كانت واضحة معايا من أول لحظة، الجواز مالوش أي التزامات. مجرد ليالي، أوقات بنقضيها مع بعض في السرير، وبس. ده كان شرطها الأول. الشرط التاني في المدة، اتفقنا إن كل سنة نجدد مدة الجواز، لو طرف حس بالملل لازم ننفصل وفورًا. والشرط التالت إن محدش مهما كان مين يعرف بجوازنا. وفي مقابل كل ده اتفقت معايا على راتب شهري، يعني بالبلدي كده اشترتني عشان تـ.." -بـس!!! " صاح “نبيل” مقاطعًا إيّاه قبل أن يكمل.

تقلّص وجهه بمشاعر عنيفة هي مزيج من الحنق والغضب الشديد. كزّ على أسنانه بقوة وشدّ قبضتيه على حافة الطاولة من الأسفل حتى كاد الخشب أن يتفتّت. أندهش “نبيل” بداخله لإستجابته لهذا الكمّ من المشاعر المتناقضة. منذ زمنٍ طويل لم يشعر هكذا، وحقًا لا يدري سببًا واحدًا أو أيّ مبرر لتساؤلاته. ماذا يعنيه في هذا؟ بل ماذا تعني له “مايا” في الأصل؟ لماذا هو غاضبانٌ إلى هذا الحد؟ لماذا!؟

زفر “نبيل” نفسًا حارقًا، ثم نظر مجددًا إلى “وليد” ذاك وقال بخشونةٍ: "أسمع يالا، انت تنسالي كل الكلام إللي حكيته دلوقتي ده. تاخد كام وتغور من هنا؟ أنا عارف إنك طمعان وكل إللي يهمك القرشين. أنطـق!! أجفل “وليد” لحدته المفاجئة، وقال بتوترٍ: "يا باشا ماينفعش تلوم عليا، أنا دخلت الحوار ده وأنا لعبة في إيد واحدة ست. سبت شغلي وأهلي قاطعوني وفجأة صحيت لقيت المدام زهقت مني. اترميت في الشارع، كنت هأعمل إيه يعني!؟ نبيل بغلظةٍ:

"خلّــص، مش هاتحكيلي قصة حياتك. قول عايز كام وتطلّقها في هدوء؟ صمت “وليد” لهنيهةٍ، وسماه المبلغ الذي يريد، وهو بالنسبة لرجل مثل “نبيل” بسيطًا مقارنةً بثروته الضخمة. أستلّ “نبيل” من جيب سترته دفتر الشيكات، وسحب قلمًا مرفقٌ به. سند فوق الطاولة وخطّ بيده بضعة أرقام وحروف، ثم وضع توقيعه البنكي أدناه. قطع الشيك من الدفتر ودفعه نحو “وليد” الذي التقطته بأعينٍ لامعة، غير مصدقًا بأنه حصل على ذلك المبلغ بسهولةٍ.

هب “نبيل” واقفًا فجأةً، حدّقه بنظرةٍ مستعليّة وقال بصرامةٍ وهو يتهيأ للرحيل: "بكرة الصبح قبل ما تصرف الشيك ده هاتكون مطلّق مايا رسمي. المحامي بتاعي هايفوت عليك وها يتمّم معاك كل الإجراءات. بعد كده لو سمعت عنك بس أو حتى قابلتك صدفة، صدقني، مش هارحمك، سمعتني كويس؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...